Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 1–10 of 43

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

Alif, Lam, Meem, Ra. These are the verses of the Book; and what has been revealed to you from your Lord is the truth, but most of the people do not believe.

سُورَةُ الرَّعْدِ

مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِأنَّهُ الحَقُّ في نَفْسِهِ، وتارَةً يَتَأثَّرُ عَنْهُ مَعَ أنَّ [لَهُ] صَوْتًا وصِيتًا وإرْعابًا وإرْهابًا يَهْدِي بِالفِعْلِ، وتارَةً لا يَتَأثَّرُ بَلْ يَكُونُ سَبَبًا لِلضَّلالِ والعَمى، وأنْسُبُ ما فِيها [لِهَذا] المَقْصِدِ الرَّعْدُ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ حَقًّا في نَفْسِهِ يَسْمَعُهُ الأعْمى والبَصِيرُ والبارِزُ والمُسْتَتِرُ، وتارَةً يَتَأثَّرُ عَنْهُ البَرْقُ والمَطَرُ وتارَةً لا، وإذا نَزَلَ المَطَرُ فَتارَةً يَنْفَعُ إذا أصابَ الأراضِيَ الطَّيِّبَةَ وسَلِمَتْ مِن عاهَةٍ، وتارَةً يَخِيبُ إذا نَزَلَ عَلى السِّباخِ الخَوّارَةِ وتارَةً يَضُرُّ بِالإغْراقِ أوِ الصَّواعِقِ أوِ البَرْدِ وغَيْرِها - واللَّهُ أعْلَمُ.

”بِسْمِ اللَّهِ“ الحُقُّ الَّذِي كَلُّ ما عَداهُ باطِلٌ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّ بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ بِعُمُومِ رَحْمَتِهِ ”الرَّحِيم“الَّذِي خَصَّ مَن شاءَ بِما يَرْضاهُ عَظِيمُ الوَهْيَةِ ﴿المر﴾ .

لَمّا خَتَمَ الَّتِي قَبْلَها بِالدَّلِيلِ عَلى حَقِّيَّةِ القُرْآنِ وأنَّهُ هُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، بَعْدَ أنْ أشارَ إلى كَثْرَةِ ما يُحِسُّونَهُ مِن آياتِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ مَعَ الإعْراضِ، ابْتَدَأ هَذِهِ بِذَلِكَ عَلى طَرِيقِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُشَوِّشِ لِأنَّهُ أفْصَحُ لِلْبَداءَةِ في نَشْرِهِ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ فَقالَ: ﴿تِلْكَ﴾ أيِ الأنْباءُ المَتْلُوَّةُ والأقاصِيصُ المَجْلُوَّةُ المُفَصَّلَةُ بَدْرُ المَعانِي وبَدِيعُ الحِكَمِ وثابِتُ القَواعِدِ والمَبانِي العالِيَةِ المَراتِبِ ﴿آياتُ﴾ والآيَةُ: الدَّلالَةُ العَجِيبَةُ في التَّأْدِيَةِ إلى المَعْرِفَةِ ﴿الكِتابِ﴾ المُنَزَّلِ إلَيْكَ ”و“ جَمِيعُ ”الَّذِي“.

ولَمّا كانَ تَحَقُّقُ أنَّ هَذا الكِتابَ مِن عِنْدِ المَلِكِ أمْرًا لا يَطْرُقُهُ مُرِيهِ لِما لَهُ مِنَ الإعْجازِ، وكَذا ما تَبِعَهُ مِن بَيانِهِ بِالسُّنَّةِ لِما لَهُ مِنَ الحَقِّ الَّذِي لا يَخَفَ عَلى [كُلِّ] عاقِلٍ، وكانَ [ما] تَحَقَّقَ أنَّهُ كَذَلِكَ يَعْلَمُ أنَّ الآتِيَ بِهِ لا يَكُونُ إلّا عَظِيمًا، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ كائِنٌ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ فَثَبَتَ حِينَئِذٍ قَطْعًا أنَّهُ هو ﴿الحَقُّ﴾ أيِ المَوْضُوعُ كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ في مَوْضِعِهِ عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ الحِكْمَةُ، الواضِحُ الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ شَيْءٌ مِنهُ عَنْ مُطابَقَةِ الواقِعِ مِن بَعْثٍ ولا غَيْرِهِ، فَهو أبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ وعْدَهُ بِالبَعْثِ سِحْرٌ، فَوَجَبَ [لِثُبُوتِ] حَقِّيَّتِهِ عَلى كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالعَقْلِ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيِ الآنِسِينَ بِأنْفُسِهِمُ المُضْطَرِبِينَ في آرائِهِمْ،

﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ مِنهم إيمانٌ أصْلًا بِأنَّهُ الحَقُّ في نَفْسِهِ وأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بَلْ يَقُولُونَ: إنَّهُ مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ، وإنَّهُ تَخْيِيلٌ لَيْسَتْ مُعايَنَةً - كَما قُلْنا ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] فَلَيْسَ هُدًى لَهم كامِلًا ولا رَحْمَةً تامَّةً، هَذا التَّقْدِيرُ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ [ظاهِرُ] قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ [الرعد: ١٩] أنَّ ”الَّذِي“ مُبْتَدَأٌ، و”مِن رَبِّك“ صِلَةُ ”أُنْزَلَ“ والخَبَرُ ”الحَقُّ“ والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ هَذِهِ الآيَةُ، وهي وصْفُ المُنَزَّلِ بِأنَّهُ الحَقُّ وإقامَةُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا تَمَّ [وصْفُ الكِتابِ بِأنَّهُ حَكِيمٌ مُحْكَمٌ …

2

ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍۢ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ

It is Allah who erected the heavens without pillars that you [can] see; then He established Himself above the Throne and made subject the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. He arranges [each] matter; He details the signs that you may, of the meeting with your Lord, be certain.

فَلَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ لِهَذا الكِتابِ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِكَوْنِهِ حَقًّا فَثَبَتَ أنَّهُ أعْظَمُ الأدِلَّةِ والآياتِ، شَرَعَ يُذَكِّرُ ما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٥] مِنَ الآياتِ المَحْسُوسَةِ الظّاهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِ آياتِ الكِتابِ حَقًّا بِما لَها في أنْفُسِها مِنَ الثَّباتِ، والدّالَّةِ، بِما لِفاعِلِها مِنَ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ - عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ البَعْثِ حَقٌّ لِما لَهُ مِنَ الحِكْمَةِ، والدّالَّةِ - بِما لِلتَّعْبِيرِ عَنْها مِنَ الإعْجازِ - عَلى كَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبَدَأ بِما بَدَأ بِهِ في تِلْكَ مِن آياتِ السَّماواتِ لِشَرَفِها ولِأنَّها أدَلُّ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ وحَدَهُ ﴿الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ بَعْدَ إيجادِها مِن عَدَمٍ - كَما أنْتُمْ بِذَلِكَ مَقْرُونٌ؛ والرَّفْعُ: وضْعُ الشَّيْءِ في جِهَةِ العُلُوِّ سَواءٌ كانَ بِالنَّقْلِ أوْ بِالِاخْتِراعِ، كائِنَةً ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ جَمْعُ عِمادٍ كَأُهُبٍ وإهابٍ [أوْ عَمُودٍ، والعَمُودُ: جِسْمٌ مُسْتَطِيلٌ يَمْنَعُ المُرْتَفَعَ أنْ يَمِيلَ، وأصْلُهُ مَنعُ المَيْلِ] ﴿تَرَوْنَها﴾ أيْ مَرْئِيَّةً حامِلَةً لِهَذِهِ الأجْرامِ العِظامِ الَّتِي مِثْلُها لا تَحْمِلُ في مَجارِي عاداتِكم إلّا بَعْدَ تَناسُبِها في العَظْمِ، هَذا عَلى أنَّ ﴿تَرَوْنَها﴾ صِفَةٌ، ويَجُوزُ - ولَعَلَّهُ أحْسَنُ - أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ مِن كَأنَّهُ قالَ: ما دَلِيلُ أنَّها بِغَيْرِ عَمَدٍ؟ فَقِيلَ: المُشاهَدَةُ [الَّتِي] لا أجْلى مِنها.

[ولَمّا كانَ رَفْعُ السَّماواتِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وقَبْلَ تَسْوِيَتِها، ذَكَرَ أنَّهُ شَرَعَ فِي] تَدْبِيرِ ما لِلْكَوْنَيْنِ مِنَ المَنافِعِ وما فِيهِما مِنَ الأعْراضِ والجَواهِرِ، وأشارَ إلى عَظَمَةِ ذَلِكَ التَّدْبِيرِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قالَ الرّازِيُّ في لَوامِعِ ”البُرْهانِ: وخَصَّ العَرْشَ لِأنَّهُ أعْلى خَلْقِهِ وصَفْوَتِهِ“ ومَنظَرُهُ الأعْلى ومَوْضِعُ تَسْبِيحِهِ ومَظْهَرُ مُلْكِهِ ومَبْدَأُ وحُيِهِ ومَحَلُّ قُرْبِهِ، ولَمْ يَنْسَبْ شَيْئًا مِن خَلْقِهِ كَنِسْبَتِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ [البروج: ١٥] كَما قالَ ﴿ذُو الجَلالِ﴾ [الرحمن: ٢٧] و”ذُو“ كَلِمَةٌ لِحَقٍّ واتِّصالٍ وظُهُورٍ ومَبْدَأٍ، وقالَ الرُّمّانِيُّ: والِاسْتِواءُ: الِاسْتِيلاءُ بِالِاقْتِدارِ ونُفُوذِ السُّلْطانِ، وأصْلُهُ: اسْتَوى التَّدْبِيرُ، كَما أنَّ أصْلَ القِيامِ الِانْتِصابُ، ثُمَّ يُقالُ: قائِمٌ بِالتَّدْبِيرِ - انْتَهى. وعَبَّرَ بـِ ”ثُمَّ“ لِبُعْدِ هَذِهِ [الرُّتْبَةِ] عَنِ الأطْماعِ وعُلُوِّها عَمّا يُسْتَطاعُ، فَلَيْسَ هُناكَ تَرْتِيبٌ ولا مُهْلَةٌ حَتّى يَفْهَمَ [أنَّ] ما قَبْلُ كانَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ أنَّهُ أخَذَ في التَّدْبِيرِ لِما خَلَقَ كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ إذا اسْتَوَوُا عَلى عُرُوشِهِمْ، أيْ لَمْ يَكُنْ لَهم مُدافِعٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ جُلُوسٌ أصْلًا، وذَلِكَ لِأنَّ رُوحَ المَلِكِ التَّدْبِيرُ وهو أعْدَلُ أحْوالِهِ واللَّهُ أعْلَمُ ﴿وسَخَّرَ﴾ أيْ ذَلَّلَ تَذْلِيلًا عَظِيمًا ﴿الشَّمْسَ﴾ أيِ الَّتِي [هِيَ آيَةُ النَّهارِ] ﴿والقَمَرَ﴾ [أيِ] الَّذِي هو آيَةُ اللَّيْلِ لِما فِيهِما مِنَ الحِكَمِ والمَنافِعِ والمَصالِحِ الَّتِي] بِها صَلاحُ البِلادِ والعِبادِ، ودَخَلَتِ اللّامُ فِيهِما وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما لا ثانِيَ لَهُ لِما في الِاسْمِ مِن مَعْنى الصِّفَةِ، إذًا لَوْ وجَدَ مِثْلَ لَهُما لَمْ يَتَوَقَّفْ في إطْلاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ، ولا كَذَلِكَ …

3

وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَٰرًۭا ۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

And it is He who spread the earth and placed therein firmly set mountains and rivers; and from all of the fruits He made therein two mates; He causes the night to cover the day. Indeed in that are signs for a people who give thought.

ولَمّا انْقَضى ما أرادَ مِن آياتِ السَّماواتِ، ثَنّى بِما فِيما ثَنّى بِهِ في آيَةِ يُوسُفَ مِنَ الدَّلالاتِ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَها كالجِدارِ أوِ الأزَجِ لا يُسْتَطاعُ القَرارُ عَلَيْها، وهَذا لا يُنافِي أنْ تَكُونَ كُرْيَةً، لِأنَّ الكُرَةَ إذا عَظُمَتْ كانَ كُلُّ قِطْعَةٍ مِنها تُشاهَدُ كالسَّطْحِ، كَما أنَّ الجِبالَ أوْتادٌ والحَيَوانَ يَسْتَقِرُّ عَلَيْها ﴿وجَعَلَ فِيها﴾ جِبالًا مَعَ شُهُوقِها ﴿رَواسِيَ﴾ أيْ ثَوابِتَ، واحِدُها راسِيَةٌ أيْ ثابِتَةٌ باقِيَةٌ في حَيِّزِها غَيْرِ مُنْتَقِلَةٍ عَنْ أماكِنِها لا تَتَحَرَّكُ، فَلا يَتَحَرَّكُ ما هي راسِيَةٌ فِيهِ. ولَمّا غَلَبَ عَلى الجِبالِ وصَفَها بِالرَّواسِي، صارَتِ الصِّفَةُ تُغْنِي عَنِ المَوْصُوفِ فَجُمِعَتْ جَمْعَ الِاسْمِ كَحائِطٍ وكاهِلٍ - قالَهُ أبُو حَيّانَ، ولَمّا كانَتْ طَبِيعَةُ الأرْضِ واحِدَةً كانَ حُصُولُ الجَبَلِ في جانِبٍ مِنها دُونَ آخَرَ ووُجُودُ المَعادِنِ المُتَخالِفَةِ فِيها تارَةً جَوْهَرِيَّةً، وتارَةً خامِيَّةً، وتارَةً نِفْطِيَّةً، وتارَةً كِبْرِيتِيَّةً - إلى غَيْرِ ذَلِكَ، دَلِيلًا عَلى اخْتِصاصِهِ تَعالى بِتَمامِ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ لِأنَّ الجَبَلَ واحِدٌ في الطَّبْعِ كَما أنَّ تَأْثِيرَ الشَّمْسِ واحِدٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿وأنْهارًا﴾ أيْ وجَعَلَ فِيها خارِجَةً [مِنها]، وأكْثَرُ ما تَكُونُ الأنْهارُ مِنَ الجِبالِ، لِأنَّها أجْسامٌ صُلْبَةٌ عالِيَةٌ، وفي خِلالِ الأرْضِ أبْخِرَةٌ فَتَصاعَدَ تِلْكَ الأبْخِرَةُ المُتَكَوِّنَةُ في قَعْرِ الأرْضِ، ولا تَزالُ تُخْرَقُ حَتّى تَصِلَ إلَيْها فَتَحْتَبِسُ بِها فَلا تَزالُ تَتَكامَلُ حَتّى يَعْظُمَ تَكاثُفُها، فَإذا بَرُدَتْ صارَتْ ماءً فَيَحْصُلُ بِسَبَبِها مِياهٌ كَثِيرَةٌ كَما تَنْعَقِدُ الأبْخِرَةُ البُخارِيَّةُ المُتَكاثِفَةُ في أعالِي الحَمّاماتِ إذا بَرُدَتْ وتَتَقاطَرُ، فَإذا تَكامَلَ انْعِقادُ تِلْكَ المِياهِ وعَظُمَتْ شَقَّتْ أسافِلَ الجِبالِ أوْ غَيْرِها مِنَ الأماكِنِ الَّتِي تَسْتَضْعِفُها لِقُوَّتِها وقُوَّةِ الأبْخِرَةِ المُصاحِبَةِ لَها، فَإنْ كانَ لِتِلْكَ المِياهِ مَدَدٌ مِن جِهَةِ الفَواعِلِ والقَوابِلِ بِحَيْثُ كَلَّما نَبَعَ مِنها شَيْءُ حَدَثَ عَقِيبَهُ شَيْءٌ، وهَكَذا عَلى الِاتِّصالِ فَهي النَّهْرُ، والنَّهْرُ: المَجْرى الواسِعُ مِن مَجارِي الماءِ، وأصْلُهُ الِاتِّساعُ، ومِنهُ النَّهارُ - لِاتِّساعِ ضِيائِهِ.

ولَمّا ذَكَرَ الأنْهارَ ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنِ المِياهِ فَقالَ: ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، ثُمَّ يَكُونُ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الأشْياءِ؟ فَقِيلَ: ﴿جَعَلَ فِيها﴾ أيِ الأرْضَ ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ذَكَرًا وأُنْثى مِن كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الحَيَوانِ يَنْتَفِعُ بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وجَعَلَ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى تَنْتَفِعُ [الأُنْثى] بِلِقاحِها مِنَ الذَّكَرِ أوْ قَرَّبَهُ مِنها فَيَجُودُ ثَمَرُها؛ والثَّمَرَةُ طُعْمَةُ الشَّجَرَةِ، والزَّوْجُ: شَكْلٌ [لَهُ] قَرِينٌ مِن نَظِيرٍ أوْ نَقِيضٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي يُنْضِجُها؟ فَقالَ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ أيْ والنَّهارَ اللَّيْلَ، فَيَنْضَجُ هَذا بَحْرِّهِ ويُمْسِكُ هَذا بِبَرْدِهِ، فَيَعْتَدِلُ فِعْلُهُما عَلى ما قَدَّرَهُ تَعالى لَهُما في السَّيْرِ مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ لِلْحَرِّ والبَرْدِ لِلْإخْراجِ والإنْضاجِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ النّافِعَةِ في الدِّينِ والدُّنْيا الظّاهِرِ لِكُلِّ ذِي عَقْلٍ أنَّها …

4

وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَٰوِرَٰتٌۭ وَجَنَّٰتٌۭ مِّنْ أَعْنَٰبٍۢ وَزَرْعٌۭ وَنَخِيلٌۭ صِنْوَانٌۭ وَغَيْرُ صِنْوَانٍۢ يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

And within the land are neighboring plots and gardens of grapevines and crops and palm trees, [growing] several from a root or otherwise, watered with one water; but We make some of them exceed others in [quality of] fruit. Indeed in that are signs for a people who reason.

ولَمّا كانَ الدَّلِيلُ - مَعَ وُضُوحِهِ - فِيهِ بَعْضُ غُمُوضٍ، شَرَعَ تَعالى في شَيْءٍ مِن تَفْصِيلِ ما في الأرْضِ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي أبْيَنُ مِن ذَلِكَ دَلِيلًا ظاهِرًا جِدًّا عَلى إبْطالِ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ، فَقالَ: ﴿وفِي الأرْضِ﴾ أيِ الَّتِي أنْتُمْ سُكّانُها، تُشاهِدُونَ ما فِيها مُشاهَدَةً لا تَقْبَلُ الشَّكَّ ﴿قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ فَهي مُتَّحِدَةُ البُقْعَةِ مُخْتَلِفَةُ الطَّبْعِ، طَيِّبَةٌ إلى سَبْخَةٍ، وكَرِيمَةٌ إلى زَهِيدَةٍ، وصُلْبَةٌ إلى رَخْوَةٍ، وصالِحَةٌ لِلزَّرْعِ لا لِلشَّجَرِ وعَكْسِها، ومَعَ انْتِظامِ الكُلِّ في الأرْضِيَّةِ ﴿وجَنّاتٌ﴾ جَمْعُ جَنَّةٍ، وهي البُسْتانُ الَّذِي تَجْنِهِ الأشْجارُ ﴿مِن أعْنابٍ﴾ وكَأنَّهُ قَدَّمَها لِأنَّ أصْنافَها - الشّاهِدَةَ بِأنَّ صانِعَها إنَّما هو الفَعّالُ لِما يُرِيدُ - لا تَكادُ تُحْصَرُ حَتّى أنَّهُ في الأصْلِ الواحِدِ يَحْصُلُ تَنَوُّعُ الثَّمَرَةِ ولِذَلِكَ جَمَعَها.

ولَمّا كانَ تَفاوُتُ ما أصْلُهُ الحُبُّ أعْجَبُ، قالَ: ﴿وزَرْعٌ﴾ أيْ مُنْفَرِدًا - في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ، وفي خَلَلِ الجَنّاتِ - في قِراءَةِ الباقِينَ بِالجَرِّ.

ولَمّا كانَ ما جَمَعَهُ أصْلٌ واحِدٌ ظاهِرٌ أغْرَبُ أخَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ونَخِيلٌ صِنْوانٌ﴾ فُرُوعٌ مُتَفَرِّقَةٌ عَلى أصْلٍ واحِدٍ ﴿وغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ بِاعْتِبارِ افْتِراقِ مَنابِتِها وأُصُولِها؛ قالَ أبُو حَيّانَ: والصِّنْوُ: الفَرْعُ يَجْمَعُهُ وآخَرُ أصْلٌ واحِدٌ، وأصْلُهُ المَثَلُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْعَمِّ: صِنْوٌ وقالَ الرُّمّانِيُّ: والصِّنْوانُ: المُتَلاصِقُ، يُقالُ: هو ابْنُ أخِيهِ [صِنْوُ أبِيهِ] أيْ لَصِيقُ أبِيهِ في وِلادَتِهِ، وهو جَمْعُ صِنْوٍ، وقِيلَ: الصِّنْوانُ: النَّخْلاتُ الَّتِي أصْلُها واحِدٌ - عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؛ وقالَ الحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الصِّنْوانُ: النَّخْلَتانِ أصْلُهُما واحِدٌ - انْتَهى.

وهُوَ تَرْكِيبٌ لا فَرْقَ بَيْنَ مُثْنّاهُ وجَمْعُهُ إلّا بِكَسْرِ النُّونِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وإعْرابُها مَعَ التَّنْوِينِ، وسَيَأْتِي في يس إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى سِرُّ تَسْمِيَةِ الكَرْمِ بِالعِنَبِ.

ولَمّا كانَ الماءُ بِمَنزِلَةِ الأبِ والأرْضُ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ، وكانَ الِاخْتِلافُ مَعَ اتِّحادِ الأبِ والأُمِّ أعْجَبُ وأدَلُّ عَلى الإسْنادِ إلى المُوجِدِ المُسَبِّبِ، لا إلى شَيْءٍ مِنَ الأسْبابِ، قالَ: ﴿تُسْقى﴾ [الغاشية: ٥] أيْ أرْضِها الواحِدَةِ كُلِّها ﴿بِماءٍ واحِدٍ﴾ فَتَخْرُجُ أغْصانُها وثَمَراتُها في وقْتٍ مَعْلُومٍ لا يَتَأخَّرُ عَنْهُ ولا يَتَقَدَّمُ بَعْدَ أنْ يَتَصَعَّدَ الماءُ فِيها عُلُوًّا ضِدَّ ما في طَبْعِهِ مِنَ التَّسَفُّلِ، ثُمَّ يَتَفَرَّقُ في كُلٍّ مِنَ الوَرَقِ والأغْصانِ والثِّمارِ بِقِسْطِهِ مِمّا فِيهِ صَلاحُهُ ﴿ونُفَضِّلُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلطّاعَةِ ﴿بَعْضَها﴾ أيْ بَعْضُ تِلْكَ الجَنّاتِ وبَعْضُ أشْجارِها ﴿عَلى بَعْضٍ﴾ ولَمّا كانَ التَّفْضِيلُ عَلى أنْحاءَ مُخْتَلِفَةٍ، بَيْنَ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأُكُلِ﴾ أيِ الثَّمَرِ المَأْكُولِ، ويُخالِفُ في المَطْعُومِ مَعَ اتِّحادِ الأرْضِ وبَعْضِ الأُصُولِ، وخُصَّ الأكْلُ لِأنَّهُ أغْلَبُ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ، وهو مُنَبِّهٌ عَلى اخْتِلافِ غَيْرِهِ مِنَ اللِّيفِ والسَّعَفِ واللَّوْنِ لِلْمَأْكُولِ والطَّعْمِ والطَّبْعِ والشَّكْلِ والرّائِحَةِ والمَنفَعَةِ وغَيْرِها مَعَ أنَّ نِسْبَةَ الطَّبائِعِ والِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةَ إلى جَمِيعِ الثِّمارِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ لا سِيَّما إذا رَأيْتَ العُنْقُودَ الواحِدَ جَمِيعُ …

5

۞ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌۭ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْأَغْلَٰلُ فِىٓ أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And if you are astonished, [O Muhammad] - then astonishing is their saying, "When we are dust, will we indeed be [brought] into a new creation?" Those are the ones who have disbelieved in their Lord, and those will have shackles upon their necks, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

ولَمّا ثَبَتَ قِطَعًا بِما أقامَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِما أوْدَعَهُ مِنَ الغَرائِبِ في مَلَكُوتِهِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِواهُ أنَّ هَذا إنَّما هو فِعْلٌ واحِدٌ قَهّارٌ مُخْتارٌ يُوجِدُ المَعْدُومَ ويُفاوِتُ بَيْنَ ما تَقْتَضِي الطَّبائِعُ اتِّحادَهُ، كانَ إنْكارُ شَيْءٍ مِن قُدْرَتِهِ عَجَبًا، فَقالَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١] مُشِيرًا إلى أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ الوَعْدَ بِالبَعْثِ سِحْرٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ ﴿وإنْ تَعْجَبْ﴾ أيْ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ أوْ ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ فاعْجَبْ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ ﴿فَعَجَبٌ﴾ عَظِيمٌ لا تَتَناهى دَرَجاتُهُ في العِظَمِ ﴿قَوْلُهُمْ﴾ بَعْدَ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ والدَّلالاتِ النّاطِقَةِ بِعَظِيمِ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُنْكِرِينَ: ﴿أإذا كُنّا تُرابًا﴾ واخْتَلَطَ التُّرابُ الَّذِي تُحَوِّلْنا إلَيْهِ بِالتُّرابِ الأصْلِيِّ فَصارَ لا يَتَمَيَّزُ، ثُمَّ كَرَّرُوا التَّعَجُّبَ والإنْكارَ بِالِاسْتِفْهامِ ثانِيًا فَقالُوا: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هَذا قَوْلُهم بَعْدَ أنْ فَصَّلْنا مِنَ الآياتِ ما يُوجِبُ أنَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُوقِنُونَ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ الثّانِي مُفَسِّرٌ لِما نُصِبَ الأوَّلُ بِما فِيهِ مِن مَعْنًى ”أنْبَعَثَ“، والعَجَبُ: تَغَيُّرُ النَّفْسِ بِما خَفِيَ سَبَبُهُ عَنِ العادَةِ، والجَدِيدُ: المُهَيّا بِالقَطْعِ إلى التَّكْوِينِ قَبْلَ التَّصْرِيفِ في الأعْمالِ، وأصْلُ الصِّفَةِ القَطْعُ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وقَدْ قِيلَ: لا خَيْرَ فِيمَن لا يَتَعَجَّبُ مِنَ العَجَبِ، وأرْذَلُ مِنهُ مَن يَتَعَجَّبُ مِن غَيْرِ عَجَبٍ - انْتَهى، يَعْنِي: فالكُفّارُ تَعَجَّبُوا مِن غَيْرِ عَجَبٍ: ومَن تَعَجَّبَهم فَقَدْ تَعَجَّبَ مِنَ العَجَبِ.

ولَمّا كانَ هَذا إنْكارُ المَحْسُوسِ مِنَ القُدْرَةِ، اسْتَحَقُّوا ما يَسْتَحِقُّ مَن يَطْعَنُ في مَلِكِ المُلْكِ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الَّذِينَ جَمَعُوا أنْواعًا مِنَ البُعْدِ مَعَ كُلِّ خَيْرٍ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أيْ غَطُّوا كُلَّ ما يَجِبُ إظْهارُهُ بِسَبَبِ الِاسْتِهانَةِ بِالَّذِي بَدَأ خَلْقَهم ثُمَّ رَبّاهم بِأنْواعِ اللُّطْفِ، فَإذا أنْكَرُوا مَعادَهم فَقَدْ أنْكَرُوا مَبْدَأهم ﴿وأُولَئِكَ﴾ [أيِ] البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿الأغْلالُ﴾ أيِ الحَدائِدِ الَّتِي تَجْمَعُ أيْدِي الأسْرى إلى أعْناقِهِمْ، ويُقالُ لَها: جَوامِعُ، وتارَةً تَكُونُ في الأعْناقِ فَقَطْ يُعَذَّبُ بِها النّاسُ؛ ولَمّا كانَ طَرَفا العُنُقِ غَلِيظَيْنِ، فَلا تَكُونُ إحاطَةُ الجامِعَةِ مِنها إذا كانَتْ ضَيِّقَةً إلّا بِالوَسَطِ، جَعَلَ الأعْناقَ ظُرُوفًا بِاعْتِبارِ أنَّها عَلى بَعْضٍ مِنها، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ ضِيقِها، فَقالَ: ﴿فِي أعْناقِهِمْ﴾ أيْ بِكُفْرِهِمْ وإنْ لَمْ تَكُنِ الأغْلالُ مُشاهَدَةً الآنَ، فَهي لِقُدْرَةِ المُهَدَّدِ بِها عَلى الفِعْلِ كَأنَّها مَوْجُودَةٌ، وهم مُنْقادُونَ لِما قَدَرَ عَلَيْهِمْ مِن أسْبابِها كَما يُقادُ المَغْلُولُ بِها إلى ما يُرِيدُ قائِدُهُ، والغِلُّ: طَوْقٌ تُقَيَّدُ بِهِ اليَدُ في العُنُقِ، وأصْلُهُ: انْغَلَّ في الشَّيْءِ - إذا انْتَشَبَ فِيهِ، وغَلَّ المالُ - إذا خانَ بِانْتِشابِهِ في [المالِ] الحَرامِ ﴿وأُولَئِكَ﴾ أيِ الَّذِينَ لا خَسارَةَ أعْظَمُ مِن خَسارَتِهِمْ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ ولَمّا كانَتِ الصُّحْبَةُ تَقْتَضِي المُلازَمَةَ، صَرَّحَ بِها فَقالَ: ”هُمْ“ أيْ خاصَّةً ﴿فِيها﴾ أيْ مُتَمَحِّضَةً لا يَخْلِطُها نَعِيمٌ ﴿خالِدُونَ﴾ أيْ ثابِتٌ خُلُودُهم دائِمًا.

6

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَٰتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

They impatiently urge you to bring about evil before good, while there has already occurred before them similar punishments [to what they demand]. And indeed, your Lord is full of forgiveness for the people despite their wrongdoing, and indeed, your Lord is severe in penalty.

ولَمّا تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ إثْباتَ القُدْرَةِ التّامَّةِ مَعَ ما سَبَقَ مِن أدِلَّتِها المَحْسُوسَةِ المُشاهَدَةِ، كانَ أيْضًا مِنَ العَجَبِ العَجِيبِ والنَّبَأِ الغَرِيبِ اسْتِهْزاءُهم بِها، فَقالَ مُعَجِّبًا مِنهُمْ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أيِ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا؛ والِاسْتِعْجالُ: طَلَبُ التَّعْجِيلِ، وهو تَقْدِيمُ الشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ الَّذِي يُقَدَّرُ لَهُ ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾ مِنَ العَذابِ المُتَوَعَّدِ بِهِ مِن عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ جُرْأةٌ مِنهم تُشِيرُ إلى أنَّهم لا يُبالُونَ بِشَيْءٍ مِنهُ ولا يُوهِنُ قَوْلَهم شَيْءٌ ﴿قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي تُبَشِّرُهم بِهِ ”و“ الحالُ أنَّهُ ”قَدْ خَلَتْ“ ولَمّا كانَ المُحَدَّثُ عَنْهُ إنَّما كانَ في بَعْضِ الزَّمانِ، أُدْخِلَ الجارُّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ جَمْعُ مَثُلَةٍ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ المُثَلَّثَةِ [كَصَدَقَةٍ وصَدَقاتٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما بَيْنَ العِقابِ والمُعاقَبِ عَلَيْهِ مِنَ المُماثَلَةِ]، وهي العُقُوباتُ الَّتِي تَزْجُرُ عَنْ مِثْلِ ما وقَعَتْ لِأجْلِهِ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ اتَّصَلَتْ بِهِمْ أخْبارُهُمْ، وخاطَبَتْهم بِعَظِيمِ ما اتَّفَقَ لَهم آثارُهم ودِيارُهُمْ، وما يُؤَخِّرُهُمُ اللَّهُ إلّا لِاسْتِيفاءِ آجالِهِمُ الَّتِي ضَرَبَها لَهم مَعَ قُدْرَتِهِ التّامَّةِ عَلَيْهِمْ.

ولَمّا كانُوا رُبَّما قالُوا: ما نَرى إلّا تَهْدِيدًا لا يَتَحَقَّقُ شَيْءٌ مِنهُ: قالَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ واعْتِقادِهِمْ أنَّ المَسارَ والمَضارَّ إنَّما هي عادَةُ الدَّهْرِ، عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَإنَّ رَبَّكَ حَلِيمٌ لا يَخافُ الفَوْتَ فَلا يَسْتَعْجِلُ في الأخْذِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِجَعْلِكَ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ أيْ عَظِيمَةٍ ثابِتَةٍ ﴿لِلنّاسِ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ مُتَمَكِّنِينَ في الظُّلْمِ مُسْتَقِلِّينَ ﴿عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ وهو إيقاعُهُمُ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها، فَلا يُؤاخِذُهم بِجَمِيعِ ما كَسَبُوا [ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] فَلِذَلِكَ يُقِيمُ النّاسُ دَهْرًا طَوِيلًا يَكْفُرُونَ ولا يُعاقَبُونَ حِلْمًا مِنهُ سُبْحانَهُ، والآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِآيَةِ النِّساءِ ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وإنْ لَمْ يَكُنْ تَوْبَةً، فَإنَّ التّائِبَ لَيْسَ عَلى ظُلْمِهِ.

ولَمّا كانَ يُمْهِلُ سُبْحانَهُ ولا يُهْمِلُ [و] ذَكَرَ إمْهالَهُ، ذَكَرَ أخْذَهُ مُؤَكِّدًا لِمِثْلِ ما مَضى فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُوجِدَ لَكَ المُدَبِّرَ لِأمْرِكَ بِغايَةِ الإحْسانِ ﴿لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ لِلْكَفّارِ ولِمَن شاءَ مِن غَيْرِهِمْ، فَلِذَلِكَ يَأْخُذُ أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ إذا جاءَ الأجَلُ الَّذِي قَدَّرَهُ.

7

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ

And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" You are only a warner, and for every people is a guide.

ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم غَطُّوا آياتِ رَبِّهِمُ المُتَفَضِّلِ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الآياتِ وغَيْرِها، عَجِبَ مِنهم عَجَبًا آخَرَ في طَلَبِهِمْ إنْزالَ الآياتِ مَعَ كَوْنِها مُتَساوِيَةَ الأقْدامِ في الدَّلالَةِ عَلى الصّانِعِ وما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ، فَلَمّا كَفَرُوا بِما أتاهم كانُوا جَدِيرِينَ بِالكُفْرِ بِما يَأْتِيهِمْ فَقالَ: ﴿ويَقُولُ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اسْتِهْزاءً بِالقُدْرَةِ ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا ولِمَ لا ﴿أُنْـزِلَ﴾ أيْ بِإنْزالِ أيِّ كائِنٍ كانَ ﴿عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ جاحِدِينَ عِنادًا لِما أتاهُ مِنَ الآياتِ ﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ تَصْدِيقًا لَهُ.

ولَمّا كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ راغِبًا في إجابَةِ مُقْتَرَحاتِهِمْ لِشِدَّةِ التِفاتِهِ إلى أيْمانِهِمْ، كانَ كَأنَّهُ سَألَ في ذَلِكَ لِتَحْصُلَ لَهُمُ النَّجاةُ، فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ تَعالى - مُقَدِّمًا ما السِّياقُ أوْلى بِهِ لِأنَّهُ لِبَيانِ أنَّ الأكْثَرَ لا يُؤْمِنُ -: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أيْ نَبِيٌّ مُنْذِرٌ هادٍ لَهم تَهْدِيهِمْ بِبَيانِ ما أنْزَلَهُ عَلَيْكَ مِمّا يُوقِعُ في الهَلاكِ أوْ يُوصِلُ إلى النَّجاةِ، سائِرٌ فِيهِمْ عَلى حَسَبِ ما أحَدَّهُ لَكَ، وأصْلُ الإنْذارِ الإعْلامُ بِمَوْضِعِ المَخافَةِ [لِيُتَّقى]، لا أنَّكَ مُثْبِتٌ لِلْإيمانِ في الصُّدُورِ ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ﴾ مِمَّنْ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ نَبِيٌّ ﴿هادٍ﴾ أيْ داعٍ يَهْدِيهِمْ إلى مَراشِدِهِمْ ومُنْذِرٌ يُنْذِرُهم مِن مَغاوِيهِمْ، أيْ يُبَيِّنُ لَهم ما أرْسَلْنا بِهِ مِنَ النِّذارَةِ والبِشارَةِ، وأعْطى كُلَّ مُنْذِرٍ وهادٍ آياتٍ تَلِيقُ بِهِ وبِقَوْمِهِ عَلى مِثْلِها يُؤْمِنُ البَشَرُ، فَيَهْدِي اللَّهُ مَن يَعْلَمُ فِيهِ قابِلِيَّةَ الهُدى بِما نَصَبَ مِنَ الآياتِ المُشاهَداتِ، فَلا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ مِنَ المُقْتَرَحاتِ، ويَضِلُّ مَن يَعْلَمُ [فِيهِ] دَواعِي الضَّلالِ ولَوْ جاءَتْهُ كُلُّ آيَةٍ، لِأنَّهُ الَّذِي جَبَلَهم عَلى طَبائِعِ الخَيْرِ والشَّرِّ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وكَقَوْلِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرعد: ٢٧] والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ المُنْذِرِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، وذِكْرُ الهادِ ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ أوَّلًا.

8

ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ

Allah knows what every female carries and what the wombs lose [prematurely] or exceed. And everything with Him is by due measure.

ولَمّا كانَ ما مَضى مُتَرَتِّبًا عَلى العِلْمِ والقُدْرَةِ ولا سِيَّما خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِهادٍ، وكانَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ إنْكارًا لِلنَّشْأةِ الأُولى، وكانَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَعْلَمُ أنَّ إجابَتَهم إلى ما اقْتَرَحُوا غَيْرَ نافِعٍ لَهُمْ، لِأنَّهم مُتَعَنِّتُونَ لا مُسْتَرْشِدُونَ، شَرَعَ سُبْحانَهُ - بَعْدَ الإعْراضِ عَنْ إجابَةِ مُقْتَرَحاتِهِمْ - يُقَرِّرُ مِن أفْعالِهِ المَحْسُوسَةِ لَهُمُ المُقْتَضِيَةِ لِاتِّصافِهِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ بِما هو كالإعادَةِ سَواءٌ إشارَةً مِنهُ تَعالى إلى [أنَّ] إنْكارَ البَعْثِ [إنْ] كانَ لِاسْتِحالَةِ الإعادَةِ فَهي مِثْلُ البَداءَةِ، وإنْ كانَ لِاسْتِحالَةِ تَمْيِيزِ التُّرابِ الَّذِي كانَ مِنهُ الحَيَوانُ - بَعْدَ اخْتِلاطِهِ بِغَيْرِهِ وتُفَرِّقِ أجْزائِهِ - فَتَمْيِيزُ الماءِ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ الوَلَدُ مِنَ الماءِ الَّذِي لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ أعْجَبُ، لِأنَّ الماءَ أشَدُّ اخْتِلاطًا وأخْفى امْتِزاجًا، ومَعَ ذَلِكَ فَهو يَعْلَمُهُ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ [عِلْمًا] وقُدْرَةً ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ عِلْمًا قَدِيمًا في الأزَلِ بِما سَيُوجَدُ وعِلْمًا يَتَجَدَّدُ تَعَلُّقُهُ بِحَسَبِ حُدُوثِ الحادِثاتِ عَلى الِاسْتِمْرارِ ﴿ما تَحْمِلُ﴾ أيِ الَّذِي تَحْمِلُهُ في رَحِمِها ﴿كُلُّ أُنْثى﴾ أيِ الماءِ الَّذِي يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونُ حَمْلًا ﴿وما تَغِيضُ﴾ أيْ تَنْقُصُ ﴿الأرْحامُ﴾ مِنَ الماءِ فَتُنَشِّفُهُ فَيَضْمَحِلُّ لِعَدَمِ صَلاحِيَتِهِ لِأنْ يَكُونُ مِنهُ ولَدٌ، وأصْلُ الغَيْضِ - كَما قالَ الرُّمّانِيُّ: ذَهابُ المائِعِ في العُمْقِ الغامِضِ، وفِعْلُهُ مُتَعَدٍّ لازِمٌ ﴿وما تَزْدادُ﴾ أيِ الأرْحامِ مِنَ الماءِ عَلى الماءِ الَّذِي قَدَّرَ تَعالى كَوْنَهُ حَمْلًا فَيَكُونُ تَوْأمًا فَأكْثَرَ في جِماعٍ آخَرَ بَعْدَ حَمْلِ الأوَّلِ كَما صَرَّحَ بِإمْكانِ ذَلِكَ ابْنُ سِينا وغَيْرُهُ مِنَ الأطِبّاءِ، ووُلِدَتْ في زَمانِنا أتانٌ حِمارًا وبَغْلًا، [وذَلِكَ لِأنَّ] الزِّيادَةَ ضَمُّ شَيْءٍ إلى المِقْدارِ وكَثْرَتُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَيُقَدِّرُ ذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ أحَدًا زِيادَتُهُ ولا نُقْصانُهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ يَسْتَلْزِمُ الحِكْمَةَ فَلِذا خَتَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِن هَذا وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ المُقْتَرِحاتِ وغَيْرِها ﴿عِنْدَهُ﴾ أيْ في قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ ﴿بِمِقْدارٍ﴾ في كَيْفِيَّتِهِ وكَمِّيَّتِهِ لا يَتَجاوَزُهُ ولا تُقَصِّرُ عَنْهُ، لِأنَّهُ عالِمٌ بِكَيْفِيَّةِ كُلِّ شَيْءٍ وكَمِّيَّتِهِ عَلى الوَجْهِ المُفَصَّلِ المُبِينِ، فامْتَنَعَ وُقُوعُ اللَّبْسِ في تِلْكَ المَعْلُوماتِ وهو [قادِرٌ] عَلى ما يُرِيدُ مِنها، فالآيَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٥] مِن حَيْثُ بَيَّنَ [فِيها] تَرْبِيَتَهُ لَهم عَلى الوَجْهِ الَّذِي هم لَهُ مُشاهِدُونَ وبِهِ مُعْتَرِفُونَ.

9

عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ

[He is] Knower of the unseen and the witnessed, the Grand, the Exalted.

ولَمّا كانَ هَذا عَيْبًا وكانَ عِلْمُهُ مُسْتَلْزَمًا لِعِلْمِ الشَّهادَةِ، وكانَ لِلتَّصْرِيحِ مَزِيَّةٌ لا تُخْفى، صَرَّحَ بِهِ عَلى وجْهٍ كُلِّيٍّ يَعُمُّ تِلْكَ الجُزَيْئاتِ وغَيْرِها فَقالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ وهو ما غابَ عَنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ ﴿والشَّهادَةِ﴾ قالَ الرُّمّانِيُّ: الغَيْبُ: كَوْنُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَخْفى عَنِ الحِسِّ، والشَّهادَةِ: كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَظْهَرُ لَهُ.

ولَمّا كانَ العِلْمُ والحِكْمَةُ لا يَتِمّانِ إلّا بِكَمالِ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ قالَ: ﴿الكَبِيرُ﴾ [أيِ] الَّذِي يَتَضاءَلُ عِنْدَهُ كُلُّ ما فِيهِ صِفاتٌ تَقْتَضِي الكِبَرَ، قالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الحَرّالِيُّ: والكِبْرُ: ظُهُورُ التَّفاوُتِ في ظاهِرِ وباهِرِ القَدْرِ الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى فِكْرٍ، ولِذَلِكَ كانَ فِطْرَةً لِلْخَلْقِ أنَّ اللَّهَ أكْبَرُ، ولَمّا كانَ لا ظاهِرَ قَدْرٍ لِلْخَلْقِ لِما عَلَيْهِمْ مِن بادِي الضَّرُورِيّاتِ والحاجاتِ المُعْلَنَةِ بِصَغِيرٍ بِالقَدْرِ، ومَن حاوَلَ مِنهم أنْ يَكْبُرَ بِسَطْوَةٍ أوْ تَسَلُّطٍ وفَسادٍ زادَ صِغارُ قَدْرِهِ بِما اكْتَسَبَ في أعْيُنِ أرْبابِ البَصائِرِ في الدُّنْيا، ويَبْدُو ذَلِكَ مِنهُ لِعُيُونِ جَمِيعِ الخَلْقِ في الأُخْرى «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كَأمْثالِ الذَّرِّ يَطَؤُهُمُ النّاسُ بِأقْدامِهِمْ» فَلِذَلِكَ اخْتِصاصُ مَعْنى أنَّهُ لا كَبِيرَ إلّا اللَّهُ - انْتَهى.

﴿المُتَعالِ﴾ [أيِ] الَّذِي لا يَدْنُو - مِن أوْجِ عُلُوِّهِ في ذاتٍ أوْ صِفَةٍ أوْ فِعْلٍ - عالٍ، وأخْرَجَهُ مَخْرَجُ التَّفاعُلِ لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى المَعْنى وأبْلَغَ فِيهِ؛ وقالَ أبُو الحَسَنِ الحَرّالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: والتَّعالِي: فَوَّتَ التَّناوُلَ والمَنالَ بِحُكْمٍ أوْ حُجَّةٍ، وأشْعَرَ التَّفاعُلَ بِما يَجْرِي مِن تَوَهُّمِ المُحْتَجِّينَ في أمْرِهِ بِأوْهامِ حُجَجٍ داحِضَةٍ ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦] فَهو تَعالى يَأْذَنُ في الِاحْتِجاجِ والجِدالِ ثُمَّ يَتَعالى بِما لَهُ مِنَ الحُجَّةِ البالِغَةِ [ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] ] فَهو المُتَعالِي عِلْمًا وحُكْمًا وحُجَّةً، وحَقِيقَةُ المُتَعالِي الَّذِي لا يَتَعالى إلّا هو - انْتَهى. والحاصِلُ أنَّهُ لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ مِمّا تَقَدَّمَ، أشارَ إلى [أنَّ] ذَلِكَ عَلى ما تَحْتَمِلُهُ [العُقُولُ] وأنَّ الحَقَّ في وصْفِهِ الكِبَرُ المُطْلَقُ والتَّعالِي المُطْلَقُ، لِأنَّ العُقُولَ لا تَحْتَمِلُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ.

10

سَوَآءٌۭ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ

It is the same [to Him] concerning you whether one conceals [his] speech or one publicizes it and whether one is hidden by night or conspicuous [among others] by day.

ولَمّا كانَتِ العادَةُ قاضِيَةً بِتَفاوُتِ العِلْمِ بِالنِّسْبَةِ إلى السِّرِّ والجَهْرِ، والقُدْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُتَحَفِّظِ بِالحَرَسِ وغَيْرِهِ، أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِما نُفِيَ هَذا الِاحْتِمالُ عَنْهُ عَلى وجْهِ الشَّرْحِ والبَيانِ لِاسْتِواءِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ فَقالَ: ﴿سَواءٌ مِنكُمْ﴾ أيْ في عِلْمِهِ ﴿مَن أسَرَّ القَوْلَ﴾ أيْ أخْفى مَعْناهُ في نَفْسِهِ ﴿ومَن جَهَرَ بِهِ﴾ وفي عِلْمِهِ ”و“ قُدْرَتِهِ ”مَن هو مُسْتَخِفّ“ أيْ مُوجِدُ الخَفاءَ وطالِبٌ لَهُ أشَدَّ طَلَبٍ ﴿بِاللَّيْلِ﴾ في أخْفى الأوْقاتِ فَسارِبٌ أوْ كامِنٌ فِيهِ، يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِخْفاءَ يُغْنِيهِ مِنَ القُدْرَةِ ”و“ مَن هو ”سارِب“ أيْ ذاهِبٌ عَلى وجْهِهِ الأرْضَ ومُتَوَجِّهٌ جارٍ في تَوَجُّهِهِ إلى قَصْدِهِ بِسُرْعَةٍ ﴿بِالنَّهارِ﴾ مُتَجاهِرٌ بِسُرُوبِهِ فِيهِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ أوَّلًا دالٌّ عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، وذَكَرَ ”سارِب“ ثانِيًا دالٌّ عَلى ضِدِّهِ أوْ مِثْلِهِ أوَّلًا

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.