أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
Have they not seen that We set upon the land, reducing it from its borders? And Allah decides; there is no adjuster of His decision. And He is swift in account.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهو سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾
الضَّمِيرُ في ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ وُعِدُوا، وفي ذَلِكَ اتِّعاظٌ لِمَنِ اتَّعَظَ، نُبِّهُوا عَلى أنْ يَنْظُرُوا بَعْضَ الأرْضِ مِن أطْرافِها. و(نَأْتِي) يَعْنِي بِالأمْرِ والقُدْرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ﴾ [النحل: ٢٦] والأرْضُ أرْضُ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ، ويَعْنِي بِنَقْصِها مِن أطْرافِها لِلْمُسْلِمِينَ: مِن جَوانِبِها. كانَ المُسْلِمُونَ يَغْزُونَ مِن حَوالَيْ أرْضِ الكُفّارِ مِمّا يَلِي المَدِينَةَ، ويَغْلِبُونَ عَلى جَوانِبِ أرْضِ مَكَّةَ، والأطْرافُ: الجَوانِبُ. وقِيلَ: الطَّرَفُ مِن كُلِّ شَيْءِ خِيارُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: العُلُومُ أوْدِيَةٌ، في أيِّ وادٍ أخَذْتَ مِنها خَسِرْتَ، فَخُذُوا مِن كُلِّ شَيْءٍ طَرَفًا يَعْنِي: خِيارًا، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ مَعْنى طَرَفًا جانِبًا وبَعْضًا، كَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّ الإنْسانَ يَكُونُ مُشارِكًا في أطْرافٍ مِنَ العُلُومِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُهُ اسْتِيعابُ جَمِيعِها، ولَمْ يُشِرْ إلى أنَّهُ يَسْتَغْرِقُ زَمانَهُ في عِلْمٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: نَأْتِي أرْضَ هَؤُلاءِ بِالفَتْحِ عَلَيْكَ، فَتَنْقُصُها بِما يَدْخُلُ في دِينِكَ مِنَ القَبائِلِ والبِلادِ المُجاوِرَةِ لَهم، فَما يُؤْمِنُهم أنْ يُمَكِّنَهُ مِنهم. وهَذا التَّفْسِيرُ لا يَتَأتّى إلّا أنْ قُدِّرَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ بِالمَدِينَةِ. وقِيلَ: (الأرْضَ) اسْمُ جِنْسٍ، والِانْتِقاصُ مِنَ الأطْرافِ بِتَخْرِيبِ العُمْرانِ الَّذِي يُحِلُّهُ اللَّهُ بِالكَفَرَةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ، وعَنْهُما أيْضًا: الِانْتِقاصُ هو بِمَوْتِ البَشَرِ، وهَلاكِ الثَّمَراتِ، ونَقْصِ البَرَكَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: مَوْتُ أشْرافِها وكُبَرائِها، وذَهابُ الصُّلَحاءِ والأخْيارِ، فَعَلى هَذا الأطْرافُ هُنا الأشْرافُ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الطَّرْفُ والطَّرَفُ: الرَّجُلُ الكَرِيمُ. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: ذَهابُ فُقَهائِها وخُيّارِ أهْلِها. وعَنْ مُجاهِدٍ: مَوْتُ الفُقَهاءِ والعُلَماءِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ: هو نَقْصُ الأنْفُسِ. وقِيلَ: هَلاكُ مَن أهْلَكَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَ قُرَيْشٍ، وهَلاكُ أرْضِهِمْ بَعْدَهم. والمُناسِبُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ هو الأوَّلُ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ إلّا ما هو قَرِيبٌ مِنهُ قالَ: ﴿نَأْتِي الأرْضَ﴾ أرْضَ الكُفْرِ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها بِما يُفْتَحُ عَلى المُسْلِمِينَ مِن بِلادِهِمْ، فَيُنْقِصُ دارَ الحَرْبِ، ويُزِيدُ في دارِ الإسْلامِ، وذَلِكَ مِن آياتِ الغَلَبَةِ والنُّصْرَةِ. ونَحْوُهُ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤] ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ﴾ [فصلت: ٥٣] والمَعْنى: عَلَيْكَ بِبَلاغِ الَّذِي حَمَلْتَهُ، ولا تَهْتَمَّ بِما وراءَ ذَلِكَ فَنَحْنُ نَكْفِيكَهُ، ونُتِمُّ ما وعَدْناكَ مِنَ الظَّفَرِ، ولا يُضْجِرُكَ تَأخُّرُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ لِما نَعْلَمُ مِنَ المَصالِحِ الَّتِي لا تَعْلَمُها، ثُمَّ طَيَّبَ نَفْسَهُ ونَفَّسَ عَنْها بِما ذَكَرَ مِن طُلُوعِ تَباشِيرِ الظَّفَرِ. ويَتَّجِهُ قَوْلُ مَن قالَ: النَّقْصُ …