وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلْحِسَابِ
And those who join that which Allah has ordered to be joined and fear their Lord and are afraid of the evil of [their] account,
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هَلْ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها أمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ صِفَةً لِأُولِي الألْبابِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ مُبْتَدَأً: ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ خَبَرُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٥]
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها جُمْلَةٌ واحِدَةٌ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وشَرْطُها مُشْتَمِلٌ عَلى قُيُودٍ، وجَزاؤُها يَشْتَمِلُ أيْضًا عَلى قُيُودٍ، أمّا القُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الشَّرْطِ فَهي تِسْعَةٌ:
القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ الَّذِي عاهَدَهم عَلَيْهِ حِينَ كانُوا في صُلْبِ آدَمَ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِعَهْدِ اللَّهِ كُلُّ أمْرٍ قامَ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ وهو مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: الأشْياءُ الَّتِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْها دَلائِلَ عَقْلِيَّةً قاطِعَةً لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والتَّغْيِيرَ.
والآخَرُ: الَّتِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْها الدَّلائِلَ السَّمْعِيَّةَ وبَيَّنَ لَهم تِلْكَ الأحْكامَ، والحاصِلُ أنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ كُلُّ ما قامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، ويَصِحُّ إطْلاقُ لَفْظِ العَهْدِ عَلى الحُجَّةِ بَلِ الحَقُّ أنَّهُ لا عَهْدَ أوْكَدُ مِنَ الحُجَّةِ، والدَّلالَةُ عَلى ذَلِكَ أنَّ مَن حَلَفَ عَلى الشَّيْءِ، فَإنَّما
صفحة ٣٣
يَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ إذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ وُجُوبُهُ لا بِمُجَرَّدِ اليَمِينِ؛ ولِذَلِكَ رُبَّما يَلْزَمُهُ أنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ إذا كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ، فَلا عَهْدَ أوْكَدُ مِن إلْزامِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ العَقْلِ أوْ بِدَلِيلِ السَّمْعِ، ولا يَكُونُ العَبْدُ مُوفِيًا لِلْعَهْدِ إلّا بِأنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ تِلْكَ الأشْياءِ، كَما أنَّ الحالِفَ عَلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ لا يَكُونُ بارًّا في يَمِينِهِ إلّا إذا فَعَلَ الكُلَّ، ويَدْخُلُ فِيهِ الإتْيانُ بِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والِانْتِهاءُ عَنْ كُلِّ المَنهِيّاتِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الوَفاءُ بِالعُقُودِ في المُعامَلاتِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أداءُ الأماناتِ، وهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ الصَّحِيحُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ.
* * *
القَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ -: إنَّ هَذا الكَلامَ قَرِيبٌ مِنَ …