Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 31–40 of 43

31

وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًۭا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا۟ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًۭا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

And if there was any qur'an by which the mountains would be removed or the earth would be broken apart or the dead would be made to speak, [it would be this Qur'an], but to Allah belongs the affair entirely. Then have those who believed not accepted that had Allah willed, He would have guided the people, all of them? And those who disbelieve do not cease to be struck, for what they have done, by calamity - or it will descend near their home - until there comes the promise of Allah. Indeed, Allah does not fail in [His] promise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قَعَدُوا في فِناءِ مَكَّةَ، فَأتاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ وعَرَضَ الإسْلامَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ: سَيِّرْ لَنا جِبالَ مَكَّةَ حَتّى يَنْفَسِحَ المَكانُ عَلَيْنا واجْعَلْ لَنا فِيها أنْهارًا نَزْرَعُ فِيها، أوْ أحْيِ لَنا بَعْضَ أمْواتِنا لِنَسْألَهم أحَقٌّ ما تَقُولُ أوْ باطِلٌ، فَقَدْ كانَ عِيسى يُحْيِي المَوْتى، أوْ سَخِّرْ لَنا الرِّيحَ حَتّى نَرْكَبَها ونَسِيرَ في البِلادِ فَقَدْ كانَتِ الرِّيحُ مُسَخَّرَةً لِسُلَيْمانَ، فَلَسْتَ بِأهْوَنَ عَلى رَبِّكَ مِن سُلَيْمانَ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ»﴾ أيْ مِن أماكِنِها ﴿أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ أيْ شُقِّقَتْ فَجُعِلَتْ أنْهارًا وعُيُونًا ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ لَكانَ هو هَذا القُرْآنُ الَّذِي أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ. وحُذِفَ جَوابُ ”لَوْ“ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المَحْذُوفُ هو أنَّهُ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ وكَذا وكَذا لَما آمَنُوا بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ [الأنْعامِ: ١١١].

ثم قال تَعالى: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ ] يَعْنِي إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتَحَكَّمَ عَلَيْهِ في أفْعالِهِ وأحْكامِهِ.

ثم قال تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ﴾ قَوْلانِ:

صفحة ٤٣

القَوْلُ الأوَّلُ: أفَلَمْ يَعْلَمُوا وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَفِيهِ وجْهانِ:

الوجه الأوَّلُ: [يَيْأسُ] يَعْلَمُ في لُغَةِ النَّخَعِ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ مِثْلِ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:

ألَمْ يَيْأسِ الأقْوامُ أنِّي أنا ابْنُهُ وإنْ كُنْتَ عَنْ أرْضِ العَشِيرَةِ نائِيًا

وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:

أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَأْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ

أيْ ألَمْ تَعْلَمُوا. وقالَ الكِسائِيُّ: ما وجَدَتِ العَرَبَ تَقُولُ: يَئِسْتُ بِمَعْنى عَلِمْتُ البَتَّةَ.

والوجه الثّانِي: ما رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا وابْنَ عَبّاسٍ كانا يَقْرَآنِ: [ أفَلَمْ يَأْسَ الَّذِينَ آمَنُوا ] فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: أفَلَمْ يَيْأسْ، فَقالَ: أظُنُّ أنَّ الكاتِبَ كَتَبَها وهو ناعِسٌ، إنَّهُ كانَ في الخَطِّ يَأْسَ فَزادَ الكاتِبُ سِنَّةً واحِدَةً، فَصارَ يَيْأسُ، فَقُرِئَ يَيْأسُ، وهَذا القَوْلُ بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ القُرْآنِ مَحَلًّا لِلتَّحْرِيفِ والتَّصْحِيفِ، وذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ما هَذا القَوْلُ - واللَّهِ - إلّا فِرْيَةٌ بِلا مِرْيَةٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أوْ يَئِسَ الَّذِينَ آمَنُوا مِن إيمانِ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا، وتَقْرِيرُهُ أنَّ العِلْمَ بِأنَّ الشَّيْءَ لا يَكُونُ يُوجِبُ اليَأْسَ مِن كَوْنِهِ، والمُلازَمَةُ تُوجِبُ حُسْنَ المَجازِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ …

32

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ

And already were [other] messengers ridiculed before you, and I extended the time of those who disbelieved; then I seized them, and how [terrible] was My penalty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا سائِرَ المُعْجِزاتِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ يَتَأذّى مِن تِلْكَ الكَلِماتِ، فاللَّهُ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ تَسْلِيَةً لَهُ وتَصْبِيرًا لَهُ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، فَقالَ لَهُ: إنَّ أقْوامَ سائِرِ الأنْبِياءِ اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ كَما أنَّ قَوْمَكَ يَسْتَهْزِئُونَ بِكَ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أطَلْتُ لَهُمُ المُدَّةَ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِي لَهم.

واعْلَمْ أنِّي سَأنْتَقِمُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ كَما انْتَقَمْتُ مِن أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، والإمْلاءُ الإمْهالُ وأنْ يُتْرَكُوا مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ في خَفْضٍ وأمْنٍ كالبَهِيمَةِ يُمْلى لَها في المَرْعى. وهَذا وعِيدٌ لَهم وجَوابٌ عَنِ اقْتِراحِهِمُ الآياتِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْرَدَ عَلى المُشْرِكِينَ ما يَجْرِي مَجْرى الحِجاجِ، وما يَكُونُ تَوْبِيخًا لَهم وتَعْجِيبًا مِن عُقُولِهِمْ، فَقالَ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ أحْوالِ النُّفُوسِ، وقادِرًا عَلى تَحْصِيلِ مَطالِبِها مِن تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، ومِن إيصالِ الثَّوابِ إلَيْها عَلى كُلِّ الطّاعاتِ، وإيصالِ العِقابِ إلَيْها عَلى كُلِّ المَعاصِي، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ وما ذاكَ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨].

صفحة ٤٥

واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ لِهَذا الكَلامِ مِن جَوابٍ، واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وُجُوهٍ:

الوجه الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ كَمَن لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؟ وهي الأصْنامُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وهَذا الجَوابُ مُضْمَرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كَشُرَكائِهِمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] وما جاءَ جَوابُهُ؛ لِأنَّهُ مُضْمَرٌ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] فَكَذا هاهُنا، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ما يَقَعُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُوَحِّدُوهُ ولَمْ يُمَجِّدُوهُ وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ.

الوجه الثّانِي: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ السَّيِّدُ صاحِبُ حَلِّ العَقْدِ، فَقالَ: نَجْعَلُ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا﴾ واوَ الحالِ ونُضْمِرُ لِلْمُبْتَدَأِ خَبَرًا يَكُونُ المُبْتَدَأُ مَعَهُ …

33

أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَٰهِرٍۢ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ

Then is He who is a maintainer of every soul, [knowing] what it has earned, [like any other]? But to Allah they have attributed partners. Say, "Name them. Or do you inform Him of that which He knows not upon the earth or of what is apparent of speech?" Rather, their [own] plan has been made attractive to those who disbelieve, and they have been averted from the way. And whomever Allah leaves astray - there will be for him no guide.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا سائِرَ المُعْجِزاتِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ يَتَأذّى مِن تِلْكَ الكَلِماتِ، فاللَّهُ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ تَسْلِيَةً لَهُ وتَصْبِيرًا لَهُ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، فَقالَ لَهُ: إنَّ أقْوامَ سائِرِ الأنْبِياءِ اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ كَما أنَّ قَوْمَكَ يَسْتَهْزِئُونَ بِكَ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أطَلْتُ لَهُمُ المُدَّةَ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِي لَهم.

واعْلَمْ أنِّي سَأنْتَقِمُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ كَما انْتَقَمْتُ مِن أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، والإمْلاءُ الإمْهالُ وأنْ يُتْرَكُوا مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ في خَفْضٍ وأمْنٍ كالبَهِيمَةِ يُمْلى لَها في المَرْعى. وهَذا وعِيدٌ لَهم وجَوابٌ عَنِ اقْتِراحِهِمُ الآياتِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْرَدَ عَلى المُشْرِكِينَ ما يَجْرِي مَجْرى الحِجاجِ، وما يَكُونُ تَوْبِيخًا لَهم وتَعْجِيبًا مِن عُقُولِهِمْ، فَقالَ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ أحْوالِ النُّفُوسِ، وقادِرًا عَلى تَحْصِيلِ مَطالِبِها مِن تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، ومِن إيصالِ الثَّوابِ إلَيْها عَلى كُلِّ الطّاعاتِ، وإيصالِ العِقابِ إلَيْها عَلى كُلِّ المَعاصِي، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ وما ذاكَ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨].

صفحة ٤٥

واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ لِهَذا الكَلامِ مِن جَوابٍ، واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وُجُوهٍ:

الوجه الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ كَمَن لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؟ وهي الأصْنامُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وهَذا الجَوابُ مُضْمَرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كَشُرَكائِهِمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] وما جاءَ جَوابُهُ؛ لِأنَّهُ مُضْمَرٌ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] فَكَذا هاهُنا، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ما يَقَعُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُوَحِّدُوهُ ولَمْ يُمَجِّدُوهُ وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ.

الوجه الثّانِي: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ السَّيِّدُ صاحِبُ حَلِّ العَقْدِ، فَقالَ: نَجْعَلُ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا﴾ واوَ الحالِ ونُضْمِرُ لِلْمُبْتَدَأِ خَبَرًا يَكُونُ المُبْتَدَأُ مَعَهُ …

34

لَّهُمْ عَذَابٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ

For them will be punishment in the life of [this] world, and the punishment of the Hereafter is more severe. And they will not have from Allah any protector.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا سائِرَ المُعْجِزاتِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ يَتَأذّى مِن تِلْكَ الكَلِماتِ، فاللَّهُ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ تَسْلِيَةً لَهُ وتَصْبِيرًا لَهُ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، فَقالَ لَهُ: إنَّ أقْوامَ سائِرِ الأنْبِياءِ اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ كَما أنَّ قَوْمَكَ يَسْتَهْزِئُونَ بِكَ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أطَلْتُ لَهُمُ المُدَّةَ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِي لَهم.

واعْلَمْ أنِّي سَأنْتَقِمُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ كَما انْتَقَمْتُ مِن أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، والإمْلاءُ الإمْهالُ وأنْ يُتْرَكُوا مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ في خَفْضٍ وأمْنٍ كالبَهِيمَةِ يُمْلى لَها في المَرْعى. وهَذا وعِيدٌ لَهم وجَوابٌ عَنِ اقْتِراحِهِمُ الآياتِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْرَدَ عَلى المُشْرِكِينَ ما يَجْرِي مَجْرى الحِجاجِ، وما يَكُونُ تَوْبِيخًا لَهم وتَعْجِيبًا مِن عُقُولِهِمْ، فَقالَ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ أحْوالِ النُّفُوسِ، وقادِرًا عَلى تَحْصِيلِ مَطالِبِها مِن تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، ومِن إيصالِ الثَّوابِ إلَيْها عَلى كُلِّ الطّاعاتِ، وإيصالِ العِقابِ إلَيْها عَلى كُلِّ المَعاصِي، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ وما ذاكَ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨].

صفحة ٤٥

واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ لِهَذا الكَلامِ مِن جَوابٍ، واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وُجُوهٍ:

الوجه الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ كَمَن لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؟ وهي الأصْنامُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وهَذا الجَوابُ مُضْمَرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كَشُرَكائِهِمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] وما جاءَ جَوابُهُ؛ لِأنَّهُ مُضْمَرٌ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] فَكَذا هاهُنا، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ما يَقَعُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُوَحِّدُوهُ ولَمْ يُمَجِّدُوهُ وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ.

الوجه الثّانِي: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ السَّيِّدُ صاحِبُ حَلِّ العَقْدِ، فَقالَ: نَجْعَلُ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا﴾ واوَ الحالِ ونُضْمِرُ لِلْمُبْتَدَأِ خَبَرًا يَكُونُ المُبْتَدَأُ مَعَهُ …

35

۞ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ أُكُلُهَا دَآئِمٌۭ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ ۖ وَّعُقْبَى ٱلْكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ

The example of Paradise, which the righteous have been promised, is [that] beneath it rivers flow. Its fruit is lasting, and its shade. That is the consequence for the righteous, and the consequence for the disbelievers is the Fire.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾ .

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عَذابَ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ثَوابِ المُتَّقِينَ وفي قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: ”مَثَلُ الجَنَّةِ“ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: فِيما قَصَصْنا عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ.

والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ مِن صِفَتِها كَذا وكَذا.

والثّالِثُ: مَثَلُ الجَنَّةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، كَما تَقُولُ: صِفَةُ زَيْدٍ اسْمٌ.

والرّابِعُ: الخَبَرُ هو قَوْلُهُ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ لِأنَّهُ الخارِجُ عَنِ العادَةِ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ كَما تَعْلَمُونَ مِن حالِ جَنّاتِكم إلّا أنَّ هَذِهِ أُكُلُها دائِمٌ.

المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ:

أوَّلُها: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ.

وثانِيها: أنَّ أُكُلَها دائِمٌ، والمَعْنى: أنَّ جَنّاتِ الدُّنْيا لا يَدُومُ ورَقُها وثَمَرُها ومَنافِعُها. أمّا جَنّاتُ الآخِرَةِ فَثِمارُها دائِمَةٌ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ.

وثالِثُها: أنَّ ظِلَّها دائِمٌ أيْضًا، والمُرادُ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ حَرٌّ ولا بَرْدٌ ولا شَمْسٌ ولا قَمَرٌ ولا ظُلْمَةٌ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنْسانِ: ١٣] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الجَنَّةَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا يَعْنِي: عاقِبَةُ أهْلِ التَّقْوى هي الجَنَّةُ، وعاقِبَةُ الكافِرِينَ النّارُ. وحاصِلُ الكَلامِ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ثَوابَ المُتَّقِينَ مَنافِعُ خالِصَةٌ عَنِ الشَّوائِبِ مَوْصُوفَةٌ بِصِفَةِ الدَّوامِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ ثَلاثٌ:

المسألة الأُولى: أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُكُلَ الجَنَّةِ لا تَفْنى كَما يُحْكى عَنْ جَهْمٍ وأتْباعِهِ.

المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَرَكاتِ أهْلِ الجَنَّةِ لا تَنْتَهِي إلى سُكُونٍ دائِمٍ، كَما يَقُولُهُ أبُو الهُذَيْلِ وأتْباعُهُ.

المسألة الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مَخْلُوقَةً لَوَجَبَ أنْ تَفْنى وأنْ يَنْقَطِعَ أُكُلُها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٦]. و﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القَصَصِ: ٨٨] لَكِنْ لا يَنْقَطِعُ أُكُلُها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ الجَنَّةُ مَخْلُوقَةً، ثم قال: فَلا نُنْكِرُ أنْ يَحْصُلَ الآنَ في السَّماواتِ جَنّاتٌ كَثِيرَةٌ يَتَمَتَّعُ بِها المَلائِكَةُ ومَن يُعَدُّ حَيًّا مِنَ الأنْبِياءِ والشُّهَداءِ وغَيْرِهِمْ عَلى ما رُوِيَ في ذَلِكَ، إلّا أنَّ الَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ جَنَّةَ الخُلْدِ خاصَّةً إنَّما تُخْلَقُ بَعْدَ الإعادَةِ.

والجَوابُ: أنَّ دَلِيلَهم مُرَكَّبٌ مِن آيَتَيْنِ:

أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ والأُخْرى قَوْلُهُ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ فَإذا أدْخَلْنا التَّخْصِيصَ في أحَدِ هَذَيْنِ العُمُومَيْنِ سَقَطَ دَلِيلُهم، فَنَحْنُ نُخَصِّصُ أحَدَ هَذَيْنِ العُمُومَيْنِ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ، وهو قَوْلُهُ تَعالى:

صفحة ٤٨

﴿وجَنَّةٍ …

36

وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ ٱلْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُۥ ۚ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِهِۦٓ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُوا۟ وَإِلَيْهِ مَـَٔابِ

And [the believers among] those to whom We have given the [previous] Scripture rejoice at what has been revealed to you, [O Muhammad], but among the [opposing] factions are those who deny part of it. Say, "I have only been commanded to worship Allah and not associate [anything] with Him. To Him I invite, and to Him is my return."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ في المُرادِ بِالكِتابِ قَوْلَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ القُرْآنُ والمُرادُ أنَّ أهْلَ القُرْآنِ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ مِن أنْواعِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ والأحْكامِ والقَصَصِ، ومِنَ الأحْزابِ الجَماعاتُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وسائِرِ الكُفّارِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.

فَإنْ قِيلَ: الأحْزابُ يُنْكِرُونَ كُلَّ القُرْآنِ.

قُلْنا: الأحْزابُ لا يُنْكِرُونَ كُلَّ ما في القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ ورَدَ فِيهِ إثْباتُ اللَّهِ تَعالى وإثْباتُ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وأقاصِيصِ الأنْبِياءِ، والأحْزابُ ما كانُوا يُنْكِرُونَ كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ وأصْحابِهِما ومَن أسْلَمَ مِنَ النَّصارى، وهم ثَمانُونَ رَجُلًا أرْبَعُونَ بِنَجْرانَ وثَمانِيَةٌ بِاليَمَنِ، واثْنانِ وثَلاثُونَ بِأرْضِ الحَبَشَةِ وفَرِحُوا بِالقُرْآنِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ والأحْزابُ بَقِيَّةُ أهْلِ الكِتابِ وسائِرُ المُشْرِكِينَ، قالَ القاضِي: وهَذا الوجه أوْلى مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّ مَن أُوتِيَ القُرْآنَ فَإنَّهم يَفْرَحُونَ بِالقُرْآنِ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى هَذا الوجه ظَهَرَتِ الفائِدَةُ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا القُرْآنَ يَزْدادُ فَرَحُهم بِهِ لِما رَأوْا فِيهِ مِنَ العُلُومِ الكَثِيرَةِ والفَوائِدِ العَظِيمَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَكى اللَّهُ تَعالى فَرَحَهم بِهِ.

والثّانِي: والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ اليَهُودُ أُعْطُوا التَّوْراةَ، والنَّصارى أُعْطُوا الإنْجِيلَ، يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ في هَذا القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم، ومِنَ الأحْزابِ مِن سائِرِ الكُفّارِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، قالَ القاضِي: وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهم لا يَفْرَحُونَ بِكُلِّ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ فَيُقالُ إنَّ قَوْلُهُ: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ لا يُفِيدُ العُمُومَ بِدَلِيلِ جَوازِ إدْخالِ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، ولَوْ كانَتْ كَلِمَةُ ”ما“ لِلْعُمُومِ لَكانَ إدْخالُ لَفْظِ الكُلِّ عَلَيْهِ تَكْرِيرًا وإدْخالُ لَفْظِ البَعْضِ عَلَيْهِ نَقْصًا.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذا جَمَعَ كَلَّ ما يَحْتاجُ المَرْءُ إلَيْهِ في مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ في ألْفاظٍ قَلِيلَةٍ مِنهُ، فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ﴾ وهَذا الكَلامُ جامِعٌ لِكُلِّ ما ورَدَ التَّكْلِيفُ بِهِ، وفِيهِ فَوائِدُ:

أوَّلُها: أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ لِلْحَصْرِ ومَعْناهُ إنِّي ما أُمِرْتُ إلّا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ ولا أمْرَ ولا نَهْيَ إلّا بِذَلِكَ.

وثانِيها: أنَّ العِبادَةَ غايَةُ التَّعْظِيمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَرْءَ مُكَلَّفٌ بِذَلِكَ.

وثالِثُها: أنَّ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى لا تُمْكِنُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ ولا …

37

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَٰهُ حُكْمًا عَرَبِيًّۭا ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَمَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا وَاقٍۢ

And thus We have revealed it as an Arabic legislation. And if you should follow their inclinations after what has come to you of knowledge, you would not have against Allah any ally or any protector.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ إنْزالَهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا بِما أنْزَلَ إلى مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ، أيْ كَما أنْزَلْنا الكُتُبَ عَلى الأنْبِياءِ بِلِسانِهِمْ، كَذَلِكَ أنْزَلْتُ عَلَيْكَ القُرْآنَ، والكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْزَلْناهُ﴾ تَعُودُ إلى ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: حِكْمَةٌ عَرَبِيَّةٌ مُتَرْجَمَةٌ بِلِسانِ العَرَبِ.

الثّانِي: القُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى جَمِيعِ أقْسامِ التَّكالِيفِ، فالحكم لا يُمْكِنُ إلّا بِالقُرْآنِ، فَلَمّا كانَ القُرْآنُ سَبَبًا لِلْحُكْمِ جُعِلَ نَفْسَ الحكم عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ بِقَبُولِ القُرْآنِ والعَمَلِ بِهِ، فَلَمّا حَكَمَ عَلى الخَلْقِ بِوُجُوبِ قَبُولِهِ جَعَلَهُ حُكْمًا.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنْزَلْناهُ حالَ كَوْنِهِ حُكْمًا عَرَبِيًّا.

المسألة الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُحْدَثِ.

الثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، والعَرَبِيُّ هو الَّذِي حَصَلَ بِوَضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحِهِمْ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مُحْدَثًا.

الثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ إنَّما كانَ حُكْمًا عَرَبِيًّا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ كَذَلِكَ ووَصَفَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ.

والجَوابُ: أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ مُحْدَثٌ، ولا نِزاعَ فِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الرّابِعَةُ: رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَدْعُونَهُ إلى مِلَّةِ آبائِهِ فَتَوَعَّدَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مُتابَعَتِهِمْ في تِلْكَ المَذاهِبِ مِثْلَ أنْ يُصَلِّيَ إلى قِبْلَتِهِمْ بَعْدَ أنْ حَوَّلَهُ اللَّهُ عَنْها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخِطابُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ، وقِيلَ: بَلِ الغَرَضُ مِنهُ حَثُّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى القِيامِ بِحَقِّ الرِّسالَةِ وتَحْذِيرُهُ مِن خِلافِها، ويَتَضَمَّنُ

صفحة ٥٠

ذَلِكَ أيْضًا تَحْذِيرَ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّ مَن هو أرْفَعُ مَنزِلَةً إذا حُذِّرَ هَذا التَّحْذِيرَ فَهم أحَقُّ بِذَلِكَ وأوْلى.

38

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًۭا وَذُرِّيَّةًۭ ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍۢ كِتَابٌۭ

And We have already sent messengers before you and assigned to them wives and descendants. And it was not for a messenger to come with a sign except by permission of Allah. For every term is a decree.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَذْكُرُونَ أنْواعًا مِنَ الشُّبُهاتِ في إبْطالِ نُبُوَّتِهِ.

فالشُّبْهَةُ الأُولى قَوْلُهم: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفُرْقانِ: ٧] وهَذِهِ الشُّبْهَةُ إنَّما ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في سُورَةٍ أُخْرى.

والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهم: الرَّسُولُ الَّذِي يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلى الخَلْقِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحِجْرِ: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنْعامِ: ٨].

فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ هاهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ يَعْنِي أنَّ الأنْبِياءَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ كانُوا مِن جِنْسِ البَشَرِ لا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، فَإذا جازَ ذَلِكَ في حَقِّهِمْ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا مِثْلُهُ في حَقِّهِ.

الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: عابُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَثْرَةِ الزَّوْجاتِ، وقالُوا: لَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما كانَ مُشْتَغِلًا بِأمْرِ النِّساءِ بَلْ كانَ مُعْرِضًا عَنْهُنَّ مُشْتَغِلًا بِالنُّسُكِ والزُّهْدِ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ وبِالجُمْلَةِ فَهَذا الكَلامُ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنِ الشُّبْهَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، فَقَدْ كانَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثُمِائَةِ امْرَأةٍ مَهِيرَةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ ولِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ.

والشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: قالُوا لَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَكانَ أيُّ شَيْءٍ طَلَبْنا مِنهُ مِنَ المُعْجِزاتِ أتى بِهِ ولَمْ يَتَوَقَّفْ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ، فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وتَقْرِيرُهُ: أنَّ المُعْجِزَةَ الواحِدَةَ كافِيَةٌ في إزالَةِ العُذْرِ والعِلَّةِ، وفي إظْهارِ الحُجَّةِ والبَيِّنَةِ، فَأمّا الزّائِدُ عَلَيْها فَهو مُفَوَّضٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ أظْهَرَها، وإنْ شاءَ لَمْ يُظْهِرْها ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في ذَلِكَ.

الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُخَوِّفُهم بِنُزُولِ العَذابِ وظُهُورِ النُّصْرَةِ لَهُ ولِقَوْمِهِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المَوْعُودَ كانَ يَتَأخَّرُ، فَلَمّا لَمْ يُشاهِدُوا تِلْكَ الأُمُورَ احْتَجُّوا بِها عَلى الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ، وقالُوا: لَوْ كانَ نَبِيًّا صادِقًا لَما ظَهَرَ كَذِبُهُ.

فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ يَعْنِي نُزُولَ العَذابِ عَلى الكُفّارِ وظُهُورَ الفَتْحِ والنَّصْرِ لِلْأوْلِياءِ قَضى اللَّهُ بِحُصُولِها في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ مَخْصُوصَةٍ، ولِكُلِّ حادِثٍ وقْتٌ مُعَيَّنٌ و﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ فَقَبْلَ حُضُورِ

صفحة ٥١

ذَلِكَ الوَقْتِ لا يَحْدُثُ ذَلِكَ الحادِثُ، فَتَأخُّرُ تِلْكَ المَواعِيدِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ كاذِبًا.

الشُّبْهَةُ السّادِسَةُ: قالُوا: لَوْ كانَ في دَعْوى الرِّسالَةِ مُحِقًّا لَما نَسَخَ الأحْكامَ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى ثُبُوتِها في …

39

يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ

Allah eliminates what He wills or confirms, and with Him is the Mother of the Book.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَذْكُرُونَ أنْواعًا مِنَ الشُّبُهاتِ في إبْطالِ نُبُوَّتِهِ.

فالشُّبْهَةُ الأُولى قَوْلُهم: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفُرْقانِ: ٧] وهَذِهِ الشُّبْهَةُ إنَّما ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في سُورَةٍ أُخْرى.

والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهم: الرَّسُولُ الَّذِي يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلى الخَلْقِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحِجْرِ: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنْعامِ: ٨].

فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ هاهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ يَعْنِي أنَّ الأنْبِياءَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ كانُوا مِن جِنْسِ البَشَرِ لا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، فَإذا جازَ ذَلِكَ في حَقِّهِمْ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا مِثْلُهُ في حَقِّهِ.

الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: عابُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَثْرَةِ الزَّوْجاتِ، وقالُوا: لَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما كانَ مُشْتَغِلًا بِأمْرِ النِّساءِ بَلْ كانَ مُعْرِضًا عَنْهُنَّ مُشْتَغِلًا بِالنُّسُكِ والزُّهْدِ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ وبِالجُمْلَةِ فَهَذا الكَلامُ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنِ الشُّبْهَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، فَقَدْ كانَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثُمِائَةِ امْرَأةٍ مَهِيرَةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ ولِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ.

والشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: قالُوا لَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَكانَ أيُّ شَيْءٍ طَلَبْنا مِنهُ مِنَ المُعْجِزاتِ أتى بِهِ ولَمْ يَتَوَقَّفْ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ، فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وتَقْرِيرُهُ: أنَّ المُعْجِزَةَ الواحِدَةَ كافِيَةٌ في إزالَةِ العُذْرِ والعِلَّةِ، وفي إظْهارِ الحُجَّةِ والبَيِّنَةِ، فَأمّا الزّائِدُ عَلَيْها فَهو مُفَوَّضٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ أظْهَرَها، وإنْ شاءَ لَمْ يُظْهِرْها ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في ذَلِكَ.

الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُخَوِّفُهم بِنُزُولِ العَذابِ وظُهُورِ النُّصْرَةِ لَهُ ولِقَوْمِهِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المَوْعُودَ كانَ يَتَأخَّرُ، فَلَمّا لَمْ يُشاهِدُوا تِلْكَ الأُمُورَ احْتَجُّوا بِها عَلى الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ، وقالُوا: لَوْ كانَ نَبِيًّا صادِقًا لَما ظَهَرَ كَذِبُهُ.

فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ يَعْنِي نُزُولَ العَذابِ عَلى الكُفّارِ وظُهُورَ الفَتْحِ والنَّصْرِ لِلْأوْلِياءِ قَضى اللَّهُ بِحُصُولِها في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ مَخْصُوصَةٍ، ولِكُلِّ حادِثٍ وقْتٌ مُعَيَّنٌ و﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ فَقَبْلَ حُضُورِ

صفحة ٥١

ذَلِكَ الوَقْتِ لا يَحْدُثُ ذَلِكَ الحادِثُ، فَتَأخُّرُ تِلْكَ المَواعِيدِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ كاذِبًا.

الشُّبْهَةُ السّادِسَةُ: قالُوا: لَوْ كانَ في دَعْوى الرِّسالَةِ مُحِقًّا لَما نَسَخَ الأحْكامَ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى ثُبُوتِها في …

40

وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ

And whether We show you part of what We promise them or take you in death, upon you is only the [duty of] notification, and upon Us is the account.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإن مّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المَعْنى: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ: ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ، والمَعْنى: سَواءٌ أرَيْناكَ ذَلِكَ أوْ تَوَفَّيْناكَ قَبْلَ ظُهُورِهِ، فالواجِبُ عَلَيْكَ تَبْلِيغُ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وأداءُ أمانَتِهِ ورِسالَتِهِ وعَلَيْنا الحِسابُ، والبَلاغُ اسْمٌ أُقِيمَ مُقامَ التَّبْلِيغِ كالسِّراجِ والأداءِ.

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.