Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 31–40 of 52

31

قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ

[O Muhammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange, nor any friendships.

﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾

اسْتِئْنافٌ نَشَأ عَنْ ذِكْرِ حالِ الفَرِيقِ الَّذِي حَقَّتْ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ بِذِكْرِ حالِ مُقابِلِهِ، وهو الفَرِيقُ الَّذِي حَقَّتْ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، فَلَمّا ابْتُدِئَ بِالفَرِيقِ الأوَّلِ لِقَصْدِ المَوْعِظَةِ والتَّخَلِّي ثُنِّىَ بِالفَرِيقِ الثّانِي عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ بَيْنَ أغْراضِ الكَلامِ كَما سَيَأْتِي في الآيَةِ عَقِبَها.

ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الإسْراءِ ”وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُلْ كُونُوا حِجارَةً“ إلى أنْ قالَ ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] .

صفحة ٢٣٢

ولَمّا كانُوا مُتَحَلِّينَ بِالكَمالِ صِيَغَ الحَدِيثُ عَنْهم بِعُنْوانِ الوَصْفِ بِالإيمانِ، وبِصِيغَةِ الأمْرِ بِما هم فِيهِ مِن صَلاةٍ وإنْفاقٍ لِقَصْدِ الدَّوامِ عَلى ذَلِكَ، فَحَصَلَتْ بِذَلِكَ مُناسَبَةُ وقْعِ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها لِمُناسَبَةِ تَضادِّ الحالَيْنِ.

ولَمّا كانَ المُؤْمِنُونَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ مِن قَبْلُ ويُنْفِقُونَ مِن قَبْلُ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ الِاسْتِزادَةُ مِن ذَلِكَ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ المُضارِعُ مَعَ تَقْدِيرِ لامِ الأمْرِ دُونَ صِيغَةِ فِعْلِ الأمْرِ؛ لِأنَّ المُضارِعَ دالٌّ عَلى التَّجَدُّدِ، فَهو مَعَ لامِ الأمْرِ يُلاقِي حالَ المُتَلَبِّسِ بِالفِعْلِ الَّذِي يُؤْمَرُ بِهِ بِخِلافِ صِيغَةِ (افْعَلْ) فَإنَّ أصْلَها طَلَبُ إيجادِ الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ مَن لَمْ يَكُنْ مُلْتَبِسًا بِهِ، فَأصْلُ يُقِيمُوا الصَّلاةَ لِيُقِيمُوا، فَحُذِفَتْ لامُ الأمْرِ تَخْفِيفًا.

وهَذِهِ هي نُكْتَةُ وُرُودِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في مَواضِعِ وُرُودِهِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ وفي قَوْلِهِ وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ في سُورَةِ الإسْراءِ، أيْ: قُلْ لَهم لِيُقِيمُوا ولْيَقُولُوا، فَحُكِيَ بِالمَعْنى.

وعِنْدِي: أنَّ مِنهُ قَوْلَهُ تَعالى ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ في سُورَةِ الحِجْرِ، أيْ: ذَرْهم لِيَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ، فَهو أمْرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإمْلاءِ والتَّهْدِيدِ، ولِذَلِكَ نُوقِنُ بِأنَّ الأفْعالَ هَذِهِ مَعْمُولَةٌ لِلامِ أمْرٍ مَحْذُوفَةٍ، وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ إذا وقَعَ الفِعْلُ المَجْزُومُ بِلامِ الأمْرِ المَحْذُوفَةِ بَعْدَ تَقَدُّمِ فِعْلِ (قُلْ)، كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ، ووافَقَهُ ابْنُ مالِكٍ في شَرْحِ الكافِيَةِ، وقالَ بَعْضُهم: جَزْمُ الفِعْلِ المُضارِعِ في جَوابِ الأمْرِ بِـ (قُلْ) عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو المَقُولُ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ لِعِبادِي أقِيمُوا يُقِيمُوا وأنْفِقُوا يُنْفِقُوا، وقالَ الكِسائِيُّ وابْنُ مالِكٍ إنَّ ذَلِكَ خاصٌّ بِما يَقَعُ بَعْدَ الأمْرِ بِالقَوْلِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وفاتَهم نَحْوُ آيَةِ ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ﴿وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] مِمّا رَزَقْناهم لِلتَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ تَحْرِيضًا عَلى الإنْفاقِ لِيَكُونَ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ.

صفحة ٢٣٣

وسِرًّا وعَلانِيَةً حالانِ مِن ضَمِيرِ يُنْفِقُوا، وهُما مَصْدَرانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى سِرًّا وعَلانِيَةً في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَقْصُودُ تَعْمِيمُ الأحْوالِ في طَلَبِ الإنْفاقِ لِكَيْلا يَظُنُّوا أنَّ الإعْلانَ يَجُرُّ إلى الرِّياءِ كَما كانَ حالُ الجاهِلِيَّةِ، أوْ أنَّ الإنْفاقَ (سِرًّا) يُفْضِي …

32

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَٰرَ

It is Allah who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لِظَلُومٌ كَفّارٌ﴾

اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [إبراهيم: ٣٠] الآيَةَ، وقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ بِجُمْلَةِ ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] الآيَةَ، وأُدْمِجَ في الِاسْتِدْلالِ تَعْدادَهم لِنِعَمٍ تَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ عَلَيْها لِيَظْهَرَ حالُ الَّذِينَ كَفَرُوها، وبِالضِّدِّ حالُ الَّذِينَ شَكَرُوا عَلَيْها، ولِيَزْدادَ الشّاكِرُونَ شُكْرًا، فالمَقْصُودُ الأوَّلُ هو الِاسْتِدْلالُ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، فَجِيءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِنِعَمٍ عامَّةٍ مَشْهُودَةٍ مَحْسُوسَةٍ لا يُسْتَطاعُ إنْكارُها إلّا أنَّها لِلتَّذْكِيرِ بِأنَّ المُنْعِمَ بِها ومُوجِدَها هو اللَّهُ تَعالى.

صفحة ٢٣٥

وافْتُتِحَ الكَلامُ بِاسْمِ المُوجِدِ؛ لِأنَّ تَعْيِينَهُ هو الغَرَضُ الأهَمُّ، وأُخْبِرَ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ؛ لِأنَّ الصِّلَةَ مَعْلُومَةُ الِانْتِسابِ إلَيْهِ والثُّبُوتِ لَهُ، إذْ لا يُنازَعُ المُشْرِكُونَ في أنَّ اللَّهَ هو صاحِبُ الخَلْقِ ولا يَدَّعُونَ أنَّ الأصْنامَ تَخْلُقُ شَيْئًا، كَما قالَ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ دَلِيلٌ عَلى إلَهِيَّةِ خالِقِها وتَمْهِيدٌ لِلنِّعَمِ المُودَعَةِ فِيها، فَإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وإخْراجُ الثَّمَراتِ مِنَ الأرْضِ، والبِحارُ والأنْهارُ مِنَ الأرْضِ، والشَّمْسُ والقَمَرُ مِنَ السَّماءِ، واللَّيْلُ والنَّهارُ مِنَ السَّماءِ ومِنَ الأرْضِ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذِهِ النِّعَمِ في آياتٍ مَضَتْ.

والرِّزْقُ: القُوتُ، والتَّسْخِيرُ: حَقِيقَتُهُ التَّذْلِيلُ والتَّطْوِيعُ، وهو مَجازٌ في جَعْلِ السَّيِّئِ قابِلًا لِتَصَرُّفِ غَيْرِهِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلُهُ ﴿لِتَجْرِيَ في البَحْرِ﴾ هو عِلَّةُ تَسْخِيرِ صُنْعِها.

ومَعْنى تَسْخِيرِ الفُلْكِ: تَسْخِيرُ ذاتِها بِإلْهامِ البَشَرِ لِصُنْعِها وشَكْلِها بِكَيْفِيَّةٍ تَجْرِي في البَحْرِ بِدُونَ مانِعٍ.

وقَوْلُهُ (بِأمْرِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَجْرِي) .

والأمْرُ: هُنا الإذْنُ، أيْ: تَيْسِيرُ جَرْيِها في البَحْرِ، وذَلِكَ بِكَفِّ العَواصِفِ عَنْها وبِإعانَتِها بِالرِّيحِ الرُّخاءِ، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، وعَبَّرَ عَنْ هَذا الأمْرِ بِالنِّعْمَةِ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٣١]، وقَدْ بَيَّنَتْهُ آيَةُ ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّياحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى: ٣٢] الآيَةَ.

وتَسْخِيرُ الأنْهارِ: خَلْقُها عَلى كَيْفِيَّةٍ تَقْتَضِي انْتِقالَ الماءِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ …

33

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ

And He subjected for you the sun and the moon, continuous [in orbit], and subjected for you the night and the day.

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لِظَلُومٌ كَفّارٌ﴾

اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [إبراهيم: ٣٠] الآيَةَ، وقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ بِجُمْلَةِ ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] الآيَةَ، وأُدْمِجَ في الِاسْتِدْلالِ تَعْدادَهم لِنِعَمٍ تَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ عَلَيْها لِيَظْهَرَ حالُ الَّذِينَ كَفَرُوها، وبِالضِّدِّ حالُ الَّذِينَ شَكَرُوا عَلَيْها، ولِيَزْدادَ الشّاكِرُونَ شُكْرًا، فالمَقْصُودُ الأوَّلُ هو الِاسْتِدْلالُ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، فَجِيءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِنِعَمٍ عامَّةٍ مَشْهُودَةٍ مَحْسُوسَةٍ لا يُسْتَطاعُ إنْكارُها إلّا أنَّها لِلتَّذْكِيرِ بِأنَّ المُنْعِمَ بِها ومُوجِدَها هو اللَّهُ تَعالى.

صفحة ٢٣٥

وافْتُتِحَ الكَلامُ بِاسْمِ المُوجِدِ؛ لِأنَّ تَعْيِينَهُ هو الغَرَضُ الأهَمُّ، وأُخْبِرَ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ؛ لِأنَّ الصِّلَةَ مَعْلُومَةُ الِانْتِسابِ إلَيْهِ والثُّبُوتِ لَهُ، إذْ لا يُنازَعُ المُشْرِكُونَ في أنَّ اللَّهَ هو صاحِبُ الخَلْقِ ولا يَدَّعُونَ أنَّ الأصْنامَ تَخْلُقُ شَيْئًا، كَما قالَ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ دَلِيلٌ عَلى إلَهِيَّةِ خالِقِها وتَمْهِيدٌ لِلنِّعَمِ المُودَعَةِ فِيها، فَإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وإخْراجُ الثَّمَراتِ مِنَ الأرْضِ، والبِحارُ والأنْهارُ مِنَ الأرْضِ، والشَّمْسُ والقَمَرُ مِنَ السَّماءِ، واللَّيْلُ والنَّهارُ مِنَ السَّماءِ ومِنَ الأرْضِ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذِهِ النِّعَمِ في آياتٍ مَضَتْ.

والرِّزْقُ: القُوتُ، والتَّسْخِيرُ: حَقِيقَتُهُ التَّذْلِيلُ والتَّطْوِيعُ، وهو مَجازٌ في جَعْلِ السَّيِّئِ قابِلًا لِتَصَرُّفِ غَيْرِهِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلُهُ ﴿لِتَجْرِيَ في البَحْرِ﴾ هو عِلَّةُ تَسْخِيرِ صُنْعِها.

ومَعْنى تَسْخِيرِ الفُلْكِ: تَسْخِيرُ ذاتِها بِإلْهامِ البَشَرِ لِصُنْعِها وشَكْلِها بِكَيْفِيَّةٍ تَجْرِي في البَحْرِ بِدُونَ مانِعٍ.

وقَوْلُهُ (بِأمْرِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَجْرِي) .

والأمْرُ: هُنا الإذْنُ، أيْ: تَيْسِيرُ جَرْيِها في البَحْرِ، وذَلِكَ بِكَفِّ العَواصِفِ عَنْها وبِإعانَتِها بِالرِّيحِ الرُّخاءِ، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، وعَبَّرَ عَنْ هَذا الأمْرِ بِالنِّعْمَةِ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٣١]، وقَدْ بَيَّنَتْهُ آيَةُ ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّياحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى: ٣٢] الآيَةَ.

وتَسْخِيرُ الأنْهارِ: خَلْقُها عَلى كَيْفِيَّةٍ تَقْتَضِي انْتِقالَ الماءِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ …

34

وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَظَلُومٌۭ كَفَّارٌۭ

And He gave you from all you asked of Him. And if you should count the favor of Allah, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لِظَلُومٌ كَفّارٌ﴾

اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [إبراهيم: ٣٠] الآيَةَ، وقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ بِجُمْلَةِ ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] الآيَةَ، وأُدْمِجَ في الِاسْتِدْلالِ تَعْدادَهم لِنِعَمٍ تَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ عَلَيْها لِيَظْهَرَ حالُ الَّذِينَ كَفَرُوها، وبِالضِّدِّ حالُ الَّذِينَ شَكَرُوا عَلَيْها، ولِيَزْدادَ الشّاكِرُونَ شُكْرًا، فالمَقْصُودُ الأوَّلُ هو الِاسْتِدْلالُ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، فَجِيءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِنِعَمٍ عامَّةٍ مَشْهُودَةٍ مَحْسُوسَةٍ لا يُسْتَطاعُ إنْكارُها إلّا أنَّها لِلتَّذْكِيرِ بِأنَّ المُنْعِمَ بِها ومُوجِدَها هو اللَّهُ تَعالى.

صفحة ٢٣٥

وافْتُتِحَ الكَلامُ بِاسْمِ المُوجِدِ؛ لِأنَّ تَعْيِينَهُ هو الغَرَضُ الأهَمُّ، وأُخْبِرَ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ؛ لِأنَّ الصِّلَةَ مَعْلُومَةُ الِانْتِسابِ إلَيْهِ والثُّبُوتِ لَهُ، إذْ لا يُنازَعُ المُشْرِكُونَ في أنَّ اللَّهَ هو صاحِبُ الخَلْقِ ولا يَدَّعُونَ أنَّ الأصْنامَ تَخْلُقُ شَيْئًا، كَما قالَ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ دَلِيلٌ عَلى إلَهِيَّةِ خالِقِها وتَمْهِيدٌ لِلنِّعَمِ المُودَعَةِ فِيها، فَإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وإخْراجُ الثَّمَراتِ مِنَ الأرْضِ، والبِحارُ والأنْهارُ مِنَ الأرْضِ، والشَّمْسُ والقَمَرُ مِنَ السَّماءِ، واللَّيْلُ والنَّهارُ مِنَ السَّماءِ ومِنَ الأرْضِ، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذِهِ النِّعَمِ في آياتٍ مَضَتْ.

والرِّزْقُ: القُوتُ، والتَّسْخِيرُ: حَقِيقَتُهُ التَّذْلِيلُ والتَّطْوِيعُ، وهو مَجازٌ في جَعْلِ السَّيِّئِ قابِلًا لِتَصَرُّفِ غَيْرِهِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلُهُ ﴿لِتَجْرِيَ في البَحْرِ﴾ هو عِلَّةُ تَسْخِيرِ صُنْعِها.

ومَعْنى تَسْخِيرِ الفُلْكِ: تَسْخِيرُ ذاتِها بِإلْهامِ البَشَرِ لِصُنْعِها وشَكْلِها بِكَيْفِيَّةٍ تَجْرِي في البَحْرِ بِدُونَ مانِعٍ.

وقَوْلُهُ (بِأمْرِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَجْرِي) .

والأمْرُ: هُنا الإذْنُ، أيْ: تَيْسِيرُ جَرْيِها في البَحْرِ، وذَلِكَ بِكَفِّ العَواصِفِ عَنْها وبِإعانَتِها بِالرِّيحِ الرُّخاءِ، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، وعَبَّرَ عَنْ هَذا الأمْرِ بِالنِّعْمَةِ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٣١]، وقَدْ بَيَّنَتْهُ آيَةُ ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّياحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى: ٣٢] الآيَةَ.

وتَسْخِيرُ الأنْهارِ: خَلْقُها عَلى كَيْفِيَّةٍ تَقْتَضِي انْتِقالَ الماءِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ …

35

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًۭا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ

And [mention, O Muhammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] فَإنَّهم كَما بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا أهْمَلُوا الشُّكْرَ عَلى ما بَوَّأهُمُ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ بِإجابَةِ دَعْوَةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبَدَّلُوا اقْتِداءَهم بِسَلَفِهِمُ الصّالِحِ اقْتِداءً بِأسْلافِهِمْ مِن أهْلِ الضَّلالَةِ، وبَدَّلُوا دُعاءَ سَلَفِهِمُ الصّالِحِ لَهم بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ كُفْرًا بِمَفِيضِ تِلْكَ النِّعَمِ.

صفحة ٢٣٨

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [إبراهيم: ٣٢] بِأنِ انْتَقَلَ مِن ذِكْرِ النِّعَمِ العامَّةِ لِلنّاسِ الَّتِي يَدْخُلُ تَحْتَ مِنَّتِها أهْلُ مَكَّةَ بِحُكْمِ العُمُومِ إلى ذِكْرِ النِّعَمِ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها أهْلَ مَكَّةَ، وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ في الِامْتِنانِ بِها إلى أُسْلُوبِ الحِكايَةِ عَنْ إبْراهِيمَ لِإدْماجِ التَّنْوِيهِ بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والتَّعْرِيضِ بِذُرِّيَّتِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ.

(وإذْ) اسْمُ زَمانٍ ماضٍ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ شائِعِ الحَذْفِ في أمْثالِهِ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، زِيادَةً في التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِ المُشْرِكِينَ الَّذِي مَرَّ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]، فَمَوْقِعُ العِبْرَةِ مِنَ الحالَيْنِ واحِدٌ.

و(رَبِّ): مُنادى مَحْذُوفٌ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ، وأصْلُهُ رَبِّي، حُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا، وهو كَثِيرٌ في المُنادى المُضافِ إلى الياءِ.

والبَلَدُ: المَكانُ المُعَيَّنُ مِنَ الأرْضِ، ويُطْلَقُ عَلى القَرْيَةِ، والتَّعْرِيفُ في البَلَدِ تَعْرِيفُ العَهْدِ؛ لِأنَّهُ مَعْهُودٌ بِالحُضُورِ، والبَلَدُ: بَدَلٌ مِنَ اسْمِ الإشارَةِ.

وحِكايَةُ دُعائِهِ بِدُونِ بَيانِ البَلَدِ إبْهامٌ يَرِدُ بَعْدَهُ البَيانُ بِقَوْلِهِ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، أوْ هو حَوالَةُ عَلى ما في عِلْمِ العَرَبِ مِن أنَّهُ مَكَّةُ، وقَدْ مَضى في سُورَةِ البَقَرَةِ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ، والتَّعْرِيفُ هُنا لِلْعَهْدِ، والتَّنْكِيرُ في آيَةِ البَقَرَةِ تَنْكِيرُ النَّوْعِيَّةِ، فَهُنا دَعا لِلْبَلَدِ بِأنْ يَكُونَ آمِنًا، وفي آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ دَعا لِمُشارٍ إلَيْهِ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ مِن نَوْعِ البِلادِ الآمِنَةِ، فَمَآلُ المُفادَيْنِ مُتَّحِدٌ.

واجْنُبْنِي: أمْرٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ، يُقالُ: جَنَّبَهُ الشَّيْءَ، إذا جَعَلَهُ جانِبًا عَنْهُ، أيْ: باعَدَهُ عَنْهُ، وهي لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ، وأهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: جَنَّبَهُ بِالتَّضْعِيفِ أوْ أجْنَبَهُ بِالهَمْزِ، وجاءَ القُرْآنُ هُنا بِلُغَةِ أهْلِ نَجْدٍ؛ لِأنَّها أخَفُّ.

وأرادَ بِبَنِيهِ: أبْناءَ صُلْبِهِ، وهم يَوْمَئِذٍ إسْماعِيلُ وإسْحاقُ، فَهو مِنَ اسْتِعْمالِ الجَمْعِ في التَّثْنِيَةِ، أوْ أرادَ جَمِيعَ نَسْلِهِ تَعْمِيمًا في الخَيْرِ فاسْتُجِيبَ لَهُ في البَعْضِ.

صفحة ٢٣٩

والأصْنامُ: جَمْعُ صَنَمٍ، وهو صُورَةٌ أوْ حِجارَةٌ أوْ بِناءٌ يُتَّخَذُ مَعْبُودًا ويُدْعى إلَهًا، وأرادَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِثْلَ ودٍّ وسُواعٍ ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرٍ، أصْنامِ قَوْمِ نُوحٍ، ومِثْلَ الأصْنامِ الَّتِي عَبَدَها قَوْمُ إبْراهِيمَ.

وإعادَةُ النِّداءِ في …

36

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me; and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] فَإنَّهم كَما بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا أهْمَلُوا الشُّكْرَ عَلى ما بَوَّأهُمُ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ بِإجابَةِ دَعْوَةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبَدَّلُوا اقْتِداءَهم بِسَلَفِهِمُ الصّالِحِ اقْتِداءً بِأسْلافِهِمْ مِن أهْلِ الضَّلالَةِ، وبَدَّلُوا دُعاءَ سَلَفِهِمُ الصّالِحِ لَهم بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ كُفْرًا بِمَفِيضِ تِلْكَ النِّعَمِ.

صفحة ٢٣٨

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [إبراهيم: ٣٢] بِأنِ انْتَقَلَ مِن ذِكْرِ النِّعَمِ العامَّةِ لِلنّاسِ الَّتِي يَدْخُلُ تَحْتَ مِنَّتِها أهْلُ مَكَّةَ بِحُكْمِ العُمُومِ إلى ذِكْرِ النِّعَمِ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها أهْلَ مَكَّةَ، وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ في الِامْتِنانِ بِها إلى أُسْلُوبِ الحِكايَةِ عَنْ إبْراهِيمَ لِإدْماجِ التَّنْوِيهِ بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والتَّعْرِيضِ بِذُرِّيَّتِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ.

(وإذْ) اسْمُ زَمانٍ ماضٍ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ شائِعِ الحَذْفِ في أمْثالِهِ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، زِيادَةً في التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِ المُشْرِكِينَ الَّذِي مَرَّ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]، فَمَوْقِعُ العِبْرَةِ مِنَ الحالَيْنِ واحِدٌ.

و(رَبِّ): مُنادى مَحْذُوفٌ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ، وأصْلُهُ رَبِّي، حُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا، وهو كَثِيرٌ في المُنادى المُضافِ إلى الياءِ.

والبَلَدُ: المَكانُ المُعَيَّنُ مِنَ الأرْضِ، ويُطْلَقُ عَلى القَرْيَةِ، والتَّعْرِيفُ في البَلَدِ تَعْرِيفُ العَهْدِ؛ لِأنَّهُ مَعْهُودٌ بِالحُضُورِ، والبَلَدُ: بَدَلٌ مِنَ اسْمِ الإشارَةِ.

وحِكايَةُ دُعائِهِ بِدُونِ بَيانِ البَلَدِ إبْهامٌ يَرِدُ بَعْدَهُ البَيانُ بِقَوْلِهِ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، أوْ هو حَوالَةُ عَلى ما في عِلْمِ العَرَبِ مِن أنَّهُ مَكَّةُ، وقَدْ مَضى في سُورَةِ البَقَرَةِ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ، والتَّعْرِيفُ هُنا لِلْعَهْدِ، والتَّنْكِيرُ في آيَةِ البَقَرَةِ تَنْكِيرُ النَّوْعِيَّةِ، فَهُنا دَعا لِلْبَلَدِ بِأنْ يَكُونَ آمِنًا، وفي آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ دَعا لِمُشارٍ إلَيْهِ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ مِن نَوْعِ البِلادِ الآمِنَةِ، فَمَآلُ المُفادَيْنِ مُتَّحِدٌ.

واجْنُبْنِي: أمْرٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ، يُقالُ: جَنَّبَهُ الشَّيْءَ، إذا جَعَلَهُ جانِبًا عَنْهُ، أيْ: باعَدَهُ عَنْهُ، وهي لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ، وأهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: جَنَّبَهُ بِالتَّضْعِيفِ أوْ أجْنَبَهُ بِالهَمْزِ، وجاءَ القُرْآنُ هُنا بِلُغَةِ أهْلِ نَجْدٍ؛ لِأنَّها أخَفُّ.

وأرادَ بِبَنِيهِ: أبْناءَ صُلْبِهِ، وهم يَوْمَئِذٍ إسْماعِيلُ وإسْحاقُ، فَهو مِنَ اسْتِعْمالِ الجَمْعِ في التَّثْنِيَةِ، أوْ أرادَ جَمِيعَ نَسْلِهِ تَعْمِيمًا في الخَيْرِ فاسْتُجِيبَ لَهُ في البَعْضِ.

صفحة ٢٣٩

والأصْنامُ: جَمْعُ صَنَمٍ، وهو صُورَةٌ أوْ حِجارَةٌ أوْ بِناءٌ يُتَّخَذُ مَعْبُودًا ويُدْعى إلَهًا، وأرادَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِثْلَ ودٍّ وسُواعٍ ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرٍ، أصْنامِ قَوْمِ نُوحٍ، ومِثْلَ الأصْنامِ الَّتِي عَبَدَها قَوْمُ إبْراهِيمَ.

وإعادَةُ النِّداءِ في …

37

رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةًۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ

Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.

﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾

جُمْلَةُ ﴿إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِابْتِداءِ دُعاءٍ آخَرَ، وافْتُتِحَتْ بِالنِّداءِ لِزِيادَةِ التَّضَرُّعِ، وفي كَوْنِ النِّداءِ تَأْكِيدًا لِنِداءٍ سابِقٍ ضَرْبٌ مِنَ الرَّبْطِ بَيْنَ الجُمَلِ المُفْتَتَحَةِ بِالنِّداءِ، رَبْطُ المِثْلِ بِمِثْلِهِ.

وأُضِيفَ الرَّبُّ هُنا إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ خِلافًا لِسابِقِيهِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ الَّذِي افْتُتِحَ بِهِ فِيهِ حَظٌّ لِلدّاعِي ولِأبْنائِهِ، ولَعَلَّ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حاضِرٌ مَعَهُ حِينَ الدُّعاءِ كَما تَدُلُّ لَهُ الآيَةُ الأُخْرى

صفحة ٢٤١

﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] إلى قَوْلِهِ ﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، وذَلِكَ مِن مَعْنى الشُّكْرِ المَسْؤُولِ هُنا.

و(مِن) في قَوْلِهِ مِن ذُرِّيَّتِي بِمَعْنى بَعْضٍ، يَعْنِي إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو بَعْضُ ذُرِّيَّتِهِ، فَكانَ هَذا الدُّعاءُ صَدَرَ مِن إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ زَمانٍ مِن بِناءِ الكَعْبَةِ وتَقَرِّي مَكَّةَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في دُعائِهِ هَذا ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، فَذَكَرَ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

والوادِي: الأرْضُ بَيْنَ الجِبالِ، وهو وادِي مَكَّةَ، و﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ صِفَةٌ، أيْ: بَوادٍ لا يَصْلُحُ لِلنَّبْتِ؛ لِأنَّهُ حِجارَةٌ، فَإنَّ كَلِمَةَ (ذُو) تَدُلُّ عَلى صاحِبِ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ وتَمَكُّنِهِ مِنهُ، فَإذا قِيلَ: ذُو مالٍ، فالمالُ ثابَتٌ لَهُ، وإذا أُرِيدَ ضِدُّ ذَلِكَ قِيلَ: غَيْرُ ذِي كَذا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨]، أيْ: لا يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ مِنَ العِوَجِ، ولِأجْلِ هَذا الِاسْتِعْمالِ لَمْ يَقُلْ بِوادٍ لا يُزْرَعُ أوْ لا زَرْعَ بِهِ.

و﴿عِنْدَ بَيْتِكَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِوادٍ أوْ حالٌ.

والمُحَرَّمُ: المُمَنَّعُ مِن تَناوُلِ الأيْدِي إيّاهُ بِما يُفْسِدُهُ أوْ يَضُرُّ أهْلَهُ بِما جَعَلَ اللَّهُ لَهُ في نُفُوسِ الأُمَمِ مِنَ التَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ، وبِما شاهَدُوهُ مِن هَلَكَةِ مَن يُرِيدُ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ، وما أصْحابُ الفِيلِ مِنهم بِبَعِيدٍ.

وعَلَّقَ (لِيُقِيمُوا) بِـ (أسْكَنْتُ)، أيْ: عِلَّةُ الإسْكانِ بِذَلِكَ الوادِي عِنْدَ ذَلِكَ البَيْتِ أنْ لا يَشْغَلُهم عَنْ إقامَةِ الصَّلاةِ في ذَلِكَ البَيْتِ شاغِلٌ فَيَكُونَ البَيْتُ مَعْمُورًا أبَدًا.

وتَوْسِيطُ النِّداءِ لِلِاهْتِمامِ بِمُقَدِّمَةِ الدُّعاءِ زِيادَةٌ في الضَّراعَةِ، وتَهَيَّأ بِذَلِكَ أنْ يُفَرِّعَ عَلَيْهِ الدُّعاءَ لَهم بِأنْ يَجْعَلَ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ هِمَّةَ الصّالِحِينَ في إقامَةِ الدِّينِ.

والأفْئِدَةُ: جَمْعُ فُؤادٍ، وهو القَلْبُ، والمُرادُ بِهِ هُنا النَّفْسُ والعَقْلُ.

والمُرادُ: فاجْعَلْ أُناسًا يَهْوُونَ إلَيْهِمْ، فَأقْحَمَ لَفْظَ الأفْئِدَةِ لِإرادَةِ أنْ يَكُونَ مَسِيرُ النّاسِ إلَيْهِمْ عَنْ شَوْقٍ ومَحَبَّةٍ حَتّى كَأنَّ المُسْرِعَ هو الفُؤادُ لا الجَسَدُ.

صفحة ٢٤٢

فَلَمّا ذَكَرَ أفْئِدَةً لِهَذِهِ النُّكْتَةِ حَسُنَ بَيانُهُ بِأنَّهم مِنَ النّاسِ، فَـ (مِن) بَيانِيَّةٌ لا تَبْعِيضِيَّةٌ، إذْ لا طائِلَ تَحْتَهُ، والمَعْنى: فاجْعَلْ أُناسًا يَقْصِدُونَهم …

38

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allah on the earth or in the heaven.

﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾

جاءَ بِهَذا التَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ جامِعًا لِما في ضَمِيرِهِ، وفَذْلَكَةً لِلْجُمَلِ الماضِيَةِ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن ذِكْرِ ضَلالِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وذِكْرِ مَنِ اتَّبَعَ دَعْوَتَهُ

صفحة ٢٤٣

ومَن عَصاهُ، وذُكِرَ أنَّهُ أرادَ مِن إسْكانِ أبْنائِهِ بِمَكَّةَ رَجاءَ أنْ يَكُونُوا حُرّاسَ بَيْتِ اللَّهِ، وأنْ يُقِيمُوا الصَّلاةَ، وأنْ يَشْكُرُوا النِّعَمَ المَسْؤُولَةَ لَهم، وفِيهِ تَعْلِيمٌ لِأهْلِهِ وأتْباعِهِ بِعُمُومِ عِلْمِ اللَّهِ - تَعالى - حَتّى يُراقِبُوهُ في جَمِيعِ الأحْوالِ ويُخَلِّصُوا النِّيَّةَ إلَيْهِ.

وجُمْلَةُ ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾، أيْ: تَعْلَمُ أحْوالَنا وتَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، ولِكَوْنِها تَذْيِيلًا أُظْهِرَ فِيها اسْمُ الجَلالَةِ لِيَكُونَ التَّذْيِيلُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ بِمَنزِلَةِ المَثَلِ والكَلامِ الجامِعِ.

39

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ

Praise to Allah, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لِسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ لَمّا دَعا اللَّهُ لِأهَمِّ ما يُهِمَّهُ وهو إقامَةُ التَّوْحِيدِ وكانَ يَرْجُو إجابَةَ دَعْوَتِهِ، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَجَبٍ في أمْرِ اللَّهِ خَطَرَ بِبالِهِ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِما كانَ يَسْألُهُ، وهو أنْ وهَبَ لَهُ ولَدَيْنِ في إبّانِ الكِبَرِ وحِينَ اليَأْسِ مِنَ الوِلادَةِ؛ فَناجى اللَّهَ فَحَمِدَهُ عَلى ذَلِكَ، وأثْنى عَلَيْهِ بِأنَّهُ سُمَيْعُ الدُّعاءِ، أيْ: مُجِيبٌ، أيْ: مُتَّصِفٌ بِالإجابَةِ وصْفًا ذاتِيًّا، تَمْهِيدًا لِإجابَةِ دَعْوَتِهِ هَذِهِ كَما أجابَ دَعْوَتَهُ سَلَفًا، فَهَذا مُناسَبَةُ مَوْقِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ ما قَبْلَها بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ .

واسْمُ المَوْصُولِ إيماءٌ إلى وجْهِ بِناءِ الحَمْدِ، و(عَلى) في قَوْلِهِ عَلى الكِبَرِ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى (مَعَ)، أيْ: وهَبَ ذَلِكَ تَعَلِّيًا عَلى الحالَةِ الَّتِي شَأْنُها أنْ لا تَسْمَحَ بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ يُفَسِّرُونَ (عَلى) هَذِهِ بِمَعْنى مَعَ، أيْ: مَعَ الكِبَرِ الَّذِي لا تَحْصُلُ مَعَهُ الوِلادَةُ، وكانَ عُمْرُ إبْراهِيمَ حِينَ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - سِتًّا وثَمانِينَ سَنَةً (٨٦)، وعُمْرُهُ حِينَ وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - مِائَةَ سَنَةٍ (١٠٠)، وكانَ لا يُولَدُ لَهُ مِن قَبْلُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ وهَبَ، أيْ: وهَبَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ سَمِيعُ الدُّعاءِ، والسَّمِيعُ مُسْتَعْمَلٌ في إجابَةِ المَطْلُوبِ كِنايَةً، وصِيغَ

صفحة ٢٤٤

بِمِثالِ المُبالَغَةِ أوِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ لِيَدُلَّ عَلى كَثْرَةِ ذَلِكَ وأنَّ ذَلِكَ شَأْنُهُ، فَيُفِيدُ أنَّهُ وصْفٌ ذاتِيٌّ لِلَّهِ تَعالى.

40

رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ

My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.

﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن تَمامِ دُعائِهِ، وفِعْلُ اجْعَلْنِي مُسْتَعْمَلٌ في التَّكْوِينِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، أيِ اجْعَلْنِي في المُسْتَقْبَلِ مُقِيمَ الصَّلاةِ.

والإقامَةُ: الإدامَةُ، وتَقَدَّمَ في صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

ومِن ذُرِّيَّتِي: صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، والتَّقْدِيرُ: واجْعَلْ مُقِيمِينَ لِلصَّلاةِ مِن ذُرِّيَّتِي.

و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ ولَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يَسْألُ اللَّهَ إلّا أكْمَلَ ما يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ ولِذَرِّيَّتِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ بِناءً عَلى أنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ بِأنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ فَرِيقٌ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وفَرِيقٌ لا يُقِيمُونَها، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ، وهَذا وجْهٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ تَحْصِيلًا لِحاصِلٍ، وهو بَعِيدٌ، وكَيْفَ وقَدْ قالَ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ولَمْ يَقُلْ: ومِن بَنِيَّ.

ودُعاؤُهُ بِتَقَبُّلِ دُعائِهِ ضَراعَةٌ بَعْدَ ضَراعَةٍ.

وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ في (دُعاءِ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ تَخْفِيفًا كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإلَيْهِ مَتابِ﴾ [الرعد: ٣٠] في سُورَةِ الرَّعْدِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ بِإثْباتِ الياءِ ساكِنَةً.

ثُمَّ دَعا بِالمَغْفِرَةِ لِنَفْسِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولِوالِدَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِنهُ ومِنَ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ نُبُوءَتِهِ وما اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ أبُوهُ بَعْدَ دَعْوَتِهِ مِنَ الشِّرْكِ، أمّا أُمُّهُ فَلَعَلَّها تُوُفِّيَتْ

صفحة ٢٤٥

قَبْلَ نُبُوءَتِهِ، وهَذا الدُّعاءُ لِأبَوَيْهِ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أنَّ أباهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ كَما في آيَةِ سُورَةِ بَراءَةٍ.

ومَعْنى ﴿يَقُومُ الحِسابُ﴾: يَثْبُتُ، اسْتُعِيرَ القِيامُ لِلثُّبُوتِ تَبَعًا لِتَشْبِيهِ الحِسابِ بِإنْسانٍ قائِمٍ؛ لِأنَّ حالَةَ القِيامِ أقْوى أحْوالِ الإنْسانِ إذْ هو انْتِصابٌ لِلْعَمَلِ، ومِنهُ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، إذا قَوِيَتْ واشْتَدَّتْ، وقَوْلُهم: تَرَجَّلَتِ الشَّمْسُ، إذا قَوِيَ ضَوْءُها، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.