وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِيعًۭا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًۭا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ قَالُوا۟ لَوْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَٰكُمْ ۖ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍۢ
And they will come out [for judgement] before Allah all together, and the weak will say to those who were arrogant, "Indeed, we were your followers, so can you avail us anything against the punishment of Allah?" They will say, "If Allah had guided us, we would have guided you. It is all the same for us whether we show intolerance or are patient: there is for us no place of escape."
﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٩] بِاعْتِبارِ جَوابِ الشَّرْطِ وهو الإذْهابُ، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ، إذِ التَّقْدِيرُ: فَأذْهَبَهم وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ.
وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: ويَبْرُزُونَ لِلَّهِ، فَقَدْ عَدَلَ عَنِ المُضارِعِ إلى الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ وقَعَ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .
صفحة ٢١٦
والبُرُوزُ: الخُرُوجُ مِن مَكانٍ حاجِبٍ مِن بَيْتٍ أوْ قَرْيَةٍ، والمَعْنى: حُشِرُوا مِنَ القُبُورِ.
و”جَمِيعًا“ تَأْكِيدٌ لِيَشْمَلَ جَمِيعَهم مِن سادَةٍ ولَفِيفٍ.
وقَدْ جِيءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِوَصْفِ حالِ الفِرَقِ يَوْمَ القِيامَةِ، ومُجادَلَةِ أهْلِ الضَّلالَةِ مَعَ قادَتِهِمْ، ومُجادَلَةُ الجَمِيعِ لِلشَّيْطانِ، وكَوْنُ المُؤْمِنِينَ في شُغُلٍ عَنْ ذَلِكَ بِنُزُلِ الكَرامَةِ، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ تَنْبِيهُ النّاسِ إلى تَدارُكِ شَأْنِهِمْ قَبْلَ الفَواتِ. فالمَقْصُودُ: التَّحْذِيرُ مِمّا يُفْضِي إلى سُوءِ المَصِيرِ.
واللّامُ الجارَّةُ لِاسْمِ الجَلالَةِ مُعَدِّيَةٌ فِعْلَ ”بَرَزُوا“ إلى المَجْرُورِ. يُقالُ: بَرَزَ لِفُلانٍ، إذا ظَهَرَ لَهُ، أيْ: حَضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَما يُقالُ: ظَهَرَ لَهُ.
والضُّعَفاءُ: عَوامُّ النّاسِ والأتْباعُ، والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: السّادَةُ، لِأنَّهم يَتَكَبَّرُونَ عَلى العُمُومِ وكانَ التَّكَبُّرُ شِعارَ السّادَةِ، والسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الكِبْرِ، والتَّبَعُ: اسْمُ جَمْعٍ: التّابِعُ مِثْلُ الخَدَمِ والخَوَلِ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ الِاسْتِكْبارِ عَلى التَّبَعِيَّةِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ يَقْتَضِي الشَّفاعَةَ لَهم.
ومُوجِبُ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ في ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ أنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ هو كَوْنُ المُسْتَكْبِرِينَ يُغْنُونَ عَنْهم لا أصْلُ الغَناءِ عَنْهم، لِأنَّهم آيِسُونَ مِنهُ لَمّا رَأوْا آثارَ الغَضَبِ الإلَهِيِّ عَلَيْهِمْ وعَلى سادَتِهِمْ. كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ حِكايَةُ قَوْلِ المُسْتَكْبِرِينَ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾، فَعَلِمُوا أنَّهم قَدْ غَرُّوهم في الدُّنْيا، فَتَعَيَّنَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوَرُّكِ والتَّوْبِيخِ والتَّنْكِيتِ، أيْ: فَأظْهِرُوا مَكانَتَكم عِنْدَ اللَّهِ الَّتِي كُنْتُمْ تَدَّعُونَها وتَغُرُّونَنا بِها في الدُّنْيا. فَإيلاءُ المُسْنَدِ إلَيْهِ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وبَيَّنَهُ ما في نَظِيرِهِ مِن سُورَةِ غافِرٍ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٧] .
و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ بَدَلِيَّةٌ، أيْ: غَناءً بَدَلًا عَنْ عَذابِ اللَّهِ.
صفحة ٢١٧
و(مِن) في قَوْلِهِ مِن شَيْءٍ مَزِيدَةٌ لِوُقُوعِ مَدْخُولِها في سِياقِ الِاسْتِفْهامِ بِحَرْفِ هَلْ، وشَيْءٌ في مَعْنى المَصْدَرِ، وحَقُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ فَوَقَعَ جَرُّهُ بِحَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ، والمَعْنى: هَلْ تُغْنُونَ عَنّا شَيْئًا ؟ …