Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 31–40 of 52

31

قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ

[O Muhammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange, nor any friendships.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ وأشارَ إلى انْهِماكِهِمْ في اللَّذَّةِ الفانِيَةِ أمَرَ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَأْمُرَ خُلَّصَ عِبادِهِ بِالعِبادَةِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وخَصَّهم بِالإضافَةِ إلَيْهِ تَعالى رَفْعًا لَهم وتَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُمُ المُقِيمُونَ لِوَظائِفِ العُبُودِيَّةِ المُوفُونَ بِحُقُوقِها وتَرَكَ العَطْفَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِلْإيذانِ بِتَبايُنِ حالِهِما تَهْدِيدًا وغَيْرَهُ ومَقُولُ القَوْلِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ والمازِنِيُّ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿يُقِيمُوا﴾ أيْ قُلْ لَهم: أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا.

﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ والفِعْلُ المَذْكُورُ مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ ( قُلْ ) عِنْدَهم وأوْرَدَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أقِيمُوا وأنْفِقُوا» أنْ يَفْعَلُوا ورُدَّ بِأنَّ المَقُولَ لَهُمُ الخُلَّصُ وهم مَتى أُمِرُوا امْتَثَلُوا ومِن هُنا قالُوا: إنَّ في ذَلِكَ إيذانًا بِكَمالِ مُطاوَعَتِهِمْ وغايَةِ مُسارَعَتِهِمْ إلى الِامْتِثالِ ويَشُدُّ عَضُدَ ذَلِكَ حَذْفُ المَقُولِ لِما فِيهِ مِن إيهامِ أنَّهم يَفْعَلُونَ مِن غَيْرِ أمْرٍ عَلى أنَّ مَبْنِيَّ الإيرادِ عَلى أنَّهُ يُشْتَرَطُ في السَّبَبِيَّةِ التّامَّةِ وقَدْ مُنِعَ وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ ( قُلْ ) بِمَعْنى بَلِّغْ وأدِّ الشَّرِيعَةَ والجَزْمُ في جَوابِ ذَلِكَ وهو قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ.

وحُكِيَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ وعُزِيَ لِلْمُبَرِّدِ أنَّ الجَزْمَ في جَوابِ الأمْرِ المَقُولِ المَحْذُوفِ وتَعَقَّبَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّهُ فاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ لا بُدَّ أنْ يُخالِفَ فِعْلَ الشَّرْطِ إمّا في الفِعْلِ أوْ في الفاعِلِ أوْ فِيهِما فَإذا اتَّحَدا لا يَصِحُّ كَقَوْلِكَ: قُمْ تَقُمْ إذِ التَّقْدِيرُ هُنا إنْ يُقِيمُوا يُقِيمُوا والثّانِي أنَّ الأمْرَ المُقَدَّرَ لِلْمُواجَهَةِ والفِعْلَ المَذْكُورَ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ وهو خَطَأٌ إذا كانَ الفاعِلُ واحِدًا وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ قَرِيبٌ وأمّا الثّانِي فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: قُلْ لِعَبْدِكَ أطِعْنِي يُطِعْكَ وإنْ كانَ لِلْغَيْبَةِ بَعْدَ المُواجَهَةِ بِاعْتِبارِ حِكايَةِ الحالِ

صفحة 221

وعَنْ أبِي عَلِيٍّ وجَماعَةٍ أنَّ ﴿يُقِيمُوا﴾ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ وهو مَقُولُ القَوْلِ ورُدَّ بِحَذْفِ النُّونِ وهي في مِثْلِ ذَلِكَ لا تُحْذَفُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ إذِ المُرادُ مِنهُ آمِنُوا والقَوْلُ بِأنَّهُ لَمّا كانَ بِمَعْنى الأمْرِ بُنِيَ عَلى حَذْفِ النُّونِ كَما بُنِيَ الِاسْمُ المُتَمَكِّنُ في النِّداءِ عَلى الضَّمِّ في نَحْوِ يا زَيْدُ لَمّا شُبِّهَ بِقَبْلُ وبَعْدُ وما لَمْ يُبَيَّنْ إنَّما لُوحِظَ فِيهِ لَفْظِهِ مِمّا لا يَكادُ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وذَهَبَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ إلى أنَّ مَقُولَ القَوْلِ وهو مَجْزُومٌ بِلامِ أمْرٍ مُقَدَّرَةٍ أيْ لِيُقِيمُوا ويُنْفِقُوا عَلى حَدِّ قَوْلِ الأعْشى: .

مُحَمَّدٌ تُفِدْ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ إذا ما خِفْتَ مِن أمْرٍ تَبالا

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إضْمارَ الجازِمِ أضْعَفُ مِن إضْمارِ الجارِّ إلّا أنَّ تَقَدُّمَ ( قُلْ ) نائِبٌ مَنابَهُ كَما أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِعْمالِ في أمْرِ المُخاطَبِ يَنُوبُ مَنابَ ذَلِكَ والشَّيْءُ إذا كَثُرَ في مَوْضِعٍ أوْ تَأكَّدَ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ جازَ حَذْفُهُ مِنهُ حَذْفُ …

32

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَٰرَ

It is Allah who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.

ثُمَّ إنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أحْوالَ الكافِرِينَ لِنِعَمِهِ وأمْرَ المُؤْمِنِينَ بِإقامَةِ مَراسِمِ الطّاعَةِ شُكْرًا لَها شَرَعَ جَلَّ وعَلا في تَفْصِيلِ ما يَسْتَوْجِبُ عَلى كافَّةِ الأنامِ المُثابِرَةِ عَلى الشُّكْرِ والطّاعَةِ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ والمِنَنِ الجِسامِ حَثًّا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْها وتَقْرِيعًا لِلْكَفَرَةِ المُخِلِّينَ أتَمَّ إخْلالٍ بِها فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ .. إلَخْ وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أطالَ الكَلامَ في وصْفِ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ وكانَ حُصُولُ السَّعادَةِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ والشَّقاوَةِ بِالجَهْلِ بِذَلِكَ خَتَمَ الوَصْفَ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ ما قالَ لِظُهُورِ اعْتِبارِ المَذْكُوراتِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ نِعَمًا لا دَلائِلَ والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ خَبَرُهُ ولا يَخْفى ما في الكَلامِ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ والدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ السُّلْطانِ والمُرادُ خَلْقُ السَّماواتِ وما فِيها مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والأرْضِ وما فِيها مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ السَّحابِ ﴿ماءً﴾ أيْ نَوْعًا مِنهُ وهو المَطَرُ وسُمِّيَ السَّحابُ سَماءً لِعُلُوِّهِ وُكُلُّ ماعَلاكَ سَماءٌ وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّماءِ الفَلَكُ المَعْلُومُ فَإنَّ المَطَرَ مِنهُ يَتَبَدّى إلى السَّحابِ ومِنَ السَّحابِ إلى الأرْضِ وعَلَيْهِ الكَثِيرُ مِنَ المُحَدِّثِينَ لِظَواهِرِ الأخْبارِ.

واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ الإمامُ لِأنَّ الإنْسانَ رُبَّما كانَ واقِفًا عَلى قِمَّةِ جَبَلٍ عالٍ ويَرى السَّحابَ أسْفَلَ مِنهُ فَإذا نَزَلَ رَآهُ ماطِرًا ثُمَّ قالَ: وإذا كانَ هَذا أمْرًا مُشاهَدًا بِالبَصَرِ كانَ النِّزاعُ فِيهِ باطِلًا وأوَّلَ بَعْضُهُمُ الظَّواهِرَ لِذَلِكَ بِأنَّ مَعْنى نُزُولِ المَطَرِ مِنَ السَّماءِ نُزُولُهُ بِأسْبابٍ ناشِئَةٍ مِنها وأيًّا ما كانَ فَـ ( مِنَ ) ابْتِدائِيَّةٌ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( أنْزَلَ ) وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ إمّا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً لِنُزُولِهِ أوْ لِتَشْرِيفِهِ كَما في قَوْلِكَ: إعْطاءُ السُّلْطانِ مِن خَزائِنِهِ مالًا أوْ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ ﴿فَأخْرَجَ بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ الماءِ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ تَعِيشُونَ بِهِ وهو بِمَعْنى المَرْزُوقِ مُرادًا بِهِ المَعْنى اللُّغَوِيُّ وهو كُلُّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ فَيَشْمَلُ المَطْعُومَ والمَلْبُوسَ ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ( أخْرَجَ ) و﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ بَيانٌ لَهُ فَهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ وتَقَدُّمُ ( مِنَ ) البَيانِيَّةِ عَلى ما تُبَيِّنُهُ قَدْ أجازَهُ الكَثِيرُ مِنَ النُّحاةِ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ المانِعَ لِذَلِكَ كَوْنَ ( مِن ) لِلتَّبْعِيضِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ و﴿رِزْقًا﴾ مَفْعُولُ ( أخْرَجَ ) أيْضًا وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( مِن ) بِمَعْنى بَعْضٍ مَفْعُولَ ( أخْرَجَ ) و﴿رِزْقًا﴾ بِمَعْنى مَرْزُوقًا حالًا مِنهُ فَهو بَيانٌ لِلْمُرادِ مِن بَعْضِ الثَّمَراتِ لِأنَّ مِنها ما يُنْتَفَعُ بِهِ فَهو رِزْقٌ ومِنها ما لَيْسَ كَذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿رِزْقًا﴾ باقِيًا عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ أخْرَجَ بِهِ ذَلِكَ لِأجْلِ الرِّزْقِ والِانْتِفاعِ بِهِ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِأخْرَجَ لِأنَّ أخْرَجَ بَعْضَ الثَّمَراتِ في مَعْنى رِزْقٍ فَيَكُونُ في مَعْنى قَعَدْتُ جُلُوسًا عَلى …

33

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ

And He subjected for you the sun and the moon, continuous [in orbit], and subjected for you the night and the day.

﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ أيْ دائِمَيْنِ في الحَرَكَةِ لا يَفْتُرانِ إلى انْقِضاءِ عُمْرِ الدُّنْيا.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: الشَّمْسُ بِمَنزِلَةِ السّاقِيَةِ تَجْرِي بِالنَّهارِ في السَّماءِ في فَلَكِها فَإذا غَرَبَتْ جَرَتْ بِاللَّيْلِ في فَلَكِها تَحْتَ الأرْضِ حَتّى تَطْلُعَ مِن مَشْرِقِها وكَذَلِكَ القَمَرُ والقَوْلُ بِجَرَيانِهِما إذا غَرَبا تَحْتَ الأرْضِ مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ وهو الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ العَقْلُ السَّلِيمُ ولِلْإخْبارِيِّينَ غَيْرُ ذَلِكَ وظاهِرُ الآيَةِ إثْباتُ الحَرَكَةِ لَهُما أنْفُسِهِما والفَلاسِفَةُ يُثْبِتُونَ لَهُما حَرَكَتَيْنِ يُسَمُّونَ إحَداهُما الحَرَكَةَ الأُولى وهي الحَرَكَةُ اليَوْمِيَّةُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ الحاصِلَةُ لَهُما بِقَسْرِ المُحَدِّدِ لِفَلَكَيْهِما والأُخْرى الحَرَكَةَ الثّانِيَةَ وهي الحَرَكَةُ عَلى تَوالِي البُرُوجِ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ الحاصِلَةُ لَهُما بِحَرَكَةِ فَلَكَيْهِما حَرَكَةً ذاتِيَّةً ولا يُثْبِتُونَ لَهُما حَرَكَةً في ثَخَنِ الفَلَكِ عَلى نَحْوِ حَرَكَةِ السَّمَكَةِ في الماءِ لِصَلابَةِ الفَلَكِ وعَدَمِ قَبُولِهِ الخَرْقَ أصْلًا عِنْدَهم.

وأثْبَتَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في فُتُوحاتِهِ حَرَكَتَهُما عَلى ذَلِكَ النَّحْوِ والفَلَكُ عِنْدَهُ مِثْلُ الماءِ والهَواءِ.

ذَكَرَ بَعْضُ الإخْبارِيِّينَ أنَّهُما وسائِرَ الكَواكِبِ مُعَلَّقَةٌ بِسَلاسِلَ مِن نُورٍ بِأيْدِي مَلائِكَةٍ يُسَيِّرُونَها كَيْفَ شاءَ اللَّهُ تَعالى وحَيْثُ شاءَ سُبْحانَهُ والأفْلاكُ ساكِنَةٌ عِنْدَ هَذا البَعْضِ وكَذا عِنْدَ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِهِ والأخْبارُ في هَذا البابِ لَيْسَتْ بِحَيْثُ تَسُرُّ ثَغْرَ الخَصْمِ وذَكَرَ النَّسَفِيُّ أنَّهُ لَيْسَ فِيما ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وكَلامُ الفَلاسِفَةِ ما لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُصادَمَةٌ لِما تَحَقَّقَ عَنِ المُخْبِرِ الصّادِقِ ﷺ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ وفَسَّرَ بَعْضُهم ﴿دائِبَيْنِ﴾ بِمُجِدَّيْنِ تَعِبَيْنِ وهو عَلى التَّشْبِيهِ والِاسْتِعارَةِ وأصْلُ الدَّأبِ العادَةُ المُسْتَمِرَّةُ ونُصِبَ الِاسْمُ عَلى الحالِ وتَسْخِيرُ

صفحة 225

هَذَيْنِ الكَوْكَبَيْنِ العَظِيمَيْنِ جَعَلَهُما مُنِيرَيْنِ مُصْلِحَيْنِ ما نِيطَ بِهِما صَلاحُهُ مِنَ المُكَوِّناتِ ولَعَمْرِي إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَهُما أجْدى مِن تَفارِيقِ العَصا وفي كِتابِ المَشارِعِ والمُطارَحاتِ لِلشَّيْخِ شِهابِ الدِّينِ السَّهْرَوَرْدِيِّ قَتِيلِ حَلَبَ أنَّ تَأْثِيرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ أظْهَرُ الآثارِ السَّماوِيَّةِ وتَأْثِيرَ الشَّمْسِ أظْهَرُ مِن تَأْثِيرِ القَمَرِ وأظْهَرُ الآثارِ بَعْدَ الشُّعاعِ التَّسْخِينُ الحاصِلُ مِنهُ ولَوْلا ذَلِكَ ما كانَ كَوْنٌ ولا فَسادٌ ولا اسْتِحالَةٌ ولا لَيْلٌ ولا نَهارٌ ولا فُصُولٌ ولا مِزاجٌ ولا حَيَواناتٌ ولا غَيْرُها وأطالَ الكَلامَ في بَيانِ ذَلِكَ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ ولا ضَرَرَ عِنْدِي في اعْتِقادِ أنَّهُما مُؤَثِّرانِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى كَسائِرِ الأسْبابِ عِنْدَ السَّلَفِ الصّالِحِ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ . (33) . يَتَعاقَبانِ لِسُباتِكم ومَعاشِكم وأرْجَحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ التَّسْخِيرَ في المَواضِعِ الأرْبَعَةِ إلى مَعْنى التَّصْرِيفِ وأصْلُهُ سِياقُهُ الشَّيْءَ إلى الغَرَضِ المُخْتَصِّ بِهِ قَهْرًا وذَكَرَ أنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ بِهِ مَنِ الإشْعارِ بِما في ذَلِكَ مِن صُعُوبَةِ المَأْخَذِ وعِزَّةِ المَنالِ والدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ …

34

وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَظَلُومٌۭ كَفَّارٌۭ

And He gave you from all you asked of Him. And if you should count the favor of Allah, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.

﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أيْ أعْطاكم بَعْضَ جَمِيعِ ما سَألْتُمُوهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ فَمِن كُلِّ مَفْعُولٌ ثانٍ لِآتى و( مِن ) تَبْعِيضِيَّةٌ وقالَ بَعْضُ الكامِلِينَ: إنَّ ( كُلِّ ) لِلتَّكْثِيرِ والتَّفْخِيمِ لا لِلْإحاطَةِ والتَّعْمِيمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ واعْتُرِضَ عَلى حَمْلِ ( مِن ) عَلى التَّبْعِيضِ دُونَ ابْتِداءِ الغايَةِ بِأنَّهُ يُفْضِي إلى إخْلاءِ لَفْظِ ( كُلِّ ) عَنْ فائِدَةٍ زائِدَةٍ لِأنَّ ( ما ) نَصٌّ في العُمُومِ بَلْ يُوهِمُ إيتاءَ البَعْضِ مِن كُلِّ فَرْدٍ مُتَعَلِّقٍ بِهِ السُّؤالُ ولا وجْهَ لَهُ.

ودُفِعَ بِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ ( ما ) نَصًّا في العُمُومِ هُنا عُمُومانِ عُمُومُ الأفْرادِ وعُمُومُ الأصْنافِ بِمَعْنى كُلِّ صِنْفٍ صِنْفٌ وهُما مَقْصُودانِ هُنا فالمَعْنى أعْطاكم مِن جَمِيعِ أفْرادِ كُلِّ صِنْفٍ سَألْتُمُوهُ فَإنَّ الِاحْتِياجَ بِالذّاتِ إلى النَّوْعِ

صفحة 226

والصِّنْفِ لا لِفَرْدٍ بِخُصُوصِهِ وفَسَّرَ ﴿ما سَألْتُمُوهُ﴾ بِما مِن شَأْنِهِ أنْ يُسْألَ لِاحْتِياجِ النّاسِ إلَيْهِ سَواءٌ سُئِلَ بِالفِعْلِ أمْ لَمْ يُسْألْ فَلا يَنْفِي إيتاءَ ما لا حاجَةَ إلَيْهِ مِمّا يَخْطُرُ بِالبالِ وجَعَلُوا الِاحْتِياجَ إلى الشَّيْءِ سُؤالًا لَهُ بِلِسانِ الحالِ وهو مِن بابِ التَّمْثِيلِ وسَبِيلُ هَذا السُّؤالِ سَبِيلُ الجَوابِ في رَأْيٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ وقِيلَ: الأصْلُ وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وما لَمْ تَسْألُوهُ فَحُذِفَ الثّانِي لِدَلالَةِ ما أُبْقِيَ عَلى ما أُلْقِيَ و( ما ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿سَألْتُمُوهُ﴾ عائِدٌ عَلَيْها والتَّقْدِيرُ مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ إيّاهُ ومَنَعَ أبُو حَيّانَ جَوازَ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلَيْهِ تَعالى ويَكُونُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفًا مُسْتَنِدًا بِأنَّهُ لَوْ قُدِّرَ مُتَّصِلًا لَزِمَ اتِّصالُ ضَمِيرَيْنِ مُتَّحِدَيِ الرُّتْبَةِ مِن دُونِ اخْتِلافٍ وهو لا يَجُوزُ ولَوْ قُدِّرَ مُنْفَصِلًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ القاعِدَةُ في مِثْلِ ذَلِكَ لَزِمَ حَذْفُ العائِدِ المُتَّصِلِ وقَدْ نَصُّوا عَلى عَدَمِ جَوازِهِ. اهَـ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى جَوازِ كِلا التَّقْدِيرَيْنِ مُدَّعِيًا أنَّ مَنعَ اتِّصالِ المُتَحِدَيْنِ رُتْبَةً خاصٌّ فِيما إذا ذُكِرا مَعًا أمّا إذا ذُكِرَ أحَدُهُما وحُذِفَ الآخَرُ فَلا مَنعَ إذِ الِاتِّصالُ حِينَئِذٍ مَحْضُ اعْتِبارٍ وعِلَّةُ المَنعِ لا تَجْرِي فِيهِ وأنَّ مَنعَ حَذْفِ المُنْفَصِلِ خاصٌّ أيْضًا فِيما إذا كانَ الِانْفِصالُ لِغَرَضٍ مَعْنَوِيٍّ كالحَصْرِ في قَوْلِكَ: جاءَ الَّذِي أباهُ ضَرَبْتُ إذْ بِالحَذْفِ حِينَئِذٍ يَفُوتُ ذَلِكَ الغَرَضُ أمّا إذا كانَ لِغَرَضٍ لَفْظِيٍّ كَدَفْعِ اجْتِماعِ المِثْلَيْنِ فَلا مَنعَ إذْ لَيْسَ هُناكَ غَرَضٌ يَفُوتُ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً والكَلامُ في الضَّمِيرِ كَما تَقَدَّمَ وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى والمَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ أيْ مَسْؤُولِكم.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ والحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ وقَتادَةُ وسَلامٌ ويَعْقُوبُ ونافِعٌ في رِوايَةٍ ( مِن كُلٍّ ) بِالتَّنْوِينِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ وسَألْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ وجُوِّزَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ ( ما ) نافِيَةً والمَفْعُولُ الثّانِي ﴿مِن كُلِّ﴾ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ …

35

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًۭا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ

And [mention, O Muhammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيِ اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ

صفحة 233

والمَقْصُودُ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ عَلى نَهْجِ ما قِيلَ في أمْثالِهِ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى: ﴿آمِنًا﴾ أيْ ذا أمْنٍ فَصِيغَةُ فاعِلٍ لِلنَّسَبِ كَلابِنٍ وتامِرٍ لِأنَّ الآمِنَ في الحَقِيقَةِ أهْلُ البَلَدِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا مِن إسْنادِ ما لِلْحالِ إلى المَحَلِّ كَنَهْرٍ جارٍ والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما في البَقَرَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ في الأوَّلِ أنْ يَجْعَلَهُ مِن جُمْلَةِ البِلادِ الَّتِي يَأْمَنُ أهْلُها ولا يَخافُونَ وفي الثّانِي أنْ يُخْرِجَهُ مِن صِفَةٍ كانَ عَلَيْها مِنَ الخَوْفِ إلى ضِدِّها مِنَ الأمْنِ كَأنَّهُ قالَ: هو بَلَدٌ مُخَوَّفٌ فاجْعَلْهُ آمِنًا كَذا في الكَشّافِ وتَحْقِيقُهُ أنَّكَ إذا قُلْتَ: اجْعَلْ هَذا خاتَمًا حَسَنًا فَقَدْ أشَرْتَ إلى المادَّةِ طالِبًا أنْ يُسْبَكَ مِنها خاتَمٌ حَسَنٌ وإذا قُلْتَ: اجْعَلْ هَذا الخاتَمَ حَسَنًا فَقَدْ قَصَدْتَ الحُسْنَ دُونَ الخاتِمِيَّةِ وذَلِكَ لِأنَّ مَحَطَّ الفائِدَةِ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الخَبَرِ وإلى هَذا يَرْجِعُ ما قِيلَ في الفَرْقِ أنَّ في الأوَّلِ سُؤالَ أمْرَيْنِ البَلَدِيَّةِ والأمْنِ وها هُنا سُؤالُ أمْرٍ واحِدٍ وهو الأمْنُ واسْتَشْكَلَ هَذا التَّفْسِيرُ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ سُؤالُ البَلَدِيَّةِ سابِقًا عَلى السُّؤالِ المَحْكِيِّ في هَذِهِ السُّورَةِ وأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الدَّعْوَةُ الأُولى غَيْرَ مُسْتَجابَةٍ.

قالَ في الكَشْفِ: والتَّفَصِّي عَنْ ذَلِكَ إمّا بِأنَّ المَسْؤُولَ أوَّلًا صُلُوحُهُ لِلسُّكْنى بِأنْ يُؤَمِّنَ فِيهِ أهْلَهُ في أكْثَرِ الأحْوالِ عَلى المُسْتَمِرِّ في البِلادِ فَقَدْ كانَ غَيْرَ صالِحٍ لَها بِوَجْهٍ عَلى ما هو المَشْهُورُ في القِصَّةِ وثانِيًا إزالَةُ خَوْفٍ عَرَضٍ كَما يَعْتَرِي البِلادَ الآمِنَةَ أحْيانًا وأمّا بِالحَمْلِ عَلى الِاسْتِدامَةِ وتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ العارِي عَنْهُ مُبالَغَةً أوْ بِأنَّ أحَدَهُما أمْنُ الدُّنْيا والآخَرَ أمْنُ الآخِرَةِ أوْ أنَّ الدُّعاءَ الثّانِيَ صَدَرَ قَبْلَ اسْتِجابَةِ الأوَّلِ وذَكَرَ بِهَذِهِ العِبارَةِ إيماءً إلى أنَّ المَسْؤُولَ الحَقِيقِيَّ هو الأمْنُ والبَلَدِيَّةُ تَوْطِئَةً لا أنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِجابَةِ عَراهُ خَوْفٌ وكَأنَّهُ بَنى الكَلامَ عَلى التَّرَقِّي فَطَلَبَ أوَّلًا أنْ يَكُونَ بَلَدًا آمِنًا مِن جُمْلَةِ البِلادِ الَّتِي هي كَذَلِكَ ثُمَّ لِتَأْكِيدِ الطَّلَبِ جَعَلَهُ مُخَوَّفًا حَقِيقَةً فَطَلَبَ الأمْنَ لِأنَّ دُعاءَ المُضْطَرِّ أقْرَبُ إلى الإجابَةِ ولِذا ذَيَّلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أسْكَنْتُ﴾ .. إلَخْ. اهَـ.

وهُوَ مَبْنِيٌّ عَلى تَعَدُّدِ السُّؤالِ وإنْ حُمِلَ عَلى وحْدَتِهِ وتَكْرِيرِ الحِكايَةِ كَما اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهم واسْتَظْهَرَ آخَرُونَ الأوَّلَ لِتَغايُرِ التَّعْبِيرِ في المَحَلَّيْنِ فالظّاهِرُ أنَّ المَسْؤُولَ كِلا الأمْرَيْنِ وقَدْ حَكى أوَّلًا واقْتَصَرَ ها هُنا عَلى حِكايَةِ سُؤالِ الأمْنِ لِأنَّ سُؤالَ البَلَدِيَّةِ قَدْ حُكِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ إذِ المَسْؤُولُ هَوْيُها إلَيْهِمُ المُساكَنَةُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لا لِلْحَجِّ فَقَطْ وهو عَيْنُ سُؤالِ البِلادِيَّةِ وقَدْ حُكِيَ بِعِبارَةٍ أُخْرى عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ أوْ لِأنَّ نِعْمَةَ الأمْنِ أدْخَلُ في اسْتِيجابِ الشُّكْرِ فَذَكَرَهُ …

36

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me; and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.

﴿رَبِّ إنَّهُنَّ﴾ أيِ الأصْنامُ ﴿أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أيْ تَسَبَّبْنَ لَهُ في الضَّلالِ فَإسْنادُ الإضْلالِ إلَيْهِمْ مَجازِيٌّ لِأنَّهُنَّ جَمادٌ لا يُعْقَلُ مِنهُنَّ ذَلِكَ والمُضِلُّ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى وهَذا تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ السّابِقِ وصُدِّرَ بِالنِّداءِ إظْهارًا لِلِاعْتِناءِ بِهِ ورَغْبَةً في اسْتِجابَتِهِ ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ مِنهم فِيما أدْعُو إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ومِلَّةِ الإسْلامِ ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن تَبْعِيضِيَّةً عَلى التَّشْبِيهِ أيْ فَإنَّهُ كَبَعْضِي في عَدَمِ الِانْفِكاكِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اتِّصالِيَّةً كَما في «قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى» أيْ فَإنَّهُ مُتَّصِلٌ بِي لا يَنْفَكُّ عَنِّي في أمْرِ الدِّينِ وتَسْمِيَتُها اتِّصالِيَّةً لِأنَّهُ يُفْهَمُ مِنها اتِّصالُ شَيْءٍ بِمَجْرُورِها وهي ابْتِدائِيَّةٌ إلّا أنَّ ابْتِدائِيَّتَهُ بِاعْتِبارِ الِاتِّصالِ كَذا في حَواشِي شَرْحِ المِفْتاحِ لِلشَّرِيفِيِّ يَعْنِي أنَّ مَجْرُورَها لَيْسَ مَبْدَأً أوْ مَنشَأً لِنَفْسِ ما قَبْلَها بَلْ لِاتِّصالِهِ فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَلِّقُها فِعْلًا خاصًّا كَما قالَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في بَيانِ الخَبَرِ مِن أنَّ مِنِّي فِيهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ومِنَ اتِّصالِيَّةٌ ومُتَعَلِّقُ الخَبَرِ خاصٌّ والباءُ زائِدَةٌ بِمَعْنى أنْتَ مُتَّصِلٌ بِي ونازِلٌ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى وإمّا أنْ يُقَدَّرَ فِعْلٌ عامٌّ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّرِيفُ هُناكَ أيْ مَنزِلَتُهُ بِمَنزِلَةٍ كائِنَةٍ وناشِئَةٍ مِنِّي كَمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ وتَقْدِيرُهُ خاصًّا هُنا كَما فَعَلْنا عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها اتِّصالِيَّةً مِمّا يَسْتَطِيبُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ دُونَ تَقْدِيرِهِ عامًّا ﴿ومَن عَصانِي﴾ أيْ لَمْ يَتْبَعْنِي والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالعِصْيانِ كَما قِيلَ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَمِرٌّ عَلى الدَّعْوَةِ وأنَّ عَدَمَ اتِّباعِ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ إنَّما هو لِعِصْيانِهِ لا لِأنَّ الدَّعْوَةَ لَمْ تَبْلُغْهُ وفي البَحْرِ أنَّ بَيْنَ الِاتِّباعِ والعِصْيانِ طِباقًا مَعْنَوِيًّا لِأنَّ الِاتِّباعَ طاعَةٌ ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . (36) . أيْ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ وتَرْحَمَهُ وفي الكَلامِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ البَعْضُ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ومَن عَصانِي فَلا أدْعُو عَلَيْهِ فَإنَّكَ .. إلَخْ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الشِّرْكَ يَجُوزُ أنْ يُغْفَرَ ولا إشْكالَ في ذَلِكَ بِناءً عَلى ما قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ مِن أنَّ مَغْفِرَةَ الشِّرْكِ كانَتْ في الشَّرائِعِ القَدِيمَةِ جائِزَةً في أُمَمِهِمْ وإنَّما امْتَنَعَتْ في شَرْعِنا.

واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِأنَّ مَغْفِرَةَ الشِّرْكِ لَمْ تَكُنْ جائِزَةً في شَرِيعَةٍ مِنَ الشَّرائِعِ في تَوْجِيهِ الآيَةِ فَمِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بَعْدَ التَّوْبَةِ ونَسَبَ ذَلِكَ إلى السُّدِّيِّ ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى تَقْيِيدِ العِصْيانِ بِما دُونَ الشِّرْكِ وغَفَلَ عَمّا تَقْتَضِيهِ المُعادَلَةُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُقاتِلٍ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ المَعْنى ومَن عَصانِي بِإقامَتِهِ عَلى الكُفْرِ فَإنَّكَ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ وتَرْحَمَهُ بِأنْ تَنْقُلَهُ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ والإسْلامِ وتَهْدِيَهُ إلى الصَّوابِ ومِنهم مَن قالَ: المَعْنى ومَن لَمْ يَتْبَعْنِي فِيما أدْعُو إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وأقامَ عَلى …

37

رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةًۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ

Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.

﴿رَبَّنا﴾ قالَ في البَحْرِ كَرَّرَ النِّداءَ رَغْبَةً في الإجابَةِ والِالتِجاءِ إلَيْهِ تَعالى وأتى بِضَمِيرِ الجَماعَةِ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذِكْرُ بَنِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي ضَمِيرَ الجَماعَةِ في ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ﴾ .. إلَخْ مَعَ أنَّهُ جِيءَ فِيهِ بِضَمِيرِ الواحِدِ فالوَجْهُ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّ الدُّعاءَ المُصَدَّرَ بِهِ وما هو بِصَدَدِ تَمْهِيدِ مَبادِي إجابَتِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أسْكَنْتُ﴾ .. إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِذُرِّيَّتِهِ فالتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهم أدْخَلُ في القَبُولِ وإجابَةُ المَسْؤُولِ والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ فِيما قَصَدَهُ مِنَ الخَبَرِ و( مِن ) في قَوْلِهِ ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ بِمَعْنى بَعْضٍ وهي في تَأْوِيلِ المَفْعُولِ بِهِ أيْ أسْكَنْتُ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَتَهُ سَدَّتْ مَسَدَّهُ أيْ أسْكَنْتُ ذُرِّيَّةً مِن ذُرِّيَّتِي و( مِن ) تَحْتَمِلُ التَّبْعِيضَ والتَّبْيِينَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ( مِن ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ لا يَرْتَضِيهِ سَلِيمُ البَصِيرَةِ كَما لا يَخْفى والمُرادُ بِالمَسْكَنِ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن سَيُولَدُ لَهُ فَإنَّ إسْكانَهُ حَيْثُ كانَ عَلى وجْهِ الِاطْمِئْنانِ مُتَضَمِّنٌ لِإسْكانِهِمْ والدّاعِي لِلتَّعْمِيمِ عَلى ما قِيلَ قَوْلُهُ الآتِي: ﴿لِيُقِيمُوا﴾ .. إلَخْ ولا يَخْفى أنَّ الإسْكانَ لَهُ حَقِيقَةٌ ولِأوْلادِهِ مَجازٌ فَمَن لَمْ يُجَوِّزِ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ يَرْتَكِبُ لِذَلِكَ عُمُومَ المَجازِ وهَذا الإسْكانُ بَعْدَما كانَ بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ أهْلِهِ ما كانَ.

وذَلِكَ أنَّ هاجَرَ أمَّ إسْماعِيلَ كانَتْ أمَةً مِنَ القِبْطِ لِسارَةَ فَوَهَبَتْها مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا ولَدَتْ لَهُ إسْماعِيلَ غارَتْ فَلَمْ تُقارُّهْ عَلى كَوْنِهِ مَعَها فَأخْرَجَها وابْنَها إلى أرْضِ مَكَّةَ فَوَضَعَهُما عِنْدَ البَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ في أعْلى المَسْجِدِ ولَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ ولَيْسَ بِها ماءٌ ووَضَعَ عِنْدَهُما جِرابًا فِيهِ تَمْرٌ وسِقاءٌ فِيهِ ماءٌ ثُمَّ قَفِيَ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ هاجَرُ فَقالَتْ: يا إبْراهِيمُ أيْنَ تَذْهَبُ وتَتْرُكُنا بِهَذا الوادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أنِيسٌ ولا شَيْءٌ قالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرارًا وجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إلَيْها فَقالَتْ لَهُ: اللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا قالَ: نَعَمْ قالَتْ: إذَنْ لا يُضَيِّعُنا ثُمَّ رَجَعَتْ وانْطَلَقَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى إذا عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ وكانَ إذْ ذاكَ مُرْتَفِعًا مِنَ الأرْضِ كالرّابِيَةِ تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ ثُمَّ دَعا بِهَذِهِ الدَّعَواتِ ورَفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ﴾ إلى ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ ثُمَّ إنَّها جَعَلَتْ تُرْضِعُ ابْنَها وتَشْرَبُ مِمّا في السِّقاءِ حَتّى إذا نَفِدَ عَطِشَتْ وعَطِشَ ابْنُها وجَعَلَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ يَتَلَبَّطُ فانْطَلَقَتْ كَراهِيَةَ أنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ فَوَجَدَتِ الصَّفا أقْرَبَ جَبَلٍ يَلِيها فَقامَتْ

صفحة 237

عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرى أحَدًا فَلَمْ تَرَ فَهَبَطَتْ حَتّى إذا بَلَغَتِ الوادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِها ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإنْسانِ المَجْهُودِ حَتّى جاوَزَتْهُ ثُمَّ أتَتِ المَرْوَةَ فَقامَتْ عَلَيْها ونَظَرَتْ هَلْ تَرى أحَدًا فَلَمْ تَرَ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرّاتٍ …

38

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allah on the earth or in the heaven.

﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ مِنَ الحاجاتِ وغَيْرِها وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ أنَّ مُرادَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما نُخْفِي مِن حُبِّ إسْماعِيلَ وأُمِّهِ وما نُعْلِنُ لِسارَةَ مِنَ الجَفاءِ لَهُما وقِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ لِما وقَعَ بَيْنَنا مِنَ الفُرْقَةِ وما نُعْلِنُ مِنَ البُكاءِ والدُّعاءِ وقِيلَ: ما نُخْفِي مِن كَآبَةِ الِافْتِراقِ وما نُعْلِنُ مِمّا جَرى بَيْنَنا وبَيْنَ هاجَرَ عِنْدَ الوَداعِ مِن قَوْلِها: إلى مَن تَكِلُنا وقَوْلِي لَها: إلى اللَّهِ تَعالى و( ما ) في جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ والظّاهِرُ العُمُومُ وهو المُخْتارُ والمُرادُ بِما نُخْفِي عَلى ما قِيلَ ما يُقابِلُ لا ما نُعْلِنُ سَواءً

صفحة 241

تَعَلَّقَ بِهِ الإخْفاءُ أوْ لا أيْ تَعْلَمُ ما نُظْهِرُهُ وما لا نُظْهِرُهُ فَإنَّ عِلْمَهُ تَعالى مُتَعَلِّقٌ بِما لا يَخْطُرُ بِبالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأحْوالِ الخَفِيَّةِ وتَقْدِيمُ ﴿ما نُخْفِي﴾ عَلى ( ما نُعْلِنُ ) لِتَحْقِيقِ المُساواةِ بَيْنَهُما في تَعَلُّقِ العِلْمِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَكانَ تَعَلُّقُهُ بِما يُخْفى أقْدَمَ مِنهُ بِما يُعْلَنُ أوْ لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ والخَفاءِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ العَلَنِ إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلَنُ إلّا وهو قَبْلَ ذَلِكَ خَفِيٌّ فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحالَتِهِ الأُولى أقْدَمُ مِن تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ وجَعَلَ بَعْضُهم ( ما ) مَصْدَرِيَّةً والتَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ لِتَحْقِيقِ المُساواةِ أيْضًا ومِن هُنا قِيلَ: أيْ تَعْلَمُ سِرَّنا كَما تَعْلَمُ عَلَنَنا.

والمَقْصُودُ مِن فَحْوى كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ إظْهارَ هَذِهِ الحاجاتِ وما هو مِن مَبادِيها وتَتِمّاتِها لَيْسَ لِكَوْنِها غَيْرَ مَعْلُومَةٍ لَكَ بَلْ إنَّما هو لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ والتَّخَشُّعِ لِعَظَمَتِكَ والتَّذَلُّلِ لِعِزَّتِكَ وعَرْضِ الِافْتِقارِ لِما عِنْدَكَ والِاسْتِعْجالِ لِنِيلِ أيادِيكَ وقِيلَ: أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّكَ أعْلَمُ بِأحْوالِنا ومَصالِحِنا وأرْحَمُ بِنا مِن أنْفُسِنا فَلا حاجَةَ لَنا إلى الطَّلَبِ لَكِنْ نَدْعُوكَ لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ إلى آخِرِهِ وقَدْ أشارَ السَّهَرَوَرْدِيُّ إلى أنَّ ظُهُورَ الحالِ يُغْنِي عَنِ السُّؤالِ بِقَوْلِهِ: .

ويَمْنَعُنِي الشَّكْوى إلى النّاسِ أنَّنِي عَلِيلٌ ومَن أشْكُو إلَيْهِ عَلِيلُ

ويَمْنَعُنِي الشَّكْوى إلى اللَّهِ أنَّهُ ∗∗∗ عَلِيمٌ بِما أشْكُوهُ قَبْلَ أقُولُ

وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْمُبالَغَةِ في الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ وضَمِيرُ الجَماعَةِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِأنَّ المُرادَ لَيْسَ مُجَرَّدَ عِلْمِهِ تَعالى بِما يَخْفى وما يُعْلَنُ بَلْ بِجَمِيعِ خَفايا المُلْكِ والمَلَكُوتِ وقَدْ حَقَّقَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ . (38) لَمّا أنَّ عِلْمَهُ تَعالى ذاتِيٌّ فَلا يَتَفاوَتُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مَعْلُومٌ دُونَ مَعْلُومٍ وقالَ أبُو حَيّانَ: لا يَظْهَرُ تَفاوُتٌ بَيْنَ إضافَةِ رَبٍّ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ وبَيْنَ إضافَتِهِ إلى جَمْعِ المُتَكَلِّمِ. اهَـ. ومِمّا نَقَلْنا يُعْلَمُ وجْهُ إضافَةِ ( رَبِّ ) هُنا إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ ولا أدْرِي ماذا أرادَ أبُو حَيّانَ بِكَلامِهِ هَذا وما يَرُدُّ عَلَيْهِ أظْهَرَ مِن أنْ يَخْفى وإنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما يَخْفى﴾ إلى آخِرِهِ دُونَ أنْ يَقُولَ: ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ تَحْقِيقًا لِما عَناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَعْلَمُ ما نُخْفِي﴾ مِن أنَّ عِلْمَهُ …

39

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ

Praise to Allah, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ﴾ أيْ مَعَ كِبَرِ سِنِّي ويَأْسِي عَنِ الوَلَدِ فَعَلى بِمَعْنى مَعَ كَما في قَوْلِهِ: .

صفحة 242

إنِّي عَلى ما تَرِينَ مِن كِبَرِي أعْرِفُ مِن أيْنَ تُؤْكَلُ الكَتِفُ

والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ اسْتِعْظامًا لِلنِّعْمَةِ وإظْهارًا لِشُكْرِها وسَيَصِحُّ جَعْلُ ( عَلى ) بِمَعْناها الأصْلِيِّ والِاسْتِعْلاءُ مَجازِيٌّ كَما في البَحْرِ ومَعْنى اسْتِعْلائِهِ عَلى الكِبَرِ أنَّهُ وصَلَ غايَتَهُ فَكَأنَّهُ تَجاوَزَهُ وعَلا ظَهْرَهُ كَما يُقالُ: عَلى رَأْسِ السَّنَةِ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى وقالَ بَعْضُهم: لَوْ كانَتْ لِلِاسْتِعْلاءِ لَكانَ الأنْسَبُ جَعْلَ الكِبَرِ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِمْ: عَلَيَّ دَيْنٌ وقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ بَلِ الكِبَرُ أوْلى بِالِاسْتِعْلاءِ مِنهُما حَيْثُ يَظْهَرُ أثَرُهُ في الرَّأْسِ ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ نَعَمْ يُمْكِنُ أنْ تَجْرِيَ عَلى حَقِيقَتِها بِجَعْلِها مُتَعَلِّقَةً بِالتَّمَكُّنِ والِاسْتِمْرارِ أيْ مُتَمَكِّنًا مُسْتَمِرًّا عَلى الكِبَرِ وهو الأنْسَبُ لِإظْهارِ ما في الهَيْئَةِ مِنَ الآيَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ في أوَّلِ الكِبَرِ. اهَـ. وفِيهِ غَفْلَةٌ عَمّا ذَكَرْنا ﴿إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ وهَبَ لَهُ إسْماعِيلَ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ ووَهَبَ لَهُ إسْحاقَ وهو ابْنُ مِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وفي رِوايَةٍ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ لِأرْبَعٍ وسِتِّينَ وإسْحاقُ لِسَبْعِينَ وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ لَمْ يُولَدْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا بَعْدَ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ﴿إنَّ رَبِّي﴾ ومالِكَ أمْرِي ﴿لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ . (39) أيْ لَمُجِيبُهُ فالسَّمْعُ بِمَعْنى القَبُولِ والإجابَةُ مَجازٌ كَما في سَمِعَ اللَّهُ تَعالى لِمَن حَمِدَهُ وقَوْلِهِمْ: سَمِعَ المَلِكُ كَلامَهُ إذا اعْتَدَّ بِهِ وقَبِلَهُ وهو فَعِيلٌ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ وأعْمَلَهُ سِيبَوَيْهِ وخالَفَ في ذَلِكَ جُمْهُورَ البَصْرِيِّينَ وخالَفَ الكُوفِيُّونَ فِيهِ وفي إعْمالِ سائِرِ أمْثِلَتِها وهو إذا قُلْنا بِجَوازِ عَمَلِهِ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ أنْ أُرِيدَ بِهِ المُسْتَقْبَلُ وقِيلَ: إنَّهُ غَيْرُ عامِلٍ لِأنَّهُ قَصَدَ بِهِ الماضِيَ أوِ الِاسْتِمْرارَ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مُضافًا لِفاعِلِهِ المَجازِيِّ فالأصْلُ سَمِيعٌ دُعاؤُهُ بِجَعْلِ الدُّعاءِ نَفْسِهِ سامِعًا والمُرادُ أنَّ المَدْعُوَّ وهو اللَّهُ تَعالى سامِعٌ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِاسْتِلْزامِهِ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ وهو مُتَعَدٍّ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عِنْدَ الفارِسِيِّ حَيْثُ لا يَكُونُ لَبْسٌ نَحْوَ زَيْدٌ ظالِمٌ العَبِيدَ إذا عُلِمَ أنَّ لَهُ عَبِيدًا ظالِمِينَ وها هُنا فِيهِ إلْباسٌ لِظُهُورِ أنَّهُ مِن إضافَةِ المِثالِ لِلْمَفْعُولِ انْتَهى وهو كَلامٌ مَتِينٌ.

والقَوْلُ بِأنَّ اللَّبْسَ مُنْتَفٍ لِأنَّ المَعْنى عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ كَلامٌ واهٍ لِأنَّ المَجازَ خِلافُ الظّاهِرِ فاللَّبْسُ فِيهِ أشَدُّ ومِثْلُهُ القَوْلُ بِأنَّ عَدَمَ اللَّبْسِ إنَّما يُشْتَرَطُ في إضافَتِهِ إلى فاعِلِهِ عَلى القَطْعِ وهَذا كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن تَتِمَّةِ الحَمْدِ والشُّكْرِ لِما فِيهِ مِن وصْفِهِ تَعالى بِأنَّ قَبُولَ الدُّعاءِ عادَتُهُ سُبْحانَهُ المُسْتَمِرَّةُ تَعْلِيلٌ عَلى طَرِيقِ التَّذْيِيلِ لِلْهِبَةِ المَذْكُورَةِ وفِيهِ إيذانٌ بِتَضاعِيفِ النِّعْمَةِ فِيها حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ …

40

رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ

My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.

قالَ هَذا بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ ووَحَّدَ عَلَيْهِ السَّلامُ الضَّمِيرَ في ﴿رَبِّ﴾

صفحة 243

وإنْ كانَ عَقِيبَ ذِكْرِ الوَلَدَيْنِ لِما أنَّ نِعْمَةَ الهِبَةِ فائِضَةٌ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ خاصَّةً وهُما مِنَ النِّعَمِ لا مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ مُعَدِّلًا لَها فَهو مَجازٌ مِن أقَمْتُ العُودَ إذا قَوَّمْتُهُ وأرادَ بِهَذا الدُّعاءِ الدَّيْمُومَةَ عَلى ذَلِكَ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المَعْنى مُواظِبًا عَلَيْها وبَعْضُ عُظَماءِ العُلَماءِ أخَذَ الأمْرَيْنِ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ عَلى أنَّ الثّانِيَ قَيْدٌ لِلْأوَّلِ مَأْخُوذٌ مِن صِيغَةِ الِاسْمِ والعُدُولُ عَنِ الفِعْلِ كَما أنَّ الأوَّلَ مَأْخُوذٌ مِن مَوْضُوعِهِ عَلى ما قِيلَ فَلا يَلْزَمُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّيْنِ وتَوْحِيدُ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَعَ شُمُولِ دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِذُرِّيَّتِهِ أيْضًا حَيْثُ قالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ المُقْتَدى في ذَلِكَ وذُرِّيَّتُهُ أتْباعٌ لَهُ فَإنَّ ذِكْرَهم بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ ومِن لِلتَّبْعِيضِ والعَطْفُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ عَلى مَفْعُولِ اجْعَلِ الأوَّلِ أيْ ومِن ذُرِّيَّتِي مُقِيمُ الصَّلاةِ.

وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ في الحَقِيقَةِ صِفَةٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلى ذَلِكَ أيْ وبَعْضًا مِن ذُرِّيَّتِي ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ كانَ رَكِيكًا وإنَّما خَصَّ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الدُّعاءَ بِبَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ لِعِلْمِهِ مِن جِهَتِهِ تَعالى أنَّ بَعْضًا مِنهم لا يَكُونُ مُقِيمَ الصَّلاةِ بِأنْ يَكُونَ كافِرًا أوْ مُؤْمِنًا لا يُصَلِّي وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلِمَ مِنَ اسْتِقْرائِهِ عادَةَ اللَّهِ تَعالى في الأُمَمِ الماضِيَةِ أنْ يَكُونَ في ذُرِّيَّتِهِ مِن لا يُقِيمُها وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ .

﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ . (40) ظاهِرُهُ دُعائِيَ هَذا المُتَعَلِّقَ بِجَعْلِي وجَعْلِ بَعْضِ ذُرِّيَّتِي مُقِيمِي الصَّلاةِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ وقِيلَ: الدُّعاءُ بِمَعْنى العِبادَةِ أيْ تَقَبَّلْ عِبادَتِيَ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الأنْسَبَ أنْ يُقالَ فِيهِ دُعاءَنا حِينَئِذٍ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ ( دُعائِي ) بِياءٍ ساكِنَةٍ في الوَصْلِ وفي رِوايَةِ البَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ يَصِلُ ويَقِفُ بِياءِ.

وقالَ قُنْبُلٌ: إنَّهُ يُشِمُّ الياءَ في الوَصْلِ ولا يُثْبِتُها ويَقِفُ عَلَيْها بِالألِفِ

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.