Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 21–30 of 52

21

وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِيعًۭا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًۭا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ قَالُوا۟ لَوْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَٰكُمْ ۖ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍۢ

And they will come out [for judgement] before Allah all together, and the weak will say to those who were arrogant, "Indeed, we were your followers, so can you avail us anything against the punishment of Allah?" They will say, "If Allah had guided us, we would have guided you. It is all the same for us whether we show intolerance or are patient: there is for us no place of escape."

﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ يَبْرُزُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وإيثارُ الماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ أوْ لِأنَّهُ لا مُضِيَّ ولا اسْتِقْبالَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ والمُرادُ بِبُرُوزِهِمْ لِلَّهِ ظُهُورُهم مِن قُبُورِهِمْ لِلرّائِينَ لِأجْلِ حِسابِ اللَّهِ تَعالى فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ صِلَةَ البُرُوزِ ولَيْسَ هُناكَ حَذْفُ مُضافٍ ولا يُرادُ لَهُ عَزَّ شَأْنُهُ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وعَلى زَعْمِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ عِنْدَ ارْتِكابِهِمُ الفَواحِشَ سِرًّا أنَّها تَخْفى عَلى اللَّهِ تَعالى فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ انْكَشَفُوا لَهُ تَعالى عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وعَلِمُوا أنَّهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ خافِيَةٌ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنى بَرَزُوا صارُوا بِالبِرازِ وهي الأرْضُ المُتَّسِعَةُ فاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِمَجْمَعِ يَوْمِ القِيامَةِ وهَذا مَيْلٌ إلى التَّعْلِيلِ والحَذْفِ ونَقَلَ الإمامُ عَنِ الحُكَماءِ في تَأْوِيلِ البُرُوزِ أنَّ النَّفْسَ إذا فارَقَتِ الجَسَدَ فَكَأنَّهُ زالَ الغِطاءُ وبَقِيَتْ مُجَرَّدَةً بِذاتِها عارِيَةً عَنْ كُلِّ ما سِواها وذَلِكَ هو البُرُوزُ لِلَّهِ تَعالى وهو كَلامٌ تَعُدُّهُ العَرَبُ مِنَ الأحاجِي ولِذا لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ المُحَدِّثُونَ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( وبُرِّزُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وبِتَشْدِيدِ الرّاءِ والمُرادُ أظْهَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأخْرَجَهم مِن قُبُورِهِمْ لِمُحاسَبَتِهِ ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾ جَمْعُ ضَعِيفٍ والمُرادُ بِهِمْ ضِعافُ الرَّأْيِ وهُمُ الأتْباعُ وكُتِبَ في المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ بِواوٍ قَبْلَ الهَمْزَةِ ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ عَلى لَفْظِ مَن يُفَخِّمُ الألِفَ قَبْلَ الهَمْزَةِ فَيُمِيلُها إلى الواوِ ونَظِيرُهُ ﴿عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ورَدَّ ذَلِكَ الجَعْبَرِيُّ قائِلًا: إنَّهُ لَيْسَ مِن لُغَةِ العَرَبِ ولا حاجَةَ لِلتَّوْجِيهِ بِذَلِكَ لِأنَّ الرَّسْمَ سُنَّةٌ مُتْبَعَةٌ وزَعَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّهُ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ ولَوْ وُجِّهَ بِأنَّهُ إتْباعٌ لِلَفْظِهِ في الوَقْتِ فَإنَّ مِنَ القُرّاءِ مَن يَقِفُ في مِثْلِ ذَلِكَ بِالواوِ كانَ حَسَنًا صَحِيحًا كَذا ذُكِرَ فَلْيُراجَعْ ولَعَلَّ مَن أنْصَفَ لا يَرى أحْسَنَ مِن تَرْكِ التَّوْجِيهِ.

﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ لِرُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ اسْتَتْبَعُوهم واسْتَغْوُوهم ﴿إنّا كُنّا﴾ في الدُّنْيا ﴿لَكم تَبَعًا﴾ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والإعْراضِ عَنْ نَصائِحِهِمْ وهو جَمْعُ تابِعٍ كَخادِمٍ وخَدَمٍ وغايَبٍ وغَيَبٍ أوِ

صفحة 206

اسْمُ جَمْعٍ لِذَلِكَ ولَمْ يُذْكَرْ كَوْنُهُ جَمْعًا في البَحْرِ أوْ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ مُبالَغَةً أوْ بِتَأْوِيلٍ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ تابِعِينَ أوْ ذَوِي تَبَعٍ وبِهِ عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ يَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ والتَّقْدِيمُ لِلْحَصْرِ أيْ تَبَعًا لَكم لا لِغَيْرِكم.

وقِيلَ: المَعْنى إنّا تَبَعٌ لَكم لا لِرَأْيِنا ولِذا سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى ضُعَفاءَ ولا يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الرُّؤَساءِ أقْوِياءَ الرَّأْيِ حَيْثُ ضَلُّوا وأضَلُّوا ولَوْ حُمِلَ الضَّعْفُ عَلى كَوْنِهِمْ تَحْتَ أيْدِيهِمْ وتابِعِينَ لَهم كانَ أحْسَنَ ولَيْسَ بِذاكَ.

﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ الِاتِّباعِ لِلْإغْناءِ وهو مِنَ الغَناءِ بِمَعْنى الفائِدَةِ وضُمِّنَ مَعْنى الدَّفْعِ ولِذا عُدِّيَ بِعْنَ أيْ إنّا اتَّبَعْناكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلالِ …

22

وَقَالَ ٱلشَّيْطَٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلْأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم ۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ ۖ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And Satan will say when the matter has been concluded, "Indeed, Allah had promised you the promise of truth. And I promised you, but I betrayed you. But I had no authority over you except that I invited you, and you responded to me. So do not blame me; but blame yourselves. I cannot be called to your aid, nor can you be called to my aid. Indeed, I deny your association of me [with Allah] before. Indeed, for the wrongdoers is a painful punishment."

﴿وقالَ الشَّيْطانُ﴾ الَّذِي أضَلَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ واسْتَتْبَعَهُما عِنْدَما عَتَباهُ وقَرَّعاهُ عَلى نَمَطِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ ﴿لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ

صفحة 208

أُحْكِمَ وفُرِغَ مِنهُ وهو الحِسابُ ودَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ خَطِيبًا في مَحْفِلِ الأشْقِياءِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قامَ إبْلِيسُ خَطِيبًا عَلى مِنبَرٍ مِن نارٍ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ إلى آخِرِهِ وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ الكُفّارَ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ في النّارِ بِاللّائِمَةِ فَيَرْقى مِنبَرًا مِن نارٍ فَيَقُولُ ذَلِكَ وفي بَعْضِ الآثارِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ هَذا في المَوْقِفِ فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ لَكِنْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ يَرْفَعُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّ الكُفّارَ حِينَ يَرَوْا شَفاعَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ يَأْتُونَ إبْلِيسَ فَيَقُولُونَ لَهُ قَدْ وجَدَ المُؤْمِنُونَ مَن يَشْفَعُ لَهم فَقُمْ أنْتَ فاشْفَعْ لَنا فَإنَّكَ أنْتَ أضْلَلْتَنا فَيَقُومُ فَيَثُورُ مِن مَجْلِسِهِ أنْتَنَ رِيحٍ شَمَّها أحَدٌ فَيَقُولُ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى».

ومَعْنى ﴿وعْدَ الحَقِّ﴾ وعْدًا مِن حَقِّهِ أنْ يُنْجَزَ أوْ وعْدًا نُجِزَ وهو الوَعْدُ بِالبَعْثِ والجَزاءِ وقِيلَ: أرادَ بِالحَقِّ ما هو صِفَتُهُ تَعالى أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَكم وعْدَهُ الَّذِي لا يُخْلَفُ والظّاهِرُ أنَّهُ صِفَةُ الوَعْدِ وفي الآيَةِ عَلى الأوَّلِ إيجازٌ أيْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ فَوَفّاكم وأنْجَزَكم ذَلِكَ ﴿ووَعَدْتُكُمْ﴾ وعْدَ الباطِلِ وهو أنْ لا بَعْثَ ولا حِسابَ ولَئِنْ كانا فالأصْنامُ تَشْفَعُ لَكم ﴿فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ مَوْعِدِيَ أيْ لَمْ يَتَحَقَّقْ ما أخْبَرْتُكم بِهِ وظَهَرَ كَذِبُهُ وقَدِ اسْتُعِيرَ الإخْلافُ لِذَلِكَ ولَوْ جُعِلَ مُشاكَلَةً لَصَحَّ ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ تَسَلُّطٍ أوْ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِي ﴿إلا أنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ أيْ إلّا دُعائِي إيّاكم إلى الضَّلالَةِ وهَذا وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِ السُّلْطانِ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ أبْرَزَهُ في مَبْرَزِهِ وجَعَلَهُ مِنهُ ادِّعاءً فَلِذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا وهو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِضِدِّهِ كَقَوْلِهِ: .

وخَيْلٌ قَدْ دَلَفْتُ لَها بَخِيلٍ تَحِيَّةً بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ

وهُوَ مِنَ التَّهَكُّمِ لا مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ أوِ التَّشْبِيهِ أوْ غَيْرِهِما عَلى ما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ فَإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ التَّهَكُّمَ والِادِّعاءُ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: .

وبَلْدَةٌ لَيْسَ بِها أنِيسُ ∗∗∗ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ

وإلى الِانْقِطاعِ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ وقالَ: إنَّهُ الظّاهِرُ وجَوَّزَ الإمامُ القَوْلَ بِالِاتِّصالِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الِادِّعاءِ ووَجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّ القُدْرَةَ عَلى حَمْلِ الإنْسانِ عَلى الشَّيْءِ تارَةً تَكُونُ بِالقَهْرِ مِنَ الحامِلِ وتارَةً تَكُونُ بِتَقْوِيَةِ الدّاعِيَةِ في قَلْبِهِ بِإلْقاءِ الوَسْواسِ إلَيْهِ وهَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّسَلُّطِ فَكَأنَّهُ قالَ: ما كانَ لِي تَسَلُّطٌ عَلَيْكم إلّا بِالوَسْوَسَةِ لا بِالضَّرْبِ ونَحْوِهِ ﴿فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ أيْ أسْرَعْتُمُ إجابَتِي كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ الفاءُ وقِيلَ: يُسْتَفادُ الإسْراعُ مِنَ السِّينِ لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ وإنْ كانَتْ بِمَعْنى الإجابَةِ لَكِنَّ عَدا ذَلِكَ مِنَ التَّجْرِيدِ وأنَّهم كَأنَّهم طَلَبُوا ذَلِكَ مِن …

23

وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌ

And those who believed and did righteous deeds will be admitted to gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein by permission of their Lord; and their greeting therein will be, "Peace!"

( أدْخَلُ ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُسْنَدِ إلى المُتَكَلِّمِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا اعْتُبِرَتْ هَذِهِ القِراءَةُ مُؤَيِّدَةً لِهَذا القَوْلِ فَلْتُعْتَبَرْ قِراءَةُ الجُمْهُورِ ( أُدْخِلَ ) بِصِيغَةِ الماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مُؤَيِّدَةً لِما قَبْلَهُ فَإنَّ المُدْخَلِينَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَتَأمَّلْ وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى

صفحة 212

لَمّا جَمَعَ الفَرِيقَيْنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ ذَكَرَ ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ المُؤْمِنِينَ مِنَ إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ أوْ بِتَوْفِيقِهِ وهِدايَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأُدْخِلَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ إظْهارَ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِمْ وعَلَّقَهُ جَماعَةٌ عَلى القِراءَةِ الأُخْرى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ . (23) . أيْ يُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ المَصْدَرِ المُنْحَلِّ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ وفِعْلٍ عَلَيْهِ وهو غَيْرُ جائِزٍ لِما أنَّ ذَلِكَ في حُكْمِ تَقْدِيمِ جُزْءٍ مِنَ الشَّيْءِ المُرَتَّبِ الأجْزاءِ عَلَيْهِ ورُدَّ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ هُنا غَيْرُ مُنْحَلٍّ إلَيْهِما لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى المَقْصُودُ مِنهُ أنْ يُحَيَّوْا فِيها بِسَلامٍ ولَوْ سُلِّمَ فَمُرادُ القائِلِ بِالتَّعَلُّقِ التَّعَلُّقُ المَعْنَوِيُّ فالعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ أيْ يُحَيَّوْنَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ.

وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: الأظْهَرُ أنَّ التَّقْدِيمَ جائِزٌ إذا كانَ المَعْمُولُ ظَرْفًا أوْ شِبْهَهُ وهو في الكَلامِ كَثِيرٌ والتَّقْدِيرُ تَكَلَّفٌ ولَيْسَ كُلُّ مُؤَوَّلٍ بِشَيْءٍ حُكْمُهُ حُكْمُ ما أُوِّلَ بِهِ مَعَ أنَّ الظَّرْفَ مِمّا يَكْفِيهِ رائِحَةٌ مِنَ الفِعْلِ لِأنَّ لَهُ شَأْنًا لَيْسَ لِغَيْرِهِ لِتَنَزُّلِهِ مِنَ الشَّيْءِ مَنزِلَةَ نَفْسِهِ لِوُقُوعِهِ فِيهِ وعَدَمِ انْفِكاكِهِ عَنْهُ ولِهَذا اتَّسَعَ في الظُّرُوفِ ما لَمْ يَتَّسِعْ في غَيْرِها. اهَـ. وبِالجَوازِ أقُولُ وإنَّما لَمْ يَجْعَلْهُ المُحَقِّقُونَ مُتَعَلِّقًا بِأُدْخِلَ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ مَعَ أنَّهُ سالِمٌ مِنَ الِاعْتِراضِ ومُشْتَمِلٌ عَلى الِالتِفاتِ أوِ التَّجْرِيدِ وهو مِنَ المُحَسِّناتِ لِأنَّ قَوْلَكَ: أدْخَلْتُهُ بِإذْنِي رَكِيكٌ لا يُناسِبُ بَلاغَةَ التَّنْزِيلِ والِالتِفاتُ أوِ التَّجْرِيدُ حاصِلٌ إذا عُلِّقَ بِما بَعْدَهُ أيْضًا.

وفِي الِانْتِصافِ الصّارِفِ عَنْ هَذا الوَجْهِ هو أنَّ ظاهِرَ ( أُدْخِلَ ) بِلَفْظِ المُتَكَلِّمِ يُشْعِرُ بِأنَّ إدْخالَهُمُ الجَنَّةَ لَمْ يَكُنْ بِواسِطَةٍ بَلْ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُباشَرَةً وظاهِرُ الإذْنِ يُشْعِرُ بِإضافَةِ الدُّخُولِ إلى الواسِطَةِ فَبَيْنَهُما تَنافُرٌ واسْتُحْسِنَ أنْ يُعَلَّقَ بِخالِدِينَ والخُلُودُ غَيْرُ الدُّخُولِ فَلا تَنافُرَ وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَدْفَعُ الرَّكاكَةَ وكَأنَّهُ لَمّا أنَّ الإذْنَ لِلدُّخُولِ لا لِلِاسْتِمْرارِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وكَوْنُ المُرادِ بِمَشِيئَتِي وتَيْسِيرِي لا يَدْفَعُ ذَلِكَ عِنْدَ التَّأمُّلِ الصّادِقِ فَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ جِنِّيٍّ واسْتَطْيَبَهُ الشَّيْخُ الطَّيِّبِيُّ وارْتَضاهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِمَن سَلِمَ لَهُ …

24

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا كَلِمَةًۭ طَيِّبَةًۭ كَشَجَرَةٍۢ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌۭ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Have you not considered how Allah presents an example, [making] a good word like a good tree, whose root is firmly fixed and its branches [high] in the sky?

﴿ألَمْ تَرَ﴾ الخِطابُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِيلَ: لِمَن يَصْلُحُ لَهُ والفِعْلُ مُعَلَّقٌ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ أيْ كَيْفَ اعْتَمَلَهُ ووَضَعَهُ في مَوْضِعِهِ اللّائِقِ بِهِ ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ نُصِبَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿مَثَلا﴾ و﴿ضَرَبَ﴾ مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ كَما ذَهَبَ إلى ذَلِكَ الحَوْفِيُّ والمَهْدَوِيُّ وأبُو البَقاءِ وهو عَلى ما قِيلَ: بَدَلُ اشْتِمالٍ ولَوْ جُعِلَ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ لَمْ يَبْعُدْ واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِقَوْلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ كَلِمَةً طَيِّبَةً إلّا بِضَمِّ ﴿مَثَلا﴾ إلَيْهِ فَمَثَلًا هو المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ فَكَيْفَ يُبْدَلُ مِنهُ غَيْرُهُ ولا يَخْفى أنَّ هَذا بِناءً عَلى ظاهِرِ قَوْلِ النُّحاةِ: إنَّ المُبْدَلَ في نِيَّةِ الطَّرْحِ وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ صِفَةُ ﴿كَلِمَةً﴾ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي كَشَجَرَةٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿كَلِمَةً﴾ مَنصُوبًا بِمُضْمَرٍ و﴿ضَرَبَ﴾ أيْضًا مُتَعَدِّيَةً لِواحِدٍ أيْ جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أيْ حُكِمَ بِأنَّها مِثْلُها والجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ كَقَوْلِكَ: شَرَّفَ الأمِيرُ زَيْدًا كَساهُ حُلَّةً وحَمَلَهُ عَلى فَرَسٍ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ تَكَلُّفَ إضْمارٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ.

وأجابَ عَنْهُ السَّمِينُ بِما فِيهِ بَحْثٌ وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ ﴿ضَرَبَ﴾ المَذْكُورُ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ إمّا لِكَوْنِهِ

صفحة 213

بِمَعْنى جَعَلَ واتَّخَذَ أوْ لِتَضْمِينِهِ مَعْناهُ و﴿كَلِمَةً﴾ أوَّلُ مَفْعُولَيْهِ قَدْ أُخِّرَ عَنْ ثانِيهِما أعْنِي ﴿مَثَلا﴾ لِئَلّا يَبْعُدَ عَنْ صِفَتِهِ الَّتِي هي ﴿كَشَجَرَةٍ﴾ قِيلَ: ولا يَرِدُ عَلى هَذا بِأنَّ المَعْنى أنَّهُ تَعالى ضَرَبَ لِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ مَثَلًا لا كَلِمَةً طَيِّبَةً مَثَلًا لِأنَّ المَثَلَ عَلَيْهِ بِمَعْنى المُمَثَّلِ بِهِ والتَّقْدِيرُ ذاتُ مَثَلٍ أوَّلُها مَثَلًا وقُرِئَ ( كَلِمَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ لِكَوْنِها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً والخَبَرُ ﴿كَشَجَرَةٍ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و﴿كَشَجَرَةٍ﴾ صِفَةً أُخْرى ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ أيْ ضارِبٌ بِعُرُوقِهِ في الأرْضِ وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ( كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ثابِتٍ أصْلُها ) وقِراءَةُ الجَماعَةِ عَلى الأصْلِ وذَكَرُوا أنَّها أقْوى مَعْنًى.

قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: لِأنَّكَ إذا قُلْتَ ثابِتٍ أصْلُها فَقَدْ أجْرَيْتَ الصِّفَةَ عَلى شَجَرَةٍ ولَيْسَ الثَّباتِ لَها إنَّما هو لِلْأصْلِ والصِّفَةُ إذا كانَتْ في المَعْنى لِما هو مِن سَبَبِ المَوْصُوفِ قَدْ تَجْرِي عَلَيْهِ لَكِنَّها أخَصُّ بِما هي لَهُ لَفْظًا ومَعْنًى فالأحْسَنُ تَقْدِيمُ الأصْلِ عِنايَةً بِهِ ومِن ثَمَّ قالُوا: زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ فَقَدَّمُوا المَفْعُولَ عِنايَةً بِهِ حَيْثُ أنَّ الغَرَضَ لَيْسَ ذِكْرَ الفاعِلِ وإنَّما هو ذِكْرُ المَفْعُولِ ثُمَّ لَمْ يَقْنَعُوا بِذَلِكَ حَيْثُ أزالُوهُ عَنْ لَفْظِ الفَضْلَةِ وجَعَلُوهُ رَبَّ الجُمْلَةِ لَفْظًا فَرَفَعُوهُ بِالِابْتِداءِ وصارَ ضَرَبْتُهُ ذَيْلًا لَهُ وفَضْلَةً مُلْحَقَةً بِهِ وكَذَلِكَ قَوْلُكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أبُوهُ قائِمٌ أقْوى مَعْنًى مِن قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ أبُوهُ لِأنَّ المُخْبَرَ عَنْهُ بِالقِيامِ إنَّما هو الأبُ لا الرَّجُلُ مَعَ ما في التَّقْدِيمِ هُنا مِن حُسْنِ التَّقابُلِ والتَّقْسِيمِ إلّا أنَّ لِقِراءَةِ أنْسٍ وجْهًا حَسَنًا …

25

تُؤْتِىٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍۭ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

It produces its fruit all the time, by permission of its Lord. And Allah presents examples for the people that perhaps they will be reminded.

﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ تُعْطِي ثَمَرَها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ وقْتٍ أقَّتَهُ اللَّهُ تَعالى لِإثْمارِها ﴿بِإذْنِ رَبِّها﴾ بِإرادَةِ خالِقِها جَلَّ شَأْنُهُ والمُرادُ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ عَلى ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنِ الأصَمِّ أنَّها القُرْآنُ وعَنِ ابْنِ بَحْرٍ دَعْوَةُ الإسْلامِ وقِيلَ: التَّسْبِيحُ والتَّنْزِيهُ وقِيلَ: الثَّناءُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُطْلَقًا وقِيلَ: كُلُّ كَلِمَةٍ حَسَنَةٍ وقِيلَ: جَمِيعُ الطّاعاتِ وقِيلَ: المُؤْمِنُ نَفْسُهُ وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وكَأنَّ إطْلاقَ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ نَظِيرَ إطْلاقِها عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والمُرادُ بِالشَّجَرَةِ المُشَبَّهِ بِها النَّخْلَةُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ قالَ: كُنّا عِنْدَ أُنْسٍ فَأُتِينا بِطَبَقٍ

صفحة 214

عَلَيْهِ رُطَبٌ فَقالَ أنَسٌ لِأبِي العالِيَةِ: كُلْ يا أبا العالِيَةِ فَإنَّ هَذا مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ثابِتٍ أصْلُها ) وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أيْضًا والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقِناعٍ مِن بُسْرٍ فَقالَ: مَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ حَتّى بَلَغَ ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ قالَ: هي النَّخْلَةُ».

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها شَجَرَةُ جَوْزِ الهِنْدِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أيْضًا أنَّها شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ وقِيلَ: كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ طَيِّبَةِ الثِّمارِ كالنَّخْلَةِ وشَجَرَةِ التِّينِ والعِنَبِ والرُّمّانِ وغَيْرِ ذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا صَحَّ الحَدِيثُ ولَمْ يَتَأتَّ حَمْلُ ما فِيهِ عَلى التَّمْثِيلِ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ.

ووَجْهُ تَشْبِيهِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ بِمَعْنى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ المَنعُوتَةِ بِما ذُكِرَ أنَّ أصْلَ تِلْكَ الكَلِمَةِ ومَنشَأها وهو الإيمانُ ثابِتٌ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وما يَتَفَرَّعُ مِنها ويَنْبَنِي عَلَيْها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والأفْعالِ الزَّكِيَّةِ يَصْعَدُ إلى السَّماءِ وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِن ثَوابِ اللَّهِ تَعالى ورِضاهُ هو الثَّمَرَةُ الَّتِي تُؤْتِيها كُلَّ حِينٍ ويُقالُ نَحْوُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ الكَلِمَةُ بِمَعْنًى آخَرَ فَتَأمَّلْ والذّاهِبُونَ إلى تَفْسِيرِ الشَّجَرَةِ بِالنَّخْلَةِ مِنَ السَّلَفِ اخْتَلَفُوا في مِقْدارِ الحِينِ فَأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّهُ شَهْرانِ قالَ: إنَّ النَّخْلَةَ إنَّما يَكُونُ فِيها حِمَلُها شَهْرَيْنِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ سَنَةٌ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والأشْهَرُ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ وقالَ: إنَّ النَّخْلَةَ ما بَيْنَ حَمْلِها إلى صِرامِها سِتَّةُ أشْهُرٍ وأفْتى رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِرَجُلٍ حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ أخاهُ حِينًا أنَّهُ لَوْ كَلَّمَهُ قَبْلَ سِتَّةِ أشْهُرٍ حَنِثَ وهو الَّذِي قالَ بِهِ الحَنَفِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الحِينَ والزَّمانَ مُعَرَّفِينَ أوْ مُنَكَّرَيْنِ واقِعَيْنِ في النَّفْيِ أوْ في الإثْباتِ سِتَّةُ …

26

وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍۢ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍۢ

And the example of a bad word is like a bad tree, uprooted from the surface of the earth, not having any stability.

﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ وهي كَلِمَةُ الكُفْرِ أوِ الدُّعاءِ إلَيْهِ أوِ الكَذِبِ أوْ كُلُّ كَلِمَةٍ لا يَرْضاها اللَّهُ تَعالى وقُرِئَ ( ومَثَلَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ وقَرَأ أُبَيٌّ ( وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً خَبِيثَةً كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ) ولَعَلَّ تَغْيِيرَ الأُسْلُوبِ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالضَّرْبِ والبَيانِ وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ ظاهِرٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ والمَثَلُ بِمَعْنى الصِّفَةِ الغَرِيبَةِ ﴿اجْتُثَّتْ﴾ أيِ اقْتُلِعَتْ مِن أصْلِها وحَقِيقَةُ الِاجْتِثاثِ أخْذُ الجُثَّةِ وهي شَخْصُ الشَّيْءِ كُلِّها ﴿مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ لِكَوْنِ عُرُوقِها قَرِيبَةً

صفحة 215

مِنَ الفَوْقِ فَكَأنَّها فَوْقَ ﴿ما لَها مِن قَرارٍ﴾ . (26) . أيِ اسْتِقْرارٍ عَلى الأرْضِ والمُرادُ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ المَنعُوتَةِ الحَنْظَلَةُ ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّها الكَشُوثُ ويُشَبَّهُ بِهِ الرَّجُلُ الَّذِي لا حَسَبَ لَهُ ولا نَسَبَ كَما قالَ الشّاعِرُ: .

فَهُوَ الكَشُوثُ فَلا أصْلَ ولا ورَقَ ولا نَسِيمَ ولا ظِلَّ ولا ثَمَرَ

وقالَ الزَّجّاجُ وفِرْقَةٌ شَجَرَةُ الثَّوْمِ وقِيلَ: شَجَرَةُ الشَّوْكِ وقِيلَ: الطُّحْلُبُ وقِيلَ: الكَمْأةُ وقِيلَ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَطِيبُ لَهُ ثَمَرٌ وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها شَجَرَةٌ لَمْ تُخْلَقْ عَلى الأرْضِ والمَقْصُودُ التَّشْبِيهُ بِما اعْتُبِرَ فِيهِ تِلْكَ النُّعُوتُ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ أنَّ التَّشْبِيهَ وقَعَ بِشَجَرَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ جامِعَةٍ لِتِلْكَ الأوْصافِ وفي رِوايَةٍ عَنِ الحَبْرِ أيْضًا تَفْسِيرُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ بِالكافِرِ ورَوى الإمامِيَّةُ وأنْتَ تَعْرِفُ حالَهم عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَفْسِيرَها بِبَنِي أُمَيَّةَ وتَفْسِيرُ الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وما تَوَلَّدَ مِنهُما وفي بَعْضِ رِواياتِ أهْلِ السُّنَّةِ ما يُعَكِّرُ عَلى تَفْسِيرِ الشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ بِبَنِي أُمَيَّةَ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عُدَيِّ بْنِ أبِي حاتِمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى قَلَّبَ العِبادَ ظَهْرًا وبَطْنًا فَكانَ خَيْرُ عِبادِهِ العَرَبَ وقَلَّبَ العَرَبَ ظَهْرًا وبَطْنًا فَكانَ خَيْرُ العَرَبِ قُرَيْشًا وهي الشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ: ( مَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ )» لِأنَّ بَنِي أُمَيَّةَ مِن قُرَيْشٍ وأخْبارُ الطّائِفَتَيْنِ في هَذا البابِ رَكِيكَةٌ وأحْوالُ بَنِي أُمَيَّةَ الَّتِي يَسْتَحِقُّونَ بِها ما يَسْتَحِقُّونَ غَيْرُ خَفِيَّةٍ عِنْدَ المُوافِقِ والمُخالِفِ والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونُ في هَذِهِ الشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ أنَّها الحَنْظَلُ وإطْلاقُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ لِلْمُشاكَلَةِ وإلّا فَهو نَجْمٌ لا شَجَرٌ وكَذا يُقالُ في إطْلاقِهِ عَلى الكَشُوثِ ونَحْوِهِ.

ولِلْإمامِ الرّازِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ كَلامٌ في هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ لا بَأْسَ بِذِكْرِهِ مُلَخَّصًا وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في المَثَلِ الأوَّلِ شَجَرَةً مَوْصُوفَةً بِأرْبَعِ صِفاتٍ ثُمَّ شَبَّهَ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ بِها.

الصِّفَةُ الأُولى كَوْنُها ﴿طَيِّبَةً﴾ وذَلِكَ يَحْتَمِلُ كَوْنَها طَيِّبَةَ المَنظَرِ …

27

يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ

Allah keeps firm those who believe, with the firm word, in worldly life and in the Hereafter. And Allah sends astray the wrongdoers. And Allah does what He wills.

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَهم وتَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ وهو الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ صِفَتُها العَجِيبَةُ والظّاهِرُ أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِيُثَبِّتُ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ يُثَبِّتُهم بِالبَقاءِ عَلى ذَلِكَ مُدَّةَ حَياتِهِمْ فَلا يَزالُونَ إذا قُيِّضَ لَهم مَن يَفْتِنُهم ويُحاوِلُ زَلَلَهم عَنْهُ كَما جَرى لِأصْحابِ الأُخْدُودِ ولِجُرْجِيسَ وشَمْسُونَ وكَما جَرى لِبِلالٍ وكَثِيرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتِ وذَلِكَ في القَبْرِ الَّذِي هو أوَّلُ مَنزِلٍ مِن مَنازِلِ الآخِرَةِ وفي مَواقِفِ القِيامَةِ فَلا يَتَلَعْثَمُونَ إذا سُئِلُوا عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ هُناكَ ولا تَدْهَشُهُمُ الأهْوالُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: التَّثْبِيتُ في الحَياةِ الدُّنْيا إذا جاءَ المَلَكانِ إلى الرَّجُلِ في القَبْرِ فَقالا لَهُ: مَن رَبُّكَ قالَ: رَبِّيَ اللَّهُ قالا: وما دِينُكَ قالَ: دِينِي الإسْلامُ قالا: ومَن نَبِيُّكَ قالَ: نَبِيِّ مُحَمَّدٌ ﷺ وعَلى هَذا فالمُرادُ مِنَ الآخِرَةِ يَوْمُ القِيامَةِ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ .. إلَخْ في الآخِرَةِ القَبْرِ» وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالحَياةِ الدُّنْيا مُدَّةُ الحَياةِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ نَعَمِ اخْتارَ بَعْضُهم أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا مُدَّةُ حَياتِهِمْ والآخِرَةَ يَوْمُ القِيامَةِ والعَرَضُ وكانَ الدّاعِي لِذَلِكَ عُمُومَ الَّذِينَ آمَنُوا وشُمُولَهم لِمُؤْمِنِي الأُمَمِ السّابِقَةِ مَعَ عَدَمِ عُمُومِ سُؤالِ القَبْرِ وجُوِّزَ تَعَلُّقُ الجارِّ الأوَّلِ بِآمَنُوا عَلى مَعْنى آمَنُوا بِالتَّوْحِيدِ الخالِصِ فَوَحَّدُوهُ ونَزَّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ سُبْحانَهُ وكَذا جُوِّزَ تَعَلُّقُ الجارِّ الثّانِي بِالثّابِتِ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ التَّثْبِيتَ في الدُّنْيا الفَتْحُ والنَّصْرُ وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ والثَّوابُ ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِمّا لا يَكادُ يُقالُ وأمْرُ تَعَلُّقِ الجارَّيْنِ ما قَدَّمْنا وهَذا عِنْدَ بَعْضِهِمْ مِثالُ إيتاءِ الشَّجَرَةِ أُكُلَها كُلَّ حِينٍ ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ أيْ يَخْلُقُ فِيهِمُ الضَّلالَ عَنِ الحَقِّ الَّذِي ثَبَّتَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ حَسَبَ إرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمُ النّاشِئِ عَنْ سُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ والمُرادُ بِهِمُ الكَفَرَةُ بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِمْ بِالَّذِينِ آمَنُوا ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ إمّا بِاعْتِبارِ وضْعِهِمْ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وإمّا بِاعْتِبارِ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ حَيْثُ بَدَّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَعالى الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها فَلَمْ يَهْتَدُوا إلى القَوْلِ الثّابِتِ أوْ حَيْثُ قَلَّدُوا أهْلَ الضَّلالِ وأعْرَضُوا عَنِ البَيِّناتِ الواضِحَةِ وإضْلالُهم عَلى ما قِيلَ في الدُّنْيا أنَّهم لا يَثْبُتُونَ في مَواقِفِ الفِتَنِ وتَزِلُّ أقْدامُهم أوَّلَ شَيْءٍ وهم في الآخِرَةِ أضَلُّ وأزَلُّ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الكافِرَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ تَنْزِلُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَضْرِبُونَ وجْهَهُ ودُبُرَهُ فَإذا دَخَلَ قَبْرَهُ أُقْعِدَ فَقِيلَ لَهُ: مَن رَبُّكَ فَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ شَيْئًا …

28

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًۭا وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ

Have you not considered those who exchanged the favor of Allah for disbelief and settled their people [in] the home of ruin?

﴿ألَمْ تَرَ﴾ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمّا صَنَعَ الكَفَرَةُ مِنَ الأباطِيلِ أيْ ألَمْ تَنْظُرْ ﴿إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أيْ شُكْرَ نِعْمَتِهِ تَعالى الواجِبَ عَلَيْهِمْ ووَضَعُوا مَوْضِعَهُ ﴿كُفْرًا﴾ عَظِيمًا وغَمْطًا لَها فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ وهو المَفْعُولُ الثّانِي و﴿كُفْرًا﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ وتَوَهَّمَ بَعْضُهم عَكْسَ ذَلِكَ وقَدْ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ عَلى مَعْنى أنَّهم بَدَّلُوا النِّعْمَةَ نَفْسَها كُفْرًا لِأنَّهم لَمّا كَفَّرُوها سَلَبُوها فَبَقُوا مَسْلُوبِيها مَوْصُوفِينَ بِالكُفْرِ وقَدْ ذَكَرَ هَذا كالأوَّلِ الزَّمَخْشَرِيُّ والوَجْهانِ كَما في الكَشْفِ خِلافًا لَمّا قَرَّرَهُ الطَّيِّبِيُّ وتابَعَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مُتَّفِقانِ في أنَّ التَّبْدِيلَ ها هُنا تَغْيِيرٌ في الذّاتِ إلّا أنَّهُ واقِعٌ بَيْنِ الشُّكْرِ والكُفْرِ أوْ بَيْنَ النِّعْمَةِ نَفْسِها والكُفْرِ والمُرادُ بِهِمْ أهْلُ مَكَّةَ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أسْكَنَهم حَرَمَهُ وجَعَلَهم قِوامَ بَيْتِهِ وأكْرَمَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى بَدَلَ ما ألْزَمَهم مِنَ الشُّكْرِ العَظِيمِ أوْ أصابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالنِّعْمَةِ والسِّعَةِ لِإيلافِهِمُ الرِّحْلَتَيْنِ فَكَفَرُوا نِعْمَتَهُ سُبْحانَهُ فَضَرَبَهم جَلَّ جَلالُهُ بِالقَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ وقُتِلُوا وأُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ فَحَصَلَ لَهُمُ الكُفْرُ بَدَلَ النِّعْمَةِ وبَقِيَ ذَلِكَ طَوْقًا في أعْناقِهِمْ.

وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم مِن طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في هَؤُلاءِ المُبَدِّلِينَ هُما الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ فَأمّا بَنُو المُغِيرَةِ فَقَطَعَ اللَّهُ تُعْلى دابِرَهم يَوْمَ بَدْرٍ وأمّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ.

وجاءَ في رِوايَةٍ كَما في جامِعِ الأُصُولِ هم واللَّهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: هم جَبَلَةُ بْنُ الأيْهَمِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُ مِنَ العَرَبِ فَلَحِقُوا بِالرُّومِ ولَعَلَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ في جَبَلَةَ ومَن مَعَهُ لِأنَّ قِصَّتَهم كانَتْ في خِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنَّما يُرِيدُ أنَّها تَخُصُّ مَن فَعَلَ فِعْلَ جَبَلَةَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وأحَلُّوا﴾ أيِ أنْزَلُوا ﴿قَوْمَهُمْ﴾ بِدَعْوَتِهِمْ إيّاهم لِما هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِحُلُولِهِمْ لِدَلالَةِ الإحْلالِ عَلَيْهِ إذْ هو فَرْعُ الحُلُولِ كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى في فِرْعَوْنَ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ .

﴿دارَ البَوارِ﴾ . (28) . أيِ الهَلاكَ مِن بارَ يَبُورُ بَوارًا وبُورًا قالَ الشّاعِرُ: .

فَلَمْ أرَ مِثْلَهم أبْطالَ حَرْبٍ غَداةَ الحَرْبِ إذْ خِيفَ البَوارُ

وأصْلُهُ كَما قالَ الرّاغِبُ فَرْطُ الكَسادِ ولَمّا كانَ فَرْطُ الكَسادِ يُؤَدِّي إلى الفَسادِ كَما قِيلَ كَسَدَ حَتّى فَسَدَ عُبِّرَ بِهِ عَنِ الهَلاكِ

29

جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ

[It is] Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the settlement.

﴿جَهَنَّمَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلدّارِ وفي الإبْهامِ ثُمَّ البَيانِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْوِيلِ وأعْرَبَهُ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ بَدَلًا مِنها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْلَوْنَها﴾ أيْ يُقاسُونَ حَرَّها حالٌ مِنَ الدّارِ أوْ مِن ﴿جَهَنَّمَ﴾ أوْ مِن ﴿قَوْمَهُمْ﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الحُلُولِ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ ﴿جَهَنَّمَ﴾ مَنصُوبًا عَلى الِاشْتِغالِ أيْ يَصْلَوْنَ

صفحة 219

جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ فالمُرادُ بِالإحْلالِ حِينَئِذٍ تَعْرِيضُهم لِلْهَلاكِ بِالقَتْلِ والأسْرِ وأُيِّدَ بِما رَوى عَطاءٌ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَتْلى بَدْرٍ وبِقِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ ( جَهَنَّمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ( جَهَنَّمُ ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ مُعَلِّلًا بِأنَّ النَّصْبَ عَلى الِاشْتِغالِ مَرْجُوحٌ مِن حَيْثُ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُرَجِّحُهُ ولا ما لا يَجْعَلُهُ مُساوِيًا وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى النَّصْبِ ولَمْ يَكُونُوا لِيَقْرَؤُوا بِغَيْرِ الرّاجِحِ أوِ المُساوِي إذْ زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ بِالرَّفْعِ أرْجَحُ مِن زَيْدًا ضَرَبْتُهُ فَلِذَلِكَ كانَ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ في تِلْكَ القِراءَةِ راجِحًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ يُرَجِّحُ التَّفْسِيرَ السّابِقَ ﴿وبِئْسَ القَرارُ﴾ . (29) . عَلى حَذْفِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ أيْ بِئْسَ القَرارُ هي أيْ جَهَنَّمُ أوْ بِئْسَ القَرارُ قَرارُهم فِيها وفِيهِ بَيانُ أنَّ حُلُولَهم وصَلْيَهم عَلى وجْهِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ

30

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا لِّيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦ ۗ قُلْ تَمَتَّعُوا۟ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ

And they have attributed to Allah equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy yourselves, for indeed, your destination is the Fire."

﴿وجَعَلُوا﴾ عُطِفَ عَلى ( أحَلُّوا ) أوْ ما عُطِفَ عَلَيْهِ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ وحُكْمِ التَّعْجِيبِ أيْ جَعَلُوا في اعْتِقادِهِمْ وحُكْمِهِمْ لِلَّهِ الفَرْدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو الواحِدُ القَهّارُ أنْدادًا أمْثالًا في التَّسْمِيَةِ أوْ في العِبادَةِ وقالَ الرّاغِبُ: نِدُّ الشَّيْءِ مُشارِكُهُ في جَوْهَرِهِ وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ المُماثَلَةِ فَإنَّ المَثَلَ يُقالُ في أيِّ مُشارَكَةٍ كانَتْ فَكُلُّ نِدٍّ مِثْلٌ ولَيْسَ كُلُّ مِثْلٍ نِدًّا ولَعَلَّ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ هُنا ما أشَرْنا إلَيْهِ.

﴿لِيُضِلُّوا﴾ قَوْمَهم الَّذِينَ يُشايِعُونَهم حَسْبَما ضَلُّوا ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ القَوِيمِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ وقِيلَ: مُقْتَضى ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنْ يَذْكُرَ كُفْرانَهم نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ كُفْرانَهم بِذاتِهِ سُبْحانَهُ بِاتِّخاذِ الأنْدادِ ثُمَّ إضْلالَهم لِقَوْمِهِمُ المُؤَدِّي إلى إحْلالِهِمْ دارَ البَوارِ ولَعَلَّ تَغْيِيرَ التَّرْتِيبِ لِتَثْنِيَةِ التَّعْجِيبِ وتَكْرِيرِهِ والإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الهِناتِ يَقْضِي مِنهُ العَجَبُ ولَوْ سِيقَ النَّظْمُ عَلى نَسَقِ الوُجُودِ لَرُبَّما فُهِمُ التَّعْجِيبُ مِنَ المَجْمُوعِ ولَهُ نَظائِرُ في الكِتابِ الجَلِيلِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ ( لِيَضِلُّوا ) بِفَتْحِ الياءِ والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في القِراءَتَيْنِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ الإضْلالُ أوِ الضَّلالُ نَتِيجَةً لِلْجَعْلِ المَذْكُورِ شُبِّهَ بِالغَرَضِ والعِلَّةِ الباعِثَةِ فاسْتُعْمِلَ لَهُ حَرْفُهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ كَوْنَ الضَّلالِ نَتِيجَةً لِلْجَعْلِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ أنْدادًا غَيْرُ ظاهِرٍ إذْ هو مُتَّحِدٌ مَعَهُ أوْ لازِمٌ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا أنْ يُرادَ الحُكْمُ بِهِ أوْ دَوامُهُ ورُدَّ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ لا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ ضَلالٌ بَلْ يَزْعُمُونَ أنَّهُ اهْتِداءٌ فَقَدْ تَرَتَّبَ عَلى اعْتِقادِهِمْ ضِدُّهُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّتِيجَةِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الشَّيْءِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ مِن لَوازِمِهِ أوَّلًا وفِيهِ تَأمُّلٌ ﴿قُلْ﴾ لِأُولَئِكَ الضُّلّالِ المُتَعَجَّبِ مِنهم ﴿تَمَتَّعُوا﴾ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّهَواتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَبْدِيلُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى كُفْرًا واسْتِتْباعُ النّاسِ في الضَّلالِ وجَعْلُ ذَلِكَ مُتَمَتَّعًا بِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالمُشْتَهَياتِ المَعْرُوفَةِ لِتَلَذُّذِهِمْ بِهِ كَتَلَذُّذِهِمْ بِها وفي التَّعْبِيرِ بِالأمْرِ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ إيذانٌ بِأنَّهم لِانْغِماسِهِمْ بِالتَّمَتُّعِ بِما هم عَلَيْهِ وأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ ولا يُرِيدُونَهُ مَأْمُورُونَ بِهِ قَدْ أمَرَهم آمِرٌ مُطاعٌ لا يَسَعُهم أنْ يُخالِفُوهُ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ أمْرًا دُونَهُ وهو آمِرُ الشَّهْوَةِ وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ . (30) . جَوابُ شَرْطٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: والمَعْنى إنْ دُمْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الِامْتِثالِ لِأمْرِ الشَّهْوَةِ فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ مَجازًا عَنِ التَّخْلِيَةِ والخِذْلانِ وأنَّ ذَلِكَ الآمِرَ مُتَسَخِّطٌ إلى غايَةٍ ومِثالُهُ أنْ تَرى الرَّجُلَ قَدْ عَزَمَ عَلى أمْرٍ وعِنْدَكَ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ خَطَأٌ وأنَّهُ يُؤَدِّي إلى ضَرَرٍ عَظِيمٍ فَتُبالِغُ في …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.