Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 31–40 of 52

31

قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ

[O Muhammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange, nor any friendships.

ولَمّا ذَكَرَ كُفْرَهم وضَلالَهم عَنِ السَّبِيلِ وما أمَرَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَقُولَ لَهُمْ، وكانَ ذَلِكَ مُحَرِّكًا لِنَفْسِ السّامِعِ إلى الوُقُوفِ عَلى ما يُقالُ لِمَن خَلَعَ الأنْدادَ وكانَ أوْثَقَ عُرى السَّبِيلِ بَعْدَ الإيمانِ وأعَمَّها الصَّلاةُ النّاهِيَةُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، والنَّفَقَةِ الشّامِلَةِ لِوُجُوهِ البِرِّ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يَنْدُبَ أوْلِياءَهُ إلى الإقْبالِ إلى [ما] أعْرَضَ [عَنْهُ] أعْداؤُهُ، والإعْراضُ عَمّا أقْبَلُوا بِالتَّمَتُّعِ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ، فَقالَ ﴿قُلْ لِعِبادِيَ﴾ فَوَصَفَهم بِأشْرَفِ أوْصافِهِمْ، وأضافَهم إلى ضَمِيرِهِ الشَّرِيفِ تَحْبِيبًا لَهم فِيهِ، ثُمَّ أتْبَعَ هَذا الوَصْفَ ما يُناسِبُهُ مِن إذْعانِهِمْ لِسَيِّدِهِمْ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ.

ولَمّا كانَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ أحْسَنَ قَوْلٍ، فَهو جالٍ لِصَدَأِ القُلُوبِ، ومُوجِبٌ لِتَهْذِيبِ النُّفُوسِ، قالَ جازِمًا: ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ الَّتِي هي زَكاةُ القُوَّةِ وصِلَةُ العَبْدِ بِرَبِّهِ ﴿ويُنْفِقُوا﴾ وخَفَّفَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ [أيْ] بِعَظَمَتِنا، فَهو لَنا دُونَهُمْ، مِن أنْواعِ النَّفَقاتِ المُقَيِّمَةِ لِشَرائِعِهِ مِنَ الصَّدَقاتِ وغَيْرِها، إتْقانًا لِما بَيْنَهم وبَيْنَهُ [مِنَ الأسْبابِ] لِيُنْقِذُوا أنْفُسَهم مِنَ النّارِ، واقْتَصَرَ عَلى هاتَيْنِ الخَلَّتَيْنِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ في مَكَّةَ غَيْرُهُما مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن فَضْلِهِما وعُمُومِهِما، ولَعَلَّهُ سِيقَ سِياقَ الشَّرْطِ تَنْبِيهًا [لَهُمْ] عَلى أنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ أقْوى الأسْبابِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ إلّا يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ أصْلًا؛ ثُمَّ أشارَ إلى المُداوَمَةِ عَلى هاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسِّرِّ النّافِلَةِ، وبِالعَلانِيَةِ الفَرْضُ؛ ثُمَّ رَهَّبَ مَن تَهاوَنَ في خِدْمَتِهِ مِنَ اليَوْمِ الَّذِي كانَ الإعْراضُ [عَنْهُ] سَبَبَ الضَّلالِ، فَقالَ مُشِيرًا بِالجارِّ إلى قِصَرِ مُدَّةِ أعْمالِهِمْ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ جِدًّا لَيْسَ هو كَشَيْءٍ مِنَ الأيّامِ الَّتِي تَعْرِفُونَها ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ لِأسِيرٍ بِفِداءٍ ﴿ولا خِلالٌ﴾ أيْ مُخالّاتٍ [ومُوادّاتٍ] يَكُونُ عَنْها شَفاعَةٌ أوْ نَصْرٌ، جَمْعُ خِلَّةٍ كَقِلَّةٍ وقِلالٍ، أوْ هو مَصْدَرٌ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنهُما سَبَبًا لِخَلاصِ هالِكٍ.

32

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَٰرَ

It is Allah who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.

ولَمّا نَفى جَمِيعَ الأسْبابِ النّافِعَةِ في الدُّنْيا في ذَلِكَ [اليَوْمَ]، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَمِنَ الحُكْمُ فِيهِ حَتّى أنَّهُ يَسِيرُ سَيْرَةً لا نَعْرِفُها؟ فَقِيلَ: ”اللَّهُ“ أيِ المَلِكُ الأعْلى المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِصِفاتٍ تَدُلُّ عَلى ما دَعا إلَيْهِ [الرُّسُلُ] مِن وحْدانِيَّتِهِ وما أُخْبِرُوا بِهِ مِن قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مُغالَبَتِهِ، وعَلى المَعادِ وعَلى غِناهُ فَلا يُبايِعُ، فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وهُما أكْبَرُ خَلْقًا مِنكم وأعْظَمُ شَأْنًا، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِأدَلِّ الأُمُورِ عَلى الإعادَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن عَظِيمِ المِنَّةِ بِأنَّ بِهِ الحَياةَ، فَقالَ: ﴿وأنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾

ولَمّا كانَ ذَلِكَ سَبَبُ النُّمُوِّ قالَ: ﴿فَأخْرَجَ بِهِ﴾ أيِ بِالماءِ الَّذِي جَعَلَ مِنهُ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ أيِ الشَّجَرِيَّةِ وغَيْرِهِما ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ بَعْدَ يَبَسِ [الأرْضِ] وجَفافِ نَباتِها، ولَيْسَ ذَلِكَ بِدُونِ إحْياءِ المَوْتى؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ ما ادَّخَرَهُ في الأرْضِ مِن مِياهِ البِحارِ والأنْهارِ، [وذَكَرَ أعَمَّ ما يَظْهَرُ مِنَ البِحارِ] فَقالَ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ﴾ وعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَجْرِيَ في البَحْرِ﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا باهِرًا لِلْعَقْلِ، بَيَّنَ عَظَمَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأمْرِهِ﴾ ولَمّا كانَتِ الأنْهارُ مِنَ النِّعَمِ الكِبارِ بَعْدَ نِعْمَةِ البِحارِ، قالَ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾

33

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ

And He subjected for you the sun and the moon, continuous [in orbit], and subjected for you the night and the day.

ثُمَّ أتْبَعَهُ ما جَعَلَهُ سَبَبًا لِكَمالِ التَّصَرُّفِ وإنْضاجِ الثِّمارِ المَسْقِيَّةِ بِالماءِ [النّازِلِ] مِنَ السَّماءِ والنّابِعِ مِنَ الأرْضِ فَقالَ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ حالَ كَوْنِهِما ﴿دائِبَيْنِ﴾ أيْ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وما يَنْشَأُ عَنْهُما مِنَ الإصْلاحِ بِالطَّبْخِ والإنْضاجِ في المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ؛ قالَ الرُّمانِيُّ: والدَّؤُوبُ: مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ جارِيَةٍ فِيهِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما يَنْشَأُ عَنْ وُجُودِ الشَّمْسِ وعَدَمِها فَقالَ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ أيِ الَّذِي القَمَرُ آيَتُهُ ﴿والنَّهارَ﴾ [أيِ] الَّذِي الشَّمْسُ آيَتُهُ، يُوجَدُ كُلٌّ مِنهُما بَعْدَ تَصَرُّمِهِ، ولَوْ كانَ أحَدُهُما سَرْمَدًا لاخْتَلَّ الحالُ بِعَدَمِ النَّباتِ والحَيَوانِ كَما هو كَذَلِكَ حَيْثُ لا تَغْرُبُ الشَّمْسُ في الجَنُوبِ وحَيْثُ لا تَطْلَعُ في الشَّمالِ؛

34

وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَظَلُومٌۭ كَفَّارٌۭ

And He gave you from all you asked of Him. And if you should count the favor of Allah, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.

ثُمَّ عَمَّ [بَعْدَ] أنَّ خَصَّ فَقالَ: ﴿وآتاكُمْ﴾ .

ولَمّا كانَ الكَمالُ لا يَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ قالَ: ﴿مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أيْ ما أنْتُمْ مُحْتاجُونَ إلَيْهِ فَأنْتُمْ سائِلُوهُ بِالقُوَّةِ؛ ثُمَّ حَقَّقَ وجْهَ العَظْمِ بِفَرْضِ ما يُوجِبُ العَجْزَ فَقالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا﴾ أيُّها النّاسُ كُلُّكم ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أيْ تَرُومُوا عَدَّ إنْعامِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ أوْ تَأْخُذُوا في عَدِّهِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالنِّعْمَةِ إرْشادًا إلى الِاسْتِدْلالِ بِالأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿لا تُحْصُوها﴾ أيْ لا تُحِيطُوا بِها ولا تَعْرِفُوا عَدَّ الحَصى المُقابَلَةِ لَها إنْ عَدَدْتُمُوها [بِها] كَما كانَتْ عادَةُ العَرَبِ، أوْ لا [تَجِدُوا] مِنَ الحَصى ما يُوفِي بِعَدَدِها، هَذا في النِّعْمَةِ الواحِدَةِ فَكَيْفَ بِما زادَ! فَهَذا شَرْحُ قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٢] وقَدْ ظَهَرَ بِهِ أنَّهُ لا يُوجَدُ شَيْءٌ [إلّا هو مِلْكُ اللَّهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُوجَدَ شَيْءٌ] يُدايِنُهُ فَضْلًا عَنْ شَيْءٍ يُماثِلُهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بَيْعَ ولا خِلالَ يَوْمَ دَيْنُونَةِ العِبادِ، وتَقْرِيبِ العَجْزِ عَنِ العَدِّ لِلْإفْهامِ أنَّ السَّلامَةَ مِن كُلِّ داءٍ ذَكَرَهُ الأطِبّاءُ في كُتُبِهِمْ - عَلى كَثْرَتِها وطُولِها - نِعْمَةً عَلى العَبْدِ، وذَلِكَ مُتَعَسِّرُ الحَصْرِ، وكُلُّ ما ذَكَرُوهُ صَرِيحًا في جَنْبِ ما دَخَلَ تَحْتَ كُلِّيّاتِهِمْ تَلْوِيحًا - قَلِيلٌ، فَكَيْفَ بِما لَمْ يُطْلِعْهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَمْ يَهْدِهِمْ بِوَجْهٍ إلَيْهِ، هَذا في الجِسْمِ، وأمّا في العَقْلِ فالسَّلامَةُ مِن كُلِّ عَقْدٍ زائِغٍ، ودِينٍ باطِلٍ [وضَلالٍ] مائِلٍ، وذَلِكَ لا يُحْصِيهِ إلّا خالِقُ الفِكْرِ وفاطِرُ الفِطْرَ سُبْحانَهُ، ما أعَزَّهُ وأعْظَمَ شَأْنِهِ! .

ولَمّا كانَ أكْثَرُ هَذِهِ السُّورَةِ في بَيانِ الكَفَرَةِ وما لَهُمْ، وبَيانِ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ هالَكٌ مُعْرِضٌ عَمّا يَأْتِيهِ مِن نِعْمَةِ الهِدايَةِ عَلى أيْدِي الرُّسُلِ الدُّعاةُ إلى مَن لَهُ جَمِيعُ النِّعَمِ لِلْحَياةِ الطَّيِّبَةِ بِسَعادَةِ الدّارِينَ، خَتَمَ الآيَةَ بِبَيانِ ما اقْتَضى ذَلِكَ مِن صِفاتِ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعِ لِما لَهُ مِنَ الأُنْسِ بِنَفْسِهِ، والنِّسْيانِ لِما يَنْفَعُهُ ويَضُرُّهُ، والِاضْطِرابُ بِسَبَبِ ما يَغُمُّهُ ويَسُرُّهُ ﴿لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ أيْ بَلِيغِ الظُّلْمِ والكُفْرِ حَيْثُ يُهْمِلُ الشُّكْرَ، ويَتَعَدّاهُ إلى الكُفْرِ، وخَتَمَ مِثْلَ ذَلِكَ في [سُورَةِ النَّحْلِ] ب ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] لِأنَّ تِلْكَ سُورَةُ النِّعَمِ، بُدِئَتْ بِالنَّهْيِ عَنِ اسْتِعْجالِ العَذابِ، لِأنَّ الرَّحْمَةَ أسْبَقُ، ومِنَ الرَّحْمَةِ إمْهالُ النّاسِ وإمْتاعُهم بِالمَنافِعِ، فالتَّقْدِيرُ إذَنْ هُناكَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ ولَكِنَّ رَبَّهُ لا يُعاجِلُهُ بِالعُقُوبَةِ لِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وأمّا هَذِهِ السُّورَةُ فَبُدِئَتْ بِأنَّ النّاسَ في الظُّلُماتِ.

35

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًۭا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ

And [mention, O Muhammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.

ولَمّا انْقَضى المَأْمُورُ بِهِ مِنَ القَوْلِ لِكافِرِ النِّعْمَةِ وشاكِرِها وسَبَبِ ذَلِكَ والدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وبانَ أنَّهُ خالِقُ المَوْجُوداتِ كُلِّها ورَبِّها، فَلا يَصْحُ أصْلًا أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنها شَرِيكًا. أمَرَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ أنْ يُذَكِّرَهم بِأيّامِ اللَّهِ عِنْدَ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَبْدِيلِهِمُ النِّعْمَةَ ظُلْمًا مِنهم وكُفْرًا، في أُسْلُوبٍ دالٍّ عَلى البَعْثِ، مُشِيرًا إلى وُجُوبِ بَراءَتِهِمْ مِنَ الأصْنامِ حَيْثُ كانَ مَحَطُّ حالِهِمْ فِيها تَقْلِيدَ الآباءِ وهو أعْظَمُ آبائِهِمْ، وإلى ما سَنَّهُ لَهم مِن إقامَتِهِمُ الصَّلاةَ وشُكْرِهِمْ لِنِعَمِهِ بِالإنْفاقِ وغَيْرِهِ، فَقالَ ناعِيًا عَلَيْهِمْ - مَعَ المُخالَفَةِ لِصَرِيحِ العَقْلِ وقاطِعِ النَّقْلِ عُقُوقِ أبِيهِمُ الأعْظَمِ، عَطْفًا عَلى ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٣١] أوْ عَلى ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٦] ﴿وإذْ﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم مُذَكِّرًا بِأيّامِ اللَّهِ خَبَرَ إبْراهِيمَ إذْ ﴿قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ بِإجابَةِ دُعائِي في جَعْلِ القَفْرِ الَّذِي وضَعَتْ بِهِ ولَدِي بَلَدًا عَظِيمًا.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإخْراجِ الرُّسُلِ مِن مَحالِّهِمْ، وكانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا لِأنَّ المَحَلَّ الَّذِي يَقَعُ الإخْراجُ مِنهُ بَلَدٌ يَسْكُنُ فِيهِ، واتَّبَعَهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ المُتَعَرِّضِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ - بِما أسْكَنَ فِيهِ مِنَ الأمْنِ بَعْدَ جَعْلِهِ لَهُ بَلَدًا - بِما أحْدَثُوا فِيهِ مِنَ الإخافَةِ لِخَيْرِ أهْلِهِ، ومِنَ الإنْذارِ لِمَن أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ ما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ، كانَ الأنْسَبُ تَعْرِيفَهُ فَقالَ: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ﴾ [أيِ] الَّذِي يُرِيدُونَ إخْراجَ الرَّسُولِ مِنهُ ﴿آمِنًا﴾ أيْ ذا أمْنٍ بِأمانِ أهْلِهِ، وكَأنَّ هَذا الدُّعاءَ صَدَرَ مِنهُ بَعْدَ أنْ سَكَنَ النّاسُ مَكَّةَ وصارَتْ مَدِينَةً، والَّذِي في البَقَرَةِ كانَ حَيْثُ وضَعَ ابْنُهُ مَعَ أُمِّهِ وهي خالِيَةٌ عَنْ ساكِنٍ، فَدَعا أنْ يَجْعَلَها اللَّهُ بَلَدًا، وأنْ يَجْعَلَها بَعْدَ ذَلِكَ مَوْصُوفَةً بِالأمْنِ، وهو سُكُونُ النَّفْسِ إلى زَوالِ الضُّرِّ.

ولَمّا دَعا بِالأمْنِ مِن فَسادِ الأمْوالِ والأبْدانِ، أتْبَعَهُ بِالدُّعاءِ بِالأمْنِ [مِن] فَسادِ الأدْيانِ، فَقالَ: ﴿واجْنُبْنِي﴾ أيِ اصْرِفْنِي ﴿وبَنِيَّ﴾ أيْ لِصُلْبِي، وأسْقَطَ البَناتَ إشارَةً إلى الِاسْتِقْلالِ، وإنَّما هُنَّ تابِعاتٌ دائِمًا ﴿أنْ نَعْبُدَ﴾ أيْ عِبادَةً مُسْتَمِرَّةً تَكُونُ مُوجِبَةً لِلنّارِ ﴿الأصْنامَ﴾ أيِ اجْعَلْنا في جانِبٍ غَيْرِ جانِبِ عِبادَتِها، والصَّنَمُ: المَنحُوتُ عَلى خِلْقَةِ البَشَرِ، [وما كانَ مَنحُوتًا عَلى غَيْرِ خِلْقَةِ البَشَرِ] فَهو وثَنٌ - قالَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ؛

36

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me; and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.

ثُمَّ بَيَّنَ زِيادَةَ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ الأصْنامِ بِإعادَةِ النِّداءِ، وأسْقَطَ الأداةَ - زِيادَةً في التَّمَلُّقِ بِكَوْنِهِ مِن أهْلِ القُرْبِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مُعَلِّلًا لِما قَبْلَهُ - في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ﴾ بِإفْرادِ المُضافِ إلَيْهِ لِيَكُونَ الكَلامُ [الواحِدُ] عَلى نِظامٍ واحِدٍ ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ﴾ إسْنادٌ مَجازِيٌّ عَلاقَتُهُ السَّبَبِيَّةُ ﴿كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ بُغْضِي لَهُنَّ أنْ أقُولَ: مَن ”تَبِعَنِي“ مِن جَمِيعِ النّاسِ في تَجَنُّبِها ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ مِن حِزْبِي لِكَوْنِهِ عَلى طَرِيقَتِي ودِينِي، فَأْتِنِي ما وعَدْتَنِي فِيهِ مِنَ الفَوْزِ ﴿ومَن عَصانِي﴾ فَضَلَ بِها فَقَدِ اسْتَحَقَّ النّارَ، فَإنْ عَذَّبْتَهُ فَهو عِبادُكُ، وإنْ غَفَرْتَ لَهُ فَأنْتَ لِذَلِكَ، لِأنَّ لَكَ أنْ تَفْعَلَ ما تَشاءُ ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ﴾ أيْ بَلِيغُ السَّتْرِ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الإكْرامِ بَعْدَ سَتْرِ الذُّنُوبِ؛ وأكَّدَ لِلْإعْلامِ بِزِيادَةِ رَغْبَتِهِ في العَفْوِ لِأنَّهُ لا يَنْقُصُ بِهِ شَيْءٌ مِن عِزَّتِهِ سُبْحانَهُ ولا حِكْمَتِهِ - كَما أشارَ إلَيْهِ دُعاءُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المائِدَةِ.

37

رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةًۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ

Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.

ولَمّا دَعا بِدَرْءِ المَفاسِدِ النّاشِئَةِ مِن نَوْعَيِ الإنْسانِ والشَّيْطانِ بِأمْنِ البَلَدِ وإيمانِهِ ذَكَرَ السَّبَبَ الحامِلَ لَهُ عَلى تَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ مُسْتَجْلِبًا لِلْمَصالِحِ، فَقالَ: ”رَبَّنا“ أيْ يا رَبِّ ورَبَّ مَن قَضَيْتَ أنَّهُ يَتْبَعُنِي بِتَرْبِيَتِكَ لَنا أحْسَنَ تَرْبِيَةٍ ﴿إنِّي أسْكَنْتُ﴾ وكَأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ كانَ قَدْ أخْبَرَهُ أنَّهُ يَكْثُرُ نَسْلُهُ حَتّى يَكُونُوا كالنُّجُومِ، وذَلِكَ بَعْدَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ وساقَهُ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ - لِكَوْنِهِ عَلى وجْهٍ لا يَسْمَحُ بِهِ أحَدٌ - لا يَكادُ يَصْدُقُ، ولِلْإعْلامِ بِأنَّهُ راغِبٌ فِيهِ ”بِوادٍ“ هو مَكَّةُ المُشَرَّفَةُ لِكَوْنِها في فَضاءٍ مُنْخَفِضٍ بَيْنَ جِبالٍ تَجْرِي بِهِ السُّيُولُ ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾

ولَمّا نَفى عَنْهُ الرِّفْدُ الدُّنْيَوِيُّ، أثْبَتَ لَهُ الأُخْرَوِيُّ، إشارَةً إلى أنَّ الدّارَيْنِ ضَرَّتانِ لا تَجْتَمِعانِ، وكَأنَّ هَذا الدُّعاءَ كانَ بَعْدَ بِنائِهِ البَيْتَ - كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ أيْضًا بِتَعْرِيفِ البَلَدِ، فَقالَ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ الَّذِي حَرَّمَتِ التَّعَرُّضَ إلَيْهِ ومَنَعَتْهُ بِالهَيْبَةِ فَلَمْ يَمْلِكْهُ أحَدٌ سِواكَ، وجَعَلَ [لَهُ] حَرِيمَ يَأْمَنُ فِيهِ الوَحْشُ والطَّيْرُ؛ والسُّكْنى: اتِّخاذُ مَأْوًى يَسْكُنُ إلَيْهِ مَتى شاءَ، والوادِي: سَفْحُ الجَبَلِ العَظِيمِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأنْهارِ: أوْدِيَةٌ، لِأنَّ حافّاتِها كالجِبالِ لَها، والزَّرْعُ: نَباتٌ يَنْفَرِشُ مِن غَيْرِ ساقٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ غَرَضَهُ مِن إسْكانِهِمْ هُناكَ فَقالَ: ”رَبَّنا“ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ما أسْكَنْتُهم في هَذا الوادِي المَوْصُوفِ إلّا لِهَذا الغَرَضِ المُنافِي لِعِبادَةِ غَيْرِكَ، ولِأنَّ أوْلى النّاسِ بِإقامَتِها حاضِرُو البَيْتِ المُتَوَجِّهِ بِها إلَيْهِ.

ولَمّا كانَ اشْتِغالُهم بِالعِبادَةِ وكَوْنُهم في ذَلِكَ الوادِي أمْرَيْنِ بَعِيدَيْنِ عَنْ أسْبابِ المَعاشِ، تُسُبِّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً﴾ أيْ قُلُوبًا مُحْتَرِقَةً بِالأشْواقِ ﴿مِنَ النّاسِ﴾ أيْ مِن أفْئِدَةِ الَّذِينَ هم أهْلٌ لِلِاضْطِرابِ، بِكَوْنِ احْتِراقِها بِالشَّوْقِ مانِعًا مِنَ اضْطِرابِها ﴿تَهْوِي﴾ أيْ تَقْصِدُهم فَتُسْرِعَ نَحْوَهم بِرَغْبَةٍ وشَوْقِ إسْراعِ مَن يَنْزِلُ مِن حالِقٍ؛ وزادَ المَعْنى وُضُوحًا وأكَّدَهُ بِحَرْفِ الغايَةِ الدّالِّ عَلى بُعْدٍ لِأنَّ الشَّيْءَ كُلَّما بَعُدَ مَدى مَرْماهُ اشْتَدَّ وقْعُهُ فَقالَ: ﴿إلَيْهِمْ﴾ [ولَمّا دَعا لَهم بِالدِّينِ، دَعا لَهم بِالرِّزْقِ المُتَضَمِّنِ لِلدُّعاءِ لِجِيرانِهِمْ فَقالَ]: ﴿وارْزُقْهُمْ﴾ أيْ عَلى يَدِ مَن يَهْوِي إلَيْهِمْ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ أيِ الَّتِي أنْبَتَها في بِلادِهِمْ؛ وبَيْنَ العِلَّةِ الصّالِحَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى شُكْرُهم لِما يَرَوْنَ مِن نِعْمِكَ الخارِقَةِ لِلْعَوائِدِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ البَعِيدِ عَنِ الفَضْلِ لَوْلا عِنايَتُكَ [فَيَشْتَغِلُوا بِعِبادَتِكَ لِإغْنائِكَ] لَهم وإحْسانِكَ إلَيْهِمْ، وقَدْ أجابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ؛ فالآيَةُ لِتَذْكِيرِ قُرَيْشٍ بِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ عَلَيْهِمْ بِبَرَكَةِ أبِيهِمُ الأعْظَمِ الَّذِي نَهى عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ.

38

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allah on the earth or in the heaven.

ولَمّا فَرَغَ مِنَ الدُّعاءِ بِالأهَمِّ مِنَ الإبْقاءِ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى المُشَوِّقَةِ لِلْعَزائِمِ إلى العُكُوفِ في دارَةِ الأُنْسِ، ومِنَ الكِفايَةِ لَهُمُ المَعاشُ، المُنْتِجُ لِلشُّكْرِ بِإنْفاقِ الفَضْلِ، وتَبَيَّنَ مِن ذَلِكَ أنَّهم خالَفُوا أعْظَمَ آبائِهِمْ في جَمِيعِ ما قَصَدَهُ [لَهُمْ] مِنَ المَصالِحِ، أتْبَعُهُ ما يَحُثُّ عَلى الإخْلاصِ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ لَهُ ولِغَيْرِهِ لِيَكُونَ أنْجَحَ لِلْمُرادِ بِضَمانِ الإسْعادِ ولا سِيَّما مَعَ تَكْرِيرِ النِّداءِ الدّالِّ عَلى مَزِيدِ التَّضَرُّعِ فَقالَ: ”رَبَّنا“ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا المالِكِ لِجَمِيعِ أُمُورِنا ﴿إنَّكَ تَعْلَمُ ما﴾ أيْ جَمِيعِ ما ﴿نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ ثُمَّ أشارَ إلى عُمُومِ عِلْمِهِ فَقالَ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا. وبالَغَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ مِن ذَلِكَ ولا غَيْرِهِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ ولَمّا كانَ في سِياقِ المُبالَغَةَ، أعادَ النّافِي تَأْكِيدًا فَقالَ: ﴿ولا في السَّماءِ﴾ أيْ فَهو غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى التَّعْرِيفِ بِالدُّعاءِ، فالدُّعاءُ إنَّما هو لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ، واسْمُ الجِنْسِ شامِلٌ لِما فَوْقَ الواحِدِ، ومِن فَوائِدِ التَّعْبِيرِ بِالإفْرادِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ [مَن] كانَ مُحِيطًا [بِكُلِّ ما في المُتَقابِلَيْنِ مِن غَيْرِ أنْ يَحْجُبَهُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، كانَ مُحِيطًا] بِغَيْرِهِما كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ.

39

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ

Praise to Allah, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.

ولَمّا تَمَّ ما دَعا بِهِ مِنَ النَّزاهَةِ عَنْ رَجاسَةِ الشِّرْكِ وتَبَيَّنَ بِتَقْدِيمِهِ أنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ البَراءَةُ مِنهُ، أتْبَعُهُ الحَمْدَ عَلى ما رَزَقَ مِنَ النِّعَمِ وما تَبِعَ ذَلِكَ مِنَ الإشارَةِ إلى وُجُوبِ الشُّكْرِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيِ المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿الَّذِي وهَبَ﴾ والهِبَةُ: هِبَةُ تَمْلِيكٍ مِن غَيْرِ عَقْدٍ، مِنّا مِنهُ ”لِي“ حالَ كَوْنِي [مُسْتَعْلِيًا] ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ ومُتَمَكِّنًا مِنهُ عَلى يَأْسٍ مِنَ الوَلَدِ ”إسْماعِيلَ“ الَّذِي أسْكَنَتْهُ هُنا ”وإسْحاقَ“ وهَذا يَدُلُّ عَلى ما تَقَدَّمَ فَهْمِي لَهُ مِن أنَّ هَذا الدُّعاءَ كانَ بَعْدَ بِناءِ البَيْتِ وطُمَأْنِينَتِهِ بِإسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ سِنَّهُ كانَ عِنْدَ وِلادَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ تِسْعًا وتِسْعِينَ سَنَةً، وعِنْدَ وِلادَةِ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِائَةَ سَنَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.

ولَمّا كانَ إتْيانُ الوَلَدِ [لَهُ] في سِنٍّ لا يُولَدُ فِيهِ لِمِثْلِهِ، وجَمِيعِ ما دَعا [بِهِ] مِنَ الخَوارِقِ فَوُجُودُهُ لا يَكادُ يُصَدَّقُ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِتَأْكِيدِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ ﴿لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِ إجابَةُ الدُّعاءِ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ تَعْرِيضًا بِالأنْدادِ وإشارَةً إلى ما تَضَمَّنَهُ تَأسُّفُهُ عَلى العُقْمِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ في [سُورَةِ البَقَرَةِ] عَنِ التَّوْراةِ أنَّهُ لَمّا خَلُصَ ابْنُ أخِيهِ [ لُوطًا ] مِنَ الأسْرِ قالَ [لَهُ] اللَّهُ: يا إبْراهِيمُ ! أنا أُكاتِفُكَ وأُساعِدُكَ لِأنَّ ثَوابَكَ قَدْ جَزَلَ، فَقالَ إبْرَمُ: اللَّهُمَّ رَبِّي! ما الَّذِي تَنْحَلُنِي وأنا خارِجٌ مِنَ الدُّنْيا بِلا نَسْلٍ ويَرِثُنِي اليَعازِرُ غُلامِي الدِّمَشْقِيُّ؟ فَقالَ لَهُ الرَّبُّ: لا يَرِثُكَ هَذا، بَلِ ابْنُكَ الَّذِي يَخْرُجُ مِن صُلْبِكَ فَهو يَرِثُكَ، وقالَ لَهُ: انْظُرْ إلى السَّماءِ وأحْصِ النُّجُومَ إنْ كُنْتَ تَقْدِرُ أنْ تُحْصِيَها، فَكَذَلِكَ تَكُونُ ذُرِّيَّتُكَ، فَآمَنَ إبْرَمُ بِاللَّهِ.

40

رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ

My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.

ولَمّا تَمَّ الحَمْدُ عَلى النِّعْمَةِ بَعْدَ الدُّعاءِ بِالتَّخَلِّي مِن مُنافِي السَّعادَةِ وخَتْمِهِ بِالحَمْدِ عَلى إجابَةِ الدُّعاءِ، انْتَهَزَ الفُرْصَةَ في إتْباعِهِ الدُّعاءَ بِالتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ العِبادَةِ الَّتِي أخْبَرَ أنَّها قَصْدُهُ بِإسْكانِهِ مِن ذُرِّيَّتِهِ ثُمَّ إقامَتُها، إشارَةً إلى صُعُوبَتِها عَلى النَّفْسِ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُوجِدُ لِي المالِكَ لِأمْرِي ﴿اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ الدّالُّ عَلى غايَةِ الخُضُوعِ، دائِمُ الإقامَةِ لَها، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهُ بِأنَّهُ يَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يَكْفُرُ فَقالَ أدَبًا: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾

ولَمّا كانَتْ أعْظَمَ الأرْكانِ بَعْدَ الإيمانِ، أفْرادَ [الضَّمِيرَ] لِلدُّعاءِ بِها مُتَمَلِّقًا لِلَّهِ تَعالى بِما عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ يُنْعِمْها عَلى أحَدٍ كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ غَيْرُهُ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ بِاسْمِ الرَّبِّ، [ثُمَّ زادَ] في التَّضَرُّعِ بِقَوْلِهِ: ”رَبَّنا“ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا، وجَمَعَ الضَّمِيرَ المُضافَ إلَيْهِ بِالنَّظَرِ إلى مَن تَبِعَهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ لِأنَّ ما بَعْدَهُ كَلامٌ آخَرُ، أيْ رَبِّ ورَبَّ مَن وفَّقْتَهُ بِتَرْبِيَتِكَ وإحْسانِكَ لِإقامَةِ الصَّلاةِ مِن ذُرِّيَّتِي ﴿وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ كُلُّهُ بِذَلِكَ وغَيْرُهُ، بِأنْ تَجْعَلَهُ مَقْبُولًا جَعَلَ مِن كَأنَّهُ راغِبٌ فِيهِ مُفَتَّنٌ بِهِ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.