Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 11–20 of 52

11

قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

Their messengers said to them, "We are only men like you, but Allah confers favor upon whom He wills of His servants. It has never been for us to bring you evidence except by permission of Allah. And upon Allah let the believers rely.

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهُمْ﴾ مُجاراةً لِأوَّلِ مَقالَتِهِمْ: ﴿إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كَما تَقُولُونَ وهَذا كالقَوْلِ بِالمُوجَبِ لِأنَّ فِيهِ إطْماعًا في المُوافَقَةِ ثُمَّ كَرَّ إلى جانِبِهِمْ بِالإبْطالِ بِقَوْلِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ أيْ إنَّما اخْتَصَّنا اللَّهُ تَعالى بِالرِّسالَةِ بِفَضْلٍ مِنهُ سُبْحانَهُ وامْتِنانٍ والبَشَرِيَّةُ غَيْرُ مانِعَةٍ لِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرِّسالَةَ عَطائِيَّةٌ وأنَّ تَرْجِيحَ بَعْضِ الجائِزاتِ عَلى بَعْضٍ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى ولا يَخْفى ما في العُدُولِ عَنْ ولَكِنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَيْنا إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ مِنَ التَّواضُعِ مِنهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقِيلَ: المَعْنى ما نَحْنُ مِنَ المَلائِكَةِ بَلْ نَحْنُ بَشَرٌ مِثْلُكم في الصُّورَةِ أوْ في الدُّخُولِ تَحْتَ الجِنْسِ ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ بِالفَضائِلِ والكَمالاتِ والِاسْتِعْداداتِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها فَلَكُ الِاصْطِفاءِ لِلرِّسالَةِ وفي هَذا ذَهابٌ إلى قَوْلِ بَعْضِ حُكَماءِ الإسْلامِ: إنَّ الإنْسانَ لَوْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ وبَدَنِهِ مَخْصُوصًا بِخَواصَّ شَرِيفَةٍ عُلْوِيَّةٍ قُدُسِيَّةٍ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ عَقْلًا حُصُولُ صِفَةِ النُّبُوَّةِ فِيهِ وأجابُوا عَنْ عَدَمِ ذِكْرِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَضائِلَهُمُ النَّفْسانِيَّةَ والبَدَنِيَّةَ بِأنَّهُ مِن بابِ التَّواضُعِ كاخْتِيارِ العُمُومِ والحَقُّ مَنعُ الِامْتِناعِ العَقْلِيِّ وإنْ كانُوا عَلَيْهِمُ السَّلامُ جَمِيعًا لَهم مَزايا وخَواصُّ مُرَجِّحَةٌ لَهم عَلى غَيْرِهِمْ وإنَّما قِيلَ لَهم كَما قِيلَ: لِاخْتِصاصِ الكَلامِ بِهِمْ حَيْثُ أُرِيدَ إلْزامُهم بِخِلافِ ما سَلَفَ مِن إنْكارِ وُقُوعِ الشَّكِّ فِيهِ تَعالى فَإنَّهُ عامٌّ وإنِ اخْتُصَّ بِهِمْ ما يَعْقُبُهُ ﴿وما كانَ لَنا﴾ أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ ﴿أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ ما مِنَ الحُجَجِ فَضْلًا عَنِ السُّلْطانِ المُبِينِ الَّذِي اقْتَرَحْتُمُوهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ أمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى إنْ شاءَ كانَ وإلّا فَلا ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ وحْدَهُ دُونَ ما عَداهُ مُطْلَقًا ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ . (11) . في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم عَمَّمُوا الأمْرَ لِلْإشْعارِ بِما يُوجِبُ التَّوَكُّلُ مِنَ الإيمانِ وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهم:

12

وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ

And why should we not rely upon Allah while He has guided us to our [good] ways. And we will surely be patient against whatever harm you should cause us. And upon Allah let those who would rely [indeed] rely."

﴿وما لَنا ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ ومَحَلُّ الخِلافِ في دُخُولِ المُتَكَلِّمِ في عُمُومِ كَلامِهِ حَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ دُخُولُهُ فِيهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى أوْ تَقُمْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ كَما هُنا واحْتِمالُ أنْ يُرادَ بِالمُؤْمِنِينَ أنْفُسُهم و( ما لَنا ) التِفاتٌ لا التِفاتٌ إلَيْهِ والجَمْعُ بَيْنَ الواوِ والفاءِ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ و( ما ) اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلسُّؤالِ عَنِ السَّبَبِ والعُذْرِ و( أنْ ) عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ أيُّ عُذْرٍ لَنا في عَدَمِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى والإظْهارُ لِإظْهارِ النَّشاطِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا والِاسْتِلْذاذِ بِاسْمِهِ تَعالى وتَعْلِيلِ التَّوَكُّلِ ﴿وقَدْ هَدانا﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُ ذَلِكَ ويَسْتَدْعِيهِ حَيْثُ هَدانا ﴿سُبُلَنا﴾ أيْ أرْشَدَ كُلًّا مِنّا سَبِيلَهُ ومِنهاجَهُ الَّذِي شَرَعَ لَهُ وأوْجَبَ عَلَيْهِ سُلُوكَهُ في الدِّينِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( سُبْلَنا ) بِسُكُونِ الباءِ وحَيْثُ كانَتْ أذِيَّةُ الكُفّارِ مِمّا يُوجِبُ القَلَقَ والِاضْطِرابَ القادِحَ في

صفحة 199

التَّوَكُّلِ قالُوا عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ مُظْهِرِينَ لِكَمالِ العَزِيمَةِ ﴿ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ إذائِكم إيّانا بِالعِنادِ واقْتِراحِ الآياتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي آذَيْتُمُوناهُ وكانَ الأصْلُ آذَيْتُمُونا بِهِ فَهَلْ حُذِفَ بِهِ أوِ الباءُ ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ قَوْلانِ ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ خاصَّةً ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ . (12) . أيْ فَلْيَثْبُتِ المُتَوَكِّلُونَ عَلى ما أحْدَثُوهُ مِنَ التَّوَكُّلِ والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لَسَبْقِ اتِّصافِهِمْ بِهِ وغَرَضُ المُرْسَلِينَ مِن ذَلِكَ نَحْوَ غَرَضِهِمْ مِمّا تَقَدَّمَ ورُبَّما يُتَجَوَّزُ في المُسْنَدِ إلَيْهِ فالمَعْنى وعَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَلْيَتَوَكَّلْ مُرِيدُو التَّوَكُّلِ لَكِنَّ الأوَّلَ أوْلى.

وقَرَأ الحَسَنُ بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ في ( لِيَتَوَكَّلْ ) وهو الأصْلُ هَذا وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ مِن خَواصِّ هَذِهِ الآيَةِ دَفْعُ أذى البُرْغُوثِ فَقَدْ أخْرَجَ المُسْتَغْفِرِيُّ في الدَّعَواتِ عَنْ أبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إذا آذاكَ البُرْغُوثُ فَخُذْ قَدَحًا مِن ماءٍ واقْرَأْ عَلَيْهِ سَبْعَ مَرّاتٍ ﴿وما لَنا ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ وتَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَكُفُّوا شَرَّكم وأذاكم عَنّا ثُمَّ تَرُشُّهُ حَوْلَ فِراشِكَ فَإنَّكَ تَبِيتُ آمِنًا مِن شَرِّها».

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا نَحْوَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَكُفُّوا شَرَّكم وأذاكم عَنّا ولَمْ أقِفْ عَلى صِحَّةِ الخَبَرِ ولَمْ أُجَرِّبْ ذَلِكَ إذْ لَيْسَ لِلْبُرْغُوثِ ولَعٌ بِي والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى وأظُنُّ أنَّ ذَلِكَ لِمُلُوحَةِ الدَّمِ كَما أخْبَرَنِي بِهِ بَعْضُ الأطِبّاءِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

13

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ

And those who disbelieved said to their messengers, "We will surely drive you out of our land, or you must return to our religion." So their Lord inspired to them, "We will surely destroy the wrongdoers.

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قِيلَ: لَعَلَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ بَعْضُ المُتَمَرِّدِينَ في الكُفْرِ مِن أُولَئِكَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الَّتِي نُقِلَتْ مَقالاتُهُمُ الشَّنِيعَةُ دُونَ جَمِيعِهِمْ كَقَوْمِ شُعَيْبٍ وأضْرابِهِمْ ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: وقالُوا، ﴿لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ أهْلَ الحَلِّ والعَقْدِ الَّذِينَ لَهم قُدْرَةٌ عَلى الإخْراجِ والإدْخالِ ويَكُونُ ذَلِكَ عِلَّةً لِلْعُدُولِ عَنْ قالُوا أيْضًا و( أوْ ) لِأحَدِ الأمْرَيْنِ ومُرادُهم لَيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ إخْراجُكم أوْ عَوْدُكم فالمُقْسَمُ عَلَيْهِ في وُسْعِ المُقْسِمِ والقَوْلُ بِأنَّها بِمَعْنى حَتّى أوْ إلّا أنَّ قَوْلَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَّظَرَ كَما في البَحْرِ فِيما بَعْدَها إذْ لا يَصِحُّ تَرْكِيبُ ذَلِكَ مَعَ ما ذُكِرَ كَما يَصِحُّ في لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِّي حَقِّيَ والمُرادُ مِنَ العَوْدِ الصَّيْرُورَةُ والِانْتِقالُ مِن حالٍ إلى أُخْرى وهو كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ بِهَذا المَعْنى فَيَنْدَفِعُ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ العَوْدَ يَقْتَضِي أنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا وحاشاهم في مِلَّةِ الكُفْرِ قَبْلَ ذَلِكَ.

واعْتُرِضَ في الفَرائِدِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ العَوْدُ بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ لَقِيلَ إلى مِلَّتِنا فَتَعْدِيَتُهُ بِفي يَقْتَضِي أنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الدُّخُولِ أيْ لَتَدْخُلُنَّ في مِلَّتِنا ورَدَّهُ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ ما ذُكِرَ لَوْ كانَ ﴿فِي مِلَّتِنا﴾ صِلَةَ الفِعْلِ إمّا إذا جُعِلَ خَبَرًا لَهُ لَأنْ صارَ مِن أخَواتِ كانَ فَلا يَرِدُ كَما في نَحْوِ صارَ زَيْدٌ في الدّارِ نَعَمْ يُفْهَمُ مِمّا ذَكَرَهُ وجْهٌ آخَرُ وهو جَعْلُهُ مَجازًا بِمَعْنى تَدْخُلُنَّ لا تَضْمِينًا لِأنَّهُ عَلى ما قَرَّرُوهُ يُقْصَدُ فِيهِ المَعْنَيانِ فَلا يُدْفَعُ المَحْذُورُ وفي الكَشْفِ أنَّ ( في ) أبْلَغُ مَن إلى لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِقْرارِ والتَّمَكُّنِ كَأنَّهم لَمْ يَرْضَوْا بِأنْ يَتَظاهَرُوا أنَّهم مِن أهْلِ مِلَّتِهِمْ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ العَوْدِ في مِلَّتِهِمْ سُكُوتُهم عَنْهم وتَرْكُ مُطالَبَتِهِمْ بِالإيمانِ وهو كَما تَرى وقِيلَ: هو عَلى مَعْناهُ المُتَبادَرِ والخِطابُ لِكُلِّ رَسُولٍ ولِمَن آمَنَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ فَغَلَّبُوا الجَماعَةَ عَلى الواحِدِ: فَإنْ كانَ الجَماعَةُ حاضِرِينَ فالأمْرُ ظاهِرٌ وإلّا فَهُناكَ تَغْلِيبٌ آخَرُ في الخِطابِ وقِيلَ: لا تَغْلِيبَ أصْلًا والخِطابُ لِلرُّسُلِ وحْدَهم بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ أنَّهم كانُوا مِن أهْلِ مِلَّتِهِمْ قَبْلَ أظْهارِ الدَّعْوَةِ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ:

صفحة 200

﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في مِثْلِ ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ أيْ إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَما قِيلَ لَهم ما قِيلَ ﴿رَبُّهُمْ﴾ مالِكُ أمْرِهِمْ سُبْحانَهُ ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ . (13) . أيِ المُشْرِكِينَ المُتَناهِينَ في الظُّلْمِ وهم أُولَئِكَ القائِلُونَ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: خَصَّ سُبْحانَهُ الظّالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا تِلْكَ المَقالَةَ ناسٌ فالتَّوَعُّدُ بِإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ و( أوْحى ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فَعَلَ الإيحاءَ فَلا مَفْعُولَ لَهُ و﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ قائِلًا لَنُهْلِكَنَّ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جارِيًا مَجْرى القَوْلِ لِكَوْنِهِ ضَرْبًا مِنهُ و﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ …

14

وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ

And We will surely cause you to dwell in the land after them. That is for he who fears My position and fears My threat."

﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ﴾ أيْ أرْضَهم ودِيارَهم فاللّامُ لِلْعَهْدِ وعِنْدَ بَعْضٍ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ وأقْسَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى في مُقابَلَةِ قَسَمِهِمْ والظّاهِرُ أنَّ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا عُقُوبَةٌ لَهم عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا﴾ وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى مَزِيدِ شَناعَةِ ما أتَوْا بِهِ حَيْثُ أنَّهم لَمّا أرادُوا إخْراجَ المُخاطَبِينَ مِن دِيارِهِمْ جَعَلَ عُقُوبَتَهُ إخْراجَهم مِن دارِ الدُّنْيا وتَوْرِيثَ أُولَئِكَ أرْضَهم ودِيارَهم وفي الحَدِيثِ «مَن آذى جارَهُ أوْرَثَهُ اللَّهُ تَعالى دارَهُ» وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ( لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ولَيُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ ) بِياءِ الغَيْبَةِ اعْتِبارًا لَأوْحى كَقَوْلِكَ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَيَخْرُجَنَّ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُوحى بِهِ وهو إهْلاكُ الظّالِمِينَ وإسْكانُ المُخاطَبِينَ دِيارَهم وبِذَلِكَ الِاعْتِبارِ وُحِّدَ اسْمُ الإشارَةِ مَعَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ اثْنانِ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِهِ مِن قَبِيلِ ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وإنْ صَحَّ أيْ ذَلِكَ الأمْرُ مُحَقَّقٌ ثابِتٌ.

﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيْ مَوْقِفِي الَّذِي يَقِفُ بِهِ العِبادُ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ فالمَقامُ اسْمُ مَكانٍ وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِكَوْنِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ سُبْحانَهُ وقالَ الفَرّاءُ: هو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ أيْ خافَ قِيامِي عَلَيْهِ بِالحِفْظِ لِأعْمالِهِ ومُراقَبَتِي إيّاهُ وقِيلَ: المُرادُ إقامَتِي عَلى العَدْلِ والصَّوابِ وعَدَمِ المَيْلِ عَنْ ذَلِكَ.

وقِيلَ: لَفْظُ مَقامٍ مُقْحَمٌ لِأنَّ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أيْ لِمَن خافَنِي ﴿وخافَ وعِيدِ﴾ . (14) . أيْ وعِيدِي بِالعَذابِ فَياءُ المُتَكَلِّمِ مَحْذُوفَةٌ لِلِاكْتِفاءِ بِالكَسْرَةِ عَنْها في غَيْرِ الوَقْفِ والوَعِيدُ عَلى ظاهِرِهِ ومُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِنَ الوَعْدِ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ وهو بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ أيْ عَذابِي المَوْعُودُ لِلْكُفّارِ: وفِيهِ اسْتِعارَةُ الوَعْدِ لِلْإيعادِ والمُرادُ بِمَن خافَ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ في الكَشّافِ المُتَّقُونَ ووُقُوعُ ذَلِكَ إلى آخِرِهِ بَعْدَ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَوْقِعَ ( والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) في قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .

15

وَٱسْتَفْتَحُوا۟ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ

And they requested victory from Allah, and disappointed, [therefore], was every obstinate tyrant.

﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ أيِ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ تَعالى عَلى أعْدائِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفَتاحَةِ أيِ الحُكُومَةِ أيِ اسْتَحْكَمُوا اللَّهَ تَعالى وطَلَبُوا مِنهُ القَضاءَ بَيْنَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ والضَّمِيرُ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ والعَطْفُ عَلى ( أوْحى ) ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ ( واسْتَفْتِحُوا ) بِكَسْرِ التّاءِ أمْرًا لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْطُوفًا عَلى ( لَيُهْلِكَنَّ ) فَهو داخِلٌ تَحْتَ المُوحى والواوُ مِنَ الحِكايَةِ دُونَ المَحْكِيِّ وقِيلَ: ما قَبْلَهُ لِإنْشاءِ الوَعْدِ فَلا يَلْزَمُ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ مَعَ أنَّ مَذْهَبَ بَعْضِهِمْ تَجْوِيزُهُ وأُخِّرَ عَلى القِراءَتَيْنِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ أوْ ( أوْحى إلَيْهِمْ ) عَلى ما في الكَشْفِ

صفحة 201

دَلالَةً عَلى أنَّهم لَمْ يَزالُوا داعِينَ إلى أنْ تَحَقُّقِ المَوْعُودِ مِن إهْلاكِ الظّالِمِينَ وذَلِكَ لِأنَّ ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ وعْدٌ وإنَّما حَقِيقَةُ الإجابَةِ حِينَ الإهْلاكِ ولَيْسَ مِن تَفْوِيضِ التَّرْتِيبِ إلى ذِهْنِ السّامِعِ في شَيْءٍ ولا ذَلِكَ مِن مَقامِهِ كَما تُوُهِّمَ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ والعَطْفُ حِينَئِذٍ عَلى ( قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أيْ قالُوا ذَلِكَ واسْتَفْتَحُوا عَلى نَحْوِ ما قالَ قُرَيْشٌ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ وكَأنَّهم لَمّا قَوِيَ تَكْذِيبُهم وأذاهم ولَمْ يُعالَجُوا بِالعُقُوبَةِ ظَنُّوا أنْ ما قِيلَ لَهم باطِلٌ فاسْتَفْتَحُوا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وقَوْمِ شُعَيْبٍ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومُكَذِّبِيهِمْ لِأنَّهم كانُوا كُلُّهم سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنَّ يَنْصُرَ المُحِقَّ ويُهْلِكَ المُبْطِلَ وجَعَلَ بَعْضُهُمُ العَطْفَ عَلى ( أوْحى ) عَلى هَذا أيْضًا بَلْ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضٍ أنَّ العَطْفَ عَلَيْهِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ مُطْلَقًا وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى احْتِمالٌ آخَرُ في الضَّمِيرِ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

﴿وخابَ﴾ أيْ خَسِرَ وهَلَكَ ﴿كُلُّ جَبّارٍ﴾ مُتَكَبِّرٍ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ وقالَ الرّاغِبُ: الجَبّارُ في صِفَةِ الإنْسانِ يُقالُ لِمَن يَجْبُرُ نَقِيصَتَهُ بِادِّعاءِ مَنزِلَةٍ مِنَ التَّعالِي لا يَسْتَحِقُّها ولا يُقالُ إلّا عَلى طَرِيقِ الذَّمِّ ﴿عَنِيدٍ﴾ . (15) . مُعانِدٍ لِلْحَقِّ مُباهٍ بِما عِنْدَهُ وجاءَ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ كَثِيرًا كَخَلِيطٍ بِمَعْنى مُخالِطٍ ورَضِيعٍ بِمَعْنى مُراضِعٍ وذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ اشْتِقاقَ ذَلِكَ مِنَ العِنْدِ وهو النّاحِيَةُ ولِذا قالَ مُجاهِدٌ: العَنِيدُ مُجانِبُ الحَقِّ قِيلَ: والوَصْفُ الأوَّلُ إشارَةٌ إلى ذَمِّهِ بِاعْتِبارِ الخُلُقِ النَّفْسانِيِّ والثّانِي إلى ذَمِّهِ بِاعْتِبارِ الأثَرِ الصّادِرِ عَنْ ذَلِكَ الخُلُقِ وهو كَوْنُهُ مُجانِبًا مُنْحَرِفًا عَنِ الحَقِّ وفي الكَلامِ إيجازُ الحَذْفِ بِحَذْفِ الفاءِ الفَصِيحَةِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيِ اسْتَفْتَحُوا فَفُتِحَ لَهم وظَفِرُوا بِما سَألُوا وأفْلَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ وهم قَوْمُهُمُ المُعانِدُونَ فالخَيْبَةُ بِمَعْنى مُطْلَقِ الحِرْمانِ دُونَ الحِرْمانِ عَنِ المَطْلُوبِ أوْ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى الحَقِّ هَذا إذا كانَ ضَمِيرُ ( اسْتَفْتَحُوا ) …

16

مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍۢ صَدِيدٍۢ

Before him is Hell, and he will be given a drink of purulent water.

﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أيْ مِن قُدّامِهِ وبَيْنَ يَدَيْهِ كَما قالَ الزَّجّاجُ والطَّبَرِيُّ وقُطْرُبٌ وجَماعَةٌ وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: .

ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومُ العَصا نَحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ

ومَعْنى كَوْنِها قُدّامَهُ أنَّهُ مُرْصَدٌ لَها واقِفٌ عَلى شَفِيرِها ومَبْعُوثٌ إلَيْها وقِيلَ: المُرادُ مِن خَلْفِ حَياتِهِ وبَعْدِها ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: .

حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ

وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الأنْبارِيِّ واسْتِعْمالُ وراءَ في هَذا وذاكَ بِناءً عَلى أنَّها مِنَ الأضْدادِ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ

صفحة 202

والأزْهَرِيِّ فَهي مِنَ المُشْتَرَكاتِ اللَّفْظِيَّةِ عِنْدَهُما وقالَ جَماعَةٌ: إنَّها مِنَ المُشْتَرَكاتِ المَعْنَوِيَّةِ فَهي مَوْضُوعَةٌ لِأمْرٍ عامٍّ صادِقٍ عَلى القُدّامِ والخَلْفِ وهو ما تَوارى عَنْكَ وقَدْ تُفَسَّرُ بِالزَّمانِ مَجازًا فَيُقالُ: الأمْرُ مِن ورائِكَ عَلى مَعْنى أنَّهُ سَيَأْتِيكَ في المُسْتَقْبَلِ مِن أوْقاتِكَ ﴿ويُسْقى﴾ قِيلَ عُطِفَ عَلى مُتَعَلِّقِ ﴿مِن ورائِهِ﴾ المُقَدَّرِ والأكْثَرُ عَلى أنَّهُ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ جَوابًا عَنْ سُؤالِ سائِلٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ إذَنْ فَقِيلَ: يَلْقى فِيها ما يَلْقى ويُسْقى ﴿مِن ماءٍ﴾ مَخْصُوصٍ لا كالمِياهِ المَعْهُودَةِ ﴿صَدِيدٍ﴾ . (16) . قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ: ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ والزَّوانِي وعَنْ عِكْرِمَةَ هو الدَّمُ والقَيْحُ وأعْرَبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَ بَيانٍ لِماءٍ وفي إبْهامِهِ أوَّلًا ثُمَّ بَيانِهِ مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يَخْفى وجَوازُ عَطْفِ البَيانِ في النَّكِراتِ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ والفارِسِيُّ والبَصْرِيُّونَ لا يَرَوْنَهُ وعَلى مَذْهَبِهِمْ هو بَدَلٌ مِن ﴿ماءٍ﴾ إنِ اعْتُبِرَ جامِدًا أوْ نَعْتٌ إنِ اعْتُبِرَ فِيهِ الِاشْتِقاقُ مِنَ الصَّدِّ أيِ المَنعُ مِنَ الشُّرْبِ كَأنَّهُ ذَلِكَ الماءُ لِمَزِيدِ قُبْحِهِ مانِعٌ عَنْ شُرْبِهِ وفي البَحْرِ قِيلَ: إنَّهُ مَصْدُودٌ عَنْهُ أيْ لِكَراهَتِهِ يُصَدُّ عَنْهُ وإلى كَوْنِهِ نَعْتًا ذَهَبَ الحَوْفِيُّ وكَذا ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: وذَلِكَ كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمٌ حَدِيدٌ وإطْلاقُ الماءِ عَلى ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وإنَّما أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ بَدَلُهُ وقالَ بَعْضُهم: هو نَعْتٌ عَلى إسْقاطِ مُفِيدِ التَّشْبِيهِ كَما تَقُولُ مَرَرْتُ بِرِجْلٍ أسَدٍ والتَّقْدِيرُ مِثْلُ صَدِيدٍ وعَلى هَذا فَإطْلاقُ الماءِ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ وبِالجُمْلَةِ تَخْصِيصُ السَّقْيِ مِن هَذا الماءِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ عَذابِها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن أشَدِّ أنْواعِهِ

17

يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍۢ ۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٌۭ

He will gulp it but will hardly [be able to] swallow it. And death will come to him from everywhere, but he is not to die. And before him is a massive punishment.

﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ جَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ صِفَةً لِماءٍ أوْ حالًا مِنهُ أوِ اسْتِئْنافًا.

وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿يُسْقى﴾ والِاسْتِئْنافُ أظْهَرُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُفْعَلُ بِهِ فَقِيلَ: يَتَجَرَّعُهُ أيْ يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِغَلَبَةِ العَطَشِ واسْتِيلاءِ الحَرارَةِ عَلَيْهِ ﴿ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أيْ لا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ فَضْلًا عَنِ الإساغَةِ بَلْ يَغَصُّ بِهِ فَيَشْرَبُهُ بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي جُرْعَةٌ غِبَّ جُرْعَةٍ فَيَطُولُ عَذابُهُ تارَةً بِالحَرارَةِ والعَطَشِ وأُخْرى بِشُرْبِهِ عَلى تِلْكَ الحالَةِ فَإنَّ السَّوْغَ انْحِدارُ الماءِ انْحِدارُ الشَّرابِ في الحَلْقِ بِسُهُولَةٍ وقَبُولُ نَفْسٍ ونَفْيُهُ لا يُفِيدُ نَفْيَ ما ذُكِرَ جَمِيعًا وقِيلَ: تَفَعَّلَ مُطاوِعُ فَعَّلَ يُقالُ: جَرَّعَهُ فَتَجَرَّعَ وقِيلَ: إنَّهُ مُوافِقٌ لِلْمُجَرَّدِ أيْ جَرَعَهُ كَما تَقُولُ عَدا الشَّيْءَ وتَعَدّاهُ وقِيلَ: الإساغَةُ الإدْخالُ في الجَوْفِ والمَعْنى لا يُقارِبُ أنْ يُدْخِلَهُ في جَوْفِهِ قَبْلَ أنْ يَشْرَبَهُ ثُمَّ شَرِبَهُ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أيْ ما قارَبُوا قَبْلَ الذَّبْحِ وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإساغَةِ لِما أنَّها المَعْهُودَةُ في الأشْرِبَةِ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ فَإذا أُدْنِي مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ فَإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ» يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ ويُسِيغُهُ بِضَمِّ الياءِ لِأنَّهُ يُقالُ: ساغَ الشَّرابَ وأساغَهُ غَيْرَهُ وهو الفَصِيحُ وإنْ ورَدَ ثَلاثِيُّهِ مُتَعَدِّيًا أيْضًا عَلى ما ذَكَرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ وجُمْلَةُ ( لا يَكادُ ) إلى آخِرِهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ أوْ مِن مَفْعُولِهِ أوْ مِنهُما جَمِيعًا ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ﴾ أيْ أسْبابُهُ مِنَ الشَّدائِدِ وأنْواعِ العَذابِ فالكَلامُ عَلى المَجازِ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيٍّ مِن كُلِّ مَوْضِعٍ والمُرادُ أنَّهُ يُحِيطُ بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِن

صفحة 203

كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وإطْلاقُ المَكانِ عَلى الأعْضاءِ مَجازٌ والظّاهِرُ أنَّ هَذا الإتْيانَ في الآخِرَةِ.

وقالَ الأخْفَشُ: أرادَ البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في الدُّنْيا سَمّاها مَوْتًا لِشِدَّتِها ولا يَخْفى بُعْدُهُ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ في أحْوالِ الكافِرِ في جَهَنَّمَ وما يَلْقى فِيها ﴿وما هو بِمَيِّتٍ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَيِّتٍ حَقِيقَةً كَما هو الظّاهِرُ مِن مَجِيءِ أسْبابِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَيَسْتَرِيحُ مِمّا غَشِيَهُ مِن أصْنافِ المُوبِقاتِ ﴿ومِن ورائِهِ﴾ أيْ مِن بَيْنِ يَدَيْ مَن حَكَمَ عَلَيْهِ بِما مَرَّ ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ . (17) . يَسْتَقْبِلُ كُلَّ وقْتٍ عَذابًا أشَدَّ وأشَقَّ مِمّا كانَ قَبْلَهُ وقِيلَ: في وراءَ هُنا نَحْوَ ما قِيلَ فِيما تَقَدَّمَ أمامَهُ وذَكَرَ هَذِهِ الجُمْلَةَ لِدَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ الخِفَّةِ بِحَسَبِ الِاعْتِيادِ …

18

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍۢ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلْبَعِيدُ

The example of those who disbelieve in their Lord is [that] their deeds are like ashes which the wind blows forcefully on a stormy day; they are unable [to keep] from what they earned a [single] thing. That is what is extreme error.

﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فِيما يُتْلى عَلَيْكم صِفَتُهُمُ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالمَثَلِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مَثَلِهِمْ ورَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَهُ مُبْتَدَأً وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ وتَعَقَّبَهُ الحَوْفِيُّ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ عَمّا يَرْبُطُها بِالمُبْتَدَأِ ولَيْسَتْ نَفْسَهُ في المَعْنى لِتَسْتَغْنِيَ عَنْ ذَلِكَ لِظُهُورِ أنَّ لَيْسَ المَعْنى مِثْلُهم هَذِهِ الجُمْلَةُ وأجابَ عَنْهُ السَّمِينُ بِالتِزامِ أنَّها نَفْسُهُ لِأنَّ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ في تَأْوِيلِ ما يُقالُ فِيهِمْ ويُوصَفُونَ بِهِ إذا وُصِفُوا فَلا حاجَةَ إلى الرّابِطِ كَما في قَوْلِكَ: صِفَةُ زَيْدٍ عِرْضُهُ مَصُونٌ ومالُهُ مَبْذُولٌ قِيلَ: ولا يَخْفى حُسْنُهُ إلّا أنَّ المَثَلَ عَلَيْهِ بِمَعْنى الصِّفَةِ والمُرادُ بِالصِّفَةِ اللَّفْظُ المَوْصُوفُ بِهِ كَما يُقالُ: صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ أيِ اللَّفْظُ الَّذِي يُوصَفُ بِهِ هو هَذا وهَذا وإنْ كانَ مَجازًا عَلى مَجازٍ لَكِنَّهُ يُغْتَفَرُ لِأنَّ الأوَّلَ مُلْحَقٌ بِالحَقِيقَةِ لِشُهْرَتِهِ ولَيْسَ مِنَ الِاكْتِفاءِ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ لِأنَّ المُضافَ ذُكِرَ تَوْطِئَةً لَهُ فَإنَّ ذَلِكَ أضْعُفْ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ كَما عَلِمْتَ.

وذَهَبَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ إلى أنَّ ﴿مَثَلُ﴾ مُقْحَمٌ وتَقَدَّمَ عَلَيْهِ ولَهُ وقالَ الحَوْفِيُّ: هو مُبْتَدَأٌ و﴿كَرَمادٍ﴾ خَبَرُهُ وأعْمالُهم بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ بَدَلَ اشْتِمالٍ كَما في قَوْلِهِ: .

ما لِلْجِمالِ مَشْيُها وئِيدًا أجَنْدَلًا يَحْمِلْنَ أمْ حَدِيدا

وفِيهِ خَفاءٌ ولَعَلَّهُ اعْتُبِرَ المُضافَ إلَيْهِ وفي الكَشّافِ جَوازُ كَوْنِهِ بَدَلًا مِن ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لَكِنْ عَلى تَقْدِيرِ ( مَثَلُ أعْمالِهِمْ ) فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا مَثَلُ أعْمالِهِمْ كَرَمادٍ قالَ في الكَشْفِ: وهو بَدَلُ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ وذَلِكَ لِأنَّ مَثَلَهم ومَثَلَ أعْمالِهِمْ مُتَّحِدانِ بِالذّاتِ وفِيهِ تَفْخِيمٌ. اهَـ. وقِيلَ: إنَّهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أيْضًا بَدَلُ اشْتِمالٍ

صفحة 204

لِأنَّ مَثَلَ أعْمالِهِمْ كَوْنُها كَرَمادٍ ومَثَلَهم كَوْنُ أعْمالِهِمْ كَرَمادٍ فَلا اتِّحادَ لَكِنَّ الأوَّلَ سَبَبٌ لِلثّانِي فَتَأمَّلْ والرَّمادُ مَعْرُوفٌ وعَرَّفَهُ ابْنُ عِيسى بِأنَّهُ جِسْمٌ يَسْحَقُهُ الإحْراقُ سَحْقَ الغُبارِ ويُجْمَعُ عَلى رُمُدٍ في الكَثْرَةِ وأرْمُدٌ في القِلَّةِ وشَذَّ جَمْعُهُ عَلى أفْعِلاءَ قالُوا أرْمِداءَ كَذا في البَحْرِ وذَكَرَ في القامُوسِ أنَّ الأرْمِداءَ كالأرْبِعاءِ الرَّمادُ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ جَمْعٌ والمُرادُ بِأعْمالِهِمْ ما هو مِن بابِ المَكارِمِ كَصِلَةِ الأرْحامِ وعِتْقِ الرِّقابِ وفِداءِ الأسارى وقِرى الأضْيافِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ وقِيلَ: ما فَعَلُوهُ لِأصْنامِهِمْ مِنَ القُرْبِ بِزَعْمِهِمْ وقِيلَ: ما يَعُمُّ هَذا وذاكَ ولَعَلَّهُ الأوْلى وجِيءَ بِالجُمْلَةِ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُهم جَوابًا لِما يُقالُ: ما بالُ أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها حَتّى آلَ أمْرُهم إلى ذَلِكَ المَآلِ إذْ بَيَّنَ فِيها أنَّها كَرَمادٍ ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ أيْ حَمَلَتْهُ وأسْرَعَتِ الذَّهابَ بِهِ فاشْتَدَّ بِمَعْنى عَدا والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ الشِّدَّةِ بِمَعْنى القُوَّةِ أيْ قَوِيَتْ بِمُلابَسَةِ حَمْلِهِ ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ العَصْفُ اشْتِدادُ الرِّيحِ وُصِفَ بِهِ زَمانُ هُبُوبِها عَلى …

19

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ

Have you not seen that Allah created the heavens and the earth in truth? If He wills, He can do away with you and produce a new creation.

﴿ألَمْ تَرَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُرادُ بِهِ أُمَّتْهُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ وقِيلَ: خِطابُ الكُلِّ واحِدٌ مِنَ الكَفَرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ والرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ القَلْبِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها أيْ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُما ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ مُلْتَبِسَةً بِالحِكْمَةِ والوَجْهِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَحِقُّ

صفحة 205

أنْ يُخْلَقَ عَلَيْهِ وقَرَأ السُّلَمِيُّ ( ألَمْ تَرْ ) بِسُكُونِ الرّاءِ ووَجْهُهُ أنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ قالَ أبُو حَيّانَ: وتَوْجِيهٌ آخَرُ وهو أنَّ ( تَرى ) حَذَفَتِ العَرَبُ ألِفَها في قَوْلِهِمْ: قامَ القَوْمُ ولَوْ تَرَ ما زَيْدٌ كَما حُذِفَتْ ياءُ لا أُبالِي وقالُوا لا أُبالِ فَلَمّا دَخَلَ الجازِمُ تُخُيِّلَ أنَّ الرّاءَ هي آخِرُ الكَلِمَةِ فَسَكَنَتْ لِلْجازِمِ كَما قالُوا في لا أُبالِ لَمْ أُبَلْ تَخَيَّلُوا اللّامَ آخِرَ الكَلِمَةِ والمَشْهُورُ التَّوْجِيهُ الأوَّلُ وقَرَأ الأخَوانِ ( خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ والإضافَةِ وجَرِّ الأرْضِ.

﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ يَعْدِمْكم أيُّها النّاسُ كَما قالَهُ جَماعَةٌ أوْ أيُّها الكَفَرَةُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِالمَرَّةِ ﴿ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . (19) . أيْ بِخَلْقٍ بَدَلَكم خَلْقًا مُسْتَأْنَفًا لا عِلاقَةَ بَيْنَكم وبَيْنَهم والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مِن جِنْسِ الآدَمِيِّينَ وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ أوْ مِن غَيْرِهِ أوْرَدَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ خَلْقَهُ السَّماواتِ والأرْضَ إرْشادًا إلى طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ مِثْلِ هاتِيكَ الأجْرامِ العَظِيمَةِ كانَ عَلى إعْدامِ المُخاطَبِينَ وخَلْقِ آخَرِينَ بَدَلَهم أقْدَرَ ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ:

20

وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍۢ

And that is not difficult for Allah.

﴿وما ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورُ مِنَ إذْهابِكم والإتْيانِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ مَكانَكم ﴿عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ . (20) . بِمُتَعَذَّرٍ أوْ مُتَعَسَّرٍ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ بِذاتِهِ لا بِاسْتِعانَةٍ وواسِطَةٍ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِمَقْدُورٍ دُونَ مَقْدُورٍ وهَذِهِ الآيَةُ عَلى ما في الكَشّافِ بَيانٌ لِإبْعادِهِمْ في الضَّلالِ وعَظِيمِ خَطْبِهِمْ في الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى لِوُضُوحِ آياتِهِ الشّاهِدَةِ لَهُ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ وحِكْمَتِهِ البالِغَةِ وأنَّهُ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُرْجى ثَوابُهُ ويُخْشى عِقابُهُ

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.