Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 41–50 of 52

41

رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ

Our Lord, forgive me and my parents and the believers the Day the account is established."

﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي﴾ أيْ ما فَرَطَ مِنِّي مِمّا أعُدُّهُ ذَنْبًا ﴿ولِوالِدَيَّ﴾ أيْ لِأُمِّي وأبِي وكانَتْ أُمُّهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مُؤْمِنَةً فَلا إشْكالَ في الِاسْتِغْفارِ لَها وأمّا اسْتِغْفارُهُ لِأبِيهِ فَقَدْ قِيلَ في الِاعْتِذارِ عَنْهُ إنَّهُ كانَ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ واللَّهُ تَعالى قَدْ حَكى ما قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في أحايِينَ مُخْتَلِفَةٍ وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَوى شَرْطِيَّةَ الإسْلامِ والتَّوْبَةَ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الخازِنِ وقِيلَ: أرادَ بِوالِدِهِ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: أرادَ بِوالِدِهِ آدَمَ وبِوالِدَتِهِ حَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ مَن قالَ بِكُفْرِ أُمِّهِ والوَجْهُ ما تَقَدَّمَ.

وقالَتِ الشِّيعَةُ: إنَّ والِدَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانا مُؤْمِنَيْنِ ولِذا دَعا لَهُما وأمّا الكافِرُ فَأبُوهُ والمُرادُ بِهِ عَمُّهُ أوْ جَدُّهُ لِأُمِّهِ واسْتَدَلُّوا عَلى إيمانِ أبَوَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَمْ يَرْضَوْا ما قِيلَ فِيها حَتّى القَوْلَ الأوَّلَ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ أنَّ هَذا الدُّعاءَ كانَ بَعْدَ الكِبَرِ وهْبَةِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ لَهُ وقَدْ كانَ تَبَيَّنَ لَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَداوَةُ أبِيهِ الكافِرِ لِلَّهِ تَعالى.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدٌ وزَيْدٌ ابْنا عَلِيٍّ وابْنُ يَعْمُرَ والزُّهْرِيُّ والنَّخَعِيُّ ( ولِوَلَدَيَّ ) بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللّامِ تَثْنِيَةَ ولَدٍ يَعْنِي بِهِما إسْماعِيلَ وإسْحاقَ وأنْكَرَ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ ونَقَلَ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( ولِأبَوَيَّ ) وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ( ولِذُرِّيَّتِي ) وعَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ ( ولِوُلْدِي ) بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ولَدٍ كَأسَدٍ في أُسْدٍ ويَكُونُ قَدْ دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ لِذُرِّيَّتِهِ وأنْ

صفحة 244

يَكُونَ لُغَةً في الوَلَدِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: .

فَلَيْتَ زِيادًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ولَيْتَ زِيادًا كانَ وُلْدَ حِمارِ

ومِثْلُ ذَلِكَ العَدَمُ والعُدْمُ وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ ( ولِوالِدِي ) بِإسْكانِ الياءِ عَلى الإفْرادِ كَقَوْلِهِ: واغْفِرْ لِأبِي ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ كافَّةً مِن ذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ ومِن هُنا قالَ الشَّعْبِيُّ فِيما رَواهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: ما يَسُرُّنِي بِنَصِيبِي مِن دَعْوَةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ حُمْرُ النِّعَمِ ولِلْإيذانِ بِاشْتِراكِ الكُلِّ في الدُّعاءِ بِالمَغْفِرَةِ جِيءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ . (41) أيْ يَثْبُتُ ويَتَحَقَّقُ واسْتِعْمالُ القِيامِ فِيما ذُكِرَ إمّا مَجازٌ مُرْسَلٌ أوِ اسْتِعارَةٌ ومِن ذَلِكَ قامَتِ الحَرْبُ والسُّوقُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدْ شَبَّهَ الحِسابَ بِرَجُلٍ قائِمٍ عَلى الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ وأثْبَتَ لَهُ القِيامَ عَلى التَّخْيِيلِ وأنْ يَكُونَ المُرادُ يَقُومُ أهْلُ الحِسابِ فَحُذِفَ المُضافُ أوْ أُسْنِدَ إلى الحِسابِ ما لِأهْلِهِ مَجازًا وجَعَلَ ذَلِكَ العَلّامَةُ الثّانِي في شَرْحِ التَّلْخِيصِ مِثْلَ ضَرْبِهِ التَّأْدِيبَ مِمّا فِيهِ الإسْنادُ إلى السَّبَبِ الغائِيِّ أيْ يَقُومُ أهْلُهُ لِأجْلِهِ وذَكَرَ السّالَكُوتِيُّ أنَّهُ إنَّما قالَ مِثْلَهُ لِأنَّ الحِسابَ لَيْسَ ما لِأجْلِهِ القِيامُ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ شَبِيهٌ بِهِ تَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ وفِيهِ بَحْثٌ.

42

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍۢ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَٰرُ

And never think that Allah is unaware of what the wrongdoers do. He only delays them for a Day when eyes will stare [in horror].

﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ خِطابٌ لِكُلِّ مَن تَوَهَّمَ غَفْلَتَهُ تَعالى وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما هو المُتَبادَرُ والمُرادُ مِنَ النَّهْيِ تَثْبِيتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن عَدَمِ ظَنِّ أنَّ الغَفْلَةَ تَصْدُرُ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ .

﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ دُمْ عَلى ذَلِكَ وهو مَجازٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا﴾ وفِيهِ إيذانٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الحُسْبانِ واجِبَ الِاحْتِرازِ عَنْهُ في الغايَةِ حَتّى نَهى عَنْهُ مَن لا يُمْكِنُ تَعاطِيهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ أوِ المَجازِ بِمَرْتَبَتَيْنِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ والمَعْنى لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ تَعالى يَتْرُكُ عِقابَهم لِلُطْفِهِ وكَرَمِهِ بَلْ هو مُعاقِبُهم عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً أيْ لا تَحْسَبَنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغافِلِ عَمّا يَعْمَلُونَ ولَكِنْ مُعامَلَةَ الرَّقِيبِ المُحاسِبِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ وإلى هَذِهِ الأوْجُهِ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ وتُعُقِّبَ الوَجْهُ الأوَّلُ بِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِمَقامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُتَوَهَّمُ مِنهُ عَدَمُ الدَّوامِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن عَدَمِ الحُسْبانِ لِيَثْبُتَ وفِيهِ نَظَرٌ.

وفِي الكَشْفِ الوَجْهُ هو الأوَّلُ لِأنَّ في إطْلاقِ الغافِلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وإنْ كانَ عَلى المَجازِ رَكَّةٌ يُصانُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَنْها وفي الكِنايَةِ النَّظَرُ إلى المَجْمُوعِ فَلَمْ يَجْسُرِ العاقِلُ عَلَيْهِ تَعالى عَنْهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ مَجازًا في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ بِجَعْلِ عَدَمِ الغَفْلَةِ مَجازًا عَنِ العِلْمِ ثُمَّ جَعَلَهُ مَجازًا عَنِ الوَعِيدِ غَيْرَ سَدِيدٍ لِعَدَمِ مُنافاةِ إرادَةِ الحَقِيقَةِ.

والأسْلَمُ مِنَ القِيلِ والقالِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا مِن كَوْنِ الخِطابِ لِكُلِّ مَن تَوَهَّمَ غَفْلَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِغَيْرٍ مُعَيَّنٍ وهو الَّذِي اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ وعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أنَّ هَذا تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ وتَهْدِيدٌ لِلظّالِمِ فَقِيلَ لَهُ: مَن قالَ هَذا فَغَضِبَ وقالَ: إنَّما قالَهُ مَن عَلِمَهُ وقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ في الكَشّافِ فاسْتَظْهَرَ صاحِبُ الكَشْفِ كَوْنَهُ تَأْيِيدًا لِكَوْنِ الخِطابِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى الأوْجُهِ إذْ عَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِ الخِطابِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا لا يَخْلُو عَنِ التَّسْلِيَةِ لِلطّائِفَتَيْنِ فَتَأمَّلْ والمُرادُ بِالظّالِمِينَ أهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ عُدَّتْ مُساوِيهِمْ فِيما سَبَقَ

صفحة 245

أوْ جِنْسُ الظّالِمِينَ وهم داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا والآيَةُ عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ مَرْدُودَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا ..﴾ ﴿وقُلْ لِعِبادِي﴾ واخْتارَ جَعْلَها تَسْلِيَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَهْدِيدًا لِلظّالِمِينَ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ ( ولا تَحْسَبْ ) بِغَيْرِ نُونِ التَّوْكِيدِ ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يُمْهِلُهم مُتَمَتِّعِينَ بِالحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولا يُعَجِّلُ عُقُوبَتَهم وهو اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ السّابِقِ أيْ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ تَعالى غافِلًا عَنْ عُقُوبَةِ أعْمالِهِمْ لِما تَرى مِنَ التَّأْخِيرِ إنَّما ذَلِكَ لِأجْلِ هَذِهِ الحِكْمَةِ وإيقاعِ التَّأْخِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ …

43

مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْـِٔدَتُهُمْ هَوَآءٌۭ

Racing ahead, their heads raised up, their glance does not come back to them, and their hearts are void.

﴿مُهْطِعِينَ﴾ مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ وقَيَّدَهُ في البَحْرِ بِقَوْلِهِ: بِذِلَّةٍ واسْتِكانَةٍ كَإسْراعِ الأسِيرِ والخائِفِ وقالَ الأخْفَشُ: مُقْبِلِينَ لِلْإصْغاءِ وأنْشَدَ: .

بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ

وقالَ مُجاهِدٌ: مُدِيمِينَ النَّظَرَ لا يَطْرَفُونَ وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: المُهْطِعُ الَّذِي يَنْظُرُ في ذُلٍّ وخُشُوعٍ لا يُقْلِعُ بَصَرَهُ ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ الإهْطاعَ التَّجْمِيحُ وهو قَبْضُ الرَّجُلِ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وقِيلَ: إنَّ الإهْطاعَ مَدُّ العُنُقِ والهَطْعُ طُولُ العُنُقِ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ أهْطَعَ وهَطَعَ بِمَعْنًى وإنَّ كُلَّ المَعانِي تَدُورُ عَلى الإقْبالِ ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ رافِعِيها مَعَ الإقْبالِ بِأبْصارِهِمْ إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى شَيْءٍ قالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ والقُتَيْبِيُّ.

وأنْشَدَ الزَّجّاجُ قَوْلَ الشَّمّاخِ يَصِفُ إبِلًا تَرْعى أعَلى الشَّجَرِ: .

يُباكِرُنَّ العَضاةَ بِمُقْنِعاتٍ ∗∗∗ نَواجِذَهُنَّ كالحَدِّ الوَقِيعِ

وأنْشَدَهُ الجَوْهَرِيُّ لِكَوْنِ الإقْناعِ انْعِطافَ الإنْسانِ إلى داخِلِ الفَمِ يُقالُ: فَمٌ مُقْنِعٌ أيْ مَعْطُوفَةٌ أسْنانُهُ إلى داخِلِهِ وهو الظّاهِرُ وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما المُقْنِعُ بِالرّافِعِ رَأسَهُ أيْضًا وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ زُهَيْرٍ: .

هِجانٌ وحُمْرٌ مُقْنِعاتٌ رُؤُوسَها ∗∗∗ وأصْفَرُ مَشْمُولٌ مِنَ الزَّهْرِ فاقِعُ

صفحة 246

ويُقالُ: أقْنَعَ رَأْسَهُ نَكَّسَهُ وطَأْطَأهُ فَهو مِنَ الأضْدادِ قالَ المُبَرِّدُ وكَوْنُهُ بِمَعْنى رَفَعَ أعْرَفَ في اللُّغَةِ. اهَـ. وقِيلَ: ومِنَ المَعْنى الأوَّلِ قَنِعَ الرَّجُلُ إذا رَضِيَ بِما هو فِيهِ كَأنَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السُّؤالِ: وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ مِنَ الثّانِي كَأنَّهُ طَأْطَأ رَأْسَهُ ولَمْ يَرْفَعْهُ لِلسُّؤالِ ولَمْ يَسْتَشْرِفْ إلى غَيْرِ ما عِنْدَهُ ونَصَبَ الوَصْفَيْنِ عَلى أنَّهُما حالانِ مِن مُضافٍ مَحْذُوفٍ أيْ أصْحابُ الأبْصارِ بِناءً عَلى أنَّهُ يُقالُ: شَخَصَ زَيْدٌ بِبَصَرِهِ أوِ الأبْصارُ تَدُلُّ عَلى أصْحابِها فَجاءَتِ الحال مِنَ المَدْلُولِ عَلَيْهِ ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ تُبْصِرُهم مُهْطِعِينَ و﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ عَلى هَذا قِيلَ: حالٌ مِنَ المُسْتَتِرِ في ﴿مُهْطِعِينَ﴾ فَهي حالٌ مُتَداخِلَةٌ وإضافَتُهُ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ فَلِذا وقَعَ حالًا وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّ في اعْتِبارِ الحالِيَّةِ مِن أصْحابٍ حَسْبَما ذُكِرَ أوَّلًا ما لا يَخْفى مِنَ البُعْدِ والتَّكَلُّفِ والأوْلى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ جَعَلَ ذَلِكَ حالًا مُقَدَّرَةً مِن مَفْعُولِ ﴿يُؤَخِّرُهُمْ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ بَيانُ حالِ عُمُومِ الخَلائِقِ ولِذَلِكَ أُوثِرَ فِيهِ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ لا يَسْتَمِرُّونَ عَلى تِلْكَ الحالِ بِخِلافِ الكُفّارِ حَيْثُ يَسْتَمِرُّونَ عَلَيْها ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ حالِهِمْ بِما يَدُلُّ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ فَلا يَرِدُ عَلى هَذا تَوَهُّمُ التَّكْرارِ بَيْنَ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ و﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ عَلى بَعْضِ التَّفاسِيرِ وبِنَحْوِ ذَلِكَ رُفِعَ التَّكْرارُ بَيْنَ الأوَّلِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ بِمَعْنى لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ تَحْرِيكُ أجْفانِهِمْ حَسْبَما كانَ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ كُلَّ لَحْظَةٍ فالطَّرْفُ باقٍ عَلى أصْلِ مَعْناهُ وهو تَحْرِيكُ الجَفْنِ والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ بَقاءِ …

44

وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوٓا۟ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍۢ

And, [O Muhammad], warn the people of a Day when the punishment will come to them and those who did wrong will say, "Our Lord, delay us for a short term; we will answer Your call and follow the messengers." [But it will be said], "Had you not sworn, before, that for you there would be no cessation?

﴿وأنْذِرِ النّاسَ﴾ خِطابٌ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ إعْلامِهِ أنَّ تَأْخِيرَ عَذابِهِمْ لِماذا وأمْرٌ لَهُ بِإنْذارِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ مِنهُ فالمُرادُ بِالنّاسِ الكُفّارُ المُعَبَّرُ عَنْهم بِالظّالِمِينَ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ إتْيانِ العَذابِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ.

ونُكْتَةُ العُدُولِ إلَيْهِ مَنِ الإضْمارِ عَلى ما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ الإشْعارُ بِأنَّ المُرادَ بِالإنْذارِ هو الزَّجْرُ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ لا التَّخْوِيفُ لِلْإزْعاجِ والإيذاءِ فالمُناسِبُ عَدَمُ ذِكْرِهِمْ بِعُنْوانِ الظُّلْمِ وقالَ الجُبّائِيُّ: وأبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِالنّاسِ ما يَشْمَلُ أُولَئِكَ الظّالِمِينَ وغَيْرَهم مِنَ المُكَلَّفِينَ والإنْذارُ كَما يَكُونُ لِلْكُفّارِ يَكُونُ لِغَيْرِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ والإتْيانُ يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ مِن كَوْنِهِما في المَوْقِفِ وإنْ كانَ

صفحة 248

لُحُوقُهُ بِالكُفّارِ وخاصَّةً وأيًّا ما كانَ فالنّاسُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِأنْذِرْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ مَفْعُولُهُ الثّانِي عَلى مَعْنى أنْذِرْهم هَوْلُهُ وما فِيهِ فالإيقاعُ عَلَيْهِ مَجازِيٌّ أوْ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْإنْذارِ لِأنَّهُ في الدُّنْيا والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ اليَوْمُ المَعْهُودُ وهو اليَوْمُ الَّذِي وُصِفَ بِما يُذْهِلُ الألْبابَ وهو يَوْمُ القِيامَةِ وقِيلَ: هو يَوْمُ مَوْتِهِمْ مُعَذَّبِينَ بِالسَّكَراتِ ولِقاءِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِلا بُشْرى ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ أوْ يَوْمَ هَلاكِهِمْ بِالعَذابِ العاجِلِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ القَصْرُ السّابِقُ وأُجِيبَ بِما فِيهِ ما فِيهِ.

﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ فَيَقُولُونَ والعُدُولُ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ والإشْعارِ بِعِلِّيَتِهِ لِما يَنالُهم مِنَ الشِّدَّةِ المُنْبِئِ عَنْها القَوْلُ وفي العُدُولِ عَنِ الظّالِمِينَ المُتَكَفِّلِ بِما ذُكِرَ مَعَ اخْتِصارِهِ وسَبْقِ الوَصْفِ بِهِ لِلْإيذانِ عَلى ما قِيلَ بِأنَّ الظُّلْمَ في الجُمْلَةِ كافٍ في الإفْضاءِ إلى ما أفْضَوْا إلَيْهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ اسْمِ الفاعِلِ والمَعْنى عَلى ما قالَ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ الَّذِينَ ظُلِمُوا مِنهم وهُمُ الكُفّارُ وقِيلَ: يَقُولُ كُلُّ مَن ظَلَمَ بِالشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ مِنَ المُنْذَرِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ: ﴿رَبَّنا أخِّرْنا﴾ أيْ عَنِ العَذابِ أوْ أخِّرْ عَذابَنا فَفي الكَلامِ تَقْدِيرُ مُضافٍ أوْ تَجُوُّزٌ في النِّسْبَةِ قالَ الضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ: إنَّهم طَلَبُوا الرَّدَّ إلى الدُّنْيا والإمْهالَ إلى أجَلٍ قَرِيبٍ أيْ أمَدٍ وحَدٍّ مِنَ الزَّمانِ قَرِيبٍ وقِيلَ: إنَّهم طَلَبُوا رَفْعَ العَذابِ والرُّجُوعَ إلى حالِ التَّكْلِيفِ مُدَّةً يَسِيرَةً يَعْمَلُونَ فِيها ما يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ.

والمَعْنى عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ أخِّرْ آجالَنا وأبْقِنا أيّامًا ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أيِ الدَّعْوَةَ إلَيْكَ وإلى تَوْحِيدِكَ أوْ دَعْوَتَكَ لَنا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهم صَدَّقُوهم في أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

﴿ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ فِيما جاءُوا بِهِ أيْ نَتَدارَكُ ما فَرَّطْنا بِهِ مِن إجابَةِ الدَّعْوَةِ واتِّباعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يَخْلُو ذِكْرُ الجُمْلَتَيْنِ عَنْ …

45

وَسَكَنتُمْ فِى مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلْأَمْثَالَ

And you lived among the dwellings of those who wronged themselves, and it had become clear to you how We dealt with them. And We presented for you [many] examples."

﴿وسَكَنْتُمْ﴾ مِنَ السُّكْنى بِمَعْنى التَّبَوُّؤِ والِاسْتِيطانِ وهو بِهَذا المَعْنى مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ تَقُولُ سَكَنْتُ الدّارَ واسْتَوْطَنْتُها إلّا أنَّهُ عُدِّيَ هُنا بِفي حَيْثُ قِيلَ: ﴿فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ جَرْيًا عَلى أصْلِ مَعْناهُ فَإنَّهُ مَنقُولٌ عَنْ سَكَنَ بِمَعْنى قَرَّ وثَبَتَ وحَقُّ ذَلِكَ التَّعْدِيَةُ بِفي وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى وقَرَّرْتُمْ في مَساكِنِهِمْ مُطْمَئِنِّينَ سائِرِينَ سِيرَتَهم في الظُّلْمِ بِالكُفْرِ والمَعاصِي غَيْرَ مُحَدِّثِينَ أنْفُسَكم بِما لَقُوا بِسَبَبِ ما اجْتَرَحُوا مِنَ المُوبِقاتِ وفي إيقاعِ الظُّلْمِ عَلى أنْفُسِهِمْ بَعْدَ إطْلاقِهِ فِيما سَلَفَ إيذانٌ بِأنَّ غائِلَةَ الظُّلْمِ آيِلَةٌ إلى صاحِبِهِ والمُرادُ بِهِمْ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إمّا جَمِيعُ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ عَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِ الِاسْتِمْهالِ والخِطابُ السّابِقُ بِالمُنْذَرِينَ وإمّا أوائِلُهم مِن قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِها لِلْكُلِّ وهَذا الخِطابُ وما يَتْلُوهُ بِاعْتِبارِ حالِ أواخِرِهِمْ.

﴿وتَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ أيْ ظَهَرَ لَكم عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِمُعايَنَةِ الآثارِ وتَواتُرِ الأخْبارِ ﴿كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ مِنَ الإهْلاكِ والعُقُوبَةِ بِما فَعَلُوا مِنَ الظُّلْمِ والفَسادِ وفاعِلُ ( تَبَيَّنَ ) مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ فَعَلْنا العَجَبَ بِهِمْ أوْ حالُهم أوْ خَبَرُهم أوْ نَحْوَ ذَلِكَ و﴿كَيْفَ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِفَعَلْنا وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ لَيْسَتْ مَعْمُولَةً لِتَبَيَّنَ لِأنَّهُ لا يُعَلَّقُ وقِيلَ: الجُمْلَةُ فاعِلُ ( تَبَيَّنَ ) بِناءً عَلى جَوازِ كَوْنِهِ جُمْلَةً وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِلْكُوفِيِّينَ.

وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجَماعَةُ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ﴿كَيْفَ﴾ لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها إلّا فِيما شَذَّ مِن قَوْلِهِمْ: عَلى كَيْفَ تَبِيعُ الأحْمَرَيْنِ وقَوْلِهِمُ: انْظُرْ إلَيَّ كَيْفَ تَصْنَعُ وقَرَأ السُّلَمِيُّ فِيما حَكاهُ عَنْهُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ ( ونُبَيِّنُ ) بِنُونِ العَظَمَةِ ورَفْعِ الفِعْلِ وحَكى ذَلِكَ أيْضًا صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قَرَأ بِنُونِ العَظَمَةِ إلّا أنَّهُ جَزَمَ الفِعْلَ عَطْفًا عَلى تَكُونُوا أيْ أوَلَمْ نُبَيِّنْ لَكم ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ﴾ أيْ في القُرْآنِ العَظِيمِ عَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِ الخِطابِ بِالمُنْذَرِينَ أوْ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِهِ لِجَمِيعِ الظّالِمِينَ

صفحة 250

﴿الأمْثالَ﴾ . (45) أيْ صِفاتِ ما فَعَلُوا وما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالأمْثالِ المَضْرُوبَةِ لِتَعْتَبِرُوا وتَقِيسُوا أعْمالَكم عَلى أعْمالِهِمْ وما لَكم عَلى ما لَهم وتَنْتَقِلُوا مِن حُلُولِ العَذابِ العاجِلِ إلى العَذابِ الآجِلِ فَتُرْدَعُوا عَمّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنَ الأمْثالِ ما هو جَمْعُ مِثْلٍ بِمَعْنى الشَّبِيهِ أيْ بَيَّنا لَكم أنَّهم مِثْلُهم في الكُفْرِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ: ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ والجُمَلُ الثَّلاثُ في مَوْقِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿أقْسَمْتُمْ﴾ أيْ أقْسَمْتُمْ أنْ لَيْسَ لَكم زَوالٌ والحالُ أنَّكم سَكَنْتُمْ في مَساكِنِ المُهْلَكِينَ بِظُلْمِهِمْ وتَبَيَّنَ لَكم فَعَلْنا العَجِيبَ بِهِمْ ونَبَّهْناكم عَلى جَلِيَّةِ الحالِ بِضَرْبِ الأمْثالِ

46

وَقَدْ مَكَرُوا۟ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ

And they had planned their plan, but with Allah is [recorded] their plan, even if their plan had been [sufficient] to do away with the mountains.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الأوَّلِ في ﴿فَعَلْنا بِهِمْ﴾ أوْ مِنَ الثّانِي أوْ مِنهُما جَمِيعًا وقَدَّمَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ لِشِدَّةِ ارْتِباطِهِ عَلى ما قِيلَ بِما قَبْلَهُ أيْ فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا والحالُ أنَّهم قَدْ مَكَرُوا في إبْطالِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ الباطِلِ مَكْرَهُمُ العَظِيمَ الَّذِي اسْتَفْرَغُوا في عَمَلِهِ المَجْهُودَ وجاوَزُوا فِيهِ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهم والمُرادُ بَيانُ تَناهِيهِمْ في اسْتِحْقاقِ ما فُعِلَ بِهِمْ أوْ وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمُ المَذْكُورَ في تَرْتِيبِ مَبادِي البَقاءِ ومُدافِعَةِ أسْبابِ الزَّوالِ فالمَقْصُودُ إظْهارُ عَجْزِهِمْ واضْمِحْلالِ قُدْرَتِهِمْ وحَقارَتِها عِنْدَ قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وهو ظاهِرٌ في أنَّ هَذا مِن تَتِمَّةِ ما يُقالُ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ أهْلَ النّارِ يُنادُونَ ﴿رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ .. إلَخْ فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ احْتِمالًا وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا وظاهِرُ كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ اسْتِفادَةَ المُبالَغَةِ في ﴿مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ مِنَ الإضافَةِ وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ ﴿مَكْرَهُمْ﴾ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِأنَّهُ لازِمٌ فَدَلالَتُهُ عَلى المُبالَغَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ .. إلَخْ لا لِأنَّ إضافَةَ المَصْدَرِ تُفِيدُ العُمُومَ أيْ أظْهَرُوا كُلَّ مَكْرٍ لَهم أوْ لِأنَّ إضافَتَهُ وأصْلَهُ التَّنْكِيرُ لِإفادَةِ أنَّهم مَعْرُوفُونَ بِذَلِكَ ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ جَزاءُ مَكْرِهِمْ عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ والمَعْنى مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ تَعالى مَكْرُهم ومَعْلُومٌ لَهُ سُبْحانَهُ وذَلِكَ كِنايَةً عَنْ مَجازاتِهِ تَعالى لَهم عَلَيْهِ وأيًّا ما كانَ فَإضافَةُ ( مَكْرٍ ) إلى الفاعِلِ وهو الظّاهِرُ المُتَبادَرُ وقِيلَ: إنَّهُ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ عَلى مَعْنى عِنْدَهُ تَعالى مَكْرُهُمُ الَّذِي يَمْكُرُهم بِهِ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المَحْفُوظَ أنَّ ( مَكْرَ ) لازِمٌ ولَمْ يُسْمَعْ مُتَعَدِّيًا وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَكْرُ مُتَجَوَّزًا بِهِ أوْ مُضَمَّنًا مَعْنى الكَيْدِ أوِ الجَزاءِ والكَلامُ في نِسْبَةِ المَكْرِ إلَيْهِ تَعالى وأنَّهُ إمّا بِاعْتِبارِ المُشاكَلَةِ أوِ الِاسْتِعارَةِ مَشْهُورٌ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ المُرادَ بِهَذا المَكْرِ ما أفادَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ لا أنَّهُ وعِيدٌ مُسْتَأْنَفٌ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مَكَرُوا﴾ أيْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَزاؤُهُ أوْ هو ما أعْظَمَ مِنهُ والمَقْصُودُ بَيانُ فَسادِ رَأْيِهِمْ حَيْثُ باشَرُوا فِعْلًا مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ تَرْكَهُ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ . (46) أيْ وإنْ كانَ مَكْرُهم في غايَةِ الشِّدَّةِ والمَتانَةِ وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُعَدّى لِإزالَةِ الجِبالِ عَنْ مَقارِّها لِكَوْنِهِ مَثَلًا في ذَلِكَ ( وإنْ ) شَرْطِيَّةٌ وصْلِيَّةٌ عِنْدَ جَمْعٍ والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَجازِيهِمْ عَلى مَكْرِهِمْ …

47

فَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِۦ رُسُلَهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍۢ

So never think that Allah will fail in His promise to His messengers. Indeed, Allah is Exalted in Might and Owner of Retribution.

﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ تَثْبِيتٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الثِّقَةِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ والتَّيَقُّنِ بِإنْجازِ وعْدِهِ تَعالى بِتَعْذِيبِ الظّالِمِينَ المَقْرُونِ

صفحة 253

بِالأمْرِ بِإنْذارِهِمْ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ وقالَ الطَّيِّبِيُّ: واسْتَحْسَنَهُ التِّلْمِيذُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ الوَعْدُ عَلى المُفادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ وقَدْ جَعَلَهُ وجْهًا آخَرَ لِما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَفْسِيرِهِ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ و﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ لا اخْتِصاصَ لِذَلِكَ كَما قِيلَ بِالتَّعْذِيبِ لا سِيَّما الأُخْرَوِيَّ وإضافَةُ ﴿مُخْلِفَ﴾ إلى الوَعْدِ عِنْدَ الجُمْهُورِ مِن إضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ إلى المَفْعُولِ الثّانِي كَقَوْلِهِمْ: هَذا مُعْطِي دِرْهَمٍ زَيْدًا وهو لِما كانَ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ إضافَتُهُ إلى كُلٍّ مِنهُما فَيَنْصِبُ ما تَأخَّرَ وأنْشَدَ بَعْضُهم نَظِيرًا لِذَلِكَ قَوْلَهُ: .

تَرى الثَّوْرَ فِيها مُدْخِلَ الظِّلِّ رَأْسَهُ وسائِرُهُ بادٍ إلى الشَّمْسِ أجْمَعُ

وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ هَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِمْ: يا سارِقُ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدّارِ وفي الكَشّافِ أنَّ تَقْدِيمَ الوَعْدِ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ ثُمَّ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿رُسُلَهُ﴾ لِيُؤْذِنَ أنَّهُ إذا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ إخْلافُ المَواعِيدِ كَيْفَ يُخْلِفُ رُسُلَهُ الَّذِينَ هم خِيرَتُهُ وصَفْوَتُهُ.

ونَظَرَ فِيهِ ابْنُ المُنِيرِ بِأنَّ الفِعْلَ إذا تَقَيَّدَ بِمَفْعُولٍ انْقَطَعَ احْتِمالُ إطْلاقِهِ وهو هُنا كَذَلِكَ فَلَيْسَ تَقْدِيمُ الوَعْدِ إلّا عَلى إطْلاقِ الوَعْدِ بَلْ عَلى العِنايَةِ والِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّ الآيَةَ سِيقَتْ لِتَهْدِيدِ الظّالِمِينَ بِما وعَدَ سُبْحانَهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فالمُهِمُّ ذِكْرُ الوَعْدِ وكَوْنُهُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ وقالَ صاحِبُ الإنْصافِ: إنَّ هَذا النَّظَرَ قَوِيٌّ إلّا أنَّ ما اعْتُرِضَ عَلَيْهِ هو القاعِدَةُ عِنْدَ أهْلِ البَيانِ كَما قالَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ أنَّهُ قَدَّمَ شُرَكاءَ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَّخِذَ اللَّهُ تَعالى شُرَكاءَ مُطْلَقًا ثُمَّ ذَكَرَ الجِنَّ تَحْقِيرًا أيْ إذا لَمْ يَتَّخِذْ مِن غَيْرِ الجِنِّ فالجِنُّ أحَقُّ بِأنْ لا يُتَّخَذُوا.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَدْفَعُ السُّؤالَ بَلْ يُؤَيِّدُهُ وكَذا ما ذَكَرَهُ الفاضِلُ الطَّيِّبِيُّ فَإنَّهُ مَعَ تَطْوِيلِهِ لَمْ يَأْتِ بِطائِلٍ فالوَجْهُ ما في الكَشْفِ مِن أنَّ ذَلِكَ الإعْلامَ إنَّما نَشَأ مِن جَعْلِ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ الوَعْدِ فَهو ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ وما عَداهُ تَبَعٌ وإفادَةُ هَذا الأُسْلُوبِ التَّرَقِّي كَإفادَةِ ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الإجْمالَ والتَّفْصِيلَ نَعَمْ أنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ صاحِبِ الكَشّافِ أنَّهُ أضْمَرَ فِيما قَرَّرَهُ اعْتِزالًا وهَذِهِ مَسْألَةٌ أُخْرى وقِيلَ: ﴿مُخْلِفَ﴾ هُنا مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ فَأُضِيفَ إلَيْهِ وانْتَصَبَ ﴿رُسُلَهُ﴾ بِوَعْدِهِ إذْ هو مَصْدَرٌ يَنْحَلُّ إلى أنْ والفِعْلِ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ( مُخْلِفَ وعْدَهُ رُسُلِهِ ) بِنَصْبِ ( وعْدَهُ ) وإضافَةِ ﴿مُخْلِفَ﴾ إلى رُسُلِهِ فَفُصِلَ …

48

يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ

[It will be] on the Day the earth will be replaced by another earth, and the heavens [as well], and all creatures will come out before Allah, the One, the Prevailing.

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ﴾ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ النَّهْيُ المَذْكُورُ أيْ يُنْجِزُهُ ﴿يَوْمَ﴾ إلى آخِرِهِ أوْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ نَحْوَ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ﴾ إلى آخِرِهِ وجَعَلَهُ بَعْضُ الفُضَلاءِ مَعْمُولًا لِاذْكُرْ مَحْذُوفًا كَما قِيلَ في شَأْنِ نَظائِرِهِ وقِيلَ: ظَرْفٌ لِلِانْتِقامِ وهو ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ بِعَيْنِهِ ولَكِنْ لَهُ أحْوالٌ جَمَّةٌ يُذْكَرُ

صفحة 254

كُلُّ مَرَّةٍ بِعُنْوانٍ مَخْصُوصٍ والتَّقْيِيدُ مَعَ عُمُومِ انْتِقامِهِ سُبْحانَهُ لِلْأوْقاتِ كُلِّها لِلْإفْصاحِ عَمّا هو المَقْصُودُ مِن تَعْذِيبِ الكَفَرَةِ المُؤَخَّرِ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ بِمُوجَبِ الحِكْمَةِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِلا يُخْلِفُ الوَعْدَ مُقَدَّرًا بِقَرِينِهِ السّابِقِ وفِيهِ الوَجْهُ قَبْلَهُ مِنَ الحاجَةِ إلى الِاعْتِذارِ.

وقالَ الحَوْفِيُّ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمُخْلِفَ و﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ وفِيهِ رَدٌّ لِما قِيلَ: لا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ لِأنَّ ما قَبْلَ أنْ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها لِأنَّ لَها الصَّدارَةَ ووَجْهُهُ أنَّها لِكَوْنِها وما بَعْدَها اعْتِراضًا لا يُبالى بِها فاصِلًا.

وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ انْتِصابَهُ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ وتَبِعَهُ بَعْضُ مَن مَنَعَ تَعَلُّقَهُ بِمُخْلِفَ لِمَكانِ ما لَهُ الصَّدْرُ والعَجَبُ أنَّ العامِلَ فِيهِ حِينَئِذٍ ( أنْذِرْ ) فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ ما لَزِمَ القائِلُ بِتَعَلُّقِهِ بِما ذُكِرَ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ البَدَلَ لَهُ عامِلٌ مُقَدَّرٌ وهو ضَعِيفٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماواتُ﴾ عَطْفٌ عَلى المَرْفُوعِ أيْ وتُبَدَّلُ السَّماواتُ غَيْرَ السَّماواتِ والتَّبْدِيلُ قَدْ يَكُونُ في الذّاتِ كَما في بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ وقَدْ يَكُونُ في الصِّفاتِ كَما في قَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا إذا غَيَّرْتَ شَكْلَها ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ والآيَةُ الكَرِيمَةُ لَيْسَتْ بِنَصٍّ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ نَصَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ تُبَدَّلُ الأرْضُ يُزادُ فِيها ويُنْقَصُ مِنها وتَذْهَبُ آكامُها وجِبالُها وأوْدِيَتُها وشَجَرُها وما فِيها وتُمَدُّ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ وتَصِيرُ مُسْتَوِيَةً لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا وتُبَدَّلُ السَّماواتُ بِذَهابِ شَمْسِها وقَمَرِها ونُجُومِها وحاصِلُهُ يُغَيَّرُ كُلٌّ عَمّا هو عَلَيْهِ في الدُّنْيا وأنْشَدَ: .

وما النّاسُ بِالنّاسِ الَّذِينَ عَهِدْتُهم ولا الدّارُ بِالدّارِ الَّتِي كُنْتُ أعْلَمُ

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تُبَدَّلُ السَّماواتُ بِطَيِّها وجَعْلِها مَرَّةً كالمُهْلِ ومَرَّةً ورْدَةً كالدِّهانِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: تُبَدَّلُ الأرْضُ مِن فِضَّةٍ والسَّماءُ مِن ذَهَبٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ تَكُونُ الأرْضُ كالفِضَّةِ والسَّماواتُ كَذَلِكَ وصَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: تُبَدَّلُ الأرْضُ أرْضًا بَيْضاءَ كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُسْفَكْ فِيها دَمٌ حَرامٌ ولَمْ يُعْمَلْ فِيها خَطِيئَةٌ ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا أيْضًا والمَوْقُوفُ عَلى ما قالَ البَيْهَقِيُّ أصَحُّ وقَدْ يُحْمَلُ قَوْلُ الإمامِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى التَّشْبِيهِ.

وقالَ الإمامُ: لا …

49

وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍۢ مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ

And you will see the criminals that Day bound together in shackles,

﴿وتَرى المُجْرِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ( بَرَزُوا ) والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ أوْ لِلدَّلالَةِ

صفحة 256

عَلى الِاسْتِمْرارِ وأمّا البُرُوزُ فَهو دَفْعِيٌّ لا اسْتِمْرارَ فِيهِ وعَلى تَقْدِيرِ حالِيَّةِ بَرَزُوا فَهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿تُبَدَّلُ﴾ وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى عامِلِ الظَّرْفِ المُقَدَّمِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ يُنْجِزُهُ مَثَلًا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَوْمَ إذْ بَرَزُوا لِلَّهِ تَعالى أوْ يَوْمَ إذْ تُبَدَّلُ الأرْضُ أوْ يَوْمَ إذْ يُنْجَزُ وعْدُهُ والرُّؤْيَةُ إذا كانَتْ بَصَرِيَّةً فالمُجْرِمِينَ مَفْعُولَها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ حالٌ مِنهُ وإنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً فالمُجْرِمِينَ مَفْعُولَها الأوَّلَ ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مَفْعُولَها الثّانِيَ.

والمُرادُ قَرْنُ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وضَمُّ كُلٍّ لِمُشارِكِهِ في كُفْرِهِ وعَمَلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ عَلى قَوْلٍ وفي المَثَلِ إنَّ الطُّيُورَ عَلى أشْباهِها تَقَعُ أوْ قُرِنُوا مَعَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ أغْوَوْهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ﴾ .. إلَخْ أوْ قُرِنُوا مَعَ ما اقْتَرَفُوا مِنَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ والمَلَكاتِ الرَّدِيئَةِ والأعْمالِ السَّيِّئَةِ غِبَّ تَصَوُّرِها وتَشَكُّلِها بِما يُناسِبُها مِنَ الصُّوَرِ المُوحِشَةِ والأشْكالِ الهائِلَةِ أوْ قُرِنُوا مَعَ جَزاءِ ذَلِكَ أوْ كِتابَةٍ فَلا حاجَةَ إلى حَدِيثِ التَّصَوُّرِ بِالصُّوَرِ أوْ قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم إلى رِقابِهِمْ وجاءَ ذَلِكَ في بَعْضِ الآثارِ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ.

ويُحْتَمَلُ عَلى ما قِيلَ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِمُؤاخَذَتِهِمْ عَلى ما اقْتَرَفَتْهُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم وأصْلُ المُقَرَّنِ بِالتَّشْدِيدِ مَن جُمِعَ في قَرَنٍ بِالتَّحْرِيكِ وهو الوِثاقُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ ﴿فِي الأصْفادِ﴾ . (49) جَمْعُ صَفَدٍ ويُقالُ فِيهِ صِفادٌ وهو القَيْدُ الَّذِي يُوضَعُ في الرِّجْلِ أوِ الغِلُّ الَّذِي يَكُونُ في اليَدِ والعُنُقِ أوْ ما يُضَمُّ بِهِ اليَدُ والرِّجْلُ إلى العُنُقِ ويُسَمّى هَذا جامِعَةً ومِن هَذا قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ: .

وزَيْدُ الخَيْلِ قَدْ لاقى صِفادا يَعَضُّ بِساعِدٍ وبِعَظْمِ ساقِ

وجاءَ صَفَدَ بِالتَّخْفِيفِ وصَفَّدَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ وتَقُولُ: أصْفَدْتُهُ إذا أعْطَيْتَهُ فَتَأْتِي بِالهَمْزَةِ في هَذا المَعْنى وقِيلَ: صَفَّدَ وأصْفَدَ مَعًا في القَيْدِ والإعْطاءِ ويُسَمّى العَطاءُ صَفَدًا لِأنَّهُ يُقَيِّدُ.

ومَن وجَدَ الإحْسانَ قَيْدًا تَقَيَّدا.

والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَرَّنِينَ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِهِ أيْ مُصَفَّدِينَ وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمُقَرَّنِينَ

50

سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍۢ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ

Their garments of liquid pitch and their faces covered by the Fire.

﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ أيْ قُمْصانُهم جَمْعُ سِرْبالٍ ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ هو ما يُحْلَبُ مِن شَجَرِ الأبْهَلِ فَيُطْبَخُ وتُهْنَأُ بِهِ الإبِلُ الجَرْبى فَيَحْرُقُ الجُرْبَ بِما فِيهِ مِنَ الحِدَّةِ الشَّدِيدَةِ وقَدْ تَصِلُ حَرارَتُهُ إلى الجَوْفِ وهو أسْوَدُ مُنْتِنٌ يُسْرِعُ فِيهِ اشْتِعالُ النّارِ حَتّى قِيلَ: إنَّهُ أسْرَعُ الأشْياءِ اشْتِعالًا وفي التَّذْكِرَةِ أنَّهُ نَوْعانِ غَلِيظٌ بَرّاقٌ حادُّ الرّائِحَةِ ويُعْرَفُ بِالبَرْقِيِّ ورَقِيقٌ كَمِدٌ ويُعْرَفُ بِالسّائِلِ والأوَّلُ مِنَ الشِّرْبِينِ خاصَّةً والثّانِي مِنَ الأرْزِ والسِّدْرِ ونَحْوِهِما والأوَّلُ أجْوَدُ وهو حارٌّ يابِسٌ في الثّالِثَةِ أوِ الثّانِيَةِ وذُكِرَ في الزِّفْتِ أنَّهُ مِن أشْجارٍ كالأرْزِ وغَيْرِهِ وأنَّهُ إنْ سالَ بِنَفْسِهِ يُقالُ زِفْتٌ وإنْ كانَ بِالصِّناعَةِ فَقَطِرانٌ ويُقالُ فِيهِ: قَطّانٌ بِوَزْنِ سَكْرانَ.

ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُما قَرَآ بِهِ وقُطْرانٍ بِوَزْنِ سَرْحانَ ولَمْ نَقِفْ عَلى مَن قَرَأ بِذَلِكَ والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المُجْرِمِينَ أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أوْ مِن ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ نَفْسِهِ عَلى ما قِيلَ رابِطُها الضَّمِيرُ فَقَطْ كَما في كَلِمَتِهِ فُوهٍ إلى في أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ وأيًّا ما كانَ فَفي ﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وذَلِكَ أنَّ المَقْصُودَ أنَّهُ تُطْلى جُلُودُ أهْلِ النّارِ بِالقَطِرانِ حَتّى يَعُودَ طِلاؤُهُ كالسَّرابِيلِ وكَأنَّ ذَلِكَ لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِمُ الألْوانُ الأرْبَعَةُ مِنَ العَذابِ لَذْعُهُ وحَرْقُهُ وإسْراعُ النّارِ في جُلُودِهِمْ واللَّوْنُ المُوحِشُ والنَّتِنُ

صفحة 257

عَلى أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ ذَلِكَ القَطِرانِ وما نُشاهِدُهُ كالتَّفاوُتِ بَيْنَ النّارَيْنِ فَكانَ ما نُشاهِدُهُ مِنهُما أسْماءَ مُسَمَّياتِها في الآخِرَةِ فَبِكَرَمِهِ العَمِيمِ نُعُوذُ وبِكَنَفِهِ الواسِعِ نَلُوذُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ تُشَبَّهَ النَّفْسُ المُتَلَبِّسَةُ بِالمَلَكاتِ الرَّدِيئَةِ كالكُفْرِ والجَهْلِ والعِنادِ والغَباوَةِ بِشَخْصٍ لَبِسَ ثِيابًا مِن زِفْتٍ وقَطِرانٍ ووَجْهُ الشَّبَهِ تَحِلِّي كُلٍّ مِنهُما بِأمْرٍ قَبِيحٍ مُؤْذٍ لِصاحِبِهِ يُسْتَكْرَهُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ ويُسْتَعارُ لَفْظُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ ولا يَخْفى ما في تَوْجِيهِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِهَذا مِنَ المُساهَلَةِ وهو ظاهِرٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِهَذِهِ الِاسْتِعارَةِ هُنا أقْرَبُ ما لا يَكُونُ إلى كَلامِ الصُّوفِيَّةِ وقالَ بَعْضُهم: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَطِرانُ المَذْكُورُ عَيْنَ ما لابَسُوهُ في هَذِهِ النَّشْأةِ وجَعَلُوهُ شِعارًا لَهم مِنَ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأعْمالِ السَّيِّئَةِ المُسْتَجْلِبَةِ لِفُنُونِ العَذابِ قَدْ تَجَسَّدَتْ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِاشْتِدادِ العَذابِ عَصَمَنا اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ بِلُطْفِهِ وكَرَمِهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّشْبِيهَ البَلِيغَ عَلى هَذا عَلى حالِهِ وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ مِن ( قَطِرٍ آنٍ ) عَلى أنَّهُما كَلِمَتانِ مُنَوَّنَتانِ أُولاهُما قَطِرٌ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الطّاءِ وهي النُّحاسُ مُطْلَقًا أوِ المُذابُ مِنهُ وثانِيَتُهُما آنٍ بِوَزْنِ عانٍ بِمَعْنى شَدِيدِ الحَرارَةِ.

قالَ الحَسَنُ: قَدْ سُعِّرَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ فَتَناهى حَرُّهُ ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ . (50) أيْ تَعْلُوها …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.