الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ
Alif, Lam, Meem, Ra. These are the verses of the Book; and what has been revealed to you from your Lord is the truth, but most of the people do not believe.
سُورَةُ الرَّعْدِ
مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِأنَّهُ الحَقُّ في نَفْسِهِ، وتارَةً يَتَأثَّرُ عَنْهُ مَعَ أنَّ [لَهُ] صَوْتًا وصِيتًا وإرْعابًا وإرْهابًا يَهْدِي بِالفِعْلِ، وتارَةً لا يَتَأثَّرُ بَلْ يَكُونُ سَبَبًا لِلضَّلالِ والعَمى، وأنْسُبُ ما فِيها [لِهَذا] المَقْصِدِ الرَّعْدُ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ حَقًّا في نَفْسِهِ يَسْمَعُهُ الأعْمى والبَصِيرُ والبارِزُ والمُسْتَتِرُ، وتارَةً يَتَأثَّرُ عَنْهُ البَرْقُ والمَطَرُ وتارَةً لا، وإذا نَزَلَ المَطَرُ فَتارَةً يَنْفَعُ إذا أصابَ الأراضِيَ الطَّيِّبَةَ وسَلِمَتْ مِن عاهَةٍ، وتارَةً يَخِيبُ إذا نَزَلَ عَلى السِّباخِ الخَوّارَةِ وتارَةً يَضُرُّ بِالإغْراقِ أوِ الصَّواعِقِ أوِ البَرْدِ وغَيْرِها - واللَّهُ أعْلَمُ.
”بِسْمِ اللَّهِ“ الحُقُّ الَّذِي كَلُّ ما عَداهُ باطِلٌ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّ بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ بِعُمُومِ رَحْمَتِهِ ”الرَّحِيم“الَّذِي خَصَّ مَن شاءَ بِما يَرْضاهُ عَظِيمُ الوَهْيَةِ ﴿المر﴾ .
لَمّا خَتَمَ الَّتِي قَبْلَها بِالدَّلِيلِ عَلى حَقِّيَّةِ القُرْآنِ وأنَّهُ هُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، بَعْدَ أنْ أشارَ إلى كَثْرَةِ ما يُحِسُّونَهُ مِن آياتِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ مَعَ الإعْراضِ، ابْتَدَأ هَذِهِ بِذَلِكَ عَلى طَرِيقِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُشَوِّشِ لِأنَّهُ أفْصَحُ لِلْبَداءَةِ في نَشْرِهِ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ فَقالَ: ﴿تِلْكَ﴾ أيِ الأنْباءُ المَتْلُوَّةُ والأقاصِيصُ المَجْلُوَّةُ المُفَصَّلَةُ بَدْرُ المَعانِي وبَدِيعُ الحِكَمِ وثابِتُ القَواعِدِ والمَبانِي العالِيَةِ المَراتِبِ ﴿آياتُ﴾ والآيَةُ: الدَّلالَةُ العَجِيبَةُ في التَّأْدِيَةِ إلى المَعْرِفَةِ ﴿الكِتابِ﴾ المُنَزَّلِ إلَيْكَ ”و“ جَمِيعُ ”الَّذِي“.
ولَمّا كانَ تَحَقُّقُ أنَّ هَذا الكِتابَ مِن عِنْدِ المَلِكِ أمْرًا لا يَطْرُقُهُ مُرِيهِ لِما لَهُ مِنَ الإعْجازِ، وكَذا ما تَبِعَهُ مِن بَيانِهِ بِالسُّنَّةِ لِما لَهُ مِنَ الحَقِّ الَّذِي لا يَخَفَ عَلى [كُلِّ] عاقِلٍ، وكانَ [ما] تَحَقَّقَ أنَّهُ كَذَلِكَ يَعْلَمُ أنَّ الآتِيَ بِهِ لا يَكُونُ إلّا عَظِيمًا، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ كائِنٌ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ فَثَبَتَ حِينَئِذٍ قَطْعًا أنَّهُ هو ﴿الحَقُّ﴾ أيِ المَوْضُوعُ كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ في مَوْضِعِهِ عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ الحِكْمَةُ، الواضِحُ الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ شَيْءٌ مِنهُ عَنْ مُطابَقَةِ الواقِعِ مِن بَعْثٍ ولا غَيْرِهِ، فَهو أبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ وعْدَهُ بِالبَعْثِ سِحْرٌ، فَوَجَبَ [لِثُبُوتِ] حَقِّيَّتِهِ عَلى كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالعَقْلِ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيِ الآنِسِينَ بِأنْفُسِهِمُ المُضْطَرِبِينَ في آرائِهِمْ،
﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ مِنهم إيمانٌ أصْلًا بِأنَّهُ الحَقُّ في نَفْسِهِ وأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بَلْ يَقُولُونَ: إنَّهُ مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ، وإنَّهُ تَخْيِيلٌ لَيْسَتْ مُعايَنَةً - كَما قُلْنا ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] فَلَيْسَ هُدًى لَهم كامِلًا ولا رَحْمَةً تامَّةً، هَذا التَّقْدِيرُ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ [ظاهِرُ] قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ [الرعد: ١٩] أنَّ ”الَّذِي“ مُبْتَدَأٌ، و”مِن رَبِّك“ صِلَةُ ”أُنْزَلَ“ والخَبَرُ ”الحَقُّ“ والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ هَذِهِ الآيَةُ، وهي وصْفُ المُنَزَّلِ بِأنَّهُ الحَقُّ وإقامَةُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا تَمَّ [وصْفُ الكِتابِ بِأنَّهُ حَكِيمٌ مُحْكَمٌ …