وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِيعًۭا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًۭا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ قَالُوا۟ لَوْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَٰكُمْ ۖ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍۢ
And they will come out [for judgement] before Allah all together, and the weak will say to those who were arrogant, "Indeed, we were your followers, so can you avail us anything against the punishment of Allah?" They will say, "If Allah had guided us, we would have guided you. It is all the same for us whether we show intolerance or are patient: there is for us no place of escape."
﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ يَبْرُزُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وإيثارُ الماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ أوْ لِأنَّهُ لا مُضِيَّ ولا اسْتِقْبالَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ والمُرادُ بِبُرُوزِهِمْ لِلَّهِ ظُهُورُهم مِن قُبُورِهِمْ لِلرّائِينَ لِأجْلِ حِسابِ اللَّهِ تَعالى فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ صِلَةَ البُرُوزِ ولَيْسَ هُناكَ حَذْفُ مُضافٍ ولا يُرادُ لَهُ عَزَّ شَأْنُهُ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وعَلى زَعْمِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ عِنْدَ ارْتِكابِهِمُ الفَواحِشَ سِرًّا أنَّها تَخْفى عَلى اللَّهِ تَعالى فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ انْكَشَفُوا لَهُ تَعالى عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وعَلِمُوا أنَّهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ خافِيَةٌ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنى بَرَزُوا صارُوا بِالبِرازِ وهي الأرْضُ المُتَّسِعَةُ فاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِمَجْمَعِ يَوْمِ القِيامَةِ وهَذا مَيْلٌ إلى التَّعْلِيلِ والحَذْفِ ونَقَلَ الإمامُ عَنِ الحُكَماءِ في تَأْوِيلِ البُرُوزِ أنَّ النَّفْسَ إذا فارَقَتِ الجَسَدَ فَكَأنَّهُ زالَ الغِطاءُ وبَقِيَتْ مُجَرَّدَةً بِذاتِها عارِيَةً عَنْ كُلِّ ما سِواها وذَلِكَ هو البُرُوزُ لِلَّهِ تَعالى وهو كَلامٌ تَعُدُّهُ العَرَبُ مِنَ الأحاجِي ولِذا لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ المُحَدِّثُونَ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( وبُرِّزُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وبِتَشْدِيدِ الرّاءِ والمُرادُ أظْهَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأخْرَجَهم مِن قُبُورِهِمْ لِمُحاسَبَتِهِ ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾ جَمْعُ ضَعِيفٍ والمُرادُ بِهِمْ ضِعافُ الرَّأْيِ وهُمُ الأتْباعُ وكُتِبَ في المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ بِواوٍ قَبْلَ الهَمْزَةِ ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ عَلى لَفْظِ مَن يُفَخِّمُ الألِفَ قَبْلَ الهَمْزَةِ فَيُمِيلُها إلى الواوِ ونَظِيرُهُ ﴿عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ورَدَّ ذَلِكَ الجَعْبَرِيُّ قائِلًا: إنَّهُ لَيْسَ مِن لُغَةِ العَرَبِ ولا حاجَةَ لِلتَّوْجِيهِ بِذَلِكَ لِأنَّ الرَّسْمَ سُنَّةٌ مُتْبَعَةٌ وزَعَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّهُ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ ولَوْ وُجِّهَ بِأنَّهُ إتْباعٌ لِلَفْظِهِ في الوَقْتِ فَإنَّ مِنَ القُرّاءِ مَن يَقِفُ في مِثْلِ ذَلِكَ بِالواوِ كانَ حَسَنًا صَحِيحًا كَذا ذُكِرَ فَلْيُراجَعْ ولَعَلَّ مَن أنْصَفَ لا يَرى أحْسَنَ مِن تَرْكِ التَّوْجِيهِ.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ لِرُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ اسْتَتْبَعُوهم واسْتَغْوُوهم ﴿إنّا كُنّا﴾ في الدُّنْيا ﴿لَكم تَبَعًا﴾ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والإعْراضِ عَنْ نَصائِحِهِمْ وهو جَمْعُ تابِعٍ كَخادِمٍ وخَدَمٍ وغايَبٍ وغَيَبٍ أوِ
صفحة 206
اسْمُ جَمْعٍ لِذَلِكَ ولَمْ يُذْكَرْ كَوْنُهُ جَمْعًا في البَحْرِ أوْ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ مُبالَغَةً أوْ بِتَأْوِيلٍ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ تابِعِينَ أوْ ذَوِي تَبَعٍ وبِهِ عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ يَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ والتَّقْدِيمُ لِلْحَصْرِ أيْ تَبَعًا لَكم لا لِغَيْرِكم.
وقِيلَ: المَعْنى إنّا تَبَعٌ لَكم لا لِرَأْيِنا ولِذا سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى ضُعَفاءَ ولا يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الرُّؤَساءِ أقْوِياءَ الرَّأْيِ حَيْثُ ضَلُّوا وأضَلُّوا ولَوْ حُمِلَ الضَّعْفُ عَلى كَوْنِهِمْ تَحْتَ أيْدِيهِمْ وتابِعِينَ لَهم كانَ أحْسَنَ ولَيْسَ بِذاكَ.
﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ الِاتِّباعِ لِلْإغْناءِ وهو مِنَ الغَناءِ بِمَعْنى الفائِدَةِ وضُمِّنَ مَعْنى الدَّفْعِ ولِذا عُدِّيَ بِعْنَ أيْ إنّا اتَّبَعْناكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلالِ …