Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 11–20 of 52

11

قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

Their messengers said to them, "We are only men like you, but Allah confers favor upon whom He wills of His servants. It has never been for us to bring you evidence except by permission of Allah. And upon Allah let the believers rely.

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ جَوابُ الرُّسُلِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَتْ﴾ .

ولِما أرادُوا تَخْصِيصَهم بِرَدٍّ ما قالُوا، قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم رُسُلُهُمْ﴾ مُسْلِمِينَ أوَّلَ كَلامِهِمْ غَيْرَ فاعِلِينَ فِعْلَهم في الحَيْدَةِ عَنِ الجَوابِ ”إنَّ“ أيْ ما ﴿نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ما لَنا عَلَيْكم فَضْلٌ بِما يَقْتَضِيهِ ذَواتُنا غَيْرَ أنَّ التَّماثُلَ في البَشَرِيَّةِ لا يَمْنَعُ اخْتِصاصَ بَعْضِ البَشَرِ عَنْ بَعْضٍ بِفَضائِلَ؛ والمَثَلُ: ما يَسُدُّ مَسَدَّ غَيْرِهِ حَتّى لَوْ شاهَدَهُ مُشاهِدٌ ثُمَّ شاهَدَ الآخَرُ لَمْ يَقَعْ فَصْلٌ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَضَّلْنا عَلَيْكم لِأنَّهُ ﴿يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ﴾ أيْ [أنْ] يَمُنُّ عَلَيْهِ ﴿مِن عِبادِهِ﴾ رَحْمَةً مِنهُ لَهُ، بِأنْ يُفَضِّلَهُ عَلى أمْثالِهِ بِما يُقَسِّمُهُ [لَهُ] مِنَ المَزايا كَما أنْتُمْ بِهِ عارِفُونَ، فَلَمْ يُصَرِّحُوا بِما تَمَيَّزُوا بِهِ مَن وصْفِ النُّبُوَّةِ، ولَمْ يَخُصُّوا أنْفُسَهم بِمَنِّ اللَّهِ بَلْ أدْرَجُوها في عُمُومِ مَن شاءَ اللَّهُ، كُلُّ ذَلِكَ تَواضُعًا مِنهم واعْتِرافًا بِالعُبُودِيَّةِ؛ والمَنُّ: نَفْعٌ يَقْطَعُ بِهِ عَنْ بُؤْسٍ، وأصْلُهُ القَطْعُ، ومِنهُ ”غَيْر مُمنَوَّن“، والمِنَّةُ قاطِعَةٌ عَنِ الدُّنْيا.

ولَمّا بَيَّنُوا وجْهَ المُفارَقَةِ، عَطَفُوا عَلَيْهِ بَيانَ العُذْرِ فِيما طَلَبُوهُ مِنهم فَقالُوا: ”وما“ أيْ فَما كانَ لَنا أنْ نَتَفَضَّلَ عَلَيْكم بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ لَمْ يُؤْذَنْ [لَنا] فِيهِ، وما ”كانَ“ أيْ صَحَّ واسْتَقامَ ﴿لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ﴾ مِمّا تَقْتَرِحُونَهُ تَعَنُّتًا، وهو البُرْهانُ الَّذِي يَتَسَلَّطُ بِهِ عَلى إبْطالِ مَذْهَبِ المُخالِفِ لِلْحَقِّ غَيْرِ المُعْجِزَةِ الَّتِي يُثْبِتُ بِها النُّبُوَّةَ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِإطْلاقِ المَلِكِ الأعْظَمِ وتَسْوِيفِهِ، فَنَحْنُ نَتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ في أمْرِكم إنْ أذَنَ لَنا في الإتْيانِ بِسُلْطانٍ أوْ لَمْ يَأْذَنْ وافَقْتُمْ أوْ خالَفْتُمْ ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ وحْدَهُ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ أيْ بِأمْرٍ حَتْمٍ ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ فَكَيْفَ بِالأنْبِياءِ؛

12

وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ

And why should we not rely upon Allah while He has guided us to our [good] ways. And we will surely be patient against whatever harm you should cause us. And upon Allah let those who would rely [indeed] rely."

ثُمَّ بَيَّنُوا سَبَبَ وُجُوبِ التَّوَكُّلِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما﴾ أيْ وأيِّ شَيْءٍ ﴿لَنا﴾ في ﴿ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ ”و“ الحالُ أنَّهُ ”قَدْ هَدانا سُبُلنا“ فَبَيَّنَ لَنا كُلَّ ما نَأْتِي وما نَذَرُ، فَلا مَحِيصَ لَنا عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلْنَفْعَلُنَّ جَمِيعَ أوامِرِهِ، ولِنَنْتَهِيَنَ عَنْ جَمِيعِ مَناهِيهِ ”ولِنَصْبِرَنَّ“ أكَّدُوا لِإنْكارِ أنْ يَصْبِرَ الرَّسُولُ - مَعَ وحْدَتِهِ - عَلى أذاهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ ”عَلى ما“ وعَبَّرَ بِالماضِي إشارَةً إلى أنَّهم عَفَوا عَنْ أذاهم فِي الماضِي فَلا يُجازُونَهم بِهِ، فَهو اسْتِجْلابٌ إلى تَوْبَةِ أُولَئِكَ المُؤْذِينَ، وعَدَلُوا عَنِ المُضارِعِ لِأنَّهم يَنْتَظِرُونَ أمْرَ اللَّهِ [فِي الِاسْتِقْبالِ فَقَدْ يَأْمُرُهُمْ] بِالجِهادِ وقَدْ يَأْمُرُهم بِالصَّبْرِ، فَقالَ: ﴿آذَيْتُمُونا﴾ أيْ في ذَلِكَ الَّذِي أمَرْنا بِهِ كائِنًا فِيهِ ما كانَ لِأنّا تَوَكَّلْنا عَلى اللَّهِ ونَحْنُ لا نَتَّهِمُهُ في قَضائِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ وحْدَهُ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ الَّذِينَ عَلِمُوا مِن أنْفُسِهِمُ العَجْزَ سَواءٌ كانُوا مُؤْمِنِينَ أوْ لا، فَوَكَّلُوا أمْرًا مِن أُمُورِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ لِيَكْفِيَهم إيّاهُ، فَإنَّهُ مُحِيطُ العِلْمِ كامِلُ القُدْرَةِ، وكُلُّ مَن عَداهُ عاجِزٌ، والصَّبْرُ مِفْتاحُ الفَرَجِ، ومُطَّلِعُ الخَيِّراتِ المُطْلَقُ مِنَ الكَرْبِ، [والحَقُّ] لا بُدَّ وأنْ يَصِيرَ غالِبًا قاهِرًا، والباطِلُ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرَ مَغْلُوبًا مَقْهُورًا وإنْ طالَ الِابْتِلاءُ.

13

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ

And those who disbelieved said to their messengers, "We will surely drive you out of our land, or you must return to our religion." So their Lord inspired to them, "We will surely destroy the wrongdoers.

ولَمّا انْقَضَتْ هَذِهِ المُحاوَرَةُ وقَدْ عَلِمَ مِنها كُلُّ مُنْصِفٍ ما عَلَيْهِ الرُّسُلُ مِنَ الحُلْمِ والعِلْمِ والحِكْمَةِ، وما عَلَيْهِ مُخالِفُهم مِنَ الضَّلالِ والجَهْلِ والعِنادِ، وكانَ في الكَلامِ ما رُبَّما أشْعَرَ بِانْقِضائِهِ، ابْتَدَأ تَعالى عَنْهم مُحاوَرَةً أُخْرى، عاطِفًا لَها عَلى ما مَضى، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ﴾ مُسْتَهِينِينَ بِمَن قَصَرُوا التِجاءَهم عَلَيْهِ، مُؤَكِّدِينَ لِاسْتِشْعارِهِمْ بِإنْكارِ مَن رَأى مُدافَعَةَ اللَّهِ عَنْ أوْلِيائِهِ لِقَوْلِهِمْ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ! لِيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ: ﴿لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا﴾ أيِ الَّتِي لَنا الآنَ الغَلَبَةُ عَلَيْها ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ بِأنْ تَكُفُّوا عَنْ مُعارَضَتِنا كَما كُنْتُمْ دَعْوى الرِّسالَةِ، فَإطْلاقُ مَلَّتِهِمْ عَلى السُّكُوتِ عَنْهم مِن إطْلاقِ اسْمِ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ عَلى زَعْمِهِمْ مَثَلٌ ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ [نوح: ٧] وهو مَجازٌ مُرْسَلٌ، فَصَبَرُوا عَلى ذَلِكَ كَما أخْبَرُوا بِهِ تَوَكُّلًا عَلى رَبِّهِمْ واسْتَمَرُّوا عَلى نَصِيحَتِهِمْ لَهم بِدُعائِهِمْ إلى اللَّهِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ أيْ كَلَّمَهم في خَفاءٍ بِسَبَبِ تَوَعُّدِ أُمَمِهِمْ لَهُمْ، مُخْتَصًّا لَهم بِذَلِكَ ”رَبُّهُمُ“ المُحْسِنُ إلَيْهِمُ الَّذِي تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ، تَسْكِينًا لِقُلُوبِهِمْ وتَسْلِيَةً لِنُفُوسِهِمْ، وأكَّدَ لَمّا - لِمَن يَنْظُرُ كَثْرَةَ الكُفّارِ وقُوَّتَهم - مِنَ التَّوَقُّفِ في مَضْمُونِ الخَبَرِ ولا سِيَّما إنْ كانَ كافِرًا، قائِلًا: ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِنُفُوذِ الأمْرِ؛ والإهْلاكُ: إذْهابُ الشَّيْءِ إلى حَيْثُ لا يَقَعُ عَلَيْهِ الإحْساسُ ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينِ في الظُّلْمِ، ورُبَّما تُبْنا عَلى بَعْضِ مِن أخْبَرْنا عَنْهُ بِأنَّهُ كُفْرٌ، وهو [مَن] لَمْ يَكُنْ عَرِيقًا في كُفْرِهِ الَّذِي هو أظْلَمُ الظُّلْمِ

14

وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ

And We will surely cause you to dwell in the land after them. That is for he who fears My position and fears My threat."

﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ﴾ أيْ دُونِهِمْ ﴿الأرْضَ﴾ أيْ مُطْلِقُها وخُصُوصُ أرْضِهِمْ، وأشارَ إلى عَدَمِ الخُلُودِ بِالجارِ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ بِأنْ نُورِثَكُمُوها سَواءٌ قَدَّرْناهم عَلى إخْراجِكم أمْ لا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ ذَلِكَ خاصٌّ بِهِمْ؟ فَقِيلَ: لا، [بَلْ] ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العالِي المَرامِ ﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيِ المَكانَ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ مَن أُحاسِبُهُ: ماذا تَكُونُ عاقِبَتُهُ فِيهِ، وهو أبْلَغُ مَن: خافَنِي،

﴿وخافَ وعِيدِ﴾ لا بُدَّ أنْ أهْلَكَ ظالِمُهُ وأسْكَنَهُ أرْضَهُ بَعْدَهُ، فاسْتَبْشِرُوا بِذَلِكَ الوَعْدِ مِنَ اللَّهِ تَعالى

15

وَٱسْتَفْتَحُوا۟ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ

And they requested victory from Allah, and disappointed, [therefore], was every obstinate tyrant.

﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَلى أعْدائِهِمْ فَأفْلَحُوا وأنْجَحُوا ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ فَأهْلَكْناهم كُلُّهُمْ، وكانَ لَنا الغِنى والحَمْدُ بَعْدَ إهْلاكِهِمْ كَما كانَ قَبْلَهُ؛ والعِنادِ: الِامْتِناعُ مِنَ الحَقِّ مَعَ العِلْمِ بِهِ كِبْرًا وبَغْيًا، مَن عَنَدَ عَنِ الحَقِّ عُنُودًا، والجَبْرِيَّةُ: طَلَبُ عُلُوِّ المَنزِلَةِ بِما لَيْسَ وراءَهُ غايَةً في الصِّفَةِ، فَهو ذَمٌّ لِلْعَبْدِ مِن حَيْثُ إنَّهُ طالِبٌ ما لَيْسَ لَهُ؛

16

مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍۢ صَدِيدٍۢ

Before him is Hell, and he will be given a drink of purulent water.

ثُمَّ أتْبَعُهُ ما هو كَدَلِيلٍ عَلى خَيْبَتِهِ مِن أنَّ سَيْرَهُ إلى ما أمامَهُ مِنَ العَذابِ، فَهو واقِعٌ فِيهِ لا مَحالَةَ وهو لا يَشْعُرُ، وعَبَّرَ عَنْ غَفْلَتِهِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أيْ لا بُدَّ أنَّهُ يَتَبَوَّأُها.

ولَمّا كانَ المَرْجِعُ وُجُودُ السَّقْيِ لِلصَّدِيدِ مُطْلَقًا، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿ويُسْقى﴾ أيْ فِيها ﴿مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ وهو غَسّالَةُ أهْلِ النّارِ كَقَيْحِهِمْ ودِمائِهِمْ

17

يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍۢ ۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٌۭ

He will gulp it but will hardly [be able to] swallow it. And death will come to him from everywhere, but he is not to die. And before him is a massive punishment.

﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ أيْ يَتَكَلَّفُ بِلْعُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا لِمَرارَتِهِ وحَرارَتِهِ، فَيَغَصُّ بِهِ ويَلْقى مِنهُ مِنَ الشِّدَّةِ ما [لا] يَعْلَمُ قَدْرَهُ إلّا اللَّهُ ﴿ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ ولا يَقْرُبُ مِن إساغَتِهِ، فَإنَّ الإساغَةَ جَرُّ الشَّيْءِ في الحَلْقِ عَلى تَقَبُّلِ النَّفْسِ ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ﴾ أيْ أسْبابِهِ الَّتِي لَوْ جاءَهُ سَبَبٌ مِنها في الدُّنْيا لَماتَ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ والمَكانُ: جَوْهَرٌ مُهَيَّأٌ لِلِاسْتِقْرارِ، فَهو كِنايَةٌ عَنْ أنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الشَّدائِدِ ما يُمِيتُ مَن قَضى بِمَوْتِهِ ﴿وما هو بِمَيِّتٍ﴾ أيْ بِثابِتٍ لَهُ المَوْتُ أصْلًا.

لِأنّا قَضَيْنا بِدَوامِ حَياتِهِ زِيادَةً في عَذابِهِ، والمَوْتُ: عَرَضَ يُضادُّ الإدْراكَ في البِنْيَةِ الحَيَوانِيَّةِ ﴿ومِن ورائِهِ﴾ أيْ هَذا الشَّخْصِ، بَعْدَ ذَلِكَ في يَوْمِ الجَزاءِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ، وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ إلّا مِن أجْلِهِ ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ يَأْخُذُهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ - مَعَ ما قَدَّمْتُهُ لَهُ في الدُّنْيا - وهو غافِلٌ عَنْهُ أخَذَ ما يَكُونُ مِن وراءٍ، فَيَكُونُ أشَدَّ كَما هو الحالُ الآتِي بَغْتَةً، أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّ مِن بَعْدِ هَذا العَذابِ في جَهَنَّمَ عَذابًا آخَرَ، لا تَحْتَمِلُ عُقُولُكم وصَفُهُ بِأكْثَرِ مِنَ الغِلْظِ.

18

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍۢ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلْبَعِيدُ

The example of those who disbelieve in their Lord is [that] their deeds are like ashes which the wind blows forcefully on a stormy day; they are unable [to keep] from what they earned a [single] thing. That is what is extreme error.

فَلَمّا فَرَغَ مِن مُحاوَراتِهِمْ، وما تَبِعَها مِمّا بَيَّنَ فِيهِ أنَّهُ لا يُغْنِيهِمْ مِن بَطْشِهِ شَيْءٌ، ضَرَبَ لَهم [فِي] ذَلِكَ مَثَلًا فَقالَ: ﴿مَثَلُ﴾ وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِلصِّفَةِ الَّتِي فِيها غَرابَةٌ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُسْتَهِينِينَ ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ مَثَّلَ مَن قَصَدَ أمْرًا ثُمَّ لَمْ يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ في السُّلُوكِ إلَيْهِ بَلِ اغْتَرَّ بِمَن جارَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَأُبْعِدَ كُلَّ البُعْدِ حَتّى وصَلَ إلى شِعابٍ لا يُمْكِنُ فِيها المَقامُ، ولا يَتَأتّى مِنها الرُّجُوعُ فَهَلَكَ ضَياعًا.

ولَمّا كانَ الفَرْقُ بَيْنَ الإنْسانِ والعَدَمِ إنَّما هو بِالعَمَلِ، ذَكَرَ ما عَلِمَ مِنهُ أنَّ المَثَلَ لِأعْمالِهِمْ عَلى طَرِيقِ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما مِثْلُهُمْ؟ فَقالَ: ﴿أعْمالُهُمْ﴾ أيِ المَكارِمِ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها في الدُّنْيا مِنَ الصِّلَةِ والعِتْقِ وفِداءِ الأسْرى والجُودِ ونَحْوَ ذَلِكَ، في يَوْمِ الجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً ثانِيًا - كَما قالَ الحَوْفَيْ وابْنُ عَطِيَّةَ. وهو وخَبَرُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، ولا يَحْتاجُ إلى رابِطٍ لِأنَّهُ نَفْسُ المَثَلِ الَّذِي مَعْناهُ الصِّفَةُ ﴿كَرَمادٍ﴾ وهو ما سَحَقَهُ الِاحْتِراقُ سَحْقَ الغُبارِ ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ أيْ أسْرَعَتْ بِالحَرَكَةِ عَلى عِظَمِ القُوَّةِ؛ والرِّيحُ: جِسْمٌ رَقِيقٌ مُثَبَّتٌ في الجَوِّ مِن شَأْنِهِ الهُبُوبُ، والرِّياحِ خَمْسٌ: شِمالٌ وجَنُوبٌ وصِبا ودَبُّورٌ ونَكْباءُ ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ أيْ شَدِيدِ الرِّيحِ، فَأطارَتْهُ في كُلِّ صَوْبٍ، فَصارُوا بِحَيْثُ ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ أيْ يَوْمَ الجَزاءِ؛ ولَمّا كانَ الأمْرُ هُنا مُتَمَحِّصًا لِلْأعْمالِ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ في الدُّنْيا مِن أعْمالِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ بَلْ ذَهَبَ هَباءً مَنثُورًا لِبِنائِهِ عَلى غَيْرِ أساسٍ، فَثَبَتَ بِمُقْتَضى ذَلِكَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ واسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ في ضَلالٍ بَعِيدٍ، بَلْ ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ الشَّدِيدِ الشَّناعَةِ ”هُوَ“ [أيْ خاصَّةً] ﴿الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ الَّذِي لا يَقْدِرُ صاحِبُهُ عَلى تَدارُكِهِ.

19

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ

Have you not seen that Allah created the heavens and the earth in truth? If He wills, He can do away with you and produce a new creation.

ولَمّا ذَكَرَ الآخِرَةَ في [أوَّلِ] السُّورَةِ، ذَكَرَ ما هو ثابِتٌ لا نِزاعَ فِيهِ، ثُمَّ [جَرَّ] الكَلامَ إلَيْهِ هُنا عَلى هَذا الوَجْهِ الغَرِيبِ، وأتْبَعَهُ مِثْلَ أعْمالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ وعَلى أنَّهُ لا يُسَوِّغُ في الحِكْمَةِ في أعْمالِ الضَّلالِ إلّا الإبْطالَ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ عَلى عِظَمِها وارْتِفاعِها ﴿والأرْضَ﴾ عَلى تَباعُدِ أقْطارِها واتِّساعِها ﴿بِالحَقِّ﴾ بِالأمْرِ الثّابِتِ مِن وضْعِ كُلِّ شَيْءٍ مِنها في مَوْضِعِهِ عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ الحِكْمَةُ لا بِالخَيالِ والتَّمْوِيهِ كالسِّحْرِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُما ظَرْفٌ، ولا يَكُونُ المَظْرُوفُ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ إلّا مُثْلُ ظَرْفِهِ أوْ أعْلى مِنهُ، فَكَيْفَ يَظُنُّ أنَّهُ يَخْلُقُ شَيْئًا فِيهِما سُدى بِأنْ يَكُونَ باطِلًا فَلا يُبْطِلُهُ، أوْ حَقًّا فَلا يُحِقُّهُ، أمْ كَيْفَ يَتَوَهَّمُ أنَّهُ - مَعَ القُدْرَةِ عَلى إخْراجِهِما [مِنَ العَدَمِ] وهُما أكْبَرُ خَلْقًا [وأعْظَمُ] شَأْنًا - لا يَقْدِرُ عَلى إعادَةِ مِن فِيهِما وهم أضْعَفُ أمْرًا وأصْغَرُ قَدْرًا، أوْ خَلَقَهُما بِسَبَبِ الحَقِّ وهو إعادَةُ النّاسِ إعادَةً يَثْبُتُونَ بِها ويَبْقَوْنَ بَقاءً لا فَناءَ بَعْدَهُ، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ عَظِيمُ القُدْرَةِ، فَهو بِحَيْثُ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الإذْهابِ: المَوْتُ أوْ غَيْرُهُ ﴿ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ غَيْرُكم أوْ يَأْتِ بِكم بَعْدَ أنْ فَنِيتُمْ بِحَيْثُ تَعُودُونَ - كَما أنْتُمْ - خَلْقًا جَدِيدًا؛ والجَدِيدُ: المَقْطُوعُ عَنْهُ العَمَلِ في الِابْتِداءِ، وأصْلُهُ القَطْعُ، فالجِدِّ أبُ الأبِ، انْقَطَعَ عَنِ الوِلادَةِ بِالأبِ، والجَدُّ ضِدُّ الهَزْلِ، يَقْطَعُ بِهِ المَسافَةَ حَسًّا أوْ مَعْنًى

20

وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍۢ

And that is not difficult for Allah.

﴿وما ذَلِكَ﴾ الإذْهابُ والإتْيانُ عَلى عِظَمِهِ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿بِعَزِيزٍ﴾ وهو المُمْتَنِعُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الِامْتِناعِ لِأنَّهُ لَيْسَ مِثْلُ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ أعْظَمَ مِنهُ، فَلا وجْهَ لِقَوْلِكم ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ﴾ [سبإ: ٧] الآيَةُ [لِأنَّ] مَن قَدَّرَ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِمَقْدُورٍ دُونَ مَقْدُورٍ، فَثَبَتَ بِهَذا إبْعادَهم في الضَّلالِ المُوجِبِ لِهَلاكِ أعْمالِهِمِ - الَّتِي هي أسْبابُهُمُ - المُوجِبُ لِهَلاكِهِمْ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.