Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 21–30 of 52

21

وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِيعًۭا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًۭا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ قَالُوا۟ لَوْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَٰكُمْ ۖ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍۢ

And they will come out [for judgement] before Allah all together, and the weak will say to those who were arrogant, "Indeed, we were your followers, so can you avail us anything against the punishment of Allah?" They will say, "If Allah had guided us, we would have guided you. It is all the same for us whether we show intolerance or are patient: there is for us no place of escape."

ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ قُدْرَتَهُ عَلى الإعادَةِ بَعْدَ المَوْتِ، عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] قَوْلَهُ - بَيانًا لَهو أنَّ البَعْثَ عِنْدَهُ وسُهُولَتَهُ عَلَيْهِ -: ﴿وبَرَزُوا﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ، عَبَّرَ بِصِيغَةِ المُضِيِّ الَّذِي وُجِدَ وتَحَقَّقَ، لِأنَّ أخْبارَ المُلُوكِ يَجِبُ تَحَقُّقُها لِقُدْرَتِهِمْ وغِناهم عَنِ الكَذِبِ، فَكَيْفَ بِمَلِكِ المُلُوكِ! وفِيهِ مِن هَزِّ النَّفْسِ ورَوْعَتِها ما لَيْسَ في العِبارَةِ بِالمُضارِعِ لِمَن تَأمَّلَ المَعْنى حَقَّ التَّأمُّلُ ”لِلَّهِ“ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿جَمِيعًا﴾ فَكانُوا بِحَيْثُ لا يَخْفى مِنهم خافِيَةً عَلى ما هو مُتَعارِفُهُمْ، لِأنَّهُ لا ساتِرَ لَهُمْ، فَإنَّ البُرُوزَ خُرُوجٌ لِشَيْءٍ عَمّا كانَ مُلْتَبِسًا بِهِ إلى حَيْثُ يَقَعُ عَلَيْهِ الحِسُّ في نَفْسِهِ، وبَدا لَهم [مِنَ اللَّهِ] ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ مِنَ العَذابِ، فَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾ أيِ الأتْباعُ مِن أهْلِ الضَّلالِ بِسَبَبِ عِلْمِهِمْ أنَّهم في القَبْضَةِ لا مَلْجَأ لَهُمْ، تَبْكِيتًا لِرُؤَسائِهِمْ [وتَوْبِيخًا]، تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ طَلَبُوا الكِبْرَ وادَّعَوْهُ فاسْتَتْبَعُوهم بِهِ حَتّى تَكَبَّرُوا عَلى الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ ولَمْ يَكُنْ لَهم ذَلِكَ.

﴿إنّا كُنّا﴾ أيْ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿لَكم تَبَعًا﴾ أيْ تابِعِينِ أوْ ذَوِي تُبَّعٍ فَكُنْتُمْ سَبَبَ ضَلالِنا، وقَدْ جَرَتْ عادَةُ الأكابِرِ بِالدَّفْعِ عَنْ أتْباعِهِمُ المُساعِدِينَ لَهم عَلى أباطِيلِهِمْ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ﴾ أيْ دافِعُونَ ﴿عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها فَلا يُطاقُ انْتِقامُهُ، وأبْلَغُوا بَعْدَ التَّبْعِيضِ بِـ ”مِنَ“ الأُولى في التَّقْلِيلِ، فَقالُوا: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ كَأنَّ العَذابَ [كانَ] مُحْتاجًا إلى أخْذِهِمْ فَأغْنَوْهُ بِشَيْءِ غَيْرِهِمْ حَتّى يُجاوِزَهم لَوْ دَفَعُوهُ عَنْهُمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ ذَلِكَ لِعادَةِ الرُّؤَساءِ، فَماذا قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ عِلْمًا مِنهم بِأنَّهُ لا طاقَةَ لَهم عَلى نَوْعٍ مِن أنْواعِ التَّصَرُّفِ: لا نُغْنِي عَنْكم شَيْئًا، بَلْ كُلٌّ مُجْزِي بِما فَعَلَ، عَلَيْنا إثْمُ ضَلالِنا في أنْفُسِنا وإضْلالِنا لَكُمْ، وعَلَيْكم ضَلالُكم وذَبُّكُمُ عَنّا وتَقْوِيَتُكم لِجانِبِنا حَتّى اسْتَكْبَرْنا فاسْتَغْرَقْنا في الضَّلالِ، ولَوْ أنَّ [اللَّهَ] هَداكم حَتّى تَبِعْتُمُ الأدِلَّةَ الَّتِي سَمِعْتُمُوها كَما سَمِعْناها وتَرَكْتُمُونا، لَكَسَرَ ذَلِكَ مِن شِدَّتِنا وأوْهى مِن شَوْكَتِنا، فَكانَ رُبَّما يَكُونُ سَبَبًا لِهِدايَتِنا كَما أنَّهُ ﴿لَوْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيِ المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿لَهَدَيْناكُمْ﴾ فَكانَ يَكُونُ لَنا جَزاءَ اهْتِدائِنا وهِدايَتِنا لَكُمْ، ولَكم جَزاءُ اهْتِدائِكم وتَقْوِيَتِكم لَنا عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَهْدِنا فَضَلَلْنا وكُنْتُمْ لَنا تُبَّعًا فَأضْلَلْناكم.

ولَمّا كانَ المُوجِبُ لِقَوْلِهِمْ هَذا الجَزَعَ، قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ أيْ نَحْنُ وأنْتُمْ ﴿أجَزِعْنا﴾ والجَزَعُ: انْزِعاجُ النَّفْسِ بِوُرُودِ ما يَغُمُّ ﴿أمْ صَبَرْنا﴾ لا فائِدَةَ [لَنا] في واحِدٍ مِنهُما لِأنَّ الأمْرَ أطَمُّ مِن ذَلِكَ فَإنَّهُ ﴿ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ يَصْلُحُ لِلْمَصْدَرِ والزَّمانِ والمَكانِ، أيْ مَحِيدٍ وزَوالٍ عَنِ المَكْرُوهِ عَلى كَلا التَّقْدِيرَيْنِ، فَلَمْ يَبْقَ في الجَزاءِ إلّا زِيادَةَ العَذابِ بِسُوءِ القالَةِ …

22

وَقَالَ ٱلشَّيْطَٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلْأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم ۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ ۖ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And Satan will say when the matter has been concluded, "Indeed, Allah had promised you the promise of truth. And I promised you, but I betrayed you. But I had no authority over you except that I invited you, and you responded to me. So do not blame me; but blame yourselves. I cannot be called to your aid, nor can you be called to my aid. Indeed, I deny your association of me [with Allah] before. Indeed, for the wrongdoers is a painful punishment."

ولَمّا كانَ الشَّيْطانُ أعْظَمَ المُسْتَكْبِرِينَ، خُصَّ بِالإفْرادِ بِالجَوابِ فَقِيلَ: ﴿وقالَ﴾ أوَّلُ المَتْبُوعِينَ في الضَّلالِ ﴿الشَّيْطانُ﴾ الَّذِي هو رَأْسُ المُضِلِّينَ المُسْتَكْبِرِينَ المَقْضِيُّ بِبُعْدِهِ واحْتِراقِهِ ﴿لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ بِتَعْيِنِ قَوْمٍ لِلْجَنَّةِ وقَوْمٍ لِلنّارِ، جَوابًا لِقَوْلِ الأتْباعِ مُذْعِنًا حَيْثُ لا يَنْفَعُ [الإذْعانُ]، ومُؤْمِنًا حَيْثُ فاتَ نَفْعُ الإيمانِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ بِأنْ أرْسَلَ إلَيْكم رُسُلًا وأنْزَلَ مَعَهم بَراهِينَ وكُتُبًا أخْبَرَكم فِيها بِأنَّهُ رَبُّكُمُ الواحِدُ القَهّارُ، ودَعاكم إلَيْهِ بَعْدَ أنْ أخابَتْكُمُ الشَّياطِينُ، وبَشَّرَ مَن أجابَ، وحَذَّرَ مَن أبى، بِما هو قادِرٌ أتَمُّ القُدْرَةِ، فَكُلُّ ما قالَهُ طابَقَهُ الواقِعُ - كَما تَرَوْنَ - فَصَّدَقَكم فِيهِ ووَفى لَكم ﴿ووَعَدْتُكُمْ﴾ أنا بِما زَيَّنْتُ لَكم بِهِ ”المَعاصِي مِنَ الوَساوِسِ“ وعْدُ الباطِلِ ﴿فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ فَلَمْ أقُلْ شَيْئًا إلّا كانَ زَيْغًا، فاتَّبَعْتُمُونِي مَعَ كَوْنِي عَدُّوكُمْ، وتَرَكْتُمْ رَبَّكم وهو رَبُّكم [ووَلِيُّكُمْ]؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ ﴿وعْدَ الحَقِّ﴾ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا، و”أخْلَفَتْكم“ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ”صِدْقِكُمْ“ أوَّلًا.

ولَمّا بَيَّنَ غُرُورَهُ، بَيَّنَ سُهُولَةَ اغْتِرارِهِمْ زِيادَةً في تَنْدِيمِهِمْ فَقالَ: ﴿وما كانَ﴾ لِي إلَيْكم في ذَلِكَ مِن ذَنْبٍ لِأنَّهُ ما كانَ ﴿لِي عَلَيْكُمْ﴾ وأبْلَغَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ تَسَلُّطٍ كَبِيرٍ أوْ صَغِيرٍ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا أنْ﴾ أيْ بِأنْ ﴿دَعَوْتُكُمْ﴾ بِالوَسْوَسَةِ الَّتِي كانَتْ سَبَبًا لِتَقْوِيَةِ دَواعِيكم إلى الشَّرِّ ﴿فاسْتَجَبْتُمْ﴾ أيْ أوْجَدْتُمُ الإجابَةَ إيجادَ مَن هو طالِبٌ لَها، راغِبٌ فِيها ﴿لِي﴾ مُحَكِّمِينَ الشَّهَواتِ، مُعْرِضِينَ عَنْ مَناهِيجِ العُقُولِ ودُعاءِ النُّصَحاءِ، ولَوْ حَكَّمْتُمْ عُقُولَكم لَتَبِعْتُمُ الهُداةَ لِما في سَبِيلِهِمْ مِنَ النُّورِ الدّاعِي إلَيْها وما [فِي] سُبُلِ غَيْرِهِمْ مِنَ الظَّلامِ السّادِّ لَها، والمَهالِكِ الزّاجِرَةِ عَنْها دُنْيا وأُخْرى، وساقَهُ عَلى صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ - وإنْ لَمْ يَكُنْ دُعاءُهُ مِنَ السُّلْطانِ في شَيْءٍ - لِأنَّ السُّلْطانَ أخَصُّ مِنَ البُرْهانِ إذْ مَعْناهُ بُرْهانٍ يَتَسَلَّطُ بِهِ عَلى إبْطالِ مَذْهَبِ الخَصْمِ إشارَةً إلى أنَّهم تَبِعُوهُ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى غَيْرِ هَذا الدُّعاءِ الَّذِي لا سُلْطانَ فِيهِ، وتَرَكُوا دُعاءَ مَن أنْزَلَ إلَيْهِمْ مِن كُلِّ سُلْطانٍ مُبِينٍ، مَعَ تَهْدِيدِهِمْ بِما هو قادِرٌ عَلى عَلَيْهِ وضَرْبِهِمْ بِبَعْضِهِ، وفاعِلٌ مِثْلَ ذَلِكَ لا لَوْمَ لَهُ عَلى غَيْرِ نَفْسِهِ ﴿فَلا﴾ [أيْ] فاذَّ [قَدْ] تَقَرَّرَ هَذا تَسَبَّبَ عَنْهُ أنِّي أقُولُ لَكُمْ: [لا] ﴿تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ لِأنَّكم مُؤاخَذُونَ بِكَسْبِكُمْ، لِأنَّهُ كانَتْ لَكم قُدْرَةٌ واخْتِيارٌ فاخْتَرْتُمُ الشَّرَّ عَلى الخَيْرِ، وعُلِمَ مِنهُ قَطْعًا أنَّ كُلاًّ مِنّا مَشْغُولٌ عَنْ صاحِبِهِ بِما جُزِيَ بِهِ، فَعُلِمَ أنِّي ﴿ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أيْ بِمُغِيثِكم فِيما يَخُصُّكم مِنَ العَذابِ، فَآتِيكم بِما يُزِيلُ صُراخَكم مِنهُ ﴿وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ فِيما يَخُصُّنِي مِنهُ لَتَقَطُّعِ الأسْبابِ، بِما دَهّى مِنَ العَذابِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ﴾ مُسْتَهِينًا ﴿بِما أشْرَكْتُمُونِ﴾ [أيْ] بِاتِّخاذِكم [لِي] شَرِيكًا مَعَ اللَّهِ.

ولَمّا كانَ إشْراكُهم لَمْ يَسْتَغْرِقِ الزَّمانَ، …

23

وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌ

And those who believed and did righteous deeds will be admitted to gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein by permission of their Lord; and their greeting therein will be, "Peace!"

ولَمّا ذَكَرَ الظّالِمِينَ. أتْبَعَهُ ذَكْرَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ الدُّخُولَ هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ: ﴿وأُدْخِلَ﴾ والإدْخالُ: النَّقْلُ إلى مُحِيطٍ - هَذا أصْلُهُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا الإيمانَ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ تَصْدِيقًا لِدَعْواهُمُ الإيمانَ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ وبَيَّنَ أنَّ الماءَ غَيْرُ عامٍّ لِجَمِيعِ أرْضِها بِإدْخالِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَهي لا تَزالُ رَيًّا، لا يَسْقُطُ ورَقُها ولا ثَمَرُها فَداخِلُها لا يَبْغِي بِها بَدَلًا ﴿خالِدِينَ فِيها﴾

ولَمّا كانَتِ الإقامَةُ لا تَطِيبُ إلّا بِإذْنِ المالِكِ قالَ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ الَّذِي أذِنَ لَهم - بِتَرْبِيَتِهِ وإحْسانِهِ - في الخُرُوجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وقُرِئَ ”وأدْخُلُ“ عَلى التَّكَلُّمِ فَيَكُونُ عَدْلٌ عَنْ أنْ يَقُولَ ”بِإذْنِي“ إلى ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ لِلْإعْلامِ بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلرَّحْمَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ [الكوثر: ٢] ولَمْ يَقُلْ: لَنا - سَواءٌ، ومِن شَكْلِهِ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢] فَلا تَنْبَغِي المُسارَعَةُ إلى إنْكارِ شَيْءٍ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ، بَلْ يَتَعَيَّنُ إمْعانُ النَّظَرِ، فَإنَّ الأمْرَ كَما قالَ الإمامُ أبُو الفَتْحِ بْنِ جَنِّي في كِتابِهِ المُحْتَسِبُ في تَوْجِيهِ ﴿لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] أنَّ كَلامَ العَرَبِ لِمَن عَرَفَهُ [ومَنَ الَّذِي يَعْرِفُهُ؟] - ألْطَفُ مِنَ السِّحْرِ، وأنْقى ساحًى مِن مُشَوِّفِ الفِكْرِ، وأشَدُّ تَساقُطًا بَعْضًا عَلى بَعْضٍ، وأمَسُّ تَسانُدًا نَفْلًا إلى فَرْضٍ ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ أيْ فِيما بَيْنَهم وتَحِيَّةُ المَلائِكَةِ لَهُمْ؛ والتَّحِيَّةُ: التَّلَقِّي بِالكَرامَةِ في المُخاطَبَةِ، فَهي إظْهارٌ شَرَفِ المُخاطَبِ ﴿فِيها سَلامٌ﴾ أيْ عافِيَةٌ وسَلامَةٌ وبَقاءٌ، وقَوْلُ مَن كَلَّ مِنهم لِلْآخَرِ: أدامَ اللَّهُ سَلامَتَكَ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الإخْبارِ بِدَوامِ العافِيَةِ، كَما أنَّ حالَ أهْلِ الباطِلِ في النّارِ عَطَبٌ وآلامٌ.

24

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا كَلِمَةًۭ طَيِّبَةًۭ كَشَجَرَةٍۢ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌۭ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Have you not considered how Allah presents an example, [making] a good word like a good tree, whose root is firmly fixed and its branches [high] in the sky?

ولَمّا تَقَرَّرَ بِما مَضى أنَّ الحَقَّ ما قالَهُ [اللَّهُ] أوْ فَعَلَهُ أوْ أذِنَ فِيهِ، وأنَّ الباطِلَ ما كانَ عَلى غَيْرِ أمْرِهِ مِمّا يُنْسَبُ إلى الشَّيْطانِ أوْ غَيْرِهِ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وأنَّهُ لا يَصْلُحُ في الحِكْمَةِ أنْ يَنْفِيَ الحَقَّ ولا [أنْ] يُبْقِيَ الباطِلُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١] ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ [يونس: ٨٢] ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ [الأنفال: ٨] ]، وقَصَّ سُبْحانَهُ كَلامَ أوْلِيائِهِ الَّذِي هو مِن كَلامِهِ، فَهو أثْبَتُ الأشْياءَ وأطْيَبُها وأعْظَمُها ثَمَرَةً، وكَلامُ أعْدائِهِ الَّذِي هو مِن كَلامِ الشَّيْطانِ، فَهو أبْطَلُ الأشْياءِ وأخْبَثُها، قَرَّبَ سُبْحانِهِ [ذَلِكَ] بِمِثْلٍ يَتَعارَفُهُ المُخاطِبُونَ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيْ يا مَن لا يَفْهَمُ عَنّا هَذا المَثَلَ حَقَّ الفَهْمِ سِواهُ! ﴿كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿مَثَلا﴾ أيْ سَيْرِهِ بِحَيْثُ يَعُمُّ نَفْعُهُ؛ والمَثَلُ: قَوْلٌ سائِرٌ يُشَبَّهُ فِيهِ حالُ الثّانِي بِالأوَّلِ؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ أيْ جَمَعَتْ أنْواعَ الكَرَمِ فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الخُبْثِ، وتِلْكَ الكَلِمَةُ ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾

ولَمّا كانَتْ لا تَسْرِ إلّا بِالثَّباتِ، قالَ: ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ أيْ راسِخٌ في الأرْضِ آمِنٌ مِنَ الِاجْتِثاثِ بِالرِّياحِ ونَحْوَها ﴿وفَرْعُها﴾ عالٍ صاعِدٌ مُهْتَزٌّ ”فِي“ جِهَةِ ﴿السَّماءِ﴾ لِحُسْنِ مَنبَتِها وطَيِّبِ عُنْصُرِها؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ ”ثابِتٍ“ أوَّلًا دالٌّ عَلى عالٍ صاعِدٍ ثانِيًا، وذِكْرُ ”السَّماءِ“ ثانِيًا دالٌّ عَلى الأرْضِ أوَّلًا.

25

تُؤْتِىٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍۭ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

It produces its fruit all the time, by permission of its Lord. And Allah presents examples for the people that perhaps they will be reminded.

ولَمّا ذَكَرَ حالَها، ذَكَرَ ثَمَرَتَها فَقالَ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ أيْ ثَمَرَتَها بِحُسْنِ أرْضِها ودَوامِ رَيِّها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ الإيتاءِ، لِأنَّ عُلُوَّها مَنَعَها مِن عُفُوناتِ [الأرْضِ] وقاذُوراتِ الأبْنِيَةِ، فَكانَتْ ثَمَرَتُها نَقِيَّةً مِن شَوائِبِ الأدْناسِ.

ولَمّا كانَ الشَّيْءُ لا يَكْمُلُ إلّا بِكَمالِ مُرَبِّيهِ قالَ: ﴿بِإذْنِ رَبِّها﴾ فَهي بِحَيْثُ لا يَسْتَجِيزُ عاقِلٌ أنْ يَتَسَبَّبَ في إفْسادِها، ومَن سَعى في ذَلِكَ مَنَعَهُ أهْلُ العُقُولِ ولَوْ وصَلُوا إلى بَذْلِ النُّفُوسِ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ كالرَّجُلِ المُسْلِمِ لا يَتَحاتَ ورَقُها ولا ولا ولا، تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ، قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: فَوَقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ، ورَأيْتُ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ لا يَتَكَلَّمانِ، فَكَرِهْتُ أنْ أتَكَلَّمَ، فَلَمّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ: هي النَّخْلَةُ، فَلَمّا قُمْنا قُلْتُ لِعُمَرَ: يا أبَتاهُ! واللَّهُ لَقَدْ كانَ وقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ، فَقالَ: ما مَنعُكَ أنْ تُكَلِّمَ؟ قالَ: لَمْ أرَكُمَ تُكَلِّمُونَ فَكَرِهْتُ [أنْ] أتَكَلَّمَ، قالَ عُمَرُ: لَأنْ تَكُونُ قِلَّتُها أحَبُّ إلَيَّ مِن كَذا وكَذا» .

ثُمَّ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى عِظَمِ هَذا المَثَلِ لِيُقْبَلَ عَلى تَدَبُّرِهِ لِيُعْلَمَ المُرادُ مِنهُ فَيُلْزَمُ، فَقالَ: ﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿الأمْثالَ لِلنّاسِ﴾ أيِ الَّذِينَ يَحْتاجُونَ إلى ذَلِكَ لِاضْطِرابِ آرائِهِمْ، لِأنَّ في ضَرْبِها زِيادَةَ إفْهامٍ وتَصْوِيرٍ لِلْمَعانِي، لِأنَّ المَعانِيَ الصِّرْفَةَ إذا ذُكِرَ مُناسِبُها مِنَ المَحْسُوساتِ ارْتَسَمَتْ في الحِسِّ والخَيالِ والوَهْمِ، وتَصَوَّرَتْ فَتَرَكَتْ هَذِهِ [القُوى] المُنازَعَةَ فِيها، فَيَحْصُلُ الفَهْمُ التّامُّ والوُصُولُ إلى المَطْلُوبِ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى لَهُ غايَةُ التَّذَكُّرِ - بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ، فَهَذا مِثْلُ كَلامِ الأوْلِياءِ، فَكَلِمَتُهُمُ الطَّيِّبَةُ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ الَّتِي لا أطْيَبُ مِنها، وهي أصِلُ كُلَّ سَعادَةٍ راسِخَةٍ في قُلُوبِهِمْ، مُعَرَّقَةٌ في كُلِّ عَرَقٍ مِنهم أوْجَبَ إعْراقَها أنْ بُسِقَتْ فُرُوعُها الَّتِي هي الأعْمالُ الدِّينِيَّةُ مِن أعْمالِ القُلُوبِ والجَوارِحِ، فَصارَتْ كُلَّما [هُزَّتِ] اجْتَنى الهازُّ ثَمَراتَها الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، عالِمًا بِأنَّها مِن فَتْحِ مَوْلاهُ لا صُنْعَ لَهُ فِيها بِوَجْهٍ، بَلْ لَهُ سُبْحانَهُ المَنَّ عَلَيْهِ في جَمِيعِ ذَلِكَ وكَما أنَّ الشَّجَرَ لا تَتِمُّ إلّا [بِعَرَقٍ راسِخٍ وأصْلٍ قائِمٍ وفُرُوعٍ عالِيَةٍ، فَكَذَلِكَ الإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا] بِمَعْرِفَةِ القَلْبِ وقَوْلِ اللِّسانِ وعَمَلِ الأرْكانِ،

26

وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍۢ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍۢ

And the example of a bad word is like a bad tree, uprooted from the surface of the earth, not having any stability.

ثُمَّ أتْبَعُهُ مِثْلَ حالِ الأعْداءِ فَقالَ: ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [أيْ عَرِيقَةٍ في الخُبْثِ لا طَيِّبَ فِيها] ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾

ولَمّا كانَ مِن أنْفَعِ الأُمُورِ إعْدامُها والرّاحَةُ مِن وُجُودِها عَلى أيْ حالَةٍ كانَتْ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ أيِ اسْتُؤْصِلَتْ بِقَلْعِ جُثَّتِها مَن أصِلُها ﴿مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ بِرَأْيِ كُلِّ مِن لَهُ رَأْيٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿ما لَها﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَرارٍ﴾ أيْ عِنْدِ مَن لَهُ أدْنى لُبٍّ، لِأنَّهُ لا نَفْعَ لَها بَلْ وجُودَها ضارٌّ ولَوْ بِشَغْلِ الأرْضِ، فَكَذَلِكَ الكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ الباطِلَةُ لا بَقاءَ لَها [أصْلًا] وإنْ عَلَتْ وقْتًا، لِأنَّ حُجَّتَها داحِضَةٌ فَجُنُودُها مُنْهَزِمَةٌ.

27

يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ

Allah keeps firm those who believe, with the firm word, in worldly life and in the Hereafter. And Allah sends astray the wrongdoers. And Allah does what He wills.

فَلَمّا بَرَزَ الكَلامُ إلى هَذَيْنَ المِثالَيْنِ، حَصَلَ التَّعَجُّبُ مِمَّنْ يَتْرُكُ مَمْثُولَ الأوَّلِ ويَفْعَلُ مَمْثُولَ الثّانِي، فَوَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ بِفِعْلِ القاهِرِ، فَقالَ تَعالى - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ [قالَ]: إنَّ هَذا الصَّرِيحَ الحَقُّ، ثُمَّ إنّا نَجِدَ النُّفُوسَ مائِلَةً إلى الضَّلالِ، وطائِشَةً في أرْجاءِ المَحالِّ، فَكَيْفَ لَنا بِالِامْتِثالِ؟ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والجَمالُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ ولَوْ عَلى أقَلِّ دَرَجاتِها ﴿بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ أيِ الَّذِي [هُوَ] مُتابَعَةُ الدَّلِيلِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ مِن مُحاوَلاتِ أنْبِيائِهِ ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ ويَهْدِيهِمْ عِنْدَ كُلِّ سُؤالٍ إلى أحْسَنِ الأقْوالِ حَيْثُ تَطِيشُ العُقُولُ وتُدْهَشُ الأفْكارُ لِشِدَّةِ الأهْوالِ ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينِ في الظُّلْمِ، ويُزَلْزِلُهم لِتَقَلُّبِهِمْ في الظُّلُماتِ الَّتِي مِن شَأْنِ صاحِبِها الضَّلالُ والخَبْطُ، فَيَفْعَلُونَ ما لا يَرْضاهُ عاقِلٌ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الثَّباتَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، والإضْلالُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الهُدى أوَّلًا ﴿ويَفْعَلُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، فَلا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ﴿ما يَشاءُ﴾ لِأنَّ الكُلَّ بِحُكْمِهِ وقَضائِهِ وهو القادِرُ القاهِرُ، فَلا يَتَعَجَّبُ مِن شَيْءٍ، وفي هَذا إرْشادٌ إلى الإقْبالِ عَلَيْهِ وإلْقاءُ أزِمَّةِ الِافْتِقارِ إلَيْهِ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ وغَيْرِهِ ومُسْلِمٌ في أواخِرِ صِفَةِ الجَنَّةِ والنّارِ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ قالَ: ”المُسْلِمُ إذا سُئِلَ في القَبْرِ يَشْهَدُ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ“، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ الآيَةُ.

28

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًۭا وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ

Have you not considered those who exchanged the favor of Allah for disbelief and settled their people [in] the home of ruin?

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ هو الفاعِلُ وحْدَهُ، أتْبَعَهُ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ إضْلالِ الَّذِينَ بَدَّلُوا الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ مِنَ التَّوْحِيدِ بِالإشْراكِ وزَلْزَلَتْهم واجْتِثاثِ كَلِمَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ وأشارَ إلى بُعْدِهِمْ عَنْ مَقامِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا﴾ والتَّبْدِيلُ: جَعْلُ الشَّيْءِ مَكانَ غَيْرِهِ ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أيِ المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي أسْبَغَها عَلَيْهِمْ مِن كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وما أوْرَثَهم مِن دِينِ أبِيهِمْ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومِن جَمِيعِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَن أمْنِ البَلَدِ وتَيْسِيرِ الرِّزْقِ وغَيْرِ ذَلِكَ، بِأنْ جُعِلُوا مَكانَ شُكْرِها ﴿كُفْرًا﴾ وهم يَدَّعُونَ أنَّهم أشْكُرُ النّاسِ لِلْإحْسانِ، وأعْلاهم هُمَمًا في الوَفاءِ، وأبْعَدَهم عَنِ الخَنّاءِ ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾ بِذَلِكَ ﴿دارَ البَوارِ﴾ أيِ الهَلاكِ، مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أذْبُ النّاسِ عَنِ الجارِ فَضْلًا عَنِ الأهْلِ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ أنَّهم كُفّارُ أهْلِ مَكَّةَ. والبَوارُ: الهَلاكُ الزّائِدُ، والإحْلالُ: جَعْلُ الشَّيْءِ في مَحَلٍّ، فَإنْ كانَ جَوْهَرًا فَهو إحْلالُ مُجاوِرَةٍ. وإنْ كانَ عَرَضًا فَهو إحْلالُ مُداخَلَةٍ.

29

جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ

[It is] Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the settlement.

ولَمّا أفادَ أنَّها مُهْلَكَةٌ، بَيْنَها بِما يَفْهَمُ أنَّها تَلْقاهم بِالعَبُوسَةِ كَما كانُوا يَلْقَوْنَ أوْلِياءَ اللَّهِ مِنَ الرُّسُلِ وغَيْرِهِمْ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿جَهَنَّمَ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يَصْلَوْنَها﴾ أيْ يُباشِرُونَ حَرَّها مَعَ انْغِماسِهِمْ فِيها بِانْعِطافِها عَلَيْهِمْ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَبِئْسَ الإحْلالُ أحَلُّوهُ أنْفُسَهم وقَوْمَهُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وبِئْسَ القَرارُ﴾ ذَلِكَ المَحَلُّ الَّذِي أحَلُّوهم بِهِ.

30

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا لِّيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦ ۗ قُلْ تَمَتَّعُوا۟ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ

And they have attributed to Allah equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy yourselves, for indeed, your destination is the Fire."

ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ مَن لا عَقْلَ لَهُ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ الَّذِي يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في خَلْقِهِمْ ولا في رِزْقِهِمْ لَأنَ لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿أنْدادًا﴾ وقالَ: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ أيْ بِأنْفُسِهِمْ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرُو، ويَعُمُّوا غَيْرَهم عَلى قِراءَةِ الباقِينَ ”عَنْ سَبِيلِهِ“ لِأنَّهم [إنَّ] كانُوا عُقَلاءَ [فَإنَّهُمْ] يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا لازِمٌ لِفِعْلِهِمْ فَهم قاصِدُونَ لَهُ، وإلّا فَلا عُقُولَ لَهُمْ، لِأنَّهُ لا يَقْدِمُ عَلى ما لا يُعْلَمُ عاقِبَتُهُ إلّا أبْلَهٌ، وهم يَقُولُونَ: إنَّهم أبْصَرُ النّاسِ قَوْبًا، وأصْفاهم عُقُولًا. وأنْفَذَهم أفْكارًا، وأمْتَنَهم آراءً، فَمَن ألْزَمَ مِنهم [بِطَرِيقِ النَّجاةِ] ومَن أحْذَرَ مِنهم لِطُرُقِ الهَلاكِ؟ مَعَ ما أوْقَعُوا أنْفُسَهم فِيهِ مِن هَذا الدّاءِ العِضالِ.

ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهم عَلى الضِّدِّ مِن جَمِيعِ ما يَدْعُونَهُ فَكانُوا بِذَلِكَ أهْلًا لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ، وكانَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ بِمُعْرِضٍ أنْ يَقُولَ: فَماذا أفْعَلُ بِهِمْ وقَدْ أمَرْتَنِي بِإخْراجِهِمْ إلى صِراطِكَ؟ أمَرَهُ أنْ يَدُقَّ أعْناقَهم بِإخْبارِهِمْ أنَّ ما أضَلَّهم مِنَ النِّعَمِ إنَّما هو اسْتِدْراجٌ، فَقالَ: ”قُلْ“ أيْ تَهْدِيدًا لَهم فَإنَّهم لا يَشْكُونَ في قَوْلِكَ وإنْ عانَدُوا: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ وبالِغُوا في فِعْلِ البَهائِمِ مَهْما قَدِرْتُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ ضائِرُكم غَيْرُ نافِعِكم ﴿فَإنَّ مَصِيرَكُمْ﴾ أيْ صَيْرُورَتِكم ﴿إلى النّارِ﴾ بِسَبَبِ تَمَتُّعِكم عَلى هَذا الوَجْهِ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.