قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ
Their messengers said to them, "We are only men like you, but Allah confers favor upon whom He wills of His servants. It has never been for us to bring you evidence except by permission of Allah. And upon Allah let the believers rely.
صفحة ٢٠١
﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بِشْرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾
قَوْلُ الرُّسُلِ ﴿إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ جَوابٌ بِطَرِيقِ القَوْلِ بِالمُوجَبِ في عِلْمِ آدابِ البَحْثِ، وهو تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مَعَ بَقاءِ الأنْواعِ بِبَيانِ مَحَلِّ الِاسْتِدْلالِ غَيْرُ تامِّ الإنْتاجِ، وفِيهِ إطْماعٌ في المُوافَقَةِ، ثُمَّ كَرَّ عَلى اسْتِدْلالِهِمُ المَقْصُودُ بِالإبْطالِ بِتَبْيِينِ خَطَئِهِمْ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] .
وهَذا النَّوْعُ مِنَ القَوادِحِ في عِلْمِ الجَدَلِ شَدِيدُ الوَقْعِ عَلى المُناظِرِ، فَلَيْسَ قَوْلُ الرُّسُلِ ﴿إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تَقْرِيرًا لِلدَّلِيلِ، ولَكِنَّهُ تَمْهِيدٌ لِبَيانِ غَلَطِ المُسْتَدِلِّ في الِاسْتِنْتاجِ مِن دَلِيلِهِ، ومَحَلُّ البَيانِ هو الِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، والمَعْنى: أنَّ المُماثَلَةَ في البَشَرِيَّةِ لا تَقْتَضِي المُماثَلَةَ في زائِدٍ عَلَيْها فالبَشَرُ كُلُّهم عِبادُ اللَّهِ واللَّهُ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِنِعَمٍ لَمْ يُعْطِها غَيْرَهم.
فالِاسْتِدْراكُ رَفْعٌ لِما تَوَهَّمُوهُ مِن كَوْنِ المُماثَلَةِ في البَشَرِيَّةِ مُقْتَضى الِاسْتِواءِ في كُلِّ خَصْلَةٍ.
وأوْرَدَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ في التَّفْسِيرِ وجْهًا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ إذْ زِيدَ فِيها كَلِمَةُ (لَهم) في قَوْلِهِ ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهُمْ﴾ وبَيْنَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها إذْ قالَ فِيها ﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠] بِوَجْهَيْنِ:
صفحة ٢٠٢
أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ خاصَّةً بِالمُكَذِّبِينَ مِن قَوْمِهِمْ يَقُولُونَها لِغَيْرِهِمْ إذْ هو جَوابٌ عَنْ كَلامٍ صَدَرَ مِنهم والمَقالَةُ الأُولى يَقُولُونَها لَهم ولِغَيْرِهِمْ، أيْ: لِلْمُصَدِّقِينَ والمُكَذِّبِينَ.
وثانِيهِما: أنَّ وُجُودَ اللَّهِ أمْرٌ نَظَرِيٌّ، فَكانَ كَلامُ الرُّسُلِ في شَأْنِهِ خِطابًا لِعُمُومِ قَوْمِهِمْ، وأمّا بَعْثَةُ الرُّسُلِ فَهي أمْرٌ ضَرُورِيٌّ ظاهِرٌ لا يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما قالُوا هَذا إلّا لِلْمُكَذِّبِينَ لِغَباوَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ لا لِغَيْرِهِمْ.
وأجابَ الأبِيُّ أنَّ ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] خِطابٌ لِمَن عانَدَ في أمْرٍ ضَرُورِيٍّ، فَكَأنَّ المُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ يُجِيبُ بِهِ مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ ولا يُقْبِلُ بِالجَوابِ عَلى المُخاطَبِ لِمُعانَدَتِهِ فَيُجِيبُ وهو مُعْرِضٌ عَنْهُ بِخِلافِ قَوْلِهِمْ ﴿إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لِمَقالَتِهِمْ فَهم يُقْبِلُونَ عَلَيْهِمْ بِالجَوابِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُبْطِلُوا كَلامَهم بِالإطْلاقِ بَلْ يُقَرِّرُونَهُ ويَزِيدُونَ فِيهِ اهـ.
والحاصِلُ أنَّ زِيادَةَ ”لَهم“ تُؤْذِنُ بِالدَّلالَةِ عَلى تَوَجُّهِ الرُّسُلِ إلى قَوْمِهِمْ بِالجَوابِ لِما في الجَوابِ عَنْ كَلامِهِمْ مِنَ الدِّقَّةِ المُحْتاجَةِ إلى الِاهْتِمامِ بِالجَوابِ بِالإقْبالِ عَلَيْهِمْ إذِ اللّامُ الدّاخِلَةُ بَعْدَ فِعْلِ القَوْلِ في نَحْوِ: أقُولُ لَكَ، لامُ تَعْلِيلٍ، أيْ: أقُولُ قَوْلِي …