Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 1–10 of 52

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ

Alif, Lam, Ra. [This is] a Book which We have revealed to you, [O Muhammad], that you might bring mankind out of darknesses into the light by permission of their Lord - to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy -

﴿الر﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ وعَلى نَظِيرِ هَذِهِ الحُرُوفِ في سُورَةِ يُونُسَ.

* * *

﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ الكَلامُ عَلى تَرْكِيبِ ﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ كالكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ عَدا هَذِهِ الآيَةِ ذُكِرَ فِيها فاعِلُ الإنْزالِ وهو مَعْلُومٌ مِن مادَّةِ الإنْزالِ المُشْعِرَةِ بِأنَّهُ وارِدٌ مِن قِبَلِ العالَمِ العُلْوِيِّ، فَلِلْعِلْمِ بِمَنزِلَةِ حَذْفِ الفاعِلِ في آيَةِ سُورَةِ الأعْرافِ، وهو مُقْتَضى الظّاهِرِ والإيجازِ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَها هُنا لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الِامْتِنانِ عَلى النّاسِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾، ومِن ذِكْرِ صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾، بِخِلافِ آيَةِ سُورَةِ الأعْرافِ فَإنَّها في مَقامِ الطَّمْأنَةِ والتَّصْبِيرِ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - المُنَزَّلِ إلَيْهِ الكِتابُ، فَكانَ التَّعَرُّضُ لِذِكْرِ المُنْزِلِ إلَيْهِ والِاقْتِصارِ عَلَيْهِ أهَمَّ في ذَلِكَ المَقامِ مَعَ ما فِيهِ مِن قَضاءِ حَقِّ الإيجازِ.

صفحة ١٨٠

أمّا التَّعَرُّضُ لِلْمُنَزَّلِ إلَيْهِ هُنا فَلِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ، ولِيَجْعَلَ لَهُ حَظٌّ في هَذِهِ المِنَّةِ وهو حَظُّ الوَساطَةِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾، ولِما فِيهِ مِن غَمِّ المُعانِدِينَ والمُبْغِضِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ .

ولِأجْلِ هَذا المَقْصِدِ وقَعَ إظْهارُ صِفاتِ فاعِلِ الإنْزالِ ثَلاثَ مَرّاتٍ في قَوْلِهِ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ بَعْدَ أنْ كانَ المَقامُ لِلْإضْمارِ تَبَعًا لِقَوْلِهِ أنْزَلْناهُ.

وإسْنادُ الإخْراجِ إلى النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّهُ يُبَلِّغُ هَذا الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى تَبْيِينِ طُرُقِ الهِدايَةِ إلى الإيمانِ وإظْهارِ فَسادِ الشِّرْكِ والكُفْرِ، وهو مَعَ التَّبْلِيغِ يُبَيِّنُ لِلنّاسِ ويُقَرِّبُ إلَيْهِمْ مَعانِيَ الكِتابِ بِتَفْسِيرِهِ وتَبْيِينِهِ، ثُمَّ بِما يَبْنِيهِ عَلَيْهِ مِنَ المَواعِظِ والنُّذُرِ والبِشارَةِ. وإذْ قَدْ أُسْنِدَ الإخْراجُ إلَيْهِ في سِياقِ تَعْلِيلِ إنْزالِ الكِتابِ إلَيْهِ عُلِمَ أنَّ إخْراجَهُ إيّاهم مِنَ الظُّلُماتِ بِسَبَبِ هَذا الكِتابِ المُنَزَّلِ، أيْ: بِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن مَعانِي الهِدايَةِ.

وتَعْلِيلُ الإنْزالِ بِالإخْراجِ مِنَ الظُّلُماتِ دَلَّ عَلى أنَّ الهِدايَةَ هي مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنَ النّاسِ، وأنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهم في ضَلالِهِمْ، فَمَنِ اهْتَدى فَبِإرْشادِ اللَّهِ ومَن ضَلَّ فَبِإيثارِ الضّالِّ هَوى عَلى دَلائِلِ الإرْشادِ، وأمْرُ اللَّهِ لا يَكُونُ إلّا لِحِكَمٍ ومَصالِحَ بَعْضُها أكْبَرُ مِن بَعْضٍ.

والإخْراجُ: مُسْتَعارٌ لِلنَّقْلِ مِن حالٍ إلى حالٍ. شَبَّهَ الِانْتِقالَ بِالخُرُوجِ فَشَبَّهَ النَّقْلَ بِالإخْراجِ.

والظُّلُماتُ والنُّورُ اسْتِعارَةٌ لِلْكُفْرِ والإيمانِ، لِأنَّ الكُفْرَ يَجْعَلُ صاحِبَهُ في حَيْرَةٍ فَهو كالظُّلْمَةِ في ذَلِكَ، والإيمانُ يُرْشِدُ إلى الحَقِّ فَهو كالنُّورِ في إيضاحِ السَّبِيلِ. وقَدْ يَسْتَخْلِصُ السّامِعُ مِن ذَلِكَ تَمْثِيلَ حالِ المُنْغَمِسِ في الكُفْرِ بِالمُتَحَيِّرِ في ظُلْمَةٍ، وحالِ انْتِقالِهِ إلى الإيمانِ بِحالِ الخارِجِ مِن ظُلْمَةٍ إلى مَكانٍ نَيِّرٍ.

صفحة ١٨١

وجَمْعُ الظُّلُماتِ وإفْرادُ النُّورِ تَقَدَّمَ في أوَّلِ …

2

ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌۭ لِّلْكَٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍۢ شَدِيدٍ

Allah, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And woe to the disbelievers from a severe punishment

﴿اللَّهُ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ اسْمِ الجَلالَةِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هو (أيِ العَزِيزُ الحَمِيدُ) اللَّهُ المَوْصُوفُ

صفحة ١٨٢

بِالَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا الحَذْفُ جارٍ عَلى حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي تَبَعًا لِلسَّكّاكِيِّ بِالحَذْفِ لِمُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ، أيِ اسْتِعْمالِ العَرَبِ عِنْدَما يَجْرِي ذِكْرُ مَوْصُوفٍ بِصِفاتٍ أنْ يَنْتَقِلُوا مِن ذَلِكَ إلى الإخْبارِ عَنْهُ بِما هو أعْظَمُ مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِيَكْسِبَ ذَلِكَ الِانْتِقالُ تَقْرِيرًا لِلْغَرَضِ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ الصُّولِيِّ:

سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي أيادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ

فَتًى غَيْرُ مَحْجُوبِ الغِنى عَنْ صَدِيقِهِ ∗∗∗ ولا مُظْهِرُ الشَّكْوى إذا النَّعْلُ زَلَّتِ

أيْ: هو فَتًى مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ.

وقَرَأهُ الباقُونَ إلّا رُوَيْسًا عَنْ يَعْقُوبَ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١]، وهي طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ، ومَآلُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ وكِلْتا الطَّرِيقَتَيْنِ تُفِيدُ أنَّ المُسْتَقِلَّ إلَيْهِ أجْدَرُ بِالذِّكْرِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَهُ، فَإنَّ اسْمَ الجَلالَةِ أعْظَمُ مِن بَقِيَّةِ الصِّفاتِ لِأنَّهُ عِلْمُ الذّاتِ الَّذِي لا يُشارِكُهُ مَوْجُودٌ في إطْلاقِهِ، ولا في مَعْناهُ الأصْلِيِّ المَنقُولِ مِنهُ إلى العِلْمِيَّةِ إلّا أنَّ الرَّفْعَ أقْوى وأفْخَمُ.

وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالرَّفْعِ إذا وُقِفَ عَلى قَوْلِهِ (الحَمِيدِ) وابْتُدِئَ باسِمِ (اللَّهِ)، فَإذا وُصِلَ (الحَمِيدِ) باسِمِ (اللَّهِ) جُرَّ اسْمُ الجَلالَةِ عَلى البَدَلِيَّةِ.

وإجْراءُ الوَصْفِ بِالمَوْصُولِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِزِيادَةِ التَّفْخِيمِ لا لِلتَّعْرِيفِ؛ لِأنَّ مَلِكَ سائِرِ المَوْجُوداتِ صِفَةٌ عَظِيمَةٌ واللَّهُ مَعْرُوفٌ بِها عِنْدَ المُخاطَبِينَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ صِراطَ غَيْرِ اللَّهِ مِن طُرُقِ آلِهَتِهِمْ لَيْسَ بِواصِلٍ إلى المَقْصُودِ لِنُقْصانِ ذَوِيهِ، وفي ذِكْرِ هَذِهِ الصِّلَةِ إدْماجُ تَعْرِيضٍ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا ما لَيْسَ لَهُ السَّماواتُ والأرْضُ.

* * *

صفحة ١٨٣

﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾

لَمّا أفادَ قَوْلُهُ ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١] ﴿اللَّهُ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا صِراطَ غَيْرِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ عُطِفَ الكَلامُ إلى تَهْدِيدِهِمْ وإنْذارِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ . أيْ: لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ آلِهَةً أُخْرى.

وجُمْلَةُ ﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ﴾ إنْشاءُ دُعاءٍ عَلَيْهِمْ في مَقامِ الغَضَبِ والذَّمِّ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: ويْحَكَ، فَعَطْفُهُ مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ.

”ووَيْلُ“ مَصْدَرٌ لا يُعْرَفُ لَهُ فِعْلٌ. ومَعْناهُ الهَلاكُ وما يَقْرُبُ مِنهُ مِن سُوءِ الحالَةِ، ولِأنَّهُ لا يُعْرَفُ لَهُ فِعْلٌ كانَ اسْمَ مَصْدَرٍ وعُومِلَ مُعامَلَةَ المَصادِرِ، يُنْصَبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ ويُرْفَعُ لِإفادَةِ الثَّباتِ، كَما تَقَدَّمَ في رَفْعِ الحَمْدُ لِلَّهِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. ويُقالُ: ويْلٌ لَكَ ووَيْلُكَ. بِالإضافَةِ. ويُقالُ: يا ويْلَكَ، بِالنِّداءِ. وقَدْ …

3

ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍۢ

The ones who prefer the worldly life over the Hereafter and avert [people] from the way of Allah, seeking to make it (seem) deviant. Those are in extreme error.

﴿اللَّهُ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ اسْمِ الجَلالَةِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هو (أيِ العَزِيزُ الحَمِيدُ) اللَّهُ المَوْصُوفُ

صفحة ١٨٢

بِالَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا الحَذْفُ جارٍ عَلى حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي تَبَعًا لِلسَّكّاكِيِّ بِالحَذْفِ لِمُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ، أيِ اسْتِعْمالِ العَرَبِ عِنْدَما يَجْرِي ذِكْرُ مَوْصُوفٍ بِصِفاتٍ أنْ يَنْتَقِلُوا مِن ذَلِكَ إلى الإخْبارِ عَنْهُ بِما هو أعْظَمُ مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِيَكْسِبَ ذَلِكَ الِانْتِقالُ تَقْرِيرًا لِلْغَرَضِ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ الصُّولِيِّ:

سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي أيادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ

فَتًى غَيْرُ مَحْجُوبِ الغِنى عَنْ صَدِيقِهِ ∗∗∗ ولا مُظْهِرُ الشَّكْوى إذا النَّعْلُ زَلَّتِ

أيْ: هو فَتًى مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ.

وقَرَأهُ الباقُونَ إلّا رُوَيْسًا عَنْ يَعْقُوبَ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١]، وهي طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ، ومَآلُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ وكِلْتا الطَّرِيقَتَيْنِ تُفِيدُ أنَّ المُسْتَقِلَّ إلَيْهِ أجْدَرُ بِالذِّكْرِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَهُ، فَإنَّ اسْمَ الجَلالَةِ أعْظَمُ مِن بَقِيَّةِ الصِّفاتِ لِأنَّهُ عِلْمُ الذّاتِ الَّذِي لا يُشارِكُهُ مَوْجُودٌ في إطْلاقِهِ، ولا في مَعْناهُ الأصْلِيِّ المَنقُولِ مِنهُ إلى العِلْمِيَّةِ إلّا أنَّ الرَّفْعَ أقْوى وأفْخَمُ.

وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالرَّفْعِ إذا وُقِفَ عَلى قَوْلِهِ (الحَمِيدِ) وابْتُدِئَ باسِمِ (اللَّهِ)، فَإذا وُصِلَ (الحَمِيدِ) باسِمِ (اللَّهِ) جُرَّ اسْمُ الجَلالَةِ عَلى البَدَلِيَّةِ.

وإجْراءُ الوَصْفِ بِالمَوْصُولِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِزِيادَةِ التَّفْخِيمِ لا لِلتَّعْرِيفِ؛ لِأنَّ مَلِكَ سائِرِ المَوْجُوداتِ صِفَةٌ عَظِيمَةٌ واللَّهُ مَعْرُوفٌ بِها عِنْدَ المُخاطَبِينَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ صِراطَ غَيْرِ اللَّهِ مِن طُرُقِ آلِهَتِهِمْ لَيْسَ بِواصِلٍ إلى المَقْصُودِ لِنُقْصانِ ذَوِيهِ، وفي ذِكْرِ هَذِهِ الصِّلَةِ إدْماجُ تَعْرِيضٍ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا ما لَيْسَ لَهُ السَّماواتُ والأرْضُ.

* * *

صفحة ١٨٣

﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾

لَمّا أفادَ قَوْلُهُ ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١] ﴿اللَّهُ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا صِراطَ غَيْرِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ عُطِفَ الكَلامُ إلى تَهْدِيدِهِمْ وإنْذارِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ . أيْ: لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ آلِهَةً أُخْرى.

وجُمْلَةُ ﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ﴾ إنْشاءُ دُعاءٍ عَلَيْهِمْ في مَقامِ الغَضَبِ والذَّمِّ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: ويْحَكَ، فَعَطْفُهُ مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ.

”ووَيْلُ“ مَصْدَرٌ لا يُعْرَفُ لَهُ فِعْلٌ. ومَعْناهُ الهَلاكُ وما يَقْرُبُ مِنهُ مِن سُوءِ الحالَةِ، ولِأنَّهُ لا يُعْرَفُ لَهُ فِعْلٌ كانَ اسْمَ مَصْدَرٍ وعُومِلَ مُعامَلَةَ المَصادِرِ، يُنْصَبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ ويُرْفَعُ لِإفادَةِ الثَّباتِ، كَما تَقَدَّمَ في رَفْعِ الحَمْدُ لِلَّهِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. ويُقالُ: ويْلٌ لَكَ ووَيْلُكَ. بِالإضافَةِ. ويُقالُ: يا ويْلَكَ، بِالنِّداءِ. وقَدْ …

4

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

And We did not send any messenger except [speaking] in the language of his people to state clearly for them, and Allah sends astray [thereby] whom He wills and guides whom He wills. And He is the Exalted in Might, the Wise.

﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ إذا كانَتْ صِيغَةُ القَصْرِ مُسْتَعْمَلَةً في ظاهِرِها ومُسَلَّطَةً عَلى مُتَعَلِّقِي الفِعْلِ المَقْصُورِ كانَ قَصْرًا إضافِيًّا لِقَلْبِ اعْتِقادِ المُخاطَبِينَ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ رَدًّا عَلى فَرِيقٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: هَلّا أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ العَجَمِ. وقَدْ ذُكِرَ في الكَشّافِ في سُورَةِ فُصِّلَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] فَقالَ: كانُوا لِتَعَنُّتِهِمْ يَقُولُونَ: هَلّا نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ العَجَمِ، وهو مَرْوِيٌّ في تَفْسِيرِ الطَّبَرَيِّ هُنالِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ العَرَبَ قالُوا ذَلِكَ.

ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِلُغَةِ العَجَمِ لُغَةَ غَيْرِ العَرَبِ مِثْلَ العِبْرانِيَّةِ أوْ السُّرْيانِيَّةِ مِنَ اللُّغاتِ الَّتِي أُنْزِلَتْ بِها التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، فَكانَ مِن جُمْلَةِ ما مَوَّهَتْ لَهم أوْهامُهم أنْ حَسِبُوا أنَّ لِلْكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لُغَةً خاصَّةً تُنَزَّلُ بِها ثُمَّ تُفَسَّرُ لِلَّذِينِ لا يَعْرِفُونَ تِلْكَ اللُّغَةَ. وهَذا اعْتِقادٌ فاشٍ بَيْنَ أهْلِ العُقُولِ الضَّعِيفَةِ، فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُعالِجُونَ سِرَّ الحَرْفِ والطَّلْسَماتِ يُمَوِّهُونَ بِأنَّها لا تُكْتَسَبُ إلّا بِاللُّغَةِ السُّرْيانِيَّةِ ويَزْعُمُونَ أنَّها لُغَةُ المَلائِكَةِ ولُغَةُ الأرْواحِ. وقَدْ زَعَمَ السِّراجُ البَلْقِينِيُّ: أنَّ سُؤالَ القَبْرِ يَكُونُ بِاللُّغَةِ السُّرْيانِيَّةِ وتَلَقّاهُ عَنْهُ جَلالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ واسْتَغْرَبَهُ فَقالَ:

وِمِن عَجِيبِ ما تَرى العَيْنانِ أنَّ سُؤالَ القَبْرِ بِالسُّرْيانِي أفْتى بِهَذا شَيْخُنا البَلْقِينِي ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ بِعَيْنِي

صفحة ١٨٦

وقَدْ كانَ المُتَنَصِّرُونَ مِنَ العَرَبِ والمُتَهَوِّدُونَ مِنهم مِثْلَ عَرَبِ اليَمَنِ تُتَرْجَمُ لَهم بَعْضُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِالعَرَبِيَّةِ كَما ورَدَ في حَدِيثِ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ في كِتابِ بَدْءِ الوَحْيِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ، فاسْتَقَرَّ في نُفُوسِ المُشْرِكِينَ مِن جُمْلَةِ مَطاعِنِهِمْ أنَّ القُرْآنَ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَكانَ بِاللُّغَةِ الَّتِي جاءَتْ بِها الكُتُبُ السّالِفَةُ، فَصارَتْ عَرَبِيَّتُهُ عِنْدَهم مِن وُجُوهِ الطَّعْنِ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن اللَّهِ، فالقَصْرُ هُنا لِرَدِّ كَلامِهِمْ، أيْ: ما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ بِلِسانٍ إلّا لِسانِ قَوْمِهِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لا بِلِسانِ قَوْمٍ آخَرِينَ.

فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ آيَةِ ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ [إبراهيم: ١] بَيِّنُ المُناسَبَةِ.

وتَقْدِيرُ النَّظْمِ: كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وأنْزَلْناهُ بِلُغَةِ قَوْمِكَ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.

وإذا كانَتْ صِيغَةُ القَصْرِ جارِيَةً عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ ولَمْ يَكُنْ رَدًّا لِمَقالَةِ بَعْضِ المُشْرِكِينَ يَكُنْ تَنْزِيلًا لِلْمُشْرِكِينَ مَنزِلَةَ مَن لَيْسُوا بِعَرَبٍ لِعَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِآياتِ القُرْآنِ، ولِقَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] وكانَ مَناطُ القَصْرِ هو ما بَعْدَ لامِ العِلَّةِ. والمَعْنى: ما أرْسَلْناكَ إلّا لِتُبَيِّينَ لَهم وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا …

5

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍۢ

And We certainly sent Moses with Our signs, [saying], "Bring out your people from darknesses into the light and remind them of the days of Allah." Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾

لَمّا كانَتِ الآياتُ السّابِقَةُ مَسُوقَةً لِلرَّدِّ عَلى مَن أنْكَرُوا أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ أعْقَبَ الرَّدَّ بِالتَّمْثِيلِ بِالنَّظِيرِ وهو إرْسالُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى قَوْمِهِ بِمِثْلِ ما أُرْسِلَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وبِمِثْلِ الغايَةِ الَّتِي أُرْسِلَ لَها مُحَمَّدٌ ﷺ لِيُخْرِجَ قَوْمَهُ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.

وتَأْكِيدُ الإخْبارِ عَنْ إرْسالِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِ المُنْكِرِينَ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنزِلَةَ مَن

صفحة ١٨٩

يُنْكِرُ رِسالَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ حالَهم في التَّكْذِيبِ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَقْتَضِي ذَلِكَ التَّنْزِيلَ، لِأنَّ ما جازَ عَلى المِثْلِ يَجُوزُ عَلى المُماثِلِ، عَلى أنَّ مِنهم مَن قالَ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، والباءُ في بِآياتِنا لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: إرْسالًا مُصاحِبًا لِلْآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ في رِسالَتِهِ، كَما أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ مُصاحِبًا لِآيَةِ القُرْآنِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَقَدْ تَمَّ التَّنْظِيرُ وانْتَهَضَ الدَّلِيلُ عَلى المُنْكِرِينَ، و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، فَسَّرَ الإرْسالَ بِجُمْلَةِ ﴿أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ الخَ، والإرْسالُ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ فَكانَ حَقِيقًا بِمَوْقِعِ (أنِ) التَّفْسِيرِيَّةِ.

و(الظُّلُماتُ) مُسْتَعارٌ لِلشِّرْكِ والمَعاصِي، و(النُّورُ) مُسْتَعارٌ لِلْإيمانِ الحَقِّ والتَّقْوى، وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا طالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ في مِصْرَ بَعْدَ وفاةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَرى إلَيْهِمُ الشِّرْكُ واتَّبَعُوا دِينَ القِبْطِ، فَكانَتْ رِسالَةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِإصْلاحِ اعْتِقادِهِمْ مَعَ دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لِلْإيمانِ بِاللَّهِ الواحِدِ، وكانَتْ آيِلَةً إلى إخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الشِّرْكِ والفَسادِ وإدْخالِهِمْ في حَظِيرَةِ الإيمانِ والصَّلاحِ.

والتَّذْكِيرُ: إزالَةُ نِسْيانِ شَيْءٍ. ويُسْتَعْمَلُ في تَعْلِيمِ مَجْهُولٍ كانَ شَأْنُهُ أنْ يُعْلَمَ. ولَمّا ضُمِّنَ التَّذْكِيرُ مَعْنى الإنْذارِ والوَعْظِ عُدِّيَ بِالباءِ، أيْ: ذَكِّرْهم تَذْكِيرَ عِظَةٍ بِأيّامِ اللَّهِ.

و﴿أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] أيّامُ ظُهُورِ بَطْشِهِ وغَلْبِهِ مَن عَصَوْا أمْرَهُ، وتَأْيِيدِهِ المُؤْمِنِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ عِزَّةِ اللَّهِ تَعالى، وشاعَ إطْلاقُ اسْمِ اليَوْمِ مُضافًا إلى اسْمِ شَخْصٍ أوْ قَبِيلَةٍ عَلى يَوْمٍ انْتَصَرَ فِيهِ مُسَمّى المُضافِ إلَيْهِ عَلى عَدُوِّهِ، يُقالُ: أيّامُ تَمِيمٍ، أيْ: أيّامُ انْتِصارِهِمْ، فَأيّامُ اللَّهِ أيّامُ ظُهُورِ قُدْرَتِهِ وإهْلاكِهِ الكافِرِينَ بِهِ ونَصْرِهِ أوْلِياءَهُ والمُطِيعِينَ لَهُ.

صفحة ١٩٠

فالمُرادُ بِـ ﴿أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] هُنا الأيّامُ الَّتِي أنْجى اللَّهُ فِيها بَنِي إسْرائِيلَ مِن أعْدائِهِمْ ونَصَرَهم وسَخَّرَ لَهم أسْبابَ الفَوْزِ والنَّصْرِ وأغْدَقَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمّا أُمِرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ يُذَكِّرَهُمُوهُ، وكُلُّهُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِمَضْمُونِ الإرْسالِ؛ لِأنَّ إرْسالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُمْتَدٌّ زَمَنُهُ، وكُلَّما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِتَذْكِيرٍ في مُدَّةِ حَيّاتِهِ فَهو مِن مَضْمُونِ …

6

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَىٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall, O Children of Israel], when Moses said to His people, "Remember the favor of Allah upon you when He saved you from the people of Pharaoh, who were afflicting you with the worst torment and were slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ [إبراهيم: ٥] بِاعْتِبارِ غَرَضِ الجُمْلَتَيْنِ، وهو التَّنْظِيرُ بِسُنَنِ ما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ السّابِقُونَ مِن إرْشادِ الأُمَمِ وتَذْكِيرِها، كَما أُنْزِلَ القُرْآنُ لِذَلِكَ.

وإذْ ظَرْفٌ لِلْماضِي مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ الَّذِي هو ذِكْرُ شَواهِدِ التّارِيخِ بِأحْوالِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَعَ أُمَمِهِمْ. والمَعْنى: واذْكُرْ قَوْلَ مُوسى لِقَوْمِهِ الخَ.

وهَذا مِمّا قالَهُ مُوسى لِقَوْمِهِ بَعْدَ أنْ أنْجاهُمُ اللَّهُ مِنَ اسْتِبْعادِ القِبْطِ وإهانَتِهِمْ، فَهو تَفاصِيلُ ما فُسِّرَ بِهِ إرْسالُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو مِنَ التَّذْكِيرِ بِأيّامِ اللَّهِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُذَكِّرَهُ قَوْمَهُ.

وإذْ نَجّاكم ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ بِمَعْنى الإنْعامِ، أيِ: الإنْعامُ الحاصِلُ في وقْتِ إنْجائِهِ إيّاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٤١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وكَذا في سُورَةِ الأعْرافِ (يَقْتُلُونَ)، سِوى أنَّ هَذِهِ الآيَةِ عُطِفَتْ فِيها جُمْلَةُ ويُذَبِّحُونَ عَلى جُمْلَةِ (يَسُومُونَكم) وفي آيَةِ البَقَرَةِ والأعْرافِ جُعِلَتْ جُمْلَةُ (يُذَبِّحُونَ) وجُمْلَةُ (يَقْتُلُونَ) بِدُونِ عَطْفٍ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿يَسُومُونَكم

صفحة ١٩٢

سُوءَ العَذابِ﴾، فَكانَ مَضْمُونُ جُمْلَةِ (ويُذَبِّحُونَ) هُنا مَقْصُودًا بِالعَدِّ كَأنَّهُ صِنْفٌ آخَرُ غَيْرُ سُوءِ العَذابِ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ، فَعَطْفُهُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وعَلى كِلا النَّظْمَيْنِ قَدْ حَصَلَ الِاهْتِمامُ بِهَذا العَذابِ المَخْصُوصِ بِالذِّكْرِ، فالقُرْآنُ حَكى مُرادَ كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ذِكْرِ العَذابِ الأعَمِّ وذِكْرِ الأخَصِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وهو حاصِلٌ عَلى كِلا النَّظْمَيْنِ، وإنَّما حَكاهُ القُرْآنُ في كُلِّ مَوْضِعٍ بِطَرِيقَةٍ تَفَنُّنًا في إعادَةِ القِصَّةِ بِحُصُولِ اخْتِلافٍ في صُورَةِ النَّظْمِ مَعَ الحِفاظِ عَلى المَعْنى المَحْكِيِّ، وهو ذِكْرُ سُوءِ العَذابِ مُجْمَلًا، وذِكْرُ أفْظَعِ أنْواعِهِ مُبَيَّنًا.

وأمّا عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ في الآياتِ الثَّلاثِ فَلِأنَّ مَضْمُونَها بِاسْتِقْلالِهِ لا يَصْلُحُ لِبَيانِ سُوءِ العَذابِ، لِأنَّ اسْتِحْياءَ النِّساءِ في ذاتِهِ نِعْمَةٌ، ولَكِنَّهُ يَصِيرُ مِنَ العَذابِ عِنْدَ اقْتِرانِهِ بِتَذْبِيحِ الأبْناءِ، إذْ يُعْلَمُ أنَّ مَقْصُودَهم مِنَ اسْتِحْياءِ النِّساءِ اسْتِرْقاقِهِنْ وإهانَتِهِنَّ فَصارَ الِاسْتِحْياءُ بِذَلِكَ القَصْدِ تَهْيِئَةً لِتَعْذِيبِهِنَّ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ جَمِيعُ ذَلِكَ بَلاءً.

وأصْلُ البَلاءِ: الِاخْتِبارُ، والبَلاءُ هُنا المُصِيبَةُ بِالشَّرِّ، سُمِّيَ بِاسْمِ الِاخْتِبارِ لِأنَّهُ اخْتِبارٌ لِمِقْدارِ الصَّبْرِ، فالبَلاءُ مُسْتَعْمَلٌ في شِدَّةِ المَكْرُوهِ مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ، وقَدْ شاعَ إطْلاقُ هَذا بِصِيغَةِ اسْمِ المَصْدَرِ بِحَيْثُ يَكادُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى المَكْرُوهِ، وما ورَدَ مِنهُ مُسْتَعْمَلًا في الخَيْرِ فَإنَّما ورَدَ بِصِيغَةِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ …

7

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌۭ

And [remember] when your Lord proclaimed, 'If you are grateful, I will surely increase you [in favor]; but if you deny, indeed, My punishment is severe.' "

﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾

عَطْفٌ عَلى ﴿إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [إبراهيم: ٦] فَهو مِن كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمُ الخَ؛ لِأنَّ الجَزاءَ عَنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ بِالزِّيادَةِ مِنها نِعْمَةٌ وفَضْلٌ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ فَلا يَسْتَحِقُّ جَزاءً لَوْلا سِعَةُ فَضْلِ اللَّهِ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ فَجاءَتْ بِهِ المُقابَلَةُ.

ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ وإذْ تَأذَّنَ عَلى ﴿نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [إبراهيم: ٦]، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: واذْكُرُوا إذْ تَأذَّنَ رَبُّكم، عَلى أنَّ (إذْ) مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ ولَيْسَتْ ظَرْفًا وذَلِكَ مِنِ اسْتِعْمالاتِها، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٧] وقَوْلِهِ ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] .

ومَعْنى ﴿تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ تَكَلَّمَ كَلامًا عَلَنًا، أيْ: كَلَّمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما تَضَمَّنَهُ هَذا الَّذِي في الآيَةِ بِمَسْمَعٍ مِن جَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، ولَعَلَّ هَذا الكَلامَ هو الَّذِي في الفِقْراتِ ٩، ٢٠ مِنَ الإصْحاحِ ٩١ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ، والفِقْراتِ ١، ١٨، ٢٢ مِنَ الإصْحاحِ ٢٠ مِنهُ، والفِقْراتِ مِن ٢٠ إلى ٣٠ مِنَ الإصْحاحِ ٢٣ مِنهُ.

والتَّأذُّنُ مُبالَغَةٌ في الأذانِ يُقالُ: أذَّنَ وتَأذَّنَ كَما يُقالُ: تَوَعَّدَ وأوْعَدَ، وتَفَضَّلَ وأفْضَلَ، فَفي صِيغَةِ تَفَعَّلَ زِيادَةُ مَعْنى عَلى صِيغَةِ أفْعَلَ.

وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ والقَسَمُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّأْكِيدِ، والشُّكْرُ مُؤْذِنٌ بِالنِّعْمَةِ، فالمُرادُ: شُكْرُ نِعْمَةِ الإنْجاءِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وغَيْرِها، ولِذَلِكَ حُذِفَ مَفْعُولُ شَكَرْتُمْ ومَفْعُولُ لَأزِيدَنَّكم لِيُقَدَّرَ عامًّا في الفِعْلَيْنِ.

صفحة ١٩٤

والكُفْرُ مُرادٌ بِهِ كُفْرُ النِّعْمَةِ وهو مُقابَلَةُ المُنْعِمِ بِالعِصْيانِ، وأعْظَمُ الكُفْرِ جَحْدُ الخالِقِ أوْ عِبادَةُ غَيْرِهِ مَعَهُ وهو الإشْراكُ، كَما أنَّ الشُّكْرَ مُقابَلَةُ النِّعْمَةِ بِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ والطّاعَةِ.

واسْتَغْنى بِـ ﴿إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ عَنْ (لَأُعَذِّبَنَّكم عَذابًا شَدِيدًا) لِكَوْنِهِ أعَمَّ وأوْجَزَ، ولِكَوْنِ إفادَةِ الوَعِيدِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّعْرِيضِ أوْقَعَ في النَّفْسِ، والمَعْنى: إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ لِمَن كَفَرَ فَأنْتُمْ إذَنْ مِنهم.

8

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ

And Moses said, "If you should disbelieve, you and whoever is on the earth entirely - indeed, Allah is Free of need and Praiseworthy."

﴿وقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حُمَيْدٌ﴾ أُعِيدَ فِعْلُ القَوْلِ في عَطْفِ بَعْضِ كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى بَعْضٍ لِئَلّا يُتَوَّهَّمَ أنَّ هَذا مِمّا تَأذَّنَ بِهِ الرَّبُّ وإنَّما هو تَنْبِيهٌ عَلى كَلامِ اللَّهِ، وفي إعادَةِ فِعْلِ القَوْلِ اهْتِمامٌ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وتَنْوِيهٌ بِها حَتّى تَبْرُزَ مُسْتَقِلَّةً وحَتّى يُصْغِيَ إلَيْها السّامِعُونَ لِلْقُرْآنِ.

ووَجْهُ الِاهْتِمامِ بِها أنَّ أكْثَرَ الكُفّارِ يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ إلى اللَّهِ بِإيمانِهِمْ، وأنَّ أنْبِياءَهم حِينَ يُلِحُّونَ عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ إنَّما يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ تَعْزِيزَ جانِبِهِمْ والحِرْصَ عَلى مَصْلَحَتِهِمْ. فَلَمّا وعَدَهم عَلى الشُّكْرِ بِالزِّيادَةِ وأوْعَدَهم عَلى الكُفْرِ بِالعُقُوبَةِ خَشِيَ أنْ يَحْسَبُوا ذَلِكَ لِانْتِقامِ المُثِيبِ بِما أثابَ عَلَيْهِ، ولِتَضَرُّرِهِ مِمّا عاقَبَ عَلَيْهِ، فَنَبَّهَهم إلى هَذا الخاطِرِ الشَّيْطانِيِّ حَتّى لا يَسْرِيَ إلى نُفُوسِهِمْ فَيُكْسِبَهم إدْلالًا بِالإيمانِ والشُّكْرِ والإقْلاعِ عَنِ الكُفْرِ.

و”أنْتُمْ“ فُصِلَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ إذْ كانَ هَذا المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ضَمِيرًا مُتَّصِلًا.

صفحة ١٩٥

و”جَمِيعًا“ تَأْكِيدٌ لِمَن في الأرْضِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، ونَصْبُهُ غَيْرُ بَعِيدٍ، .

والغَنِيُّ: الَّذِي لا حاجَةَ لَهُ في شَيْءٍ، فَدَخَلَ في عُمُومِ غِناهُ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِهِ.

والحَمِيدُ: المَحْمُودُ، والمَعْنى: أنَّهُ مَحْمُودٌ مِن غَيْرِكم مُسْتَغْنٍ عَنْ حَمْدِكم؛ عَلى أنَّهم لَوْ كَفَرُوا بِهِ لَكانُوا حامِدِينَ بِلِسانِ حالِهِمْ كَرْهًا، فَإنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ تَنالُهم فَيَحْمَدُونَها فَإنَّما يَحْمَدُونَ اللَّهَ تَعالى، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥]، وهَذِهِ الآيَةُ تَضَمَّنَتْ ما في الفِقْراتِ ٣٠ إلى ٣٣ مِنَ الإصْحاحِ ٣٢ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ.

9

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ ۛ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوٓا۟ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ

Has there not reached you the news of those before you - the people of Noah and 'Aad and Thamud and those after them? No one knows them but Allah. Their messengers brought them clear proofs, but they returned their hands to their mouths and said, "Indeed, we disbelieve in that with which you have been sent, and indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحِ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾

هَذا الكَلامُ: اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ رَجَعَ بِهِ الخِطابُ إلى المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ في قَوْلِهِ ألَمْ يَأْتِكم؛ لِأنَّ المُوَجَّهَ إلَيْهِ الخِطابُ هُنا هُمُ الكافِرُونَ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ ﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٢]، وهم مُعْظَمُ المَعْنِيِّ مِنَ النّاسِ في قَوْلِهِ ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١]، فَإنَّهم بَعْدَ أنْ أُجْمِلَ لَهُمُ الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] الآيَةَ، ثُمَّ فُصِّلَ بِأنْ ضُرِبَ المَثَلُ لِلْإرْسالِ إلَيْهِمْ لِغَرَضِ الإخْراجِ مِن الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإرْسالِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِإخْراجِ قَوْمِهِ، وقُضِيَ حَقُّ ذَلِكَ عَقِبِهِ بِكَلامٍ جامِعٍ لِأحْوالِ الأُمَمِ ورُسُلِهِمْ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ الحَوْصَلَةِ

صفحة ١٩٦

والتَّذْيِيلُ مَعَ تَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ وتَشابُهِ عَقْلِيّاتِهِمْ في حُجَجِهِمُ الباطِلَةِ ورَدِّ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ ما رَدَّ بِهِ القُرْآنُ عَلى المُشْرِكِينَ في مَواضِعَ، ثُمَّ خُتِمَ بِالوَعِيدِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ؛ لِأنَّهم قَدْ بَلَغَتْهم أخْبارُهم؛ فَأمّا قَوْمُ نُوحٍ فَقَدْ تَواتَرَ خَبَرُهم بَيْنَ الأُمَمِ بِسَبَبِ خَبَرِ الطُّوفانِ، وأمّا عادٌ وثَمُودُ فَهم مِنَ العَرَبِ ومَساكِنُهم في بِلادِهِمْ وهم يَمُرُّونَ عَلَيْها ويُخْبِرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِها، قالَ تَعالى ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] وقالَ ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧] .

﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ يَشْمَلُ أهْلَ مَدْيَنَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقَوْمَ تُبَّعٍ وغَيْرَهم مِن أُمَمٍ انْقَرَضُوا وذَهَبَتْ أخْبارُهم فَلا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وعادًا وثَمُودًا وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] .

وجُمْلَةُ ﴿لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ الواقِعَةُ حالًا مِنَ ﴿الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وهو كِنايَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ الَّتِي يَسْتَلْزِمُها انْتِفاءُ عِلْمِ النّاسِ بِهِمْ، ومَعْنى ﴿جاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ جاءَ كُلَّ أُمَّةٍ رَسُولُها.

وضَمائِرُ (رَدُّوا) و(أيْدِيَهم) و(أفْواهِهِمْ) عائِدٌ جَمِيعُها إلى قَوْمِ نُوحٍ والمَعْطُوفاتِ عَلَيْهِ.

وهَذا التَّرْكِيبُ لا أعْهَدُ سَبْقَ مِثْلِهِ في كَلامِ العَرَبِ فَلَعَلَّهُ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ.

ومَعْنى ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ عِدَّةَ وُجُوهٍ أنْهاها في الكَشّافِ إلى سَبْعَةٍ وفي بَعْضِها بُعْدٌ، وأوْلاها بِالِاسْتِخْلاصِ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِهِمْ إخْفاءً لِشِدَّةِ الضَّحِكِ مِن كَلامِ الرُّسُلِ كَراهِيَةَ أنْ تَظْهَرَ دَواخِلُ أفْواهِهِمْ، وذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِحالَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِالرُّسُلِ.

صفحة ١٩٧

والرَّدُّ: مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى تَكْرِيرِ جَعْلِ الأيْدِي في الأفْواهِ كَما أشارَ إلَيْهِ الرّاغِبُ، أيْ: …

10

۞ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّۭ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ قَالُوٓا۟ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَٰنٍۢ مُّبِينٍۢ

Their messengers said, "Can there be doubt about Allah, Creator of the heavens and earth? He invites you that He may forgive you of your sins, and He delays your death for a specified term." They said, "You are not but men like us who wish to avert us from what our fathers were worshipping. So bring us a clear authority."

﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، ومَوْرِدُ الإنْكارِ هو وُقُوعُ الشَّكِّ في وُجُودِ اللَّهِ، فَقُدِّمَ مُتَعَلِّقُ الشَّكِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ولَوْ قالَ: أشُكُّ في اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذا الوَقْعُ، مِثْلَ قَوْلِ القَطامِيِّ:

أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرَّتاعا

فَكانَ أبْلَغُ لَهُ لَوْ أمْكَنَهُ أنْ يَقُولَ: أبْعَدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي كُفْرٌ.

وعُلِّقَ اسْمُ الجَلالَةِ بِالشَّكِّ، والِاسْمُ العَلَمُ يَدُلُّ عَلى الذّاتِ، والمُرادُ: إنْكارُ وُقُوعِ الشَّكِّ في أهَمِّ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ وهي صِفَةُ التَّفَرُّدِ بِالإلَهِيَّةِ، أيْ: صِفَةُ الوَحْدانِيَّةِ.

وأُتْبِعَ اسْمُ الجَلالَةِ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى وُجُودِهِ وهو وُجُودُ السَّماواتِ والأرْضِ الدّالُّ عَلى أنَّ لَهُما خالِقًا حَكِيمًا لِاسْتِحالَةِ صُدُورِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ

صفحة ١٩٩

العَجِيبَةِ المُنَظَّمَةِ عَنْ غَيْرِ فاعِلٍ مُخْتارٍ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِأدْنى تَأمُّلٍ، وذَلِكَ تَأْيِيدٌ لِإنْكارِ وُقُوعِ الشَّكِّ في انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّ انْفِرادَهُ بِالخَلْقِ يَقْتَضِي انْفِرادَهُ بِاسْتِحْقاقِهِ عِبادَةَ مَخْلُوقاتِهِ.

وجُمْلَةُ يَدْعُوكم حالٌ مِنَ اسْمِ الجَلالَةِ، أيْ: يَدْعُوكم أنْ تَنْبِذُوا الكُفْرَ لِيَغْفِرَ لَكم ما أسْلَفْتُمْ مِنَ الشِّرْكِ ويَدْفَعَ عَنْكم عَذابَ الِاسْتِئْصالِ فَيُؤَخِّرَكم في الحَياةِ إلى أجَلٍ مُعْتادٍ.

والدُّعاءُ: حَقِيقَتُهُ النِّداءُ. فَأُطْلِقَ عَلى الأمْرِ والإرْشادِ مَجازًا؛لِأنَّ الآمِرَ يُنادِي المَأْمُورَ.

ويُعَدّى فِعْلُ الدُّعاءِ إلى الشَّيْءِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ غالِبًا وهو (إلى)، نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ [غافر: ٤١]، قَدْ يُعَدّى بِلامِ التَّعْلِيلِ داخِلَةً عَلى ما جُعِلَ سَبَبًا لِلدَّعْوَةِ فَإنَّ العِلَّةَ تَدُلُّ عَلى المَعْلُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [نوح: ٧]، أيْ: دَعْوَتُهم إلى سَبَبِ المَغْفِرَةِ لِتَغْفِرَ، أيْ: دَعَوْتُهم إلى الإيمانِ لِتَغْفِرَ لَهم، وهو في هَذِهِ الآيَةِ كَذَلِكَ، أيْ: يَدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكم.

وقَدْ يُعَدّى فِعْلُ الدَّعْوَةِ إلى المَدْعُوِّ إلَيْهِ بِاللّامِ تَنْزِيلًا لِلشَّيْءِ الَّذِي يُدْعى إلى الوُصُولِ إلَيْهِ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ الَّذِي لِأجْلِهِ يُدْعى، كَقَوْلِ أعْرابِيٍّ مِن بَنِي أسَدٍ:

دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا ∗∗∗ فَلَبّى فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ

* * *

صفحة ٢٠٠

﴿قالُوا إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾أرادُوا إفْحامَ الرُّسُلِ بِقَطْعِ المُجادَلَةِ النَّظَرِيَّةِ، فَنَفَوُا اخْتِصاصَ الرُّسُلِ بِشَيْءٍ زائِدٍ في صُورَتِهِمُ البَشَرِيَّةِ يُعْلَمُ بِهِ أنَّ اللَّهَ اصْطَفاهم دُونَ غَيْرِهِمْ بِأنْ جَعَلَهم رُسُلًا عَنْهُ، وهَؤُلاءِ الأقْوامُ يَحْسَبُونَ أنَّ هَذا أقْطَعُ لِحُجَّةِ الرُّسُلِ؛ لِأنَّ المُماثَلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ قَوْمِهِمْ مَحْسُوسَةٌ لا تَحْتاجُ إلى تَطْوِيلٍ في الِاحْتِجاجِ، فَلِذَلِكَ طالَبُوا رُسُلَهم أنْ يَأْتُوا بِحُجَّةٍ مَحْسُوسَةٍ تُثْبِتُ أنَّ اللَّهَ اخْتارَهم لِلرِّسالَةِ عَنْهُ، وحُسْبانُهم بِذَلِكَ التَّعْجِيزُ.

فَجُمْلَةُ ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ في …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.