Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 1–10 of 43

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

Alif, Lam, Meem, Ra. These are the verses of the Book; and what has been revealed to you from your Lord is the truth, but most of the people do not believe.

صفحة ١٨٤

(سُورَةُ الرَّعْدِ)

مَدَنِيَّةٌ، وآياتُها: ٤٣، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ مُحَمَّدٍ

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿المر﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾

سُورَةُ الرَّعْدِ

أرْبَعُونَ وثَلاثُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ سِوى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ (الرَّعْدِ: ٣١) وقَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ (الرَّعْدِ: ٤٣) قالَ الأصَمُّ هي مَدَنِيَّةٌ بِالإجْماعِ سِوى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ (الرَّعْدِ: ٣١) .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿المر﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنّا قَدْ تَكَلَّمْنا في هَذِهِ الألْفاظِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَعْناهُ: أنا اللَّهُ أعْلَمُ، وقالَ في رِوايَةِ عَطاءٍ: أنا اللَّهُ المَلِكُ الرَّحْمَنُ، وقَدْ أمالَها أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما وفَخَّمَها جَماعَةٌ مِنهم عاصِمٌ، وقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى آياتِ السُّورَةِ المُسَمّاةِ بِـ (المر) . ثُمَّ قالَ: إنَّها آياتُ الكِتابِ. وهَذا الكِتابُ الَّذِي أعْطاهُ مُحَمَّدًا بِأنْ يُنْزِلَهُ عَلَيْهِ ويَجْعَلَهُ باقِيًا عَلى وجْهِ الدَّهْرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿الحَقُّ﴾ خَبَرُهُ، ومِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ القِياسِ، فَقالَ: الحُكْمُ المُسْتَنْبَطُ بِالقِياسِ غَيْرُ نازِلٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإلّا لَكانَ مَن لَمْ يَحْكم بِهِ كافِرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ (المائِدَةِ: ٤٤) وبِالإجْماعِ لا يَكْفُرُ، فَثَبَتَ أنَّ الحُكْمَ المُثْبَتَ بِالقِياسِ غَيْرُ نازِلٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ حَقًّا لِأجْلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ لا حَقَّ إلّا ما أنْزَلَهُ اللَّهُ، فَكُلُّ ما لَمْ يُنْزِلْهُ اللَّهُ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ حَقًّا، وإذا لَمْ يَكُنْ حَقًّا وجَبَ أنْ يَكُونَ باطِلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ (يُونُسَ: ٣٢) ومُثْبِتُو القِياسِ يُجِيبُونَ عَنْهُ بِأنَّ الحُكْمَ المُثْبَتَ بِالقِياسِ نازِلٌ أيْضًا مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ

صفحة ١٨٥

لَمّا أمَرَ بِالعَمَلِ بِالقِياسِ كانَ الحُكْمُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القِياسُ نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ المُنَزَّلَ عَلى مُحَمَّدٍ -ﷺ- هو الحَقُّ بَيَّنَ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ عَلى سَبِيلِ الزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ.

2

ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍۢ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ

It is Allah who erected the heavens without pillars that you [can] see; then He established Himself above the Throne and made subject the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. He arranges [each] matter; He details the signs that you may, of the meeting with your Lord, be certain.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ وهو هَذِهِ الآيَةُ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اللَّهُ مُبْتَدَأٌ والَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ خَبَرُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ (الرَّعْدِ: ٣) .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ صِفَةً، وقَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وقالَ الواحِدِيُّ: العَمَدُ: الأساطِينُ، وهو جَمْعُ عِمادٍ، يُقالُ: عِمادٌ وعُمُدٌ، مِثْلُ إهابٍ وأُهُبٍ، وقالَ الفَرّاءُ: العَمَدُ والعُمُدُ جَمْعُ العَمُودِ، مِثْلُ أدِيمٍ وأدَمٍ وأُدُمٍ، وقَضِيمٍ وقَضَمٍ وقُضُمٍ، والعِمادُ والعَمُودُ ما يُعْمَدُ بِهِ الشَّيْءُ، ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ عَمَدُ قَوْمِهِ إذا كانُوا يَعْتَمِدُونَهُ فِيما بَيْنَهم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى اسْتَدَلَّ بِأحْوالِ السَّماواتِ وبِأحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ وبِأحْوالِ الأرْضِ وبِأحْوالِ النَّباتِ، أمّا الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمْدٍ تَرَوْنَها، فالمَعْنى: أنَّ هَذِهِ الأجْسامَ العَظِيمَةَ بَقِيَتْ واقِفَةً في الجَوِّ العالِي، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ بَقاؤُها هُناكَ لِأعْيانِها ولِذَواتِها لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ ولَوْ وجَبَ حُصُولُ جِسْمٍ في حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ لَوَجَبَ حُصُولُ كُلِّ جِسْمٍ في ذَلِكَ الحَيِّزِ.

والثّانِي: أنَّ الخَلاءَ لا نِهايَةَ لَهُ، والأحْيازُ المُعْتَرِضَةُ في ذَلِكَ الخَلاءِ الصِّرْفِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ وهي بِأسْرِها مُتَساوِيَةٌ، ولَوْ وجَبَ حُصُولُ جِسْمٍ في حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ لَوَجَبَ حُصُولُهُ في جَمِيعِ الأحْيازِ ضَرُورَةَ أنَّ الأحْيازَ بِأسْرِها مُتَشابِهَةٌ؛ فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ في أحْيازِها وجِهاتِها لَيْسَ أمْرًا واجِبًا لِذاتِهِ، بَلْ لا بُدَّ مِن مُخَصِّصٍ ومُرَجِّحٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّها بَقِيَتْ بِسِلْسِلَةٍ فَوْقَها ولا عَمَدَ تَحْتَها، وإلّا لَعادَ الكَلامُ في ذَلِكَ الحافِظِ ولَزِمَ المُرُورُ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، وهو مُحالٌ فَثَبَتَ أنْ يُقالَ: الأجْرامُ الفَلَكِيَّةُ في أحْيازِها العالِيَةِ لِأجْلِ أنَّ مُدَبِّرَ العالَمِ تَعالى وتَقَدَّسَ أوْقَفَها هُناكَ.

فَهَذا بُرْهانٌ قاهِرٌ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القاهِرِ القادِرِ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الإلَهَ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا مُخْتَصٍّ بِحَيِّزٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ حاصِلًا في حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ لامْتَنَعَ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ في ذَلِكَ الحَيِّزِ لِذاتِهِ ولِعَيْنِهِ لِما بَيَّنّا أنَّ الأحْيازَ بِأسْرِها مُتَساوِيَةٌ؛ فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ في حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ لِذاتِهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ، وكُلُّ ما حَصَلَ بِالفاعِلِ المُخْتارِ فَهو مُحْدَثٌ فاخْتِصاصُهُ بِالحَيِّزِ المُعَيَّنِ مُحْدَثٌ، وذاتُهُ لا تَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ وما لا يَخْلُو عَنِ الحادِثِ فَهو حادِثٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَوْ كانَ حاصِلًا في الحَيِّزِ المُعَيَّنِ لَكانَ حادِثًا، وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ، وأيْضًا كُلُّ ما سَماكَ فَهو سَماءٌ، فَلَوْ كانَ تَعالى مَوْجُودًا في جِهَةٍ فَوْقِ …

3

وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَٰرًۭا ۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

And it is He who spread the earth and placed therein firmly set mountains and rivers; and from all of the fruits He made therein two mates; He causes the night to cover the day. Indeed in that are signs for a people who give thought.

﷽

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ الدَّلائِلَ السَّماوِيَّةَ أرْدَفَها بِتَقْرِيرِ الدَّلائِلِ الأرْضِيَّةِ، فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِخَلْقِهِ الأرْضَ وأحْوالَها مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الشَّيْءَ إذا تَزايَدَ حَجْمُهُ ومِقْدارُهُ صارَ كَأنَّ ذَلِكَ الحَجْمَ وذَلِكَ المِقْدارَ يَمْتَدُّ، فَقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي جَعَلَ الأرْضَ مُخْتَصَّةً بِذَلِكَ المِقْدارِ المُعَيَّنِ الحاصِلِ لَهُ لا أزْيَدَ ولا أنْقَصَ؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ كَوْنَ الأرْضِ أزْيَدَ مِقْدارًا مِمّا هو الآنَ وأنْقَصَ مِنهُ أمْرٌ جائِزٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، فاخْتِصاصُهُ بِذَلِكَ المِقْدارِ المُعَيَّنِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ وتَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ.

الثّانِي: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: المَدُّ هو البَسْطُ إلى ما لا يُدْرَكُ مُنْتَهاهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ يُشْعِرُ بِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ حَجْمَ الأرْضِ حَجْمًا عَظِيمًا لا يَقَعُ البَصَرُ عَلى مُنْتَهاهُ؛ لِأنَّ الأرْضَ لَوْ كانَتْ أصْغَرَ حَجْمًا مِمّا هي الآنَ عَلَيْهِ لَما كَمُلَ الِانْتِفاعُ بِهِ.

والثّالِثُ: قالَ قَوْمٌ: كانَتِ الأرْضُ مُدَوَّرَةً فَمَدَّها ودَحا مِن مَكَّةَ تَحْتَ البَيْتِ فَذَهَبَتْ كَذا وكَذا. وقالَ آخَرُونَ: كانَتْ مُجْتَمِعَةً عِنْدَ البَيْتِ المُقَدَّسِ، فَقالَ لَها: اذْهَبِي كَذا وكَذا.

اعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ إنَّما يَتِمُّ إذا قُلْنا: الأرْضُ مُسَطَّحَةٌ لا كُرَةٌ، وأصْحابُ هَذا القَوْلِ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النّازِعاتِ: ٣٠] وهَذا القَوْلُ مُشْكِلٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ أنَّ الأرْضَ كُرَةٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ المُكابَرَةُ فِيهِ؟

فَإنْ قالُوا: وقَوْلُهُ: ﴿مَدَّ الأرْضَ﴾ يُنافِي كَوْنَها كُرَةً، فَكَيْفَ يُمْكِنُ مَدُّها؟

قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ الأرْضَ جِسْمٌ عَظِيمٌ، والكُرَةُ إذا كانَتْ في غايَةِ الكِبَرِ كانَ كُلُّ قِطْعَةٍ مِنها تُشاهَدُ كالسَّطْحِ، والتَّفاوُتُ الحاصِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّطْحِ لا يَحْصُلُ إلّا في عِلْمِ اللَّهِ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾

صفحة ٤

[النَّبَأِ: ٧] فَجَعَلَها أوْتادًا مَعَ أنَّ العالَمَ مِنَ النّاسِ يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْها فَكَذَلِكَ هاهُنا.

والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما ذُكِرَتْ لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، والشَّرْطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا مُشاهَدًا مَعْلُومًا حَتّى يَصِحَّ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وكَوْنُها مُجْتَمِعَةً تَحْتَ البَيْتِ أمْرٌ غَيْرُ مُشاهَدٍ ولا مَحْسُوسٍ، فَلا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، فَثَبَتَ أنَّ التَّأْوِيلَ الحَقَّ هو ما ذَكَرْناهُ.

* * *

والنوع الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ: الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الجِبالِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ مِن فَوْقِها ثابِتَةً باقِيَةً في أحْيازِها غَيْرَ مُنْتَقِلَةٍ عَنْ أماكِنِها، يُقالُ: رَسا هَذا الوَتِدُ وأرْسَيْتُهُ، والمُرادُ ما ذَكَرْنا.

واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِوُجُودِ الجِبالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ الحَكِيمِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ طَبِيعَةَ الأرْضِ واحِدَةٌ، فَحُصُولُ الجَبَلِ في بَعْضِ جَوانِبِها دُونَ البَعْضِ …

4

وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَٰوِرَٰتٌۭ وَجَنَّٰتٌۭ مِّنْ أَعْنَٰبٍۢ وَزَرْعٌۭ وَنَخِيلٌۭ صِنْوَانٌۭ وَغَيْرُ صِنْوَانٍۢ يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

And within the land are neighboring plots and gardens of grapevines and crops and palm trees, [growing] several from a root or otherwise, watered with one water; but We make some of them exceed others in [quality of] fruit. Indeed in that are signs for a people who reason.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ إقامَةُ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُدُوثُ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ لِأجْلِ الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ، والحَرَكاتِ الكَوْكَبِيَّةِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ حَصَلَ في الأرْضِ قِطَعٌ مُخْتَلِفَةٌ بِالطَّبِيعَةِ والماهِيَّةِ وهي مَعَ ذَلِكَ مُتَجاوِرَةٌ، فَبَعْضُها تَكُونُ سَبَخَةً، وبَعْضُها تَكُونُ رِخْوَةً، وبَعْضُها تَكُونُ صُلْبَةً، وبَعْضُها تَكُونُ مُنْبِتَةً، وبَعْضُها تَكُونُ حَجَرِيَّةً أوْ رَمْلِيَّةً، وبَعْضُها يَكُونُ طِينًا لَزِجًا، ثُمَّ إنَّها مُتَجاوِرَةٌ، وتَأْثِيرُ الشَّمْسِ وسائِرِ الكَواكِبِ في تِلْكَ القِطَعِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ اخْتِلافَها في صِفاتِها بِتَقْدِيرِ العَلِيمِ القَدِيرِ.

والثّانِي: أنَّ القِطْعَةَ الواحِدَةَ مِنَ الأرْضِ تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ تَأْثِيرُ الشَّمْسِ فِيها مُتَساوِيًا، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الثِّمارَ تَجِيءُ مُخْتَلِفَةً في الطَّعْمِ واللَّوْنِ والطَّبِيعَةِ والخاصِّيَّةِ، حَتّى إنَّكَ قَدْ تَأْخُذُ عُنْقُودًا مِنَ العِنَبِ فَيَكُونُ جَمِيعُ حَبّاتِهِ حُلْوَةً نَضِيجَةً إلّا حَبَّةً واحِدَةً، فَإنَّها بَقِيَتْ حامِضَةً يابِسَةً، ونَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَةَ الطِّباعِ والأفْلاكِ لِلْكُلِّ عَلى السَّوِيَّةِ، بَلْ نَقُولُ: هاهُنا ما هو أعْجَبُ مِنهُ، وهو أنَّهُ يُوجَدُ في بَعْضِ أنْواعِ الوَرْدِ ما يَكُونُ أحَدُ وجْهَيْهِ في غايَةِ الحُمْرَةِ، والوجه الثّانِي في غايَةِ السَّوادِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ الوَرْدَ يَكُونُ في غايَةِ الرِّقَّةِ والنُّعُومَةِ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يُقالَ: وصَلَ تَأْثِيرُ الشَّمْسِ إلى أحَدِ طَرَفَيْهِ دُونَ الثّانِي، وهَذا يَدُلُّ دَلالَةً

صفحة ٧

قَطْعِيَّةً عَلى أنَّ الكُلَّ بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ المُخْتارِ، لا بِسَبَبِ الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الحُجَّةِ وتَفْسِيرِها وبَيانِها.

واعْلَمْ أنَّ بِذِكْرِ هَذا الجَوابِ قَدْ تَمَّتِ الحُجَّةُ فَإنَّ هَذِهِ الحَوادِثَ السُّفْلِيَّةَ لا بُدَّ لَها مِن مُؤَثِّرٍ، وبَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ المُؤَثِّرَ لَيْسَ هو الكَواكِبَ والأفْلاكَ والطَّبائِعَ، فَعِنْدَ هَذا يَجِبُ القَطْعُ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن فاعِلٍ آخَرَ سِوى هَذِهِ الأشْياءِ، وعِنْدَها يَتِمُّ الدَّلِيلُ، ولا يَبْقى بَعْدَهُ لِلْفِكْرِ مَقامٌ البَتَّةَ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ هاهُنا: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لِأنَّهُ لا دافِعَ لِهَذِهِ الحُجَّةِ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الحَوادِثَ السُّفْلِيَّةَ حَدَثَتْ لا لِمُؤَثِّرٍ البَتَّةَ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَمالِ العَقْلِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِافْتِقارِ الحادِثِ إلى المُحْدِثِ لَمّا كانَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا كانَ عَدَمُ حُصُولِ هَذا العِلْمِ قادِحًا في كَمالِ العَقْلِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وقالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَهَذِهِ اللَّطائِفُ نَفِيسَةٌ مِن أسْرارِ عِلْمِ القُرْآنِ، ونَسْألُ اللَّهَ العَظِيمَ أنْ يَجْعَلَ الوُقُوفَ عَلَيْها سَبَبًا لِلْفَوْزِ بِالرَّحْمَةِ …

5

۞ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌۭ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْأَغْلَٰلُ فِىٓ أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And if you are astonished, [O Muhammad] - then astonishing is their saying, "When we are dust, will we indeed be [brought] into a new creation?" Those are the ones who have disbelieved in their Lord, and those will have shackles upon their necks, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .

فِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ القاهِرَةَ عَلى ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ ذَكَرَ بَعْدَهُ مَسْألَةَ المَعادِ، فَقالَ: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:

القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنْ تَعْجَبْ مِن تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ بَعْدَ ما كانُوا قَدْ حَكَمُوا عَلَيْكَ أنَّكَ مِنَ الصّادِقِينَ فَهَذا عَجَبٌ.

والثّانِي: إنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن عِبادَتِهِمْ ما لا يَمْلِكُ لَهم نَفْعًا ولا ضُرًّا بَعْدَما عَرَفُوا الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى التَّوْحِيدِ فَهَذا عَجَبٌ.

والثّالِثُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ إنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ فَقَدْ عَجِبْتَ في مَوْضِعِ العَجَبِ؛ لِأنَّهم لَمّا اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ تَعالى مُدَبِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ وخالِقُ الخَلائِقِ أجْمَعِينَ، وأنَّهُ هو الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ، وهو الَّذِي سَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ عَلى وفْقِ مَصالِحِ العِبادِ، وهو الَّذِي أظْهَرَ في العالَمِ أنْواعَ العَجائِبِ والغَرائِبِ، فَمَن كانَتْ قُدْرَتُهُ وافِيَةً بِهَذِهِ الأشْياءِ العَظِيمَةِ كَيْفَ لا تَكُونُ وافِيَةً بِإعادَةِ الإنْسانِ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأنَّ القادِرَ عَلى الأقْوى الأكْمَلِ، فَأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الأقَلِّ الأضْعَفِ أوْلى، فَهَذا تَقْرِيرُ مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى هَذا الكَلامَ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِثَلاثَةِ أشْياءَ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَ البَعْثَ والقِيامَةَ فَهو كافِرٌ، وإنَّما لَزِمَ مِن إنْكارِ البَعْثِ الكُفْرُ بِرَبِّهِمْ مِن حَيْثُ إنَّ إنْكارَ البَعْثِ لا يَتِمُّ إلّا بِإنْكارِ القُدْرَةِ والعِلْمِ والصِّدْقِ، أمّا إنْكارُ القُدْرَةِ، فَكَما إذا قِيلَ: إنَّ إلَهَ العالَمِ مُوجِبٌ بِالذّاتِ لا فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ، فَلا يَقْدِرُ عَلى الإعادَةِ، أوْ قِيلَ: إنَّهُ وإنْ كانَ قادِرًا لَكِنَّهُ لَيْسَ تامَّ القُدْرَةِ، فَلا يُمْكِنُهُ إيجادُ الحَيَوانِ إلّا بِواسِطَةِ الأبَوَيْنِ وتَأْثِيراتِ الطَّبائِعِ والأفْلاكِ. وأمّا إنْكارُ العِلْمِ فَكَما إذا قِيلَ: إنَّهُ تَعالى غَيْرُ عالِمٍ بِالجُزْئِيّاتِ، فَلا يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ هَذا المُطِيعِ عَنِ العاصِي، وأمّا إنْكارُ الصِّدْقِ فَكَما إذا قِيلَ: إنَّهُ وإنْ أخْبَرَ عَنْهُ لَكِنَّهُ لا يَفْعَلُ؛ لِأنَّ الكَذِبَ جائِزٌ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَ كُلُّ هَذِهِ الأشْياءِ كُفْرًا ثَبَتَ أنَّ إنْكارَ البَعْثِ كُفْرٌ بِاللَّهِ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: المُرادُ بِالأغْلالِ: كُفْرُهم وذِلَّتُهم وانْقِيادُهم لِلْأصْنامِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾ [يس: ٨] قالَ الشّاعِرُ:

لَهم عَنِ الرُّشْدِ أغْلالٌ وأقْيادُ

ويُقالُ لِلرَّجُلِ: هَذا غُلٌّ في عُنُقِكَ لِلْعَمَلِ الرَّدِيءِ، مَعْناهُ: أنَّهُ لازِمٌ لَكَ وأنَّكَ مُجازًى عَلَيْهِ بِالعَذابِ، قالَ القاضِي: هَذا وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا إلّا أنَّ حَمْلَ الكَلامِ عَلى الحَقِيقَةِ أوْلى، وأقُولُ: يُمْكِنُ نُصْرَةُ قَوْلِ الأصَمِّ بِأنَّ

صفحة ٩

ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي حُصُولَ الأغْلالِ في أعْناقِهِمْ في الحالِ وذَلِكَ غَيْرُ حاصِلٍ، …

6

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَٰتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

They impatiently urge you to bring about evil before good, while there has already occurred before them similar punishments [to what they demand]. And indeed, your Lord is full of forgiveness for the people despite their wrongdoing, and indeed, your Lord is severe in penalty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ .

صفحة ١٠

اعْلَمْ أنَّهُ ﷺ كانَ يُهَدِّدُهم تارَةً بِعَذابِ القِيامَةِ وتارَةً بِعَذابِ الدُّنْيا، والقَوْمُ كُلَّما هَدَّدَهم بِعَذابِ القِيامَةِ أنْكَرُوا القِيامَةَ والبَعْثَ والحَشْرَ والنَّشْرَ، وهو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الآيَةِ الأُولى، وكُلَّما هَدَّدَهم بِعَذابِ الدُّنْيا قالُوا لَهُ: فَجِئْنا بِهَذا العَذابِ؛ وطَلَبُوا مِنهُ إظْهارَهُ وإنْزالَهُ عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ فِيهِ، وإظْهارِ أنَّ الَّذِي يَقُولُهُ كَلامٌ لا أصْلَ لَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ الرَّسُولَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ هاهُنا: نُزُولُ العَذابِ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنْفالِ: ٣٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٢] وإنَّما قالُوا ذَلِكَ طَعْنًا مِنهم فِيما ذَكَرَهُ الرَّسُولُ، وكانَ ﷺ يَعِدُهم عَلى الإيمانِ بِالثَّوابِ في الآخِرَةِ وبِحُصُولِ النَّصْرِ والظَّفَرِ في الدُّنْيا، فالقَوْمُ طَلَبُوا مِنهُ نُزُولَ العَذابِ ولَمْ يَطْلُبُوا مِنهُ حُصُولَ النَّصْرِ والظَّفَرِ، فَهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ ومِنهم مَن فَسَّرَ الحَسَنَةَ هاهُنا بِالإمْهالِ والتَّأْخِيرِ، وإنَّما سَمَّوُا العَذابَ سَيِّئَةً؛ لِأنَّهُ يَسُوءُهم ويُؤْذِيهِمْ.

أما قوله: ﴿وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ العَرَبَ يَقُولُونَ: العُقُوبَةُ مَثُلَةٌ ومَثْلَةٌ مِثْلَ صَدُقَةٍ وصَدْقَةٍ، فالأُولى لُغَةُ الحِجازِ، والثّانِيَةُ لُغَةُ تَمِيمٍ، فَمَن قالَ: مَثُلَةٌ فَجَمْعُهُ مَثُلاتٌ، ومَن قالَ مَثْلَةٌ فَجَمْعُهُ مَثْلاتٌ ومُثْلاثٌ بِإسْكانِ الثّاءِ. هَكَذا حَكاهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُثْلَةُ العُقُوبَةُ المُبَيِّنَةُ في المُعاقَبِ شَيْئًا، وهو تَغْيِيرٌ تَبْقى الصُّورَةُ مَعَهُ قَبِيحَةً، وهو مِن قَوْلِهِمْ: مَثَّلَ فُلانٌ بِفُلانٍ إذا قَبَّحَ صُورَتَهُ؛ إمّا بِقَطْعِ أُذُنِهِ أوْ أنْفِهِ أوْ سَمْلِ عَيْنَيْهِ أوْ بَقْرِ بَطْنِهِ، فَهَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ يُقالُ لِلْعارِ الباقِي والخِزْيِ اللّازِمِ مُثْلَةٌ.

قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ هَذا الحَرْفِ مِنَ المِثْلِ الَّذِي هو الشَّبَهُ، ولَمّا كانَ الأصْلُ أنْ يَكُونَ العِقابُ مُشابِهًا لِلْمُعاقَبِ ومُماثِلًا لَهُ، لا جَرَمَ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ [المُثُلاتُ] بِضَمَّتَيْنِ لِإتْباعِ الفاءِ العَيْنَ، [والمَثْلاتُ] بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ، كَما يُقالُ: السَّمُرَةُ، والمُثْلاتُ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ تَخْفِيفُ المُثُلاتِ بِضَمَّتَيْنِ، والمُثْلاتٌ جَمْعُ مُثْلَةٍ كَرُكْبَةٍ ورُكْباتٍ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ: ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ الَّذِي لَمْ نُعاجِلْهم بِهِ، وقَدْ عَلِمُوا ما نَزَلَ مِن عُقُوباتِنا بِالأُمَمِ الخالِيَةِ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِها، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَرْدَعَهم خَوْفُ ذَلِكَ عَنِ الكُفْرِ اعْتِبارًا بِحالِ مَن سَلَفَ.

أما قوله: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ …

7

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ

And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" You are only a warner, and for every people is a guide.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ طَعْنِهِمْ في الحَشْرِ والنَّشْرِ أوَّلًا، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ طَعْنِهِمْ في صِحَّةِ ما يُنْذِرُهم بِهِ مِن نُزُولِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ ثانِيًا، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِأنْ طَلَبُوا مِنهُ المُعْجِزَةَ والبَيِّنَةَ ثالِثًا، وهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ.

واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ فِيهِ أنَّهم أنْكَرُوا كَوْنَ القُرْآنِ مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ، وقالُوا: هَذا كِتابٌ مِثْلُ سائِرِ الكُتُبِ وإتْيانُ الإنْسانِ بِتَصْنِيفٍ مُعَيَّنٍ وكِتابٍ مُعَيَّنٍ لا يَكُونُ مُعْجِزًا البَتَّةَ، وإنَّما المُعْجِزُ ما يَكُونُ مِثْلَ مُعْجِزاتِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.

واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مُعْجِزٌ في صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سِوى القُرْآنِ. قالُوا: إنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَصِحُّ إذا طَعَنُوا في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، مَعَ أنَّهُ ما ظَهَرَ عَلَيْهِ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ قَدْ ظَهَرَ عَلى يَدِهِ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ المُعْجِزاتِ لامْتَنَعَ أنْ يَقُولُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ لَهُ مُعْجِزٌ سِوى القُرْآنِ.

واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: لَعَلَّ المُرادَ مِنهُ طَلَبُ مُعْجِزاتٍ سِوى المُعْجِزاتِ الَّتِي شاهَدُوها مِنهُ ﷺ كَحَنِينِ الجِذْعِ ونُبُوعِ الماءِ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ وإشْباعِ الخَلْقِ الكَثِيرِ مِنَ الطَّعامِ القَلِيلِ، فَطَلَبُوا مِنهُ مُعْجِزاتٍ قاهِرَةً غَيْرَ هَذِهِ الأُمُورِ: مِثْلَ فَلْقِ البَحْرِ بِالعَصا، وقَلْبِ العَصا ثُعْبانًا.

فَإنْ قِيلَ: فَما السَّبَبُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَهم وما أعْطاهُمْ؟

قُلْنا: إنَّهُ لَمّا أظْهَرَ المُعْجِزَةَ الواحِدَةَ فَقَدْ تَمَّ الغَرَضُ فَيَكُونُ طَلَبُ الباقِي تَحَكُّمًا وظُهُورُ القُرْآنِ مُعْجِزَةٌ

صفحة ١٢

فَما كانَ مَعَ ذَلِكَ حاجَةٌ إلى سائِرِ المُعْجِزاتِ، وأيْضًا فَلَعَلَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّهم يُصِرُّونَ عَلى العِنادِ بَعْدَ ظُهُورِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ المُلْتَمَسَةِ، وكانُوا يَصِيرُونَ حِينَئِذٍ مُسْتَوْجِبِينَ لِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى مَطْلُوبَهم، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنْفالِ: ٢٣] بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يُعْطِهِمْ مَطْلُوبَهم لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وأيْضًا فَفَتْحُ هَذا البابِ يُفْضِي إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ. وهو أنَّهُ كُلَّما أتى بِمُعْجِزَةٍ جاءَ واحِدٌ آخَرُ، فَطَلَبَ مِنهُ مُعْجِزَةً أُخْرى، وذَلِكَ يُوجِبُ سُقُوطَ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأنَّهُ باطِلٌ.

الوجه الثّانِي في الجَوابِ: لَعَلَّ الكُفّارَ ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ قَبْلَ مُشاهَدَةِ سائِرِ المُعْجِزاتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ ذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى التَّنْوِينِ في قَوْلِهِ: ﴿هادٍ﴾ وحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ، واخْتَلَفُوا في الوَقْفِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: بِالوَقْفِ عَلى الياءِ، والباقُونَ: بِغَيْرِ الياءِ، وهو رِوايَةُ ابْنِ فُلَيْحٍ عَنِ ابْنِ …

8

ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ

Allah knows what every female carries and what the wombs lose [prematurely] or exceed. And everything with Him is by due measure.

صفحة ١٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: في وجْهِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم طَلَبُوا آياتٍ أُخْرى غَيْرَ ما أتى بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَيَعْلَمُ مِن حالِهِمْ أنَّهم هَلْ طَلَبُوا الآيَةَ الأُخْرى لِلِاسْتِرْشادِ وطَلَبِ البَيانِ، أوْ لِأجْلِ التَّعَنُّتِ والعِنادِ؟ وهَلْ يَنْتَفِعُونَ بِظُهُورِ تِلْكَ الآياتِ، أوْ يَزْدادُ إصْرارُهم واسْتِكْبارُهُمْ؟ فَلَوْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم طَلَبُوا ذَلِكَ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ وطَلَبِ البَيانِ ومَزِيدِ الفائِدَةِ، لَأظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى وما مَنَعَهم عَنْهُ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إلّا لِأجَلِ مَحْضِ العِنادِ، لا جَرَمَ أنَّهُ تَعالى مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا﴾ [يُونُسَ: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ . [الأنْعامِ: ١٠٩] .

والثّانِي: أنَّ وجْهَ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ وذَلِكَ لِأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ بِسَبَبِ أنَّ أجْزاءَ أبْدانِ الحَيَواناتِ عِنْدَ تَفَرُّقِها وتَفَتُّتِها يَخْتَلِطُ بَعْضُها بِبَعْضٍ ولا يَبْقى الِامْتِيازُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما لا يُبْقِي الِامْتِيازَ في حَقِّ مَن لا يَكُونُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، أمّا في حَقِّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَإنَّهُ يُبْقِي تِلْكَ الأجْزاءَ بِحَيْثُ يَمْتازُ بَعْضُها عَنِ البَعْضِ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ.

الثّالِثُ: أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَهو تَعالى إنَّما يُنْزِلُ العَذابَ بِحَسَبِ ما يَعْلَمُ كَوْنَهُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الثّانِيَةُ: لَفْظُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ ] إمّا أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وإمّا أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً، فالمَعْنى: أنَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُهُ مِنَ الوَلَدِ أنَّهُ مِن أيِّ الأقْسامِ؛ أهُوَ ذَكَرٌ أمْ أُنْثى، وتامٌّ أوْ ناقِصٌ، وحَسَنٌ أوْ قَبِيحٌ وطَوِيلٌ أوْ قَصِيرٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الحاضِرَةِ والمُتَرَقَّبَةِ فِيهِ.

ثم قال: ﴿وما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾ والغَيْضُ هو النُّقْصانُ سَواءٌ كانَ لازِمًا أوْ مُتَعَدِّيًا، يُقالُ: غاضَ الماءُ وغِضْتُهُ أنا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ [هُودٍ: ٤٤] والمُرادُ مِنَ الآيَةِ وما تَغِيضُهُ الأرْحامُ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ، وقَوْلُهُ: ﴿وما تَزْدادُ﴾ أيْ تَأْخُذُهُ زِيادَةً، تَقُولُ: أخَذْتُ مِنهُ حَقِّي وازْدَدْتُ مِنهُ كَذا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ [الكَهْفِ: ٢٥]

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيما تَغِيضُهُ الرَّحِمُ وتَزْدادُهُ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: عَدَدُ الوَلَدِ، فَإنَّ الرَّحِمَ قَدْ يَشْتَمِلُ عَلى واحِدٍ، واثْنَيْنِ، وعَلى ثَلاثَةٍ، …

9

عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ

[He is] Knower of the unseen and the witnessed, the Grand, the Exalted.

صفحة ١٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: في وجْهِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم طَلَبُوا آياتٍ أُخْرى غَيْرَ ما أتى بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَيَعْلَمُ مِن حالِهِمْ أنَّهم هَلْ طَلَبُوا الآيَةَ الأُخْرى لِلِاسْتِرْشادِ وطَلَبِ البَيانِ، أوْ لِأجْلِ التَّعَنُّتِ والعِنادِ؟ وهَلْ يَنْتَفِعُونَ بِظُهُورِ تِلْكَ الآياتِ، أوْ يَزْدادُ إصْرارُهم واسْتِكْبارُهُمْ؟ فَلَوْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم طَلَبُوا ذَلِكَ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ وطَلَبِ البَيانِ ومَزِيدِ الفائِدَةِ، لَأظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى وما مَنَعَهم عَنْهُ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إلّا لِأجَلِ مَحْضِ العِنادِ، لا جَرَمَ أنَّهُ تَعالى مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا﴾ [يُونُسَ: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ . [الأنْعامِ: ١٠٩] .

والثّانِي: أنَّ وجْهَ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ وذَلِكَ لِأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ بِسَبَبِ أنَّ أجْزاءَ أبْدانِ الحَيَواناتِ عِنْدَ تَفَرُّقِها وتَفَتُّتِها يَخْتَلِطُ بَعْضُها بِبَعْضٍ ولا يَبْقى الِامْتِيازُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما لا يُبْقِي الِامْتِيازَ في حَقِّ مَن لا يَكُونُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، أمّا في حَقِّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَإنَّهُ يُبْقِي تِلْكَ الأجْزاءَ بِحَيْثُ يَمْتازُ بَعْضُها عَنِ البَعْضِ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ.

الثّالِثُ: أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَهو تَعالى إنَّما يُنْزِلُ العَذابَ بِحَسَبِ ما يَعْلَمُ كَوْنَهُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الثّانِيَةُ: لَفْظُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ ] إمّا أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وإمّا أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً، فالمَعْنى: أنَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُهُ مِنَ الوَلَدِ أنَّهُ مِن أيِّ الأقْسامِ؛ أهُوَ ذَكَرٌ أمْ أُنْثى، وتامٌّ أوْ ناقِصٌ، وحَسَنٌ أوْ قَبِيحٌ وطَوِيلٌ أوْ قَصِيرٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الحاضِرَةِ والمُتَرَقَّبَةِ فِيهِ.

ثم قال: ﴿وما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾ والغَيْضُ هو النُّقْصانُ سَواءٌ كانَ لازِمًا أوْ مُتَعَدِّيًا، يُقالُ: غاضَ الماءُ وغِضْتُهُ أنا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ [هُودٍ: ٤٤] والمُرادُ مِنَ الآيَةِ وما تَغِيضُهُ الأرْحامُ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ، وقَوْلُهُ: ﴿وما تَزْدادُ﴾ أيْ تَأْخُذُهُ زِيادَةً، تَقُولُ: أخَذْتُ مِنهُ حَقِّي وازْدَدْتُ مِنهُ كَذا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ [الكَهْفِ: ٢٥]

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيما تَغِيضُهُ الرَّحِمُ وتَزْدادُهُ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: عَدَدُ الوَلَدِ، فَإنَّ الرَّحِمَ قَدْ يَشْتَمِلُ عَلى واحِدٍ، واثْنَيْنِ، وعَلى ثَلاثَةٍ، …

10

سَوَآءٌۭ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ

It is the same [to Him] concerning you whether one conceals [his] speech or one publicizes it and whether one is hidden by night or conspicuous [among others] by day.

صفحة ١٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: في وجْهِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم طَلَبُوا آياتٍ أُخْرى غَيْرَ ما أتى بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَيَعْلَمُ مِن حالِهِمْ أنَّهم هَلْ طَلَبُوا الآيَةَ الأُخْرى لِلِاسْتِرْشادِ وطَلَبِ البَيانِ، أوْ لِأجْلِ التَّعَنُّتِ والعِنادِ؟ وهَلْ يَنْتَفِعُونَ بِظُهُورِ تِلْكَ الآياتِ، أوْ يَزْدادُ إصْرارُهم واسْتِكْبارُهُمْ؟ فَلَوْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم طَلَبُوا ذَلِكَ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ وطَلَبِ البَيانِ ومَزِيدِ الفائِدَةِ، لَأظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى وما مَنَعَهم عَنْهُ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إلّا لِأجَلِ مَحْضِ العِنادِ، لا جَرَمَ أنَّهُ تَعالى مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا﴾ [يُونُسَ: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ . [الأنْعامِ: ١٠٩] .

والثّانِي: أنَّ وجْهَ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ وذَلِكَ لِأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ بِسَبَبِ أنَّ أجْزاءَ أبْدانِ الحَيَواناتِ عِنْدَ تَفَرُّقِها وتَفَتُّتِها يَخْتَلِطُ بَعْضُها بِبَعْضٍ ولا يَبْقى الِامْتِيازُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما لا يُبْقِي الِامْتِيازَ في حَقِّ مَن لا يَكُونُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، أمّا في حَقِّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَإنَّهُ يُبْقِي تِلْكَ الأجْزاءَ بِحَيْثُ يَمْتازُ بَعْضُها عَنِ البَعْضِ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ.

الثّالِثُ: أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَهو تَعالى إنَّما يُنْزِلُ العَذابَ بِحَسَبِ ما يَعْلَمُ كَوْنَهُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الثّانِيَةُ: لَفْظُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ ] إمّا أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وإمّا أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً، فالمَعْنى: أنَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُهُ مِنَ الوَلَدِ أنَّهُ مِن أيِّ الأقْسامِ؛ أهُوَ ذَكَرٌ أمْ أُنْثى، وتامٌّ أوْ ناقِصٌ، وحَسَنٌ أوْ قَبِيحٌ وطَوِيلٌ أوْ قَصِيرٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الحاضِرَةِ والمُتَرَقَّبَةِ فِيهِ.

ثم قال: ﴿وما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾ والغَيْضُ هو النُّقْصانُ سَواءٌ كانَ لازِمًا أوْ مُتَعَدِّيًا، يُقالُ: غاضَ الماءُ وغِضْتُهُ أنا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ [هُودٍ: ٤٤] والمُرادُ مِنَ الآيَةِ وما تَغِيضُهُ الأرْحامُ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ، وقَوْلُهُ: ﴿وما تَزْدادُ﴾ أيْ تَأْخُذُهُ زِيادَةً، تَقُولُ: أخَذْتُ مِنهُ حَقِّي وازْدَدْتُ مِنهُ كَذا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ [الكَهْفِ: ٢٥]

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيما تَغِيضُهُ الرَّحِمُ وتَزْدادُهُ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: عَدَدُ الوَلَدِ، فَإنَّ الرَّحِمَ قَدْ يَشْتَمِلُ عَلى واحِدٍ، واثْنَيْنِ، وعَلى ثَلاثَةٍ، …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.