Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 1–10 of 43

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

Alif, Lam, Meem, Ra. These are the verses of the Book; and what has been revealed to you from your Lord is the truth, but most of the people do not believe.

(سُورَةُ الرَّعْدِ ثَلاثٌ وأرْبَعُونَ آيَةً مَكِّيَّةً ومَدَنِيَّةً)

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿المر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣] ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الرعد: ٥] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ [الرعد: ٦] ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨] ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩] ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ [الرعد: ١٠] ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ [الرعد: ١١] ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ [الرعد: ١٢] ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ وهو شَدِيدُ المِحالِ﴾ [الرعد: ١٣] ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ إلّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وما هو بِبالِغِهِ وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤] ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الرعد: ١٦] ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ …

2

ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍۢ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ

It is Allah who erected the heavens without pillars that you [can] see; then He established Himself above the Throne and made subject the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. He arranges [each] matter; He details the signs that you may, of the meeting with your Lord, be certain.

(سُورَةُ الرَّعْدِ ثَلاثٌ وأرْبَعُونَ آيَةً مَكِّيَّةً ومَدَنِيَّةً)

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿المر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣] ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الرعد: ٥] ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ [الرعد: ٦] ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨] ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩] ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ [الرعد: ١٠] ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ [الرعد: ١١] ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ [الرعد: ١٢] ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ وهو شَدِيدُ المِحالِ﴾ [الرعد: ١٣] ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ إلّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وما هو بِبالِغِهِ وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤] ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الرعد: ١٦] ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ …

3

وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَٰرًۭا ۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

And it is He who spread the earth and placed therein firmly set mountains and rivers; and from all of the fruits He made therein two mates; He causes the night to cover the day. Indeed in that are signs for a people who give thought.

﴿وهو الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ لَمّا قَرَّرَ الدَّلائِلَ السَّماوِيَّةَ أرْدَفَها بِتَقْرِيرِ الدَّلائِلِ الأرْضِيَّةِ. و﴿مَدَّ الأرْضَ﴾ بَسَطَها طُولًا وعَرْضًا لِيُمْكِنَ التَّصَرُّفُ فِيها، والِاسْتِقْرارُ عَلَيْها. قِيلَ: مَدَّها ودَحاها مِن مَكَّةَ مِن تَحْتِ البَيْتِ، فَذَهَبَتْ كَذا وكَذا. وقِيلَ: كانَتْ مُجْتَمِعَةً عِنْدَ بَيْتِ المَقْدِسِ فَقالَ لَها: اذْهَبِي كَذا وكَذا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: ﴿مَدَّ الأرْضَ﴾ يَقْتَضِي أنَّها بَسِيطَةٌ لا كُرَةٌ، وهَذا هو ظاهِرُ الشَّرِيعَةِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الدّارانِيُّ: ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الأرْضَ كُرَةٌ، ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿مَدَّ الأرْضَ﴾ وذَلِكَ أنَّ الأرْضَ جِسْمٌ عَظِيمٌ، والكُرَةُ إذا كانَتْ في غايَةِ الكِبَرِ كانَ قِطْعَةٌ مِنها تُشاهَدُ كالسَّطْحِ، والتَّفاوُتُ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّطْحِ لا يَحْصُلُ إلّا في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى. ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٧] مَعَ أنَّ العالَمَ والنّاسَ يَسِيرُونَ عَلَيْها فَكَذَلِكَ هُنا. وأيْضًا إنَّما ذَكَرَ مَدَّ الأرْضِ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وكَوْنُها مُجْتَمِعَةً تَحْتَ البَيْتِ أمْرٌ غَيْرُ مُشاهَدٍ ولا مَحْسُوسٍ، فَلا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، فَتَأْوِيلُ ﴿مَدَّ الأرْضَ﴾ أنَّهُ جَعَلَها بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، وكَوْنُها تَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ أمْرٌ جائِزٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، فالِاخْتِصاصُ بِذَلِكَ المِقْدارِ المُعَيَّنِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ مُخَصَّصٍ، وتَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ، وبِهَذا يَحْصُلُ الِاسْتِدْلالُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، انْتَهى. مُلَخَّصًا.

وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: المَدُّ البَسْطُ إلى ما لا يُرى مُنْتَهاهُ، فالمَعْنى: جَعَلَ الأرْضَ حَجْمًا يَسِيرًا لا يَقَعُ البَصَرُ عَلى مُنْتَهاهُ، فَإنَّ الأرْضَ لَوْ كانَتْ أصْغَرَ حَجْمًا مِمّا هي الآنَ عَلَيْهِ لَما كَمُلَ الِانْتِفاعُ بِها، انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن أنَّها لَوْ كانَتْ أصْغَرَ. . . . . إلى آخِرِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأنَّ المُنْتَفَعَ بِهِ مِنَ الأرْضِ المَعْمُورُ، والمَعْمُورُ أقَلُّ مِن غَيْرِ المَعْمُورِ بِكَثِيرٍ، فَلَوْ أرادَ تَعالى أنْ يَجْعَلَها مِقْدارَ المَعْمُورِ المُنْتَفَعِ بِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُمُتَنِعًا، فَتَحْصُلُ في قَوْلِهِ: ﴿مَدَّ الأرْضَ﴾ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: بَسَطَها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُجْتَمِعَةً، واخْتِصاصُها بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، وجَعَلَ حَجْمَها كَبِيرًا لا يُرى مُنْتَهاهُ. والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎بِهِ خالِداتٌ ما يَرُمْنَ وهامِدٌ وأشْعَثُ أرْسَتْهُ الوَلِيدَةُ بِالفَهْرِ

والمَعْنى: جِبِالًا رَواسِيَ، وفَواعِلُ الوَصْفِ لا يَطَّرِدُ إلّا في الإناثِ، إلّا أنَّ جَمْعَ التَّكْسِيرِ مِنَ المُذَكَّرِ الَّذِي لا يَعْقِلُ يَجْرِي مَجْرى جَمْعِ الإناثِ، وأيْضًا فَقَدْ غَلَبَ عَلى الجِبالِ وصْفُها بِالرَّواسِي، وصارَتِ الصِّفَةُ تُغْنِي عَنِ المَوْصُوفِ، فَجُمِعَ جَمْعَ الِاسْمِ كَحائِطٍ وحَوائِطَ وكاهِلٍ وكَواهِلَ. وقِيلَ: ﴿رَواسِيَ﴾ جَمْعُ راسِيَةٍ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، وهو: وصْفُ الجَبَلِ. كانَتِ الأرْضُ مُضْطَرِبَةً فَثَقَّلَها اللَّهُ بِالجِبالِ في أحْيازِها فَزالَ اضْطِرابُها، والِاسْتِدْلالُ بِوُجُودِ الجِبالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ الحَكِيمِ. قِيلَ: مِن جِهَةِ أنَّ طَبِيعَةَ الأرْضِ واحِدَةٌ، فَحُصُولُ الجَبَلِ في …

4

وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَٰوِرَٰتٌۭ وَجَنَّٰتٌۭ مِّنْ أَعْنَٰبٍۢ وَزَرْعٌۭ وَنَخِيلٌۭ صِنْوَانٌۭ وَغَيْرُ صِنْوَانٍۢ يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

And within the land are neighboring plots and gardens of grapevines and crops and palm trees, [growing] several from a root or otherwise, watered with one water; but We make some of them exceed others in [quality of] fruit. Indeed in that are signs for a people who reason.

﴿وفي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قِطَعٌ﴾ جَمْعُ قِطْعَةٍ وهي الجُزْءُ. و﴿مُتَجاوِراتٌ﴾ مُتَلاصِقَةٌ مُتَدانِيَةٌ، قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو العالِيَةِ والضَّحّاكُ: أرْضٌ طَيِّبَةٌ وأرْضٌ سَبِخَةٌ، نَبَتَتْ هَذِهِ وهَذِهِ إلى جَنْبِها لا تَنْبُتُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وقَتادَةُ: يَعْنِي القُرى المُتَجاوِرَةَ. وقِيلَ: مُتَجاوِرَةً في المَكانِ، مُخْتَلِفَةً في الصِّفَةِ، صَلْبَةً إلى رَخْوَةٍ، وصُحْرًا إلى مَرْدٍ أوْ مُخْصِبَةً إلى مُجْدِبَةٍ، وصالِحَةً لِلزَّرْعِ لا لِلشَّجَرِ، وعَكْسَها مَعَ انْتِظامِ جَمِيعِها في الأرْضِيَّةِ. وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ مَعْطُوفٌ أيْ: وغَيْرُ مُتَجاوِراتٍ.

والمُتَجاوِراتُ المُدُنُ وما كانَ عامِرًا، وغَيْرُ المُتَجاوِراتِ الصَّحارِي وما كانَ غَيْرَ عامِرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ مِن وصْفِهِ لَها بِالتَّجاوُرِ إنَّما هو مِن تُرْبَةٍ واحِدَةٍ، ونَوْعٍ واحِدٍ. ومَوْضِعُ العِبْرَةِ في هَذا أبْيَنُ؛ لِأنَّها مَعَ اتِّفاقِها في التُّرْبَةِ والماءِ، تُفَضِّلُ القُدْرَةُ والإرادَةُ بَعْضَ أكْلِها عَلى بَعْضٍ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ”الدَّقَلُ والقارِسُ، والحُلْوُ والحامِضُ“ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَيَّدَ مِنها في هَذا المِثالِ ما جاوَرَ وقَرُبَ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ؛ لِأنَّ اخْتِلافَ ذَلِكَ في الأكْلِ أغْرَبُ. وفي بَعْضِ المَصاحِفِ: (قِطَعًا مُتَجاوِراتٍ) بِالنَّصْبِ عَلى (جَعَلَ) وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وجَنّاتٌ) بِالرَّفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ: بِالنَّصْبِ، بِإضْمارِ فَعْلٍ. وقِيلَ: عَطْفًا عَلى ﴿رَواسِيَ﴾ [الرعد: ٣] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالعَطْفِ عَلى ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣]، أوْ بِالجَرِّ عَلى ﴿كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [الرعد: ٣] انْتَهى. والأوْلى إضْمارُ فِعْلٍ لِبُعْدِ ما بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ في هَذِهِ التَّخارِيجِ، والفَصْلُ بَيْنَهُما بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ. وقَرَأابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: ﴿وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ بِالرَّفْعِ في الجَمِيعِ عَلى مُراعاةِ ﴿قِطَعٌ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَطْفًا عَلى أعْنابٍ، ولَيْسَتْ عِبارَةً مُحَرَّرَةً أيْضًا؛ لِأنَّ فِيها ما لَيْسَ بِعَطْفٍ وهو قَوْلُهُ: ﴿صِنْوانٌ﴾ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِخَفْضِ الأرْبَعَةِ عَلى مُراعاةِ ﴿مِن أعْنابٍ﴾ قالَ: وجَعَلَ الجَنَّةَ مِنَ الأعْنابِ مِن رَفْعِ الزَّرْعِ، والجَنَّةُ حَقِيقَةً إنَّما هي الأرْضُ الَّتِي فِيها الأعْنابُ، وفي ذَلِكَ تَجُوزُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎كَأنَّ عَيْنِي في غَرْبَيَّ مُقْبِلَةٌ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا

أيْ: نَخِيلَ جَنَّةٍ؛ إذْ لا يُوصَفُ بِالسُّحْقِ إلّا النَّخْلُ. ومَن خَفَضَ الزَّرْعَ فالجَنّاتُ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ لا مِنَ الزَّرْعِ وحْدَهُ، لِأنَّهُ لا يُقالُ لِلْمَزْرَعَةِ جَنَّةٌ إلّا إذا خالَطَها ثَمَراتٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿صِنْوانٌ﴾ بِكَسْرِ الصّادِّ فِيهِما، وابْنُ مُصَرِّفٍ والسُّلَمِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِضَمِّها. والحَسَنُ وقَتادَةُ: بِفَتْحِها، وبِالفَتْحِ هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ، كالسَّعْدانِ. وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُسْقى بِالياءِ؛ أيْ: يُسْقى ما ذُكِرَ. وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأبِي جَعْفَرٍ وأهْلِ مَكَّةَ؛ أنَّثُوا لِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى لَفْظِ ما تَقَدَّمَ، ولِقَوْلِهِ: و(نُفَضِّلُ) بِالنُّونِ. وحَمْزَةُ …

5

۞ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌۭ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْأَغْلَٰلُ فِىٓ أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And if you are astonished, [O Muhammad] - then astonishing is their saying, "When we are dust, will we indeed be [brought] into a new creation?" Those are the ones who have disbelieved in their Lord, and those will have shackles upon their necks, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ ولَمّا أقامَ الدَّلائِلَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِما أوْدَعَهُ مِنَ الغَرائِبِ في مَلَكُوتِهِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِواهُ، عَجِبَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إنْكارِ المُشْرِكِينَ وحْدانِيَّتَهُ وتَوْهِينِهِمْ قُدْرَتَهُ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ فَنَزَلَ ﴿وإنْ تَعْجَبْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وإنْ تَعْجَبْ مِن تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ بَعْدَما كانُوا حَكَمُوا عَلَيْكَ أنَّكَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَهَذا أعْجَبُ. وقِيلَ: وإنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن عِبادَتِهِمْ ما لا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا بَعْدَما عَرَفُوا الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى التَّوْحِيدِ، فَهَذا أعْجَبُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تَعْجَبْ مِن قَوْلِهِمْ يا مُحَمَّدُ في إنْكارِ البَعْثِ، فَقَوْلُهم عَجِيبٌ، حَقِيقٌ بِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْشاءِ ما عَدَّدَ عَلَيْكَ مِنَ الفِطَرِ العَظِيمَةِ، ولِمَ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ، كانَتِ الإعادَةُ أهْوَنَ شَيْءٍ عَلَيْهِ وأيْسَرَهُ، فَكانَ إنْكارُهم أُعْجُوبَةً مِنَ الأعاجِيبِ، انْتَهى. ولَيْسَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ ما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ مُتَعَلِّقَ عَجَبِهِ ﷺ هو قَوْلُهم في إنْكارِ البَعْثِ، فاتَّحَدَ الجَزاءُ والشَّرْطُ، إذْ صارَ التَّقْدِيرُ: وإنْ تَعْجَبْ مِن قَوْلِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ فاعْجَبْ مِن قَوْلِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ، وإنَّما مَدْلُولُ اللَّفْظِ أنْ يَقَعَ مِنكَ عَجَبٌ، فَلْيَكُنْ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أئِذا كُنّا﴾ الآيَةَ. وكانَ المَعْنى الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ: هو إنْكارُ البَعْثِ؛ لِأنَّهُ تَعالى هو المُخْتَرِعُ لِلْأشْياءِ، ومَن كانَ قادِرًا عَلى إبْرازِها مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ كانَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] أيْ: هَيِّنٌ عَلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ؛ أيْ: إنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن جَهالَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ، فَهم أهْلٌ لِذَلِكَ، وعَجِيبٌ وغَرِيبٌ أنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمُ العَوْدَ بَعْدَ كَوْنِنا خَلْقًا جَدِيدًا. ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ مَنزَعًا آخَرَ: إنْ كُنْتَ تُرِيدَ عَجَبًا فَهَلُمَّ، فَإنَّ مِن أعْجَبِ العَجَبِ قَوْلَهم، انْتَهى. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في الِاسْتِفْهامَيْنِ إذا اجْتَمَعا في أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا، هُنا مَوْضِعٌ، وكَذا في المُؤْمِنِينَ، وفي العَنْكَبُوتِ، وفي النَّمْلِ، وفي السَّجْدَةِ، وفي الواقِعَةِ، وفي والنّازِعاتِ، وفي بَنِي إسْرائِيلَ مَوْضِعانِ، وكَذا في والصّافّاتِ.

وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ بِجَعْلِ الأوَّلِ اسْتِفْهامًا، والثّانِي خَبَرًا، إلّا في العَنْكَبُوتِ والنَّمْلِ بِعَكْسِ نافِعٍ. وجَمَعَ الكِسائِيُّ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ في العَنْكَبُوتِ، وأمّا في النَّمْلِ فَعَلى أصْلِهِ إلّا أنَّهُ زادَ نُونًا فَقَرَأ: (إنَّنا لَمُخْرَجُونَ) وقَرَأابْنُ عامِرٍ بِجَعْلِ الأوَّلِ خَبَرًا، والثّانِي اسْتِفْهامًا، إلّا في النَّمْلِ والنّازِعاتِ فَعَكْسٌ، وزادَ في النَّمْلِ نُونًا كالكِسائِيِّ. وإلّا في الواقِعَةِ فَقَرَأهُما بِاسْتِفْهامَيْنِ، وهي قِراءَةُ باقِي السَّبْعَةِ في هَذا البابِ، إلّا …

6

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَٰتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

They impatiently urge you to bring about evil before good, while there has already occurred before them similar punishments [to what they demand]. And indeed, your Lord is full of forgiveness for the people despite their wrongdoing, and indeed, your Lord is severe in penalty.

﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ ولَمّا أقامَ الدَّلائِلَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِما أوْدَعَهُ مِنَ الغَرائِبِ في مَلَكُوتِهِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِواهُ، عَجِبَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إنْكارِ المُشْرِكِينَ وحْدانِيَّتَهُ وتَوْهِينِهِمْ قُدْرَتَهُ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ فَنَزَلَ ﴿وإنْ تَعْجَبْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وإنْ تَعْجَبْ مِن تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ بَعْدَما كانُوا حَكَمُوا عَلَيْكَ أنَّكَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَهَذا أعْجَبُ. وقِيلَ: وإنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن عِبادَتِهِمْ ما لا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا بَعْدَما عَرَفُوا الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى التَّوْحِيدِ، فَهَذا أعْجَبُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تَعْجَبْ مِن قَوْلِهِمْ يا مُحَمَّدُ في إنْكارِ البَعْثِ، فَقَوْلُهم عَجِيبٌ، حَقِيقٌ بِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْشاءِ ما عَدَّدَ عَلَيْكَ مِنَ الفِطَرِ العَظِيمَةِ، ولِمَ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ، كانَتِ الإعادَةُ أهْوَنَ شَيْءٍ عَلَيْهِ وأيْسَرَهُ، فَكانَ إنْكارُهم أُعْجُوبَةً مِنَ الأعاجِيبِ، انْتَهى. ولَيْسَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ ما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ مُتَعَلِّقَ عَجَبِهِ ﷺ هو قَوْلُهم في إنْكارِ البَعْثِ، فاتَّحَدَ الجَزاءُ والشَّرْطُ، إذْ صارَ التَّقْدِيرُ: وإنْ تَعْجَبْ مِن قَوْلِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ فاعْجَبْ مِن قَوْلِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ، وإنَّما مَدْلُولُ اللَّفْظِ أنْ يَقَعَ مِنكَ عَجَبٌ، فَلْيَكُنْ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أئِذا كُنّا﴾ الآيَةَ. وكانَ المَعْنى الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ: هو إنْكارُ البَعْثِ؛ لِأنَّهُ تَعالى هو المُخْتَرِعُ لِلْأشْياءِ، ومَن كانَ قادِرًا عَلى إبْرازِها مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ كانَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] أيْ: هَيِّنٌ عَلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ؛ أيْ: إنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن جَهالَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ، فَهم أهْلٌ لِذَلِكَ، وعَجِيبٌ وغَرِيبٌ أنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمُ العَوْدَ بَعْدَ كَوْنِنا خَلْقًا جَدِيدًا. ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ مَنزَعًا آخَرَ: إنْ كُنْتَ تُرِيدَ عَجَبًا فَهَلُمَّ، فَإنَّ مِن أعْجَبِ العَجَبِ قَوْلَهم، انْتَهى. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في الِاسْتِفْهامَيْنِ إذا اجْتَمَعا في أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا، هُنا مَوْضِعٌ، وكَذا في المُؤْمِنِينَ، وفي العَنْكَبُوتِ، وفي النَّمْلِ، وفي السَّجْدَةِ، وفي الواقِعَةِ، وفي والنّازِعاتِ، وفي بَنِي إسْرائِيلَ مَوْضِعانِ، وكَذا في والصّافّاتِ.

وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ بِجَعْلِ الأوَّلِ اسْتِفْهامًا، والثّانِي خَبَرًا، إلّا في العَنْكَبُوتِ والنَّمْلِ بِعَكْسِ نافِعٍ. وجَمَعَ الكِسائِيُّ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ في العَنْكَبُوتِ، وأمّا في النَّمْلِ فَعَلى أصْلِهِ إلّا أنَّهُ زادَ نُونًا فَقَرَأ: (إنَّنا لَمُخْرَجُونَ) وقَرَأابْنُ عامِرٍ بِجَعْلِ الأوَّلِ خَبَرًا، والثّانِي اسْتِفْهامًا، إلّا في النَّمْلِ والنّازِعاتِ فَعَكْسٌ، وزادَ في النَّمْلِ نُونًا كالكِسائِيِّ. وإلّا في الواقِعَةِ فَقَرَأهُما بِاسْتِفْهامَيْنِ، وهي قِراءَةُ باقِي السَّبْعَةِ في هَذا البابِ، إلّا …

7

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ

And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" You are only a warner, and for every people is a guide.

﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ ولَمّا أقامَ الدَّلائِلَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِما أوْدَعَهُ مِنَ الغَرائِبِ في مَلَكُوتِهِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِواهُ، عَجِبَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إنْكارِ المُشْرِكِينَ وحْدانِيَّتَهُ وتَوْهِينِهِمْ قُدْرَتَهُ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ فَنَزَلَ ﴿وإنْ تَعْجَبْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وإنْ تَعْجَبْ مِن تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ بَعْدَما كانُوا حَكَمُوا عَلَيْكَ أنَّكَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَهَذا أعْجَبُ. وقِيلَ: وإنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن عِبادَتِهِمْ ما لا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا بَعْدَما عَرَفُوا الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى التَّوْحِيدِ، فَهَذا أعْجَبُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ تَعْجَبْ مِن قَوْلِهِمْ يا مُحَمَّدُ في إنْكارِ البَعْثِ، فَقَوْلُهم عَجِيبٌ، حَقِيقٌ بِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْشاءِ ما عَدَّدَ عَلَيْكَ مِنَ الفِطَرِ العَظِيمَةِ، ولِمَ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ، كانَتِ الإعادَةُ أهْوَنَ شَيْءٍ عَلَيْهِ وأيْسَرَهُ، فَكانَ إنْكارُهم أُعْجُوبَةً مِنَ الأعاجِيبِ، انْتَهى. ولَيْسَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ ما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ مُتَعَلِّقَ عَجَبِهِ ﷺ هو قَوْلُهم في إنْكارِ البَعْثِ، فاتَّحَدَ الجَزاءُ والشَّرْطُ، إذْ صارَ التَّقْدِيرُ: وإنْ تَعْجَبْ مِن قَوْلِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ فاعْجَبْ مِن قَوْلِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ، وإنَّما مَدْلُولُ اللَّفْظِ أنْ يَقَعَ مِنكَ عَجَبٌ، فَلْيَكُنْ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أئِذا كُنّا﴾ الآيَةَ. وكانَ المَعْنى الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ: هو إنْكارُ البَعْثِ؛ لِأنَّهُ تَعالى هو المُخْتَرِعُ لِلْأشْياءِ، ومَن كانَ قادِرًا عَلى إبْرازِها مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ كانَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] أيْ: هَيِّنٌ عَلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ؛ أيْ: إنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن جَهالَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ، فَهم أهْلٌ لِذَلِكَ، وعَجِيبٌ وغَرِيبٌ أنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمُ العَوْدَ بَعْدَ كَوْنِنا خَلْقًا جَدِيدًا. ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ مَنزَعًا آخَرَ: إنْ كُنْتَ تُرِيدَ عَجَبًا فَهَلُمَّ، فَإنَّ مِن أعْجَبِ العَجَبِ قَوْلَهم، انْتَهى. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في الِاسْتِفْهامَيْنِ إذا اجْتَمَعا في أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا، هُنا مَوْضِعٌ، وكَذا في المُؤْمِنِينَ، وفي العَنْكَبُوتِ، وفي النَّمْلِ، وفي السَّجْدَةِ، وفي الواقِعَةِ، وفي والنّازِعاتِ، وفي بَنِي إسْرائِيلَ مَوْضِعانِ، وكَذا في والصّافّاتِ.

وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ بِجَعْلِ الأوَّلِ اسْتِفْهامًا، والثّانِي خَبَرًا، إلّا في العَنْكَبُوتِ والنَّمْلِ بِعَكْسِ نافِعٍ. وجَمَعَ الكِسائِيُّ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ في العَنْكَبُوتِ، وأمّا في النَّمْلِ فَعَلى أصْلِهِ إلّا أنَّهُ زادَ نُونًا فَقَرَأ: (إنَّنا لَمُخْرَجُونَ) وقَرَأابْنُ عامِرٍ بِجَعْلِ الأوَّلِ خَبَرًا، والثّانِي اسْتِفْهامًا، إلّا في النَّمْلِ والنّازِعاتِ فَعَكْسٌ، وزادَ في النَّمْلِ نُونًا كالكِسائِيِّ. وإلّا في الواقِعَةِ فَقَرَأهُما بِاسْتِفْهامَيْنِ، وهي قِراءَةُ باقِي السَّبْعَةِ في هَذا البابِ، إلّا …

8

ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ

Allah knows what every female carries and what the wombs lose [prematurely] or exceed. And everything with Him is by due measure.

﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾

مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو ما نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ تَعالى لَمّا طَلَبَ الكُفّارُ أنْ يُنَزَّلَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ آيَةٌ - وكَمْ آيَةٍ نَزَلَتْ - أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ آياتِ عِلْمِهِ الباهِرِ، وقُدْرَتِهِ النّافِذَةِ، وحِكْمَتِهِ البَلِيغَةِ، وأنَّ ما نَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ كافِيَةٌ لِمَن تَبَصَّرَ، فَلا يَقْتَرِحُونَ غَيْرَها، وأنَّ نُزُولَ الآياتِ إنَّما هو عَلى ما يُقَدِّرُهُ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: مُناسَبَةُ ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ لِتَفَرُّقِ الأجْزاءِ واخْتِلاطِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، بِحَيْثُ لا يَتَهَيَّأُ الِامْتِيازُ بَيْنَها، نَبَّهَ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ، وأنَّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ هو قادِرٌ عَلى إعادَةِ ما أنْشَأ. وقِيلَ: مُناسَبَةُ ذَلِكَ أنَّهم لَمّا اسْتَعْجَلُوا بِالسَّيِّئَةِ نَبَّهَ عَلى عِلْمِهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وأنَّهُ إنَّما نَزَلَ العَذابُ بِحَسَبِ ما يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَصْلَحَةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَصَّ في هَذا المَثَلِ المُنَبِّهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ القاضِيَةَ بِتَجْوِيزِ البَعْثِ، فَمِن ذَلِكَ الواحِدَةُ مِنَ الجِنْسِ الَّتِي هي مَفاتِيحُ الغَيْبِ؛ يَعْنِي: الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هو، وما تَحْمِلُهُ الإناثُ مِنَ النُّطْفَةِ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ. وهَذا البَدْءُ يُبَيِّنُ أنَّهُ لا يَتَعَذَّرُ عَلى القادِرِ عَلَيْها الإعادَةُ، و(اللَّهُ يَعْلَمُ) كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ؛ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، ومَن فَسَّرَ الهادِيَ بِاللَّهِ جازَ أنْ يَكُونَ (اللَّهُ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ ابْتَدَأ إخْبارًا عَنْهُ فَقالَ: (يَعْلَمُ) . و(يَعْلَمُ) هُنا مُتَعَدِّيَةٌ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّهُ لا يُرادُ هُنا النِّسْبَةُ، إنَّما المُرادُ تَعَلُّقٌ بِالمُفْرَداتِ، و(ما) جَوَّزُوا أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ عَلَيْها في صَلاتِها مَحْذُوفٌ، ويَكُونُ (تَغِيضُ) مُتَعَدِّيًا و(أنْ) تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً، فَيَكُونُ ”تَغِيضُ، وتَزْدادُ“ لازِمانِ. وسَماعُ تَعْدِيَتِهِما ولُزُومِهِما ثابِتٌ مِن كَلامِ العَرَبِ. و(أنْ) تَكُونُ اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و(تَحْمِلُ) خَبَرُهُ و(يَعْلَمُ) مُتَعَلِّقُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ. و(تَحْمِلُ) هُنا مِن حَمْلِ البَطْنِ، لا مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَّهْرِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ﴿ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ و”ما تَضَعُ، وتَحْمِلُ“ عَلى التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّها زِيادَةٌ لَمْ تَثْبُتْ في سَوادِ المُصْحَفِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (تَغِيضُ) تَنْقُصُ مِنَ الخِلْقَةِ، و(تَزْدادُ) تَتِمُّ.

وقالَ مُجاهِدٌ: غَيْضُ الرَّحِمِ أنْ يَنْهَرِقَ دَمًا عَلى الحَمْلِ، فَيَضْعُفُ الوَلَدُ في البَطْنِ ويُسْحَبُ، فَإذا بَقِيَ الوَلَدُ في بَطْنِها بَعْدَ تِسْعَةِ أشْهُرٍ مُدَّةً كَمُلَ فِيها مِن خَمْسَةٍ وصَحِبَهُ ما نَقَصَ مِن هِراقَةِ الدَّمِ، انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: تَغِيضُ بِطَهُورِ الحَيْضِ في الحَبَلِ، وتَزْدادُ بِدَمِ النِّفاسِ بَعْدَ …

9

عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ

[He is] Knower of the unseen and the witnessed, the Grand, the Exalted.

﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾

مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو ما نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ تَعالى لَمّا طَلَبَ الكُفّارُ أنْ يُنَزَّلَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ آيَةٌ - وكَمْ آيَةٍ نَزَلَتْ - أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ آياتِ عِلْمِهِ الباهِرِ، وقُدْرَتِهِ النّافِذَةِ، وحِكْمَتِهِ البَلِيغَةِ، وأنَّ ما نَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ كافِيَةٌ لِمَن تَبَصَّرَ، فَلا يَقْتَرِحُونَ غَيْرَها، وأنَّ نُزُولَ الآياتِ إنَّما هو عَلى ما يُقَدِّرُهُ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: مُناسَبَةُ ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ لِتَفَرُّقِ الأجْزاءِ واخْتِلاطِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، بِحَيْثُ لا يَتَهَيَّأُ الِامْتِيازُ بَيْنَها، نَبَّهَ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ، وأنَّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ هو قادِرٌ عَلى إعادَةِ ما أنْشَأ. وقِيلَ: مُناسَبَةُ ذَلِكَ أنَّهم لَمّا اسْتَعْجَلُوا بِالسَّيِّئَةِ نَبَّهَ عَلى عِلْمِهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وأنَّهُ إنَّما نَزَلَ العَذابُ بِحَسَبِ ما يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَصْلَحَةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَصَّ في هَذا المَثَلِ المُنَبِّهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ القاضِيَةَ بِتَجْوِيزِ البَعْثِ، فَمِن ذَلِكَ الواحِدَةُ مِنَ الجِنْسِ الَّتِي هي مَفاتِيحُ الغَيْبِ؛ يَعْنِي: الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هو، وما تَحْمِلُهُ الإناثُ مِنَ النُّطْفَةِ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ. وهَذا البَدْءُ يُبَيِّنُ أنَّهُ لا يَتَعَذَّرُ عَلى القادِرِ عَلَيْها الإعادَةُ، و(اللَّهُ يَعْلَمُ) كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ؛ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، ومَن فَسَّرَ الهادِيَ بِاللَّهِ جازَ أنْ يَكُونَ (اللَّهُ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ ابْتَدَأ إخْبارًا عَنْهُ فَقالَ: (يَعْلَمُ) . و(يَعْلَمُ) هُنا مُتَعَدِّيَةٌ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّهُ لا يُرادُ هُنا النِّسْبَةُ، إنَّما المُرادُ تَعَلُّقٌ بِالمُفْرَداتِ، و(ما) جَوَّزُوا أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ عَلَيْها في صَلاتِها مَحْذُوفٌ، ويَكُونُ (تَغِيضُ) مُتَعَدِّيًا و(أنْ) تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً، فَيَكُونُ ”تَغِيضُ، وتَزْدادُ“ لازِمانِ. وسَماعُ تَعْدِيَتِهِما ولُزُومِهِما ثابِتٌ مِن كَلامِ العَرَبِ. و(أنْ) تَكُونُ اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و(تَحْمِلُ) خَبَرُهُ و(يَعْلَمُ) مُتَعَلِّقُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ. و(تَحْمِلُ) هُنا مِن حَمْلِ البَطْنِ، لا مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَّهْرِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ﴿ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ و”ما تَضَعُ، وتَحْمِلُ“ عَلى التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّها زِيادَةٌ لَمْ تَثْبُتْ في سَوادِ المُصْحَفِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (تَغِيضُ) تَنْقُصُ مِنَ الخِلْقَةِ، و(تَزْدادُ) تَتِمُّ.

وقالَ مُجاهِدٌ: غَيْضُ الرَّحِمِ أنْ يَنْهَرِقَ دَمًا عَلى الحَمْلِ، فَيَضْعُفُ الوَلَدُ في البَطْنِ ويُسْحَبُ، فَإذا بَقِيَ الوَلَدُ في بَطْنِها بَعْدَ تِسْعَةِ أشْهُرٍ مُدَّةً كَمُلَ فِيها مِن خَمْسَةٍ وصَحِبَهُ ما نَقَصَ مِن هِراقَةِ الدَّمِ، انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: تَغِيضُ بِطَهُورِ الحَيْضِ في الحَبَلِ، وتَزْدادُ بِدَمِ النِّفاسِ بَعْدَ …

10

سَوَآءٌۭ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ

It is the same [to Him] concerning you whether one conceals [his] speech or one publicizes it and whether one is hidden by night or conspicuous [among others] by day.

﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾

مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو ما نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ تَعالى لَمّا طَلَبَ الكُفّارُ أنْ يُنَزَّلَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ آيَةٌ - وكَمْ آيَةٍ نَزَلَتْ - أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ آياتِ عِلْمِهِ الباهِرِ، وقُدْرَتِهِ النّافِذَةِ، وحِكْمَتِهِ البَلِيغَةِ، وأنَّ ما نَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ كافِيَةٌ لِمَن تَبَصَّرَ، فَلا يَقْتَرِحُونَ غَيْرَها، وأنَّ نُزُولَ الآياتِ إنَّما هو عَلى ما يُقَدِّرُهُ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: مُناسَبَةُ ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ لِتَفَرُّقِ الأجْزاءِ واخْتِلاطِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، بِحَيْثُ لا يَتَهَيَّأُ الِامْتِيازُ بَيْنَها، نَبَّهَ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ، وأنَّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ هو قادِرٌ عَلى إعادَةِ ما أنْشَأ. وقِيلَ: مُناسَبَةُ ذَلِكَ أنَّهم لَمّا اسْتَعْجَلُوا بِالسَّيِّئَةِ نَبَّهَ عَلى عِلْمِهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وأنَّهُ إنَّما نَزَلَ العَذابُ بِحَسَبِ ما يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَصْلَحَةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَصَّ في هَذا المَثَلِ المُنَبِّهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ القاضِيَةَ بِتَجْوِيزِ البَعْثِ، فَمِن ذَلِكَ الواحِدَةُ مِنَ الجِنْسِ الَّتِي هي مَفاتِيحُ الغَيْبِ؛ يَعْنِي: الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هو، وما تَحْمِلُهُ الإناثُ مِنَ النُّطْفَةِ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ. وهَذا البَدْءُ يُبَيِّنُ أنَّهُ لا يَتَعَذَّرُ عَلى القادِرِ عَلَيْها الإعادَةُ، و(اللَّهُ يَعْلَمُ) كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ؛ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، ومَن فَسَّرَ الهادِيَ بِاللَّهِ جازَ أنْ يَكُونَ (اللَّهُ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ ابْتَدَأ إخْبارًا عَنْهُ فَقالَ: (يَعْلَمُ) . و(يَعْلَمُ) هُنا مُتَعَدِّيَةٌ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّهُ لا يُرادُ هُنا النِّسْبَةُ، إنَّما المُرادُ تَعَلُّقٌ بِالمُفْرَداتِ، و(ما) جَوَّزُوا أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ عَلَيْها في صَلاتِها مَحْذُوفٌ، ويَكُونُ (تَغِيضُ) مُتَعَدِّيًا و(أنْ) تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً، فَيَكُونُ ”تَغِيضُ، وتَزْدادُ“ لازِمانِ. وسَماعُ تَعْدِيَتِهِما ولُزُومِهِما ثابِتٌ مِن كَلامِ العَرَبِ. و(أنْ) تَكُونُ اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و(تَحْمِلُ) خَبَرُهُ و(يَعْلَمُ) مُتَعَلِّقُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ. و(تَحْمِلُ) هُنا مِن حَمْلِ البَطْنِ، لا مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَّهْرِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ﴿ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ و”ما تَضَعُ، وتَحْمِلُ“ عَلى التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّها زِيادَةٌ لَمْ تَثْبُتْ في سَوادِ المُصْحَفِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (تَغِيضُ) تَنْقُصُ مِنَ الخِلْقَةِ، و(تَزْدادُ) تَتِمُّ.

وقالَ مُجاهِدٌ: غَيْضُ الرَّحِمِ أنْ يَنْهَرِقَ دَمًا عَلى الحَمْلِ، فَيَضْعُفُ الوَلَدُ في البَطْنِ ويُسْحَبُ، فَإذا بَقِيَ الوَلَدُ في بَطْنِها بَعْدَ تِسْعَةِ أشْهُرٍ مُدَّةً كَمُلَ فِيها مِن خَمْسَةٍ وصَحِبَهُ ما نَقَصَ مِن هِراقَةِ الدَّمِ، انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: تَغِيضُ بِطَهُورِ الحَيْضِ في الحَبَلِ، وتَزْدادُ بِدَمِ النِّفاسِ بَعْدَ …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.