Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 11–20 of 52

11

قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

Their messengers said to them, "We are only men like you, but Allah confers favor upon whom He wills of His servants. It has never been for us to bring you evidence except by permission of Allah. And upon Allah let the believers rely.

صفحة ٢٠١

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بِشْرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾

قَوْلُ الرُّسُلِ ﴿إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ جَوابٌ بِطَرِيقِ القَوْلِ بِالمُوجَبِ في عِلْمِ آدابِ البَحْثِ، وهو تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مَعَ بَقاءِ الأنْواعِ بِبَيانِ مَحَلِّ الِاسْتِدْلالِ غَيْرُ تامِّ الإنْتاجِ، وفِيهِ إطْماعٌ في المُوافَقَةِ، ثُمَّ كَرَّ عَلى اسْتِدْلالِهِمُ المَقْصُودُ بِالإبْطالِ بِتَبْيِينِ خَطَئِهِمْ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] .

وهَذا النَّوْعُ مِنَ القَوادِحِ في عِلْمِ الجَدَلِ شَدِيدُ الوَقْعِ عَلى المُناظِرِ، فَلَيْسَ قَوْلُ الرُّسُلِ ﴿إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تَقْرِيرًا لِلدَّلِيلِ، ولَكِنَّهُ تَمْهِيدٌ لِبَيانِ غَلَطِ المُسْتَدِلِّ في الِاسْتِنْتاجِ مِن دَلِيلِهِ، ومَحَلُّ البَيانِ هو الِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، والمَعْنى: أنَّ المُماثَلَةَ في البَشَرِيَّةِ لا تَقْتَضِي المُماثَلَةَ في زائِدٍ عَلَيْها فالبَشَرُ كُلُّهم عِبادُ اللَّهِ واللَّهُ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِنِعَمٍ لَمْ يُعْطِها غَيْرَهم.

فالِاسْتِدْراكُ رَفْعٌ لِما تَوَهَّمُوهُ مِن كَوْنِ المُماثَلَةِ في البَشَرِيَّةِ مُقْتَضى الِاسْتِواءِ في كُلِّ خَصْلَةٍ.

وأوْرَدَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ في التَّفْسِيرِ وجْهًا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ إذْ زِيدَ فِيها كَلِمَةُ (لَهم) في قَوْلِهِ ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهُمْ﴾ وبَيْنَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها إذْ قالَ فِيها ﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠] بِوَجْهَيْنِ:

صفحة ٢٠٢

أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ خاصَّةً بِالمُكَذِّبِينَ مِن قَوْمِهِمْ يَقُولُونَها لِغَيْرِهِمْ إذْ هو جَوابٌ عَنْ كَلامٍ صَدَرَ مِنهم والمَقالَةُ الأُولى يَقُولُونَها لَهم ولِغَيْرِهِمْ، أيْ: لِلْمُصَدِّقِينَ والمُكَذِّبِينَ.

وثانِيهِما: أنَّ وُجُودَ اللَّهِ أمْرٌ نَظَرِيٌّ، فَكانَ كَلامُ الرُّسُلِ في شَأْنِهِ خِطابًا لِعُمُومِ قَوْمِهِمْ، وأمّا بَعْثَةُ الرُّسُلِ فَهي أمْرٌ ضَرُورِيٌّ ظاهِرٌ لا يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما قالُوا هَذا إلّا لِلْمُكَذِّبِينَ لِغَباوَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ لا لِغَيْرِهِمْ.

وأجابَ الأبِيُّ أنَّ ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] خِطابٌ لِمَن عانَدَ في أمْرٍ ضَرُورِيٍّ، فَكَأنَّ المُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ يُجِيبُ بِهِ مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ ولا يُقْبِلُ بِالجَوابِ عَلى المُخاطَبِ لِمُعانَدَتِهِ فَيُجِيبُ وهو مُعْرِضٌ عَنْهُ بِخِلافِ قَوْلِهِمْ ﴿إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لِمَقالَتِهِمْ فَهم يُقْبِلُونَ عَلَيْهِمْ بِالجَوابِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُبْطِلُوا كَلامَهم بِالإطْلاقِ بَلْ يُقَرِّرُونَهُ ويَزِيدُونَ فِيهِ اهـ.

والحاصِلُ أنَّ زِيادَةَ ”لَهم“ تُؤْذِنُ بِالدَّلالَةِ عَلى تَوَجُّهِ الرُّسُلِ إلى قَوْمِهِمْ بِالجَوابِ لِما في الجَوابِ عَنْ كَلامِهِمْ مِنَ الدِّقَّةِ المُحْتاجَةِ إلى الِاهْتِمامِ بِالجَوابِ بِالإقْبالِ عَلَيْهِمْ إذِ اللّامُ الدّاخِلَةُ بَعْدَ فِعْلِ القَوْلِ في نَحْوِ: أقُولُ لَكَ، لامُ تَعْلِيلٍ، أيْ: أقُولُ قَوْلِي …

12

وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ

And why should we not rely upon Allah while He has guided us to our [good] ways. And we will surely be patient against whatever harm you should cause us. And upon Allah let those who would rely [indeed] rely."

صفحة ٢٠١

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بِشْرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾

قَوْلُ الرُّسُلِ ﴿إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ جَوابٌ بِطَرِيقِ القَوْلِ بِالمُوجَبِ في عِلْمِ آدابِ البَحْثِ، وهو تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مَعَ بَقاءِ الأنْواعِ بِبَيانِ مَحَلِّ الِاسْتِدْلالِ غَيْرُ تامِّ الإنْتاجِ، وفِيهِ إطْماعٌ في المُوافَقَةِ، ثُمَّ كَرَّ عَلى اسْتِدْلالِهِمُ المَقْصُودُ بِالإبْطالِ بِتَبْيِينِ خَطَئِهِمْ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] .

وهَذا النَّوْعُ مِنَ القَوادِحِ في عِلْمِ الجَدَلِ شَدِيدُ الوَقْعِ عَلى المُناظِرِ، فَلَيْسَ قَوْلُ الرُّسُلِ ﴿إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تَقْرِيرًا لِلدَّلِيلِ، ولَكِنَّهُ تَمْهِيدٌ لِبَيانِ غَلَطِ المُسْتَدِلِّ في الِاسْتِنْتاجِ مِن دَلِيلِهِ، ومَحَلُّ البَيانِ هو الِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، والمَعْنى: أنَّ المُماثَلَةَ في البَشَرِيَّةِ لا تَقْتَضِي المُماثَلَةَ في زائِدٍ عَلَيْها فالبَشَرُ كُلُّهم عِبادُ اللَّهِ واللَّهُ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِنِعَمٍ لَمْ يُعْطِها غَيْرَهم.

فالِاسْتِدْراكُ رَفْعٌ لِما تَوَهَّمُوهُ مِن كَوْنِ المُماثَلَةِ في البَشَرِيَّةِ مُقْتَضى الِاسْتِواءِ في كُلِّ خَصْلَةٍ.

وأوْرَدَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ في التَّفْسِيرِ وجْهًا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ إذْ زِيدَ فِيها كَلِمَةُ (لَهم) في قَوْلِهِ ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهُمْ﴾ وبَيْنَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها إذْ قالَ فِيها ﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠] بِوَجْهَيْنِ:

صفحة ٢٠٢

أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ خاصَّةً بِالمُكَذِّبِينَ مِن قَوْمِهِمْ يَقُولُونَها لِغَيْرِهِمْ إذْ هو جَوابٌ عَنْ كَلامٍ صَدَرَ مِنهم والمَقالَةُ الأُولى يَقُولُونَها لَهم ولِغَيْرِهِمْ، أيْ: لِلْمُصَدِّقِينَ والمُكَذِّبِينَ.

وثانِيهِما: أنَّ وُجُودَ اللَّهِ أمْرٌ نَظَرِيٌّ، فَكانَ كَلامُ الرُّسُلِ في شَأْنِهِ خِطابًا لِعُمُومِ قَوْمِهِمْ، وأمّا بَعْثَةُ الرُّسُلِ فَهي أمْرٌ ضَرُورِيٌّ ظاهِرٌ لا يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما قالُوا هَذا إلّا لِلْمُكَذِّبِينَ لِغَباوَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ لا لِغَيْرِهِمْ.

وأجابَ الأبِيُّ أنَّ ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] خِطابٌ لِمَن عانَدَ في أمْرٍ ضَرُورِيٍّ، فَكَأنَّ المُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ يُجِيبُ بِهِ مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ ولا يُقْبِلُ بِالجَوابِ عَلى المُخاطَبِ لِمُعانَدَتِهِ فَيُجِيبُ وهو مُعْرِضٌ عَنْهُ بِخِلافِ قَوْلِهِمْ ﴿إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لِمَقالَتِهِمْ فَهم يُقْبِلُونَ عَلَيْهِمْ بِالجَوابِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُبْطِلُوا كَلامَهم بِالإطْلاقِ بَلْ يُقَرِّرُونَهُ ويَزِيدُونَ فِيهِ اهـ.

والحاصِلُ أنَّ زِيادَةَ ”لَهم“ تُؤْذِنُ بِالدَّلالَةِ عَلى تَوَجُّهِ الرُّسُلِ إلى قَوْمِهِمْ بِالجَوابِ لِما في الجَوابِ عَنْ كَلامِهِمْ مِنَ الدِّقَّةِ المُحْتاجَةِ إلى الِاهْتِمامِ بِالجَوابِ بِالإقْبالِ عَلَيْهِمْ إذِ اللّامُ الدّاخِلَةُ بَعْدَ فِعْلِ القَوْلِ في نَحْوِ: أقُولُ لَكَ، لامُ تَعْلِيلٍ، أيْ: أقُولُ قَوْلِي …

13

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ

And those who disbelieved said to their messengers, "We will surely drive you out of our land, or you must return to our religion." So their Lord inspired to them, "We will surely destroy the wrongdoers.

صفحة ٢٠٥

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لِنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٤]

تَغْيِيرُ أُسْلُوبِ الحِكايَةِ بِطَرِيقِ الإظْهارِ دُونَ الإضْمارِ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا هُنا غَيْرُ الكافِرِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَتِ الحِكايَةُ عَنْهم فَإنَّ الحِكايَةَ عَنْهم كانَتْ بِطَرِيقِ الإضْمارِ. فالظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ المُرادَ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا هُنا كُفّارُ قُرَيْشٍ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْجِيهِ، وأنَّ المُرادَ بِـ ”رُسُلِهِمْ“ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ، أُجْرِيَتْ عَلى وصْفِهِ صِيغَةَ الجَمْعِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] في سُورَةِ غافِرٍ، فَإنَّ المُرادَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ كَما هو مُقْتَضى قَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] وقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ [الحديد: ٢٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فَإنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ في المَوْضِعَيْنِ الأخِيرَيْنِ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ لِأنَّهُ الرَّسُولُ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ الحَدِيدُ، أيِ القِتالُ بِالسَّيْفِ لِأهْلِ الدَّعْوَةِ المُكَذِّبِينَ، وقَوْلِهِ ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ [سبإ: ٤٥] في سُورَةِ سَبَأٍ عَلى أحَدِ تَفْسِيرَيْنِ في المُرادِ بِهِمْ وهو أظْهَرُهُما.

وإطْلاقُ صِيغَةِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ مَجازٌ: إمّا اسْتِعارَةٌ؛ إنْ كانَ فِيهِ مُراعاةُ تَشْبِيهِ الواحِدِ بِالجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] .

وإمّا مَجازٌ مُرْسَلٌ؛ إذا رُوعِيَ فِيهِ قَصْدُ التَّعْمِيَةِ، فَعَلاقَتُهُ الإطْلاقُ والتَّقَيُّدُ، والعُدُولُ عَنِ الحَقِيقَةِ إلَيْهِ لِقَصْدِ التَّعْمِيَةِ.

فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا هُنا كُفّارَ مَكَّةَ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٤] فَإنَّهُ لا يُعْرَفُ أنَّ رَسُولًا

صفحة ٢٠٦

مِن رُسُلِ الأُمَمِ السّالِفَةِ دَخَلَ أرْضَ مُكَذِّبِيهِ بَعْدَ هَلاكِهِمْ وامْتَلَكَها إلّا النَّبِيءَ مُحَمَّدًا ﷺ، قالَ في حِجَّةِ الوَداعِ مَنزِلُنا إنْ شاءَ اللَّهُ غَدًا بِالخَيْفِ خَيْفِ بَنِي كِنانَةَ حَيْثُ تَقاسَمُوا عَلى الكُفْرِ.

وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا في هَذِهِ الآيَةِ نَفْسَ المُرادِ مِنَ الأقْوامِ السّالِفَيْنِ، فالإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ تَسْجِيلِ اتِّصافِهِمْ بِالكُفْرِ حَتّى صارَ الخَصْلَةَ الَّتِي يُعْرَفُونَ بِها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المُرادُ مِنَ الرُّسُلِ ظاهِرَ الجَمْعِ فَيَكُونُ هَذا التَّوَعُّدُ شَنْشَنَةَ الأُمَمِ ويَكُونُ الإيماءُ إلَيْهِمْ بِهِ سُنَّةَ اللَّهِ مَعَ رُسُلِهِ.

وتَأْكِيدُ تَوَعُّدِهِمْ بِالإخْراجِ بِلامِ القَسَمِ ونُونِ التَّوْكِيدِ ضَراوَةٌ في الشَّرِّ.

و(أوْ) لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، أقْسَمُوا عَلى حُصُولِ أحَدِ الأمْرَيْنِ لا مَحالَةَ، أحَدُهُما مِن فِعْلِ المُقَسَّمِينَ، والآخَرُ مَن فِعْلِ مَن خُوطِبَ بِالقَسَمِ، ولَيْسَتْ هي (أوْ) الَّتِي بِمَعْنى (إلى) أوْ بِمَعْنى (إلّا) .

والعَوْدُ: الرُّجُوعُ إلى شَيْءٍ بَعْدَ مُفارَقَتِهِ، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ الرُّسُلِ مُتَّبِعًا مِلَّةَ الكُفْرِ بَلْ كانُوا مُنْعَزِلِينَ عَنِ المُشْرِكِينَ دُونَ تَغْيِيرٍ …

14

وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ

And We will surely cause you to dwell in the land after them. That is for he who fears My position and fears My threat."

﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾

ذَلِكَ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ الإهْلاكِ والإسْكانِ المَأْخُوذَيْنِ مِن لَنُهْلِكَنَّ - ولَنُسْكِنَنَّكُمُ. عادَ إلَيْهِما اسْمُ الإشارَةِ بِالإفْرادِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، كَقَوْلِهِ (﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]) .

واللّامُ لِلْمِلْكِ، أيْ: ذَلِكَ عَطاءٌ وتَمْلِيكٌ لِمَن خافَ مَقامِي، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]، والمَعْنى: ذَلِكَ الوَعْدُ لِمَن خافَ مَقامِي، أيْ: ذَلِكَ لَكم؛ لِأنَّكم خِفْتُمْ مَقامِي، فَعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى مَن خافَ مَقامِي لِدَلالَةِ المَوْصُولِ عَلى الإيماءِ إلى أنَّ الصِّلَةَ عِلَّةٌ في حُصُولِ تِلْكَ العَطِيَّةِ.

صفحة ٢٠٨

ومَعْنى ﴿خافَ مَقامِي﴾ خافَنِي، فَلَفْظُ (مَقامٍ) مُقْحِمٌ لِلْمُبالَغَةِ في تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ لِأنَّ المَقامَ أصْلُهُ مَكانُ القِيامِ، وأُرِيدَ فِيهِ بِالقِيامِ مُطْلَقُ الوُجُودِ؛ لِأنَّ الأشْياءَ تُعْتَبَرُ قائِمَةً، فَإذا قِيلَ ﴿خافَ مَقامِي﴾ كانَ فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في (خافَنِي) بِحَيْثُ إنَّ الخَوْفَ يَتَعَلَّقُ بِمَكانِ المُخَوَّفِ مِنهُ، كَما يُقالُ: قَصَّرَ في جانِبِي، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، وكُلُّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِ زِيادٍ الأعْجَمِ:

إنَّ السَّماحَةَ والمَرُوءَةَ والنَّدى في قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلى ابْنِ الحَشْرَجِ أيْ: في ابْنِ الحَشْرَجِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى وُجُودِ قُبَّةٍ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ لَمّا خَلَقَ الرَّحِمَ أخَذَتْ بِساقِ العَرْشِ وقالَتْ: هَذا مَقامُ العائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، أيْ: هَذا العائِذُ بِكَ القَطِيعَةَ»، وخَوْفُ اللَّهِ: هو خَوْفُ غَضَبِهِ؛ لِأنَّ غَضَبَ اللَّهِ أمْرٌ مَكْرُوهٌ لَدى عَبِيدِهِ.

وعَطَفَ جُمْلَةَ ﴿وخافَ وعِيدِ﴾ عَلى ﴿خافَ مَقامِي﴾ مَعَ إعادَةِ فِعْلِ (خافَ) دُونَ اكْتِفاءٍ بِعَطْفِ وعِيدِي عَلى مَقامِي؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّلَةَ وإنْ كانَ صَرِيحُها ثَناءً عَلى المُخاطَبِينَ فالمُرادُ مِنها التَّعْرِيضُ بِالكافِرِينَ بِأنَّهم لا يَخافُونَ وعِيدَ اللَّهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿خافَ مَقامِي﴾ تُغْنِي عَنْ هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَعْبَئُوا بِوَعِيدِ اللَّهِ وحَسِبُوهُ عَبَثًا، قالَ تَعالى ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧]، ولِذَلِكَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُما في سُورَةِ البَيِّنَةِ ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]؛ لِأنَّهُ في سِياقِ ذِكْرِ نَعِيمِ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً.

وهَذِهِ الآيَةُ في ذِكْرِ إهْلاكِ الظّالِمِينَ وإسْكانِ المُؤْمِنِينَ أرْضَهم فَكانَ المَقامُ لِلْفَرِيقَيْنِ، فَجُمِعَ في جَزاءِ المُؤْمِنِينَ بِإدْماجِ التَّعْرِيضِ بِوَعِيدِ الكافِرِينَ، وفي الجَمْعِ بَيْنَهُما دَلالَةً عَلى أنَّ مِن حَقِّ المُؤْمِنِ أنْ يَخافَ غَضَبَ رَبِّهِ وأنْ يَخافَ

صفحة ٢٠٩

وعِيدَهُ، والَّذِينَ يَخافُونَ غَضَبَ اللَّهِ ووَعِيدَهُ هُمُ المُتَّقُونَ الصّالِحُونَ، فَآلَ مَعْنى الآيَةِ إلى مَعْنى الآيَةِ الأُخْرى ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (وعِيدِ) بِدُونِ ياءٍ وصْلًا ووَقْفًا، وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِدُونِ ياءٍ في الوَقْفِ وبِإثْباتِها في الوَصْلِ، وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في حالَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ، وكُلُّ ذَلِكَ جائِزٌ في ياءِ المُتَكَلِّمِ الواقِعَةِ مُضافًا إلَيْها في غَيْرِ النِّداءِ، وفِيها في النِّداءِ لُغَتانِ أُخْرَيانِ.

15

وَٱسْتَفْتَحُوا۟ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ

And they requested victory from Allah, and disappointed, [therefore], was every obstinate tyrant.

﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ .

جُمْلَةُ ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٣]، أوْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٤] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾، والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا النَّصْرَ، وضَمِيرُ اسْتَفْتَحُوا عائِدٌ إلى الرُّسُلِ، ويَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٣] الخَ، أيْ: فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ النَّصْرَ وخابَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ: لَمْ يَتَحَقَّقْ تَوَعُّدُهُمُ الرُّسُلَ بِقَوْلِهِمْ ﴿لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ [إبراهيم: ١٣]، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وخابَ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى ﴿كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا كانُوا جَبابِرَةً عُنَداءَ وأنَّ كُلَّ جَبّارٍ عَنِيدٍ يَخِيبُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣] ويَكُونُ ضَمِيرُ اسْتَفْتَحُوا عائِدًا عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ: وطَلَبُوا النَّصْرَ عَلى رُسُلِهِمْ فَخابُوا في ذَلِكَ، ولِكَوْنِ في قَوْلِهِ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ

صفحة ٢١٠

عَنِيدٍ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ عَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: وخابُوا، إلى قَوْلِهِ ﴿كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ لِمِثْلِ الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ آنِفًا.

والِاسْتِفْتاحُ: طَلَبُ الفَتْحِ وهو النَّصْرُ، قالَ تَعالى ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] .

والجَبّارُ: المُتَعاظِمُ الشَّدِيدُ التَّكَبُّرِ.

والعَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وتَقَدَّما في قَوْلِهِ ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] في سُورَةِ هُودٍ، والمُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ المُتَعاظِمُونَ، فَوَصْفُ ”جَبّارٍ“ خُلُقٌ نَفْسانِيٌّ، ووَصْفُ ”عَنِيدٍ“ مِن أثَرِ وصْفِ جَبّارٍ؛ لِأنَّ العَنِيدَ المُكابِرَ المُعارِضَ لِلْحُجَّةِ.

وبَيْنَ خافَ وعِيدِ، ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ جِناسٌ مُصَحَّفٌ.

وقَوْلُهُ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ صِفَةٌ لِـ جَبّارٍ عَنِيدٍ أيْ: خابَ الجَبّارُ العَنِيدُ في الدُّنْيا، ولَيْسَ ذَلِكَ حَظُّهُ مِنَ العِقابِ بَلْ وراءَهُ عِقابُ الآخِرَةِ.

والوَراءُ: مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى ما يَنْتَظِرُهُ ويَحِلُّ بِهِ مِن بَعْدُ، فاسْتُعِيرَ لِذَلِكَ بِجامِعِ الغَفْلَةِ عَنِ الحُصُولِ كالشَّيْءِ الَّذِي يَكُونُ مِن وراءِ المَرْءِ لا يَشْعُرُ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَراهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، أيْ: وهم غافِلُونَ عَنْهُ ولَوْ ظَفِرَ بِهِمْ لِأفْتَكَ سَفِينَتَهم، وقَوْلُ هُدْبَةَ بْنِ خَشْرَمٍ:

عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتَ فِيهِ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ

وأمّا إطْلاقُ الوَراءِ عَلى مَعْنى (مِن بَعْدِ) فاسْتِعْمالٌ آخَرُ قَرِيبٌ مِن هَذا ولَيْسَ عَيْنَهُ.

والمَعْنى: أنَّ جَهَنَّمَ تَنْتَظِرُهُ، أيْ: فَهو صائِرٌ إلَيْها بَعْدَ مَوْتِهِ.

صفحة ٢١١

والصَّدِيدُ: المُهْلَةُ. أيْ: مِثْلُ الماءِ يَسِيلُ مِنَ الدُّمَّلِ ونَحْوِهِ، وجَعَلَ الصَّدِيدَ ماءً عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ في الإسْقاءِ، لِأنَّ شَأْنَ الماءِ أنْ يُسْقى، والمَعْنى: ويُسْقى صَدِيدًا عِوَضَ الماءِ إنْ طَلَبَ الإسْقاءَ، ولِذَلِكَ جُعِلَ …

16

مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍۢ صَدِيدٍۢ

Before him is Hell, and he will be given a drink of purulent water.

﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ .

جُمْلَةُ ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٣]، أوْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٤] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾، والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا النَّصْرَ، وضَمِيرُ اسْتَفْتَحُوا عائِدٌ إلى الرُّسُلِ، ويَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٣] الخَ، أيْ: فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ النَّصْرَ وخابَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ: لَمْ يَتَحَقَّقْ تَوَعُّدُهُمُ الرُّسُلَ بِقَوْلِهِمْ ﴿لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ [إبراهيم: ١٣]، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وخابَ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى ﴿كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا كانُوا جَبابِرَةً عُنَداءَ وأنَّ كُلَّ جَبّارٍ عَنِيدٍ يَخِيبُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣] ويَكُونُ ضَمِيرُ اسْتَفْتَحُوا عائِدًا عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ: وطَلَبُوا النَّصْرَ عَلى رُسُلِهِمْ فَخابُوا في ذَلِكَ، ولِكَوْنِ في قَوْلِهِ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ

صفحة ٢١٠

عَنِيدٍ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ عَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: وخابُوا، إلى قَوْلِهِ ﴿كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ لِمِثْلِ الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ آنِفًا.

والِاسْتِفْتاحُ: طَلَبُ الفَتْحِ وهو النَّصْرُ، قالَ تَعالى ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] .

والجَبّارُ: المُتَعاظِمُ الشَّدِيدُ التَّكَبُّرِ.

والعَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وتَقَدَّما في قَوْلِهِ ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] في سُورَةِ هُودٍ، والمُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ المُتَعاظِمُونَ، فَوَصْفُ ”جَبّارٍ“ خُلُقٌ نَفْسانِيٌّ، ووَصْفُ ”عَنِيدٍ“ مِن أثَرِ وصْفِ جَبّارٍ؛ لِأنَّ العَنِيدَ المُكابِرَ المُعارِضَ لِلْحُجَّةِ.

وبَيْنَ خافَ وعِيدِ، ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ جِناسٌ مُصَحَّفٌ.

وقَوْلُهُ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ صِفَةٌ لِـ جَبّارٍ عَنِيدٍ أيْ: خابَ الجَبّارُ العَنِيدُ في الدُّنْيا، ولَيْسَ ذَلِكَ حَظُّهُ مِنَ العِقابِ بَلْ وراءَهُ عِقابُ الآخِرَةِ.

والوَراءُ: مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى ما يَنْتَظِرُهُ ويَحِلُّ بِهِ مِن بَعْدُ، فاسْتُعِيرَ لِذَلِكَ بِجامِعِ الغَفْلَةِ عَنِ الحُصُولِ كالشَّيْءِ الَّذِي يَكُونُ مِن وراءِ المَرْءِ لا يَشْعُرُ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَراهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، أيْ: وهم غافِلُونَ عَنْهُ ولَوْ ظَفِرَ بِهِمْ لِأفْتَكَ سَفِينَتَهم، وقَوْلُ هُدْبَةَ بْنِ خَشْرَمٍ:

عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتَ فِيهِ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ

وأمّا إطْلاقُ الوَراءِ عَلى مَعْنى (مِن بَعْدِ) فاسْتِعْمالٌ آخَرُ قَرِيبٌ مِن هَذا ولَيْسَ عَيْنَهُ.

والمَعْنى: أنَّ جَهَنَّمَ تَنْتَظِرُهُ، أيْ: فَهو صائِرٌ إلَيْها بَعْدَ مَوْتِهِ.

صفحة ٢١١

والصَّدِيدُ: المُهْلَةُ. أيْ: مِثْلُ الماءِ يَسِيلُ مِنَ الدُّمَّلِ ونَحْوِهِ، وجَعَلَ الصَّدِيدَ ماءً عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ في الإسْقاءِ، لِأنَّ شَأْنَ الماءِ أنْ يُسْقى، والمَعْنى: ويُسْقى صَدِيدًا عِوَضَ الماءِ إنْ طَلَبَ الإسْقاءَ، ولِذَلِكَ جُعِلَ …

17

يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍۢ ۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٌۭ

He will gulp it but will hardly [be able to] swallow it. And death will come to him from everywhere, but he is not to die. And before him is a massive punishment.

﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ .

جُمْلَةُ ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٣]، أوْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٤] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾، والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا النَّصْرَ، وضَمِيرُ اسْتَفْتَحُوا عائِدٌ إلى الرُّسُلِ، ويَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٣] الخَ، أيْ: فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ النَّصْرَ وخابَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ: لَمْ يَتَحَقَّقْ تَوَعُّدُهُمُ الرُّسُلَ بِقَوْلِهِمْ ﴿لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ [إبراهيم: ١٣]، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وخابَ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى ﴿كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا كانُوا جَبابِرَةً عُنَداءَ وأنَّ كُلَّ جَبّارٍ عَنِيدٍ يَخِيبُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣] ويَكُونُ ضَمِيرُ اسْتَفْتَحُوا عائِدًا عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ: وطَلَبُوا النَّصْرَ عَلى رُسُلِهِمْ فَخابُوا في ذَلِكَ، ولِكَوْنِ في قَوْلِهِ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ

صفحة ٢١٠

عَنِيدٍ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ عَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: وخابُوا، إلى قَوْلِهِ ﴿كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ لِمِثْلِ الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ آنِفًا.

والِاسْتِفْتاحُ: طَلَبُ الفَتْحِ وهو النَّصْرُ، قالَ تَعالى ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] .

والجَبّارُ: المُتَعاظِمُ الشَّدِيدُ التَّكَبُّرِ.

والعَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، وتَقَدَّما في قَوْلِهِ ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] في سُورَةِ هُودٍ، والمُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ المُتَعاظِمُونَ، فَوَصْفُ ”جَبّارٍ“ خُلُقٌ نَفْسانِيٌّ، ووَصْفُ ”عَنِيدٍ“ مِن أثَرِ وصْفِ جَبّارٍ؛ لِأنَّ العَنِيدَ المُكابِرَ المُعارِضَ لِلْحُجَّةِ.

وبَيْنَ خافَ وعِيدِ، ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ جِناسٌ مُصَحَّفٌ.

وقَوْلُهُ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ صِفَةٌ لِـ جَبّارٍ عَنِيدٍ أيْ: خابَ الجَبّارُ العَنِيدُ في الدُّنْيا، ولَيْسَ ذَلِكَ حَظُّهُ مِنَ العِقابِ بَلْ وراءَهُ عِقابُ الآخِرَةِ.

والوَراءُ: مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى ما يَنْتَظِرُهُ ويَحِلُّ بِهِ مِن بَعْدُ، فاسْتُعِيرَ لِذَلِكَ بِجامِعِ الغَفْلَةِ عَنِ الحُصُولِ كالشَّيْءِ الَّذِي يَكُونُ مِن وراءِ المَرْءِ لا يَشْعُرُ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَراهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، أيْ: وهم غافِلُونَ عَنْهُ ولَوْ ظَفِرَ بِهِمْ لِأفْتَكَ سَفِينَتَهم، وقَوْلُ هُدْبَةَ بْنِ خَشْرَمٍ:

عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتَ فِيهِ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ

وأمّا إطْلاقُ الوَراءِ عَلى مَعْنى (مِن بَعْدِ) فاسْتِعْمالٌ آخَرُ قَرِيبٌ مِن هَذا ولَيْسَ عَيْنَهُ.

والمَعْنى: أنَّ جَهَنَّمَ تَنْتَظِرُهُ، أيْ: فَهو صائِرٌ إلَيْها بَعْدَ مَوْتِهِ.

صفحة ٢١١

والصَّدِيدُ: المُهْلَةُ. أيْ: مِثْلُ الماءِ يَسِيلُ مِنَ الدُّمَّلِ ونَحْوِهِ، وجَعَلَ الصَّدِيدَ ماءً عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ في الإسْقاءِ، لِأنَّ شَأْنَ الماءِ أنْ يُسْقى، والمَعْنى: ويُسْقى صَدِيدًا عِوَضَ الماءِ إنْ طَلَبَ الإسْقاءَ، ولِذَلِكَ جُعِلَ …

18

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍۢ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلْبَعِيدُ

The example of those who disbelieve in their Lord is [that] their deeds are like ashes which the wind blows forcefully on a stormy day; they are unable [to keep] from what they earned a [single] thing. That is what is extreme error.

صفحة ٢١٢

﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِ ما عَمِلَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ الخَيْراتِ حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ أثارَ هَذا التَّمْثِيلُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ مِن شِدَّةِ عَذابِهِمْ، فَيَخْطُرُ بِبالِهِمْ أوْ بِبالِ مَن يَسْمَعُ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْألَ نَفْسَهُ أنَّ لَهم أعْمالًا مِنَ الصِّلَةِ والمَعْرُوفِ: مِن إطْعامِ الفُقَراءِ، ومِن عِتْقِ رِقابٍ، وقِرى ضُيُوفٍ، وحِمالَةِ دِياتٍ، وفِداءِ أُسارى، واعْتِمارٍ، ورِفادَةِ الحَجِيجِ، فَهَلْ يَجِدُونَ ثَوابَ ذَلِكَ ؟ وأنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُ الكافِرِينَ تَطَلَّبَتْ نُفُوسُهم وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ وُجُودِ عَمَلٍ صالِحٍ وبَيْنَ عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِهِ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ، فُضُرِبَ هَذا المَثَلُ لِبَيانِ ما يَكْشِفُ جَمِيعَ الِاحْتِمالاتِ.

والمَثَلُ: الحالَةُ العَجِيبَةُ، أيْ: حالُ الَّذِينَ كَفَرُوا العَجِيبَةُ أنَّ أعْمالَهم كَرَمادٍ الخَ. فالمَعْنى: حالُ أعْمالِهِمْ، بِقَرِينَةِ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ عَنْها لِأنَّهُ مَهْما أُطْلِقَ مَثَلُ كَذا إلّا والمُرادُ حالٌ خاصَّةٌ مِن أحْوالِهِ يُفَسِّرُها الكَلامُ، فَهو مِنَ الإيجازِ المُلْتَزَمِ في الكَلامِ.

فَقَوْلُهُ ”أعْمالُهم“ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، و”كَرَمادٍ“ خَبَرٌ عَنْهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ.

ولَمّا جُعِلَ الخَبَرُ عَنْ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ”أعْمالُهم“ آلَ الكَلامُ إلى أنَّ مَثَلَ أعْمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا كَرَمادٍ.

شُبِّهَتْ أعْمالُهُمُ المُتَجَمِّعَةُ العَدِيدَةُ بِرَمادٍ مُكَدَّسٍ فَإذا اشْتَدَّتِ الرِّياحُ بِالرَّمادِ انْتَثَرَ وتَفَرَّقَ تَفَرُّقًا لا يُرْجى مَعَهُ اجْتِماعُهُ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو الهَيْئَةُ الحاصِلَةُ مِنَ اضْمِحْلالِ شَيْءٍ كَثِيرٍ بَعْدَ تَجَمُّعِهِ، والهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ مَعْقُولَةٌ.

صفحة ٢١٣

ووَصْفُ اليَوْمِ بِالعاصِفِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، أيْ: عاصِفٌ رِيحُهُ، كَما يُقالُ: يَوْمٌ ماطِرٌ، أيْ: سَحابُهُ.

والرَّمادُ: ما يَبْقى مِنَ احْتِراقِ الحَطَبِ والفَحْمِ، والعاصِفُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢] في سُورَةِ يُونُسَ.

ومِن لَطائِفِ هَذا التَّمْثِيلِ أنِ اخْتِيرَ لَهُ التَّشْبِيهُ بِهَيْئَةِ الرَّمادِ المُجْتَمِعِ؛ لِأنَّ الرَّمادَ أثَرٌ لِأفْضَلِ أعْمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا وأشْيَعِها بَيْنَهم وهو قِرى الضَّيْفِ حَتّى صارَتْ كَثْرَةُ الرَّمادِ كِنايَةً في لِسانِهِمْ عَنِ الكَرَمِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ (اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّياحُ)، وقَرَأهُ البَقِيَّةُ ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ بِالإفْرادِ، وهَما سَواءٌ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ التَّشْبِيهِ، أيْ: ذَهَبَتْ أعْمالُهم سُدًى فَلا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْتَفِعُوا بِشَيْءٍ مِنها.

وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ تَذْيِيلٌ جامِعٌ لِخُلاصَةِ حالِهِمْ، وهي أنَّها ضَلالٌ بَعِيدٌ.

والمُرادُ بِالبَعِيدِ البالِغُ نِهايَةَ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ ماهِيَّتُهُ، أيْ: بِعِيدٌ في مَسافاتِ الضَّلالِ، فَهو كَقَوْلِكَ: أقْصى الضَّلالِ أوْ جِدُّ ضَلالٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] في سُورَةِ النِّساءِ.

19

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ

Have you not seen that Allah created the heavens and the earth in truth? If He wills, He can do away with you and produce a new creation.

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌّ عَنْ جُمْلَةِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣] فَإنَّ هَلاكَ فِئَةٍ كامِلَةٍ شَدِيدَةِ القُوَّةِ والمِرَّةِ أمْرٌ عَجِيبٌ يُثِيرُ في النُّفُوسِ السُّؤالَ:

صفحة ٢١٤

كَيْفَ تَهْلَكُ فِئَةٌ مِثْلَ هَؤُلاءِ ؟ فَيُجابُ بِأنَّ اللَّهَ الَّذِي قَدَرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ في عَظَمَتِها قادِرٌ عَلى إهْلاكِ ما هو دُونَها، فَمَبْدَأُ الِاسْتِئْنافِ هو قَوْلُهُ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .

ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ مُوقِعُ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ الِاسْتِئْنافِ، قُدِّمَ عَلَيْها كَما تَجْعَلُ النَّتِيجَةَ مُقَدَّمَةً في الخَطابَةِ والجِدالِ عَلى دَلِيلِها، وقَدْ بَيَّناهُ في كِتابِ أُصُولِ الخَطابَةِ.

ومُناسَبَةُ مَوْقِعِ هَذا الِاسْتِئْنافِ ما سَبَقَهُ مِن تَفَرُّقِ الرَّمادِ في يَوْمٍ عاصِفٍ.

والخِطابُ في ألَمْ تَرَ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وكُلُّ مَن يُظَنُّ بِهِ التَّساؤُلُ عَنْ إمْكانِ إهْلاكِ المُشْرِكِينَ.

والرُّؤْيَةُ: مُسْتَعْمَلَةٌ في العِلْمِ النّاشِئِ عَنِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ، لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ مُشاهَدَةٌ لِكُلِّ ناظِرٍ، وأمّا كَوْنُها مَخْلُوقَةً لِلَّهِ فَمُحْتاجٌ إلى أقَلِّ تَأمُّلٍ لِسُهُولَةِ الِانْتِقالِ مِنَ المُشاهَدَةِ إلى العِلْمِ، وأمّا كَوْنُ ذَلِكَ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ فَمُحْتاجٌ إلى تَأمُّلٍ عَمِيقٍ. فَلَمّا كانَ أصْلُ ذَلِكَ كُلِّهُ رُؤْيَةَ المَخْلُوقاتِ المَذْكُورَةِ عُلِّقَ الِاسْتِدْلالُ عَلى الرُّؤْيَةِ. كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] .

والحَقُّ هُنا: الحِكْمَةُ، أيْ: ضِدُّ العَبَثِ، بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (خَلَقَ) بِصِيغَةِ الفِعْلِ عَلى أنَّ السَّماواتِ مَفْعُولُهُ والأرْضَ عُطِفَ عَلى المَفْعُولِ بِالنَّصْبِ.

وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى (السَّماواتِ) وبِخَفْضِ (الأرْضِ) .

صفحة ٢١٥

والخِطابُ في (يُذْهِبُكم) لِجَماعَةٍ مِن جُمْلَتِهِمُ المُخاطَبُ بِـ ألَمْ تَرَ، والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ خاصَّةً. تَأْكِيدًا لِوَعِيدِهِمُ الَّذِي اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣]، أيْ: إنْ شاءَ أعْدَمَ النّاسَ كُلَّهم وخَلَقَ ناسًا آخَرِينَ.

وقَدْ جِيءَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ بِالحُكْمِ الأعَمِّ إدْماجًا لِلتَّعْلِيمِ بِالوَعِيدِ وإظْهارًا لِعَظِيمِ القُدْرَةِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ يُذْهِبُ الجَبابِرَةَ المُعانِدِينَ ويَأْتِي في مَكانِهِمْ في سِيادَةِ الأرْضِ بِالمُؤْمِنِينَ لِيُمَكِّنَهم في الأرْضِ.

وجُمْلَةُ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِها، وإنَّما سَلَكَ بِهَذا التَّأْكِيدِ مَسْلَكَ العَطْفِ لِما فِيهِ مِنَ المُغايَرَةِ لِلْمُؤَكَّدِ في الجُمْلَةِ بِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّ هَذا المَشْيَ سَهْلٌ عَلَيْهِ هَيِّنٌ، كَقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] . …

20

وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍۢ

And that is not difficult for Allah.

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌّ عَنْ جُمْلَةِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣] فَإنَّ هَلاكَ فِئَةٍ كامِلَةٍ شَدِيدَةِ القُوَّةِ والمِرَّةِ أمْرٌ عَجِيبٌ يُثِيرُ في النُّفُوسِ السُّؤالَ:

صفحة ٢١٤

كَيْفَ تَهْلَكُ فِئَةٌ مِثْلَ هَؤُلاءِ ؟ فَيُجابُ بِأنَّ اللَّهَ الَّذِي قَدَرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ في عَظَمَتِها قادِرٌ عَلى إهْلاكِ ما هو دُونَها، فَمَبْدَأُ الِاسْتِئْنافِ هو قَوْلُهُ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .

ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ مُوقِعُ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ الِاسْتِئْنافِ، قُدِّمَ عَلَيْها كَما تَجْعَلُ النَّتِيجَةَ مُقَدَّمَةً في الخَطابَةِ والجِدالِ عَلى دَلِيلِها، وقَدْ بَيَّناهُ في كِتابِ أُصُولِ الخَطابَةِ.

ومُناسَبَةُ مَوْقِعِ هَذا الِاسْتِئْنافِ ما سَبَقَهُ مِن تَفَرُّقِ الرَّمادِ في يَوْمٍ عاصِفٍ.

والخِطابُ في ألَمْ تَرَ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وكُلُّ مَن يُظَنُّ بِهِ التَّساؤُلُ عَنْ إمْكانِ إهْلاكِ المُشْرِكِينَ.

والرُّؤْيَةُ: مُسْتَعْمَلَةٌ في العِلْمِ النّاشِئِ عَنِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ، لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ مُشاهَدَةٌ لِكُلِّ ناظِرٍ، وأمّا كَوْنُها مَخْلُوقَةً لِلَّهِ فَمُحْتاجٌ إلى أقَلِّ تَأمُّلٍ لِسُهُولَةِ الِانْتِقالِ مِنَ المُشاهَدَةِ إلى العِلْمِ، وأمّا كَوْنُ ذَلِكَ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ فَمُحْتاجٌ إلى تَأمُّلٍ عَمِيقٍ. فَلَمّا كانَ أصْلُ ذَلِكَ كُلِّهُ رُؤْيَةَ المَخْلُوقاتِ المَذْكُورَةِ عُلِّقَ الِاسْتِدْلالُ عَلى الرُّؤْيَةِ. كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] .

والحَقُّ هُنا: الحِكْمَةُ، أيْ: ضِدُّ العَبَثِ، بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (خَلَقَ) بِصِيغَةِ الفِعْلِ عَلى أنَّ السَّماواتِ مَفْعُولُهُ والأرْضَ عُطِفَ عَلى المَفْعُولِ بِالنَّصْبِ.

وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مُضافًا إلى (السَّماواتِ) وبِخَفْضِ (الأرْضِ) .

صفحة ٢١٥

والخِطابُ في (يُذْهِبُكم) لِجَماعَةٍ مِن جُمْلَتِهِمُ المُخاطَبُ بِـ ألَمْ تَرَ، والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ خاصَّةً. تَأْكِيدًا لِوَعِيدِهِمُ الَّذِي اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣]، أيْ: إنْ شاءَ أعْدَمَ النّاسَ كُلَّهم وخَلَقَ ناسًا آخَرِينَ.

وقَدْ جِيءَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ بِالحُكْمِ الأعَمِّ إدْماجًا لِلتَّعْلِيمِ بِالوَعِيدِ وإظْهارًا لِعَظِيمِ القُدْرَةِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ يُذْهِبُ الجَبابِرَةَ المُعانِدِينَ ويَأْتِي في مَكانِهِمْ في سِيادَةِ الأرْضِ بِالمُؤْمِنِينَ لِيُمَكِّنَهم في الأرْضِ.

وجُمْلَةُ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِها، وإنَّما سَلَكَ بِهَذا التَّأْكِيدِ مَسْلَكَ العَطْفِ لِما فِيهِ مِنَ المُغايَرَةِ لِلْمُؤَكَّدِ في الجُمْلَةِ بِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّ هَذا المَشْيَ سَهْلٌ عَلَيْهِ هَيِّنٌ، كَقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] . …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.