Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 31–40 of 43

31

وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًۭا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا۟ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًۭا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

And if there was any qur'an by which the mountains would be removed or the earth would be broken apart or the dead would be made to speak, [it would be this Qur'an], but to Allah belongs the affair entirely. Then have those who believed not accepted that had Allah willed, He would have guided the people, all of them? And those who disbelieve do not cease to be struck, for what they have done, by calamity - or it will descend near their home - until there comes the promise of Allah. Indeed, Allah does not fail in [His] promise.

ولَمّا فَرَغَ مِنَ الجَوابِ عَنِ الكُفْرِ بِالمُوحى، عُطِفَ عَلى ”هُوَ رَبِّي“ الجَوابُ عَنِ الكُفْرِ بِالوَحْيِ فَقالَ: ﴿ولَوْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَعْتَقِدُ في القُرْآنِ ما هو أهْلُهُ بَعْدَ ما أخْبَرَ عَنِ اعْتِقادِهِ في الرَّحْمَنِ، أيْ وقُلْ: لَوْ ﴿أنَّ قُرْآنًا﴾ كانَتْ بِهِ الآياتُ المَحْسُوساتُ بِأنَّ ﴿سُيِّرَتْ﴾ أيْ بِأدْنى إشارَةٍ مِن مُشِيرٍ ما ﴿بِهِ الجِبالُ﴾ أيْ فَأذْهَبَتْ عَلى ثِقَلِها وصَلابَتِها عَنْ وجْهِ الأرْضِ ﴿أوْ قُطِّعَتْ﴾ أيْ كَذَلِكَ ﴿بِهِ الأرْضُ﴾ أيْ عَلى كَثافَتِها فَشَقَّقَتْ فَتَفَجَّرَتْ مِنها الأنْهارُ ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ فَسَمِعَتْ وأجابَتْ لَكانَ هَذا القُرْآنُ، لِأنَّهُ آيَةٌ لا مِثْلَ لَها، فَكَيْفَ يَطْلُبُونَ آيَةَ غَيْرِهِ! أوْ يُقالُ: إنَّ التَّقْدِيرَ: لَوْ كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بِقُرْآنٍ غَيْرِهِ لَكانَ بِهِ - إقْرارًا لِأعْيُنِكم - إجابَةً إلى ما تُرِيدُونَ، لَكِنَّهُ لَمْ تَجْرِ عادَةٌ لِقُرْآنٍ قَبْلَهُ بِأنْ يَكُونَ بِهِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ بِهَذا القُرْآنِ، لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها، ولَيْسَ لِأحَدٍ غَيْرَ اللَّهِ أمَرَ في خَرْقِ شَيْءٍ مِنَ العاداتِ، لا لِوَلِيٍّ ولا لِنَبِيٍّ ولا غَيْرِهِما حَتّى يَفْعَلَ لِأجْلِكم [ بِشَفاعَةٍ - ] أوْ بِغَيْرِها شَيْئًا لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ في الأزَلِ ﴿بَلْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَوْ وُجِدَ شَيْءٌ مِن هَذا بِقُرْآنٍ يَوْمًا ما لَكانَ بِهَذا القُرْآنِ، فَكانَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلَّ مِن حَفِظَ مِنهُ شَيْئًا فَعَلَ ما شاءَ مِن ذَلِكَ، فَسَيَّرَ لَهُ ما شاءَ مِنَ الجِبالِ إلى ما أرادَ مِنَ الأراضِي لِما رامَ مِنَ الأغْراضِ، وقَطَعَ بِهِ ما طَلَبَ مِنَ الأرْضِ أنْهارًا وجِنانًا وغَيْرِها، وكَلَّمَ بِهِ مَنِ اشْتَهى مِنَ المَوْتى، ثُمَّ إذا فَتَحَ هَذا البابَ فَلا فَرْقَ بَيْنَ القُدْرَةِ عَلى هَذا والقُدْرَةِ عَلى غَيْرِهِ، فَيَصِيرُ مَن حَفِظَ مِنهُ شَيْئًا قادِرًا عَلى شَيْءٍ، فَبَطَلَتْ حِينَئِذٍ حِكْمَةُ اخْتِصاصِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ مَن أرادَ مَن خَلَّصَ عِبادَهُ، وأدّى ذَلِكَ إلى أنْ يَدَّعِيَ مَن أرادَ مِنَ الفَجَرَةِ أنَّ أمْرَ ذَلِكَ بِيَدِهِ، يَفْعَلُ فِيهِ ما يَشاءُ مَتى شاءَ، فَيَصِيرُ ادِّعاءَهُ مَقْرُونًا بِالفِعْلِ شُبْهَةً في الشِّرْكِ، ولِيَعْلَمَ قَطْعًا أنَّهُ لَيْسَ في يَدِ أحَدٍ أمْرٌ، بَلْ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ وحْدَهُ ﴿الأمْرُ﴾ وهو ما يَصِحُّ أنْ يُؤْمَرَ فِيهِ ويَنْهى ﴿جَمِيعًا﴾ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ، لا لِي ولا لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ قُلْتُمْ إنِّي لَسْتُ أدْنى مَنزِلَةً مِنهُمْ، وأمّا الخَوارِقُ الَّتِي كانَتْ لَهم فَلَوْلا أنْ شاءَها لَما كانَتْ، فالأمْرُ إلَيْهِ وحْدَهُ، مَهْما شاءَ [ كانَ- ]، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وكَأنَّ هَذا جَوابٌ لِما حُكِيَ في السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أنَّ الكَفّارَ تَفَتَّنُوا بِهِ؛ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثُمَّ إنِ الإسْلامَ جَعَلَ يَفْشُو بِمَكَّةَ في قَبائِلِ قُرَيْشٍ في الرِّجالِ والنِّساءِ، فاجْتَمَعَ أشْرافُهم فَأرْسَلُوا إلَيْهِ ﷺ فَكَلَّمُوهُ في الكَفِّ عَنْهم وعَرَضُوا عَلَيْهِ أنْ يُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ وغَيْرَ ذَلِكَ فَأبى وقالَ: «إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلِيَّ كِتابًا، وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا»، فَقالُوا: [ فَإنَّكَ - ] قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ أضْيَقُ بَلَدًا ولا أقَلَّ ماءً ولا أشَدَّ عَيْشًا مِنّا، فَسَلْ لَنا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ بِما بَعَثَكَ بِهِ فَلْيُسَيِّرْ عَنّا هَذِهِ الجِبالُ الَّتِي قَدْ ضُيِّقَتْ عَلَيْنا، ولِيُبْسِطْ …

32

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ

And already were [other] messengers ridiculed before you, and I extended the time of those who disbelieved; then I seized them, and how [terrible] was My penalty.

ولَمّا تَمَّ الجَوابُ عَنْ كُفْرِهِمْ بِالمُوحِي وما أوْحاهُ إلَيْهِ وما اشْتَدَّ تَعَلُّقُهُ بِهِ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ تَأْسِيَةً بِالمُوحى إلَيْهِ ﷺ، لِأنَّ الحاثَّ عَلى تَمَيُّزِ الإجابَةِ إلى الآياتِ المُقْتَرَحاتِ اسْتِهْزاءُ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ أيْ مِن أدْنى الخَلْقِ وغَيْرِهِمْ ﴿بِرُسُلٍ﴾

ولَمّا كانَ الإرْسالُ لَمْ يَعُمَّ جَمِيعَ الأزْمانِ فَضْلًا عَنِ الِاسْتِهْزاءِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ لِعَدَمِ إتْيانِهِمْ بِالمُقْتَرَحاتِ؛ والِاسْتِهْزاءُ: طَلَبُ الهُزُوءِ، وهو الإظْهارُ خِلافُ الإضْمارِ لِلِاسْتِصْغارِ ﴿فَأمْلَيْتُ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنِ اسْتِهْزائِهِمْ ذَلِكَ أنِّي أمْلَيْتُ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أمْهَلْتُهم في خَفْضٍ وسِعَةٍ كالبَهِيمَةِ يُمْلى لَها، أيْ يَمُدُّ في المَرْعى، ولَمْ أجْعَلْ ذَلِكَ سَبَبًا لِإجابَتِهِمْ إلى ما اقْتَرَحُوا ولا مُعاجَلَتَهم بِالعَذابِ فِعْلُ الضَّيِّقِ الفَطِنِ ”ثُمَّ“ بَعْدَ طُولِ الإمْلاءِ ﴿أخَذْتُهُمْ﴾ أيْ أخْذِ قَهْرٍ وانْتِقامٍ ﴿فَكَيْفَ﴾ أيْ فَكانَ أخْذِي لَهم سَبَبًا لِأنْ يُسْألَ مَن كانَ يَسْتَبْطِئُ رُسُلَنا أوْ يُظَنُّ بِنا تَهاوُنًا بِهِمْ، فَيُقالُ لَهُ: كَيْفَ ﴿كانَ عِقابِ﴾ فَهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ مِمّا حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ والتَّقْرِيرِ، [و - ] في ضِمْنِهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ.

33

أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَٰهِرٍۢ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ

Then is He who is a maintainer of every soul, [knowing] what it has earned, [like any other]? But to Allah they have attributed partners. Say, "Name them. Or do you inform Him of that which He knows not upon the earth or of what is apparent of speech?" Rather, their [own] plan has been made attractive to those who disbelieve, and they have been averted from the way. And whomever Allah leaves astray - there will be for him no guide.

فَلَمّا تَقَرَّرَ - بِما مَضى مِن قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى الثَّوابِ والعِقابِ وخَفَّضَهُ الأرْضِينَ ورَفَعَهُ السَّماواتِ ونَصَبَهُ الدَّلالاتِ بِباهِرِ الآياتِ البَيِّناتِ - أنْ لَيْسَ لِأحَدٍ غَيْرِهِ أمْرٌ ما، وتَحَرَّرَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ في قَبْضَتِهِ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ يُقالَ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ﴾ ولَمّا كانَ القِيامُ دالًّا عَلى الِاسْتِعْلاءِ أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ أيْ صالِحَةٍ وغَيْرِها ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ - يَفْعَلُ بِها ما يَشاءُ مِنَ الإمْلاءِ والأخْذِ وغَيْرِهِما - كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ، مِثْلَ شُرَكائِهِمُ الَّتِي لَيْسَ لَها قِيامٌ عَلى شَيْءٍ [أصْلًا- ].

ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ اسْتِعْظامًا لِهَذا السُّؤالِ: مَنِ الَّذِي تَوَهَّمَ أنَّ لَهُ مَثَلًا؟ فَقِيلَ: الَّذِينَ كَفَرُوا [ بِهِ - ] ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿شُرَكاءَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُقَدِّرَ لِـ ”مِن“ خَبَرَ مَعْناهُ: لَمْ يُوَحِّدُوهُ، ويَعْطِفْ عَلَيْهِ ﴿وجَعَلُوا﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَفْعَلُ بِهِمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ بِأسْمائِهِمُ الحَقِيقِيَّةِ، فَإنَّهم إذا سَمُّوهم وعَرَفْتَ حَقائِقَهم أنَّها حِجارَةٌ أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو مَرْكَزُ العَجْزِ ومَحَلُّ الفَقْرِ، عَرَفَ ما هم عَلَيْهِ مِن سَخافَةِ العُقُولِ ورَكاكَةِ الآراءِ، ثُمَّ قُلْ لَهُمْ: أرْجَعْتُمْ عَنْ ذَلِكَ إلى الإقْرارِ بِأنَّهم مِن جُمْلَةِ عَبِيدِهِ ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ أيْ تُخْبِرُونَهُ إخْبارًا عَظِيمًا ﴿بِما لا يَعْلَمُ﴾ وعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿فِي الأرْضِ﴾ مِن كَوْنِها آلِهَةً بِبُرْهانٍ قاطِعٍ.

﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ إقْناعِيَّةٍ تُقالُ بِالفَمِ، وكُلُّ ما لا يَعْلَمُهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا مَضى في قَوْلِهِ ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦] في أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ كانَ شَبَهَهُ فِيها ظُهُورُ ما، وهَذِهِ الأسالِيبُ مُنادِيَةٌ عَلى الخِلْقِ بِالعَجْزِ، وصادِحَةٌ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ الخَلْقِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لَيْسَ لَهم عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بُرْهانٌ قاطِعٌ ولا قَوْلٌ ظاهِرٌ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ زُيِّنَ﴾ أيْ وقَعَ التَّزْيِينُ بِأمْرِ [مَن - ] لا يُرَدُّ أمْرُهُ عَلى يَدِ مَن كانَ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ لَهُمْ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي دَلّاهم إلى اعْتِقادِ الباطِلِ، وهو سَتْرُ ما أدّى إلَيْهِ بُرْهانُ العَقْلِ المُؤَيِّدِ بِدَلِيلِ النَّقْلِ ﴿مَكْرُهُمْ﴾ أيْ أمْرُهُمُ الَّذِي أرادُوا بِهِ ما يُرادُ بِالمَكْرِ مِن إظْهارِ شَيْءٍ وإبِطانِ غَيْرِهِ، وذَلِكَ أنَّهم أظْهَرُوا أنَّ شُرَكاءَهم آلِهَةً حَقًّا، وهم يَعْلَمُونَ بُطْلانَ ذَلِكَ، ولَيْسَ بِهِمْ في الباطِنِ إلّا تَقْلِيدُ الآباءِ، وأظْهَرُوا أنَّهم يَعْبُدُونَها لِتَقَرُّبِهِمْ إلى اللَّهِ زُلْفى ولِتَشْفَعَ لَهُمْ، أوْ أنَّهم غَيَّرُوا في وجْهِ الحَقِّ بِما خَتَلُوا [بِهِ الضُّعَفاءَ] وتَمادى بِهِمُ الحالُ حَتّى اعْتَقَدُوهُ حَقًّا.

ومادَّةُ [مَكَرَ - ] بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ: مَكَرَ، رَكَمَ، رَمَكَ، كَرَمَ، كَمَرَ؛ تَدُورُ عَلى التَّغْطِيَةِ والسَّتْرِ، فالمَكْرُ: الخَدِيعَةُ، قالُوا: وهو الِاحْتِيالُ بِما لا يَظْهَرُ، فَإذا ظَهَرَ فَذَلِكَ الكَيْدُ، ويَلْزَمُ مِنهُ الِاجْتِهادُ في ضَمِّ أشْتاتِ الأمْرِ لِسَتْرِ ما يُرادُ، فَمِنَ الضَّمِّ المَكْرُ الَّذِي هو حُسْنُ خَدالَةِ السّاقِ أيِ امْتِلائِها، ويَلْزَمُ مِنهُ خَصْبُ البَدَنِ ونِعْمَتُهُ، وكانَ مِنهُ المَكْرُ - لِضَرْبٍ مِنَ النَّباتِ، والواحِدَةُ …

34

لَّهُمْ عَذَابٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ

For them will be punishment in the life of [this] world, and the punishment of the Hereafter is more severe. And they will not have from Allah any protector.

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا لَهم عَلى ما فَعَلُوا مِن ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿لَهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿عَذابٌ﴾ وهو الألَمُ المُسْتَمِرُّ، ومِنهُ العَذْبُ لِأنَّهُ يَسْتَمِرُّ في الحَلْقِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ شاقٌّ، بِمُمانَعَةِ حِزْبِ اللَّهِ لَهم في صَدِّهِمْ عَنِ السَّبِيلِ إلى ما يَتَّصِلُ بِذَلِكَ مِن قَتْلٍ وأسْرٍ، ولَهم في الآخِرَةِ إنْ ماتُوا عَلى ذَلِكَ عَذابٌ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ أيْ أشَدُّ في المَشَقَّةِ، وهي غِلَظُ الأمْرِ عَلى النَّفْسِ بِما يَكادُ يُصَدَّعُ القَلْبُ ﴿وما لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿مِن واقٍ﴾ أيْ مانِعٍ يَمْنَعُهم إذا أرادَ بِهِمْ سُوءًا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، والواقِي فاعِلُ الوِقايَةِ، وهي الحَجَرُ بِما يَدْفَعُ الأذِيَّةَ.

35

۞ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ أُكُلُهَا دَآئِمٌۭ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ ۖ وَّعُقْبَى ٱلْكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ

The example of Paradise, which the righteous have been promised, is [that] beneath it rivers flow. Its fruit is lasting, and its shade. That is the consequence for the righteous, and the consequence for the disbelievers is the Fire.

ولِما تَوَعَّدَهم عَلى تَفْرِيطِهِمْ في جانِبِ اللَّهِ، تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما لِأضْدادِهِمْ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لِمَن عاداهم في اللَّهِ؟ فَقِيلَ: الجَنَّةُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما هِيَ؟ فَقِيلَ: إنَّها في الجَلالِ، وعُلُوِّ الجِمالِ، وكَرَمِ الخِلالِ، مِمّا تَعالى عَنِ المَنالِ، إلّا بِضَرْبِ الأمْثالِ، فَقِيلَ: ما مِثْلُها؟ فَقِيلَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ حُصُولُ الوَعْدِ الصّادِقِ ولا سِيَّما وقَدْ عَلِمَ أنَّ الوَعْدَ هو اللَّهُ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما أقُصُّ عَلَيْكُمْ، وهو أنَّها بَساتِينُ: قُصُورٌ وأشْجارٌ، فَقالَ الزَّجّاجُ: الخَبَرُ جَنَّةٌ مُخْبَرٌ عَنْها بِما ذَكَرَ لِيَكُونَ تَمْثِيلًا لِما غابَ عَنّا بِما نُشاهِدُ ﴿تَجْرِي﴾ ولِما كانَتْ - لَوْ عَمَّها الماءُ الجارِي - بَحْرًا لا بَساتِينَ، أدْخَلَ الجارَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ خاصٌّ بِبَعْضِ أرَضِيها فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها﴾ أيْ قُصُورِها وأشْجارِها ﴿الأنْهارُ﴾ وقِيلَ: هَذا المَذْكُورُ هو الخَبَرُ كَما تَقُولُ: صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ.

ولَمّا كانَ هَذا رَيًّا حَقِيقِيًّا في أرْضٍ هي في غايَةِ الخُلُوصِ والطِّيبِ، كانَ سَبَبًا لِدَوامِ ثَمَرِها واسْتِمْساكِ ورِقِها، فَلِذَلِكَ أتْبَعُهُ قَوْلُهُ: ﴿أُكُلُها﴾ أيْ ثَمَرُها الَّذِي يُؤْكَلُ ﴿دائِمٌ﴾ لا يَنْقَطِعُ أبَدًا ﴿وظِلُّها﴾ لَيْسَ كَما في الدُّنْيا، لا يَنْسَخُ بِشَمْسٍ ولا غَيْرِها، قالَ أبُو حَيّانٍ: تَقُولُ: مَثَّلَتُ الشَّيْءَ - إذا وصَفَتْهُ وقَرَّبَتْهُ لِلْفَهْمِ، ولَيْسَ هَذا ضَرْبُ مَثَلٍ، فَهو كَقَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠] أيِ الصِّفَةِ العُلْيا - كَذا قالَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَقِيقَةً، ويَكُونُ هُناكَ مَحْذُوفٌ، وهو جَنَّةٌ مِن جِنانِ الدُّنْيا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ - إلى آخِرِهِ، وهو مِن قَوْلِ الزَّجّاجُ.

ثُمَّ ابْتَدَأ إخْبارًا آخَرَ تَعْظِيمًا لِشَأْنِها وتَفْخِيمًا لِأمْرِها في قَوْلِهِ تَعالى.

﴿تِلْكَ﴾ أيِ الجَنَّةُ العالِيَةُ الأوْصافِ ﴿عُقْبى﴾ أيْ آخِرِ أمْرٍ ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ثُمَّ كَرَّرَ الوَعِيدَ لِلْكافِرِينَ فَقالَ: ﴿وعُقْبى﴾ أيْ مُنْتَهى أمْرٍ ﴿الكافِرِينَ﴾ بِالرَّحْمَنِ، المُتَضَمِّنُ لِلْكُفْرِ [بِالوَحْيِ] والمُوحى إلَيْهِ ﴿النّارُ﴾

36

وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ ٱلْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُۥ ۚ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِهِۦٓ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُوا۟ وَإِلَيْهِ مَـَٔابِ

And [the believers among] those to whom We have given the [previous] Scripture rejoice at what has been revealed to you, [O Muhammad], but among the [opposing] factions are those who deny part of it. Say, "I have only been commanded to worship Allah and not associate [anything] with Him. To Him I invite, and to Him is my return."

ولِما وصَفَ العالِمَيْنِ بِأنَّ المَنزِلَ إلَيْهِ هو الحَقُّ بِرَجاحَةِ العُقُولِ وأصالَةِ الأداءِ المُؤَدِّيَةِ إلى الصَّلاحِ المُوجِبِ لِكُلِّ سَعادَةٍ، والكافِرِينَ بِهِ بِضَعْفِ العُقُولِ الدّافِعِ إلى الفَسادِ المُوصِلِ إلى سُوءِ الدّارِ، ومَرَّ فِيما يُلائِمُهُ إلى أنْ خَتْمَهُ بِمِثْلِ ما خَتَمَ بِهِ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ - ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ اتِّصالُهُ بِما قَبْلَهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ هو عِلَّةٌ لِخَتْمِ الآيَةِ السّالِفَةِ، تَقْدِيرُهُ: لِأنَّهم ساءَهم ما أُنْزِلُ إلَيْهِ حَسَدًا وجَهْلًا -: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي اسْتَنْقَذَتْهم مِنَ الضَّلالِ ﴿الكِتابَ﴾ ولَمْ يَكْفُرُوا بِالرَّحْمَنِ ولا بِما أنْزَلَ ولا بِمَن أرْسَلَ ﴿يَفْرَحُونَ بِما﴾ ولَمّا كانَ المُنَزَّلُ دالاًّ بِإعْجازِهِ عَلى المَنزِلِ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ أيْ مِن هَذا الكِتابِ الأعْظَمِ لِمُوافَقَتِهِ تِلْكَ الكُتُبِ لِأنَّ كَلامَ اللَّهِ كُلَّهُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ، وتَخْصِيصَهم لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالكِتابِ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَكَأنَّهُ ما أُنْزِلَ إلّا إلَيْهِمْ، وهَذا العَطْفُ يُرَجِّحُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ هُناكَ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ ﴿ومِنَ الأحْزابِ﴾ مِن أهْلِ الأوْثانِ والكُتّابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ كالتَّوْحِيدِ ونَعْتِ الإسْلامِ ونُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِمّا حَرَّفُوهُ وبَدَّلُوهُ، ويُرِيدُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ تابِعًا فِيهِ لِغَرَضِهِ، فالمُشْرِكُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَمْدَحَ آلِهَتَهم في بَعْضِ الآياتِ أوْ أنْ يُسْقِطَ وصْفَها بِالعَيْبِ، واليَهُودُ يُرِيدُونَ أنْ يَنْزِلَ ما يُوافِقُ فُرُوعَ التَّوْراةِ كَما أنْزَلَ ما وافَقَ الأُصُولِ، ويُنْكِرُونَ النَّسْخَ، وأهَّلُ الإنْجِيلِ يُرِيدُونَ أنْ يَنْزِلَ في المَسِيحِ ما يَهْوَوْنَ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانُوا لا يُنْكِرُونَ الأقاصِيصَ وبَعْضَ الأحْكامِ والمَعْلِ مِمّا هو ثابِتٌ في كُتُبِهِمْ غَيْرَ مُحَرَّفٍ، فَلِكُفْرِهِمْ بِذَلِكَ البَعْضِ أمَرَهُ أنْ يُعْلِمَهم بِاعْتِقادِهِ كَفَرُوا أوْ شَكَرُوا فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ﴾ أيْ وقَعَ الأمْرُ الجازِمُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا تَغَيُّرَ مِمَّنْ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا شَيْءَ مِثْلُهُ وحْدَهُ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ لا أفْعَلُ إلّا ما يَأْمُرُنِي بِهِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى سِواهُ، دِينِي مَقْصُورٌ عَلى ما أنْكَرْتُمُوهُ ﴿إلَيْهِ﴾ وحْدَهُ ﴿أدْعُو وإلَيْهِ﴾ خاصَّةً ﴿مَآبِ﴾ أيْ إيابِي ومَكانُهُ وزَمانُهُ، مَعْنى بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ الفُتُورِ عَنِ القِيامِ بِحَقِّهِ، وحَسًّا بِالبَعْثِ لِلْجَزاءِ؛ والكِتابُ: الصَّحِيفَةُ الَّتِي فِيها الخَطُّ - وهو الكِتابَةُ، وهي تَأْلِيفُ الحُرُوفِ الَّتِي تُقْرَأُ في الصَّحِيفَةِ، والفَرَحُ: لَذَّةُ القَلْبِ الَّتِي تَجْلِي الهَمَّ بِنِيلِ المُشْتَهى، والحِزْبُ: الجَماعَةُ الَّتِيِ تَقُومُ بِالنّائِبَةِ.

37

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَٰهُ حُكْمًا عَرَبِيًّۭا ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَمَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا وَاقٍۢ

And thus We have revealed it as an Arabic legislation. And if you should follow their inclinations after what has come to you of knowledge, you would not have against Allah any ally or any protector.

ولَمّا بَيَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن مَراتِبِ الإعْجازِ ما بَيَّنَتْ، أتْبَعَ تَعالى ذِكْرَ ما أنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلَ هَذا الإنْزالِ، البَدِيعُ المِثالِ، البَعِيدُ المَنالِ؛ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ﴾ [الرعد: ٣٠] أوْ مِثْلَ إنْزالِ كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ حالَ كَوْنِهِ ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ أيْ مُمْتَلِئًا حِكْمَةً تَقْضِي بِالحَقِّ، فائِقًا لِجَمِيعِ الكُتُبِ بِهَذا الوَصْفِ؛ والحُكْمُ: القَطْعُ بِالمَعْنى عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ الحِكْمَةُ، وهو أيْضًا فَصْلُ الأمْرِ عَلى الحَقِّ؛ فالمَعْنى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِ شَيْءٍ مِنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ هو الحُكْمُ، وما لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ، والعَرَبِيُّ: الجارِي عَلى مَذاهِبِ العَرَبِ في كَلامِها، فَلا تَلْتَفِتُ إلى ما تَدْعُوهم إلَيْهِ أهَوِيَتُهم فَيَقْتَرِحُونَهُ مِن تَأْيِيدِكَ بِمُلْكٍ أوْ إتْحافِكَ بِكَنْزٍ أوْ تَرْكِكَ لِبَعْضِ ما يُوحى إلَيْكَ مِن سَبْبِ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ وتَضْلِيلِ آبائِهِمْ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن طَلَباتِهِمُ الَّتِي لَوْ أتَيْتُهم بِها لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ - هَذا في عُبّادِ الأوْثانِ، وكَذا في أهْلِ الكِتابِ فِيما يَدْعُونَ إلَيْهِ مِنَ العُودِ إلى قِبْلَتِهِمْ ونَحْوَهُ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ مِنَ النَّسْخِ أوْ غَيْرِهِ في القِبْلَةِ أوْ غَيْرِها ولا سِيَّما مِمّا يَطْلُبُونَهُ مِنَ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهم وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥] الآيَةُ. ولَمّا كانَ المُرادُ التَّعْمِيمَ في الزَّمانِ، نَزَعَ الجارَّ، وأتى بِـ ”ما“ لِأنَّها أعَمُّ مِنَ ”الَّذِي“ وأشَدُّ إبْهامًا، فَهي الخَفِيُّ مَعْنًى، فَناسَبَ سِياقَ الوَحْيِ الَّذِي هو غَيْبٌ، ومَعْناهُ غامِضٌ - إلّا لِبَعْضِ الأفْرادِ - في الأغْبِياءِ بِخِلافِ آيَةِ البَقَرَةِ الأوْلى فَإنَّها في المِلَّةِ الإبْراهِيمِيَّةِ المُدْرَكَةِ بِنُورِ العَقْلِ النّاشِئِ عَنْ نَظَرِ المَحْسُوساتِ فَقالَ: ﴿بَعْدَما جاءَكَ﴾ ولَمّا كانَ قَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِ ﷺ بِأشْياءَ غَيْرِ العِلْمِ، بَيْنَ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ بِالوَحْيِ بِأنَّ ذَلِكَ الِاتِّباعَ لا يَرُدُّهم سَواءٌ كانَ [ذَلِكَ] الِاتِّباعِ في أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أوْ فُرُوعِها خَفِيَّةً كانَتْ أوْ جَلِيَّةً.

ولَمّا كانَ المَشْرُوطُ اسْتِغْراقَ جَمِيعِ زَمانِ البُعْدِ بِاتِّباعِ الأهْواءِ، قالَ: ﴿ما لَكَ﴾ حِينَئِذٍ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن ولِيٍّ﴾ أيْ ناصِرٍ يَتَوَلّى [مَن] نَصَرَكَ وجَمِيعُ أمْرِكَ ما يَتَوَلّاهُ القَرِيبُ مَعَ قَرِيبِهِ. ولَمّا كانَ مَدْلُولُ ”ما“ أعَمُّ مِن مَدْلُولِ ”الَّذِي“ لِشُمُولِها الظّاهِرَ والخَفِيَّ، وكانَ مَن خالَفَ الخَفِيَّ أعْذَرَ مِمَّنْ خالَفَ الظّاهِرَ، نَفى الأخَصَّ مِنَ النَّصِيرِ فَقالَ: ﴿ولا واقٍ﴾ أيْ يَقِيكَ بِنَفْسِهِ فَيَجْعَلُها دُونَ نَفْسِكَ، وقَدْ يُوجَدُ مِنَ الأنْصارِ مَن لا يَسْمَعُ بِذَلِكَ، وهَذا بَعْثٌ لِلْأُمَّةِ وتَهْيِيجٌ عَلى الثَّباتِ في الدِّينِ والتَّصَلُّبِ فِيهِ، والهَوى - مَقْصُورًا: مَيْلُ الطِّباعِ إلى الشَّيْءِ بِالشَّهْوَةِ، والعِلْمُ: تَبِينُ الشَّيْءِ عَلى ما هو بِهِ.

38

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًۭا وَذُرِّيَّةًۭ ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍۢ كِتَابٌۭ

And We have already sent messengers before you and assigned to them wives and descendants. And it was not for a messenger to come with a sign except by permission of Allah. For every term is a decree.

ولَمّا حُسِمَتِ الأطْماعُ عَنْ إجابَتِهِمْ رَجاءَ الِاتِّباعِ أوْ خَشْيَةَ الِامْتِناعِ، وكانَ بَعْضُهم قَدْ قالَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا شَغَلَتْهُ نُبُوَّتُهُ عَنْ كَثْرَةِ التَّزَوُّجِ، كانَ مَوْضِعَ تَوَقُّعِ الخَبَرِ عَمّا كانَ لِلرُّسُلِ في نَحْوِ ذَلِكَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿رُسُلا﴾ ولَمّا كانَتْ أزْمانُ الرُّسُلِ غَيْرَ عامَّةٍ لِزَمانِ القَبْلِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ ولَمْ نَجْعَلْهم مَلائِكَةً بَلْ جَعَلْناهم بَشَرًا، ”و“ أثْقَلْنا ظُهُورَهم بِما يَدْعُو إلى المُداراةِ والمُسالَمَةِ بِإرْضاءِ الأُمَمِ في بَعْضِ أهْوائِهِمْ، أوْ فَصْلِ الأمْرِ عِنْدَ تَحَقُّقِ المُصارَمَةِ بِإنْجازِ الوَعِيدِ بِأنْ ”جَعْلنا“ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿لَهم أزْواجًا﴾ أيْ نِساءً يَنْكِحُونَهُنَّ؛ والزَّوْجُ: القَرِينُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، وهو هُنا الأُنْثى ”وذَرِّيَّةٌ“ وهي الجَماعَةُ المُتَفَرِّقَةُ بِالوِلادَةِ عَنْ أبٍ واحِدٍ في الجُمْلَةِ، وفَعَلَ بِهِمْ أُمَمُهم ما يُفْعَلُ بِكَ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ، فَما اتَّبَعَ أحَدٌ مِنهم شَيْئًا مِن أهْواءِ أُمَّتِهِ ”و“ لَمْ نَجْعَلْ إلَيْهِمُ الإتْيانَ بِما يَقْتَرِحُ المُتَعَنِّتُونَ مِنَ الآياتِ تالِفًا لَهُمْ، بَلْ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ﴾ أيْ رَسُولٍ كانَ ﴿أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ مُقْتَرَحَةٍ أوْ آيَةٍ ناسِخَةٍ لِحُكْمٍ مِن أحْكامِ شَرِيعَتِهِ أوْ شَرِيعَةٍ مِن قَبْلِهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً، فَإنَّ الأُمُورَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ [عَلى] غَيْرِ نِظامٍ ولا مُفْرِطًا فِيها ولا ضائِعًا شَيْءٌ مِنها [بَلْ] ﴿لِكُلِّ أجَلٍ﴾ أيْ غايَةِ أمْرٍ قَدَّرَهُ وحْدَهُ لِأنْ يَكُونُ عِنْدَهُ أمْرُ مِنَ الأُمُورِ ”كِتابٌ“ قَدْ أثْبَتَ فِيهِ أنَّ أمْرَ كَذا يَكُونُ في وقْتِ كَذا مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ والأحْكامِ والإيَتانِ بِالآياتِ وغَيْرِها، إثْباتًا ونَسْخًا عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، والحِكْمَةُ اقْتَضَتْ أنَّ النُّبُوَّةَ يَكْفِي في إثْباتِها مُعْجِزَةٌ واحِدَةٌ، وما زادَ عَلى ذَلِكَ فَهو إلى المَشِيئَةِ؛

39

يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ

Allah eliminates what He wills or confirms, and with Him is the Mother of the Book.

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿ما يَشاءُ﴾ أيْ مَحْوِهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وغَيْرِها بِالنَّسْخِ فَيَرْفَعُهُ ﴿ويُثْبِتُ﴾ ما يَشاءُ إثْباتَهُ مِن ذَلِكَ بِأنْ يُقِرَّهُ ويَمْضِيَ حُكْمُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ [البقرة: ١٠٦] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] كُلُّ ذَلِكَ بِحَسَبِ المَصالِحِ التّابِعَةِ لِكُلِّ زَمَنٍ، فَإنَّهُ العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وهو الفَعّالُ لِما يُرِيدُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في الرِّسالَةِ: يَمْحُو فَرْضَ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ فَرْضَ ما يَشاءُ. وإثْباتُ واوِ ”يَمْحُوا“ في جَمِيعِ المَصاحِفِ مُشِيرٌ - بِما ذَكَرَ أهْلُ اللَّهِ مِن أنَّ الواوَ مَعْناهُ العُلُوُّ والرِّفْعَةُ - إلى أنَّ بَعْضَ المَمْحُواتِ تَبْقى آثارُها عالِيَةً، فَإنَّهُ قَدْ يَمْحُو عُمْرَ شَخْصٍ بَعْدَ أنْ كانَتْ لَهُ آثارٌ جَمِيلَةٌ، فَيُبْقِيها سُبْحانَهُ ويَنْشُرُها ويُعْلِيها، وقَدْ يَمْحُو شَرِيعَةً يَنْسَخُها ويَبْقى مِنها آثارًا صالِحَةً تَدُلُّ عَلى ما أُثْبِتَ مِنَ الشَّرِيعَةِ النّاسِخَةِ لَها، وأمّا حَذْفُها بِاتِّفاقِ المَصاحِفِ أيْضًا في ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] في الشُّورى مَعَ أنَّهُ مَرْفُوعٌ أيْضًا، فَلِلْبِشارَةِ بِإزْهاقِ الباطِلِ إزْهاقًا هو النِّهايَةُ - كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ لِمُشابَهَةِ الفِعْلِ بِالأمْرِ المُقْتَضِي لِتَحَتُّمِ الإيقاعِ بِغايَةٍ الاتْقانِ والدِّفاعِ، وقالَ: ﴿وعِنْدَهُ﴾ مَعَ ذَلِكَ ”أُمُّ“ أيْ أصْلُ ﴿الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] لِمَن وهْمُهُ مُقَيِّدٌ بِأنَّ الحِفْظَ بِالكِتابَةِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي هو أصْلٌ كُلِّ كِتابٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرُ مَرَّةٍ أنَّهُ الكِتابُ المُبِينُ الَّذِي هو بِحَيْثُ يُبَيِّنُ كُلَّ ما طَلَبَ عِلْمَهُ مِنهُ كُلَّما طَلَبَ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هُما كِتابانِ: كِتابٌ سِوى أُمِّ الكِتابِ، يَمْحُو مِنهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، وأُمُّ الكِتابِ الَّذِي لا يُغَيَّرُ مِنهُ شَيْءٌ - انْتَهى. والمُرادُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ يَكُونُ في أُمِّ الكِتابِ أنّا نَفْعَلُ كَذا - وإنْ كانَ في الفَرْعِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى شَرِيعَةٍ دُونَ أُخْرى، فَإذا نَقَضَتِ الشَّرِيعَةُ الأُولى فَإنّا نَمْحُوهُ في أجْلِ كَذا، أوْ يَكُونُ المَعْنى: يَمْحُو ما يَشاءُ مِن ذَلِكَ الكِتابِ بِأنْ يَعْدَمَ مَضْمُونَهُ بَعْدَ الإيجادِ، ويُثْبِتَ ما يَشاءُ بِأنْ يُوجِدَهُ مِنَ العَدَمِ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ؛ قالَ الرّازِّي في اللَّوامِعِ: وقَدْ أكْثَرُوا القَوْلَ فِيها، وعَلى الجُمْلَةِ فَكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَشِيئَةُ مِنَ الكائِناتِ فَهو بَيْنُ مَحْوٍ وإثْباتٍ، مَحْوٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الصُّورَةِ الَّتِي ارْتَفَعَتْ، إثْباتٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الصُّورَةِ الثّانِيَةِ، والقَضاءُ الأزَلِيُّ، والمَشِيئَةُ الرَّبّانِيَّةُ مَصْدَرُ هَذا المَحْوِ والإثْباتِ، فَلِذَلِكَ هو القَضاءُ وهَذا هو القَدْرُ، فالقَضاءُ مَصْدَرُ القَدْرِ، والقَدْرُ مَظْهَرُ القَضاءِ، واللَّهُ تَعالى وصِفاتُهُ مُنَزَّةٌ عَنِ التَّغَيُّرِ.

40

وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ

And whether We show you part of what We promise them or take you in death, upon you is only the [duty of] notification, and upon Us is the account.

ولَمّا تَمَّ ما أرادَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِتَألُّفِهِمْ، وخَتَمَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ مِن تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ ومَحْوٍ وإثْباتٍ، وكانَ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ وطَلَباتِهِمُ اسْتِهْزاءُ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ مِمّا تَوَعَّدُوا بِهِ، وكانَتِ النَّفْسُ رُبَّما تَمَنَّتْ وُقُوعَ ذَلِكَ لِلْبُعْضِ وإثْباتَهُ لِيُؤْمِنَ غَيْرُهُ تَقْرِيبًا لِفَصْلِ النِّزاعِ، قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإنْ ما نُرِيَنَّكَ﴾ أكَّدَهُ لِتَأْكِيدِ الإعْلامِ بِأنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِ في ضَلالَةِ مَن ضَلَّ [بَعْدَ] إبْلاغِهِ، نَفِيًا لِما يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ ﷺ شِدَّةُ رَحْمَتِهِ لَهم وشَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ مِن ظَنٍّ أنَّهُ عَلَيْهِ أنْ يَرُدَّهم إلى الحَقِّ حَتْمًا ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ وأنْتَ حَيٌّ مِمّا تُرِيدُ أوْ يُرِيدُ أصْحابُكَ، فَصَلَ الأمْرَ بِهِ فَثَبَتَ وُقُوعُهُ إقْرارًا لِأعْيُنِكم قَبْلَ وفاتِكَ؛ والوَعْدُ: الخَبَرُ عَنْ خَيْرٍ مَضْمُونٍ، والوَعِيدُ: الخَبَرُ عَنْ شَرٍّ مَضْمُونٍ، والمَعْنى هاهُنا عَلَيْهِ، وسَمّاهُ وعْدًا لِتَنْزِيلِهِمْ إيّاهُ في طَلَبِ نُزُولِهِ مَنزِلَةَ الوَعْدِ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ أنْ نُرِيَكَ ذَلِكَ، وهو مَمْحُوُّ الأثَرِ لَمْ يَتَحَقَّقْ، فالَّذِي عَلَيْكَ والَّذِي إلَيْنا مُسْتَوٍ بِالنِّسْبَةِ إلى كِلْتا الحالَتَيْنِ ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ وهو إمْرارُ الشَّيْءِ إلى مُنْتَهاهُ، وهو هُنا الرِّسالَةُ؛ ولَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تُحارِبَهم ولا أنْ تَأْتِيَهم بِالمُقْتَرَحاتِ ﴿وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ وهو جَزاءُ كُلِّ عامِلٍ بِما عَمِلَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَنا القُوَّةُ التّامَّةُ عَلَيْهِ؛ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ - كَما مَضى بَيانُ ذَلِكَ في مِثْلِها مِن [سُورَةِ يُونُسَ] عَلَيْهِ السَّلامُ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.