Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 11–20 of 43

11

لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٌۭ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ سُوٓءًۭا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ

For each one are successive [angels] before and behind him who protect him by the decree of Allah. Indeed, Allah will not change the condition of a people until they change what is in themselves. And when Allah intends for a people ill, there is no repelling it. And there is not for them besides Him any patron.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾

اعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في ”لَهُ“ عائِدٌ إلى ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ﴾ وقِيلَ عَلى اسْمِ اللَّهِ في ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾، والمَعْنى: لِلَّهِ مُعَقِّباتٌ، وأمّا المُعَقِّباتُ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مُعْتَقِباتٍ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في القافِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٩٠] والمُرادُ المُعْتَذِرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن: عَقَبَهُ إذا جاءَ عَلى عَقِبِهِ فاسْمُ المُعَقِّبِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ما خَلَفَ يَعْقُبُ ما قَبْلَهُ،

صفحة ١٦

والمَعْنى في كِلا الوجه يْنِ واحِدٌ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في المُرادِ بِالمُعَقِّباتِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّ المُرادَ مِنهُ المَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، وإنَّما صَحَّ وصْفُهم بِالمُعَقِّباتِ، إمّا لِأجْلِ أنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ تَعْقُبُ مَلائِكَةَ النَّهارِ وبِالعَكْسِ، وإمّا لِأجْلِ أنَّهم يَتَعَقَّبُونَ أعْمالَ العِبادِ ويَتْبَعُونَها بِالحِفْظِ والكَتْبِ، وكُلُّ مَن عَمِلَ عَمَلًا ثُمَّ عادَ إلَيْهِ فَقَدْ عَقَّبَ، فَعَلى هَذا المُرادُ مِنَ المُعَقِّباتِ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ. رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي عَنِ العَبْدِ كَمْ مَعَهُ مِن مَلَكٍ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَلَكٌ عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ الحَسَناتِ، وهو أمِينٌ عَلى الَّذِي عَلى الشِّمالِ، فَإذا عَمِلْتَ حَسَنَةً كُتِبَتْ عَشْرًا، وإذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً قالَ الَّذِي عَلى الشِّمالِ لِصاحِبِ اليَمِينِ: أكْتُبُ؟ فَيَقُولُ: لا لَعَلَّهُ يَتُوبُ، فَإذا قالَ ثَلاثًا، قالَ: نَعَمْ اكْتُبْ أراحَنا اللَّهُ مِنهُ، فَبِئْسَ القَرِينُ ما أقَلَّ مُراقَبَتَهُ لِلَّهِ تَعالى واسْتِحْياءَهُ مِنّا، ومَلَكانِ مِن بَيْنِ يَدَيْكَ ومِن خَلْفِكَ، فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، ومَلَكٌ قابِضٌ عَلى ناصِيَتِكَ، فَإذا تَواضَعْتَ لِرَبِّكَ رَفَعَكَ، وإنْ تَجَبَّرْتَ قَصَمَكَ، ومَلَكانِ عَلى شَفَتِكَ يَحْفَظانِ عَلَيْكَ الصَّلاةَ عَلَيَّ، ومَلَكٌ عَلى فِيكَ لا يَدْعُ أنْ تَدْخُلَ الحَيَّةُ في فِيكَ، ومَلَكانِ عَلى عَيْنَيْكَ، فَهَؤُلاءِ عَشَرَةُ أمْلاكٍ عَلى كُلِّ آدَمِيٍّ تُبَدَّلُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ بِمَلائِكَةِ النَّهارِ، فَهم عِشْرُونَ مَلَكًا عَلى كُلِّ آدَمِيٍّ» . وعَنْهُ ﷺ: «يَتَعاقَبُ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ، ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ» . وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسْراءِ: ٧٨] قِيلَ: تَصْعَدُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ، وهي عَشَرَةٌ وتَنْزِلُ مَلائِكَةُ النَّهارِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] صاحِبُ اليَمِينِ يَكْتُبُ الحَسَناتِ، والَّذِي عَنْ يَسارِهِ يَكْتُبُ السَّيِّئاتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ مَلَكٌ يَحْفَظُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والهَوامِّ في نَوْمِهِ ويَقَظَتِهِ. وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: المَلائِكَةُ ذُكُورٌ، فَلِمَ ذَكَرَ في جَمْعِها جَمْعَ الإناثِ وهو المُعَقِّباتُ؟

والجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ: …

12

هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًۭا وَطَمَعًۭا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ

It is He who shows you lightening, [causing] fear and aspiration, and generates the heavy clouds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ وهو شَدِيدُ المِحالِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَوَّفَ العِبادَ بِإنْزالِ ما لا مَرَدَّ لَهُ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ هَذِهِ الآياتِ وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّها دَلائِلُ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، وأنَّها تُشْبِهُ النِّعَمَ والإحْسانَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وتُشْبِهُ العَذابَ والقَهْرَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ.

صفحة ٢٠

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا أُمُورًا أرْبَعَةً

الأوَّلُ: البَرْقُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿خَوْفًا وطَمَعًا﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُما؛ لِأنَّهُما لَيْسا بِفِعْلِ فاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ إلّا عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: إرادَةَ خَوْفٍ وطَمَعٍ أوْ عَلى مَعْنى: إخافَةً وإطْماعًا.

الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونا مُنْتَصِبَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ البَرْقِ كَأنَّهُ في نَفْسِهِ خَوْفٌ وطَمَعٌ، والتَّقْدِيرُ: ذا خَوْفٍ وذا طَمَعٍ، أوْ عَلى مَعْنى إيخافًا وإطْماعًا.

الثّالِثُ: أنْ يَكُونا حالًا مِنَ المُخاطَبِينَ أيْ خائِفِينَ وطامِعِينَ.

المسألة الثّانِيَةُ: في كَوْنِ البَرْقِ خَوْفًا وطَمَعًا وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ عِنْدَ لَمَعانِ البَرْقِ يُخافُ وُقُوعُ الصَّواعِقِ، ويُطْمَعُ في نُزُولِ الغَيْثِ؛ قالَ المُتَنَبِّي:

فَتًى كالسَّحابِ الجَوْنِ يَخْشى ويَرْتَجِي يُرَجِّي الحَيا مِنها ويَخْشى الصَّواعِقا

الثّانِي: أنَّهُ يَخافُ المَطَرَ مِن لَهُ فِيهِ ضَرَرٌ كالمُسافِرِ، وكَمَنَ في جِرابِهِ التَّمْرُ والزَّبِيبُ، ويَطْمَعُ فِيهِ مَن لَهُ فِيهِ نَفْعٌ.

الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَحْصُلُ في الدُّنْيا، فَهو خَيْرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ، وشَرٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى آخَرِينَ، فَكَذَلِكَ المَطَرُ خَيْرٌ في حَقِّ مَن يَحْتاجُ إلَيْهِ في أوانِهِ، وشَرٌّ في حَقِّ مَن يَضُرُّهُ ذَلِكَ، إمّا بِحَسَبِ المَكانِ أوْ بِحَسَبِ الزَّمانِ.

المسألة الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ حُدُوثَ البَرْقِ دَلِيلٌ عَجِيبٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وبَيانُهُ أنَّ السَّحابَ لا شَكَّ أنَّهُ جِسْمٌ مُرَكَّبٌ مِن أجْزاءٍ رَطْبَةٍ مائِيَّةٍ، ومِن أجْزاءٍ هَوائِيَّةٍ ونارِيَّةٍ، ولا شَكَّ أنَّ الغالِبَ عَلَيْهِ الأجْزاءُ المائِيَّةُ، والماءُ جِسْمٌ بارِدٌ ورَطْبٌ، والنّارُ جِسْمٌ يابِسٌ، وظُهُورُ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ التّامِّ عَلى خِلافِ العَقْلِ، فَلا بُدَّ مِن صانِعٍ مُخْتارٍ يُظْهِرُ الضِّدَّ مِنَ الضِّدِّ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرِّيحَ احْتَقَنَ في داخِلِ جِرْمِ السَّحابِ واسْتَوْلى البَرْدُ عَلى ظاهِرِهِ فانْجَمَدَ السَّطْحُ الظّاهِرُ مِنهُ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرِّيحَ يُمَزِّقُهُ تَمْزِيقًا عَنِيفًا فَيَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ التَّمْزِيقِ الشَّدِيدِ حَرَكَةٌ عَنِيفَةٌ، والحَرَكَةُ العَنِيفَةُ مُوجِبَةٌ لِلسُّخُونَةِ وهي البَرْقُ؟

والجَوابُ: أنَّ كُلَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ عَلى خِلافِ المَعْقُولِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: أيْنَما يَحْصُلِ البَرْقُ فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ الرَّعْدُ وهو الصَّوْتُ الحادِثُ مِن تَمَزُّقِ السَّحابِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يَحْدُثُ البَرْقُ القَوِيُّ مِن غَيْرِ حُدُوثِ …

13

وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِۦ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِۦ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ

And the thunder exalts [Allah] with praise of Him - and the angels [as well] from fear of Him - and He sends thunderbolts and strikes therewith whom He wills while they dispute about Allah; and He is severe in assault.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ وهو شَدِيدُ المِحالِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَوَّفَ العِبادَ بِإنْزالِ ما لا مَرَدَّ لَهُ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ هَذِهِ الآياتِ وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّها دَلائِلُ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، وأنَّها تُشْبِهُ النِّعَمَ والإحْسانَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وتُشْبِهُ العَذابَ والقَهْرَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ.

صفحة ٢٠

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا أُمُورًا أرْبَعَةً

الأوَّلُ: البَرْقُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿خَوْفًا وطَمَعًا﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُما؛ لِأنَّهُما لَيْسا بِفِعْلِ فاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ إلّا عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: إرادَةَ خَوْفٍ وطَمَعٍ أوْ عَلى مَعْنى: إخافَةً وإطْماعًا.

الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونا مُنْتَصِبَيْنِ عَلى الحالِ مِنَ البَرْقِ كَأنَّهُ في نَفْسِهِ خَوْفٌ وطَمَعٌ، والتَّقْدِيرُ: ذا خَوْفٍ وذا طَمَعٍ، أوْ عَلى مَعْنى إيخافًا وإطْماعًا.

الثّالِثُ: أنْ يَكُونا حالًا مِنَ المُخاطَبِينَ أيْ خائِفِينَ وطامِعِينَ.

المسألة الثّانِيَةُ: في كَوْنِ البَرْقِ خَوْفًا وطَمَعًا وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ عِنْدَ لَمَعانِ البَرْقِ يُخافُ وُقُوعُ الصَّواعِقِ، ويُطْمَعُ في نُزُولِ الغَيْثِ؛ قالَ المُتَنَبِّي:

فَتًى كالسَّحابِ الجَوْنِ يَخْشى ويَرْتَجِي يُرَجِّي الحَيا مِنها ويَخْشى الصَّواعِقا

الثّانِي: أنَّهُ يَخافُ المَطَرَ مِن لَهُ فِيهِ ضَرَرٌ كالمُسافِرِ، وكَمَنَ في جِرابِهِ التَّمْرُ والزَّبِيبُ، ويَطْمَعُ فِيهِ مَن لَهُ فِيهِ نَفْعٌ.

الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَحْصُلُ في الدُّنْيا، فَهو خَيْرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ، وشَرٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى آخَرِينَ، فَكَذَلِكَ المَطَرُ خَيْرٌ في حَقِّ مَن يَحْتاجُ إلَيْهِ في أوانِهِ، وشَرٌّ في حَقِّ مَن يَضُرُّهُ ذَلِكَ، إمّا بِحَسَبِ المَكانِ أوْ بِحَسَبِ الزَّمانِ.

المسألة الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ حُدُوثَ البَرْقِ دَلِيلٌ عَجِيبٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وبَيانُهُ أنَّ السَّحابَ لا شَكَّ أنَّهُ جِسْمٌ مُرَكَّبٌ مِن أجْزاءٍ رَطْبَةٍ مائِيَّةٍ، ومِن أجْزاءٍ هَوائِيَّةٍ ونارِيَّةٍ، ولا شَكَّ أنَّ الغالِبَ عَلَيْهِ الأجْزاءُ المائِيَّةُ، والماءُ جِسْمٌ بارِدٌ ورَطْبٌ، والنّارُ جِسْمٌ يابِسٌ، وظُهُورُ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ التّامِّ عَلى خِلافِ العَقْلِ، فَلا بُدَّ مِن صانِعٍ مُخْتارٍ يُظْهِرُ الضِّدَّ مِنَ الضِّدِّ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرِّيحَ احْتَقَنَ في داخِلِ جِرْمِ السَّحابِ واسْتَوْلى البَرْدُ عَلى ظاهِرِهِ فانْجَمَدَ السَّطْحُ الظّاهِرُ مِنهُ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرِّيحَ يُمَزِّقُهُ تَمْزِيقًا عَنِيفًا فَيَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ التَّمْزِيقِ الشَّدِيدِ حَرَكَةٌ عَنِيفَةٌ، والحَرَكَةُ العَنِيفَةُ مُوجِبَةٌ لِلسُّخُونَةِ وهي البَرْقُ؟

والجَوابُ: أنَّ كُلَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ عَلى خِلافِ المَعْقُولِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: أيْنَما يَحْصُلِ البَرْقُ فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ الرَّعْدُ وهو الصَّوْتُ الحادِثُ مِن تَمَزُّقِ السَّحابِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يَحْدُثُ البَرْقُ القَوِيُّ مِن غَيْرِ حُدُوثِ …

14

لَهُۥ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦ ۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍۢ

To Him [alone] is the supplication of truth. And those they call upon besides Him do not respond to them with a thing, except as one who stretches his hands toward water [from afar, calling it] to reach his mouth, but it will not reach it [thus]. And the supplication of the disbelievers is not but in error [i.e. futility].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ إلّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وما هو بِبالِغِهِ وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ أيْ لِلَّهِ دَعْوَةُ الحَقِّ، وفِيهِ بَحْثانِ:

البحث الأوَّلُ: في أقْوالِ المُفَسِّرِينَ، وهي أُمُورٌ:

أحَدُها: ما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ﴿دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

وثانِيها: قَوْلُ الحَسَنِ: إنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ، فَدُعاؤُهُ هو الحَقُّ، كَأنَّهُ يُومِئُ إلى أنَّ الِانْقِطاعَ إلَيْهِ في الدُّعاءِ هو الحَقُّ.

وثالِثُها: أنَّ عِبادَتَهُ هي الحَقُّ والصِّدْقُ.

واعْلَمْ أنَّ الحَقَّ هو المَوْجُودُ، والمَوْجُودُ قِسْمانِ:

قِسْمٌ يَقْبَلُ العَدَمَ، وهو حَقٌّ يُمْكِنُ أنْ يَصِيرَ باطِلًا، وقِسْمٌ لا يَقْبَلُ العَدَمَ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَصِيرَ باطِلًا، وذَلِكَ هو الحَقُّ الحَقِيقِيُّ، وإذا كانَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ مَوْجُودًا لا يَقْبَلُ العَدَمَ كانَ أحَقَّ المَوْجُوداتِ بِأنْ يَكُونَ حَقًّا هو هو، وكانَ أحَقُّ الِاعْتِقاداتِ وأحَقُّ الأذْكارِ بِأنْ يَكُونَ حَقًّا هو

صفحة ٢٤

اعْتِقادَ ثُبُوتِهِ وذِكْرَ وجُودِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ وُجُودَهُ هو الحَقُّ في المَوْجُوداتِ، واعْتِقادُ وُجُودِهِ هو الحَقُّ في الِاعْتِقاداتِ، وذِكْرُهُ بِالثَّناءِ والإلَهِيَّةِ والكَمالِ هو الحَقُّ في الأذْكارِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ .

البحث الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ تُضافَ الدَّعْوَةُ إلى الحَقِّ الَّذِي هو نَقِيضُ الباطِلِ، كَما تُضافُ إلَيْهِ الكَلِمَةُ في قَوْلِهِ: [كَلِمَةُ الحَقِّ] والمَقْصُودُ مِنهُ الدَّلالَةُ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ مُخْتَصَّةً بِكَوْنِها حَقَّةً، وكَوْنِها خالِيَةً عَنْ أماراتِ كَوْنِهِ باطِلًا، وهَذا مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى صِفَتِهِ.

والثّانِي: أنْ تُضافَ إلى الحَقِّ الَّذِي هو اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى مَعْنى: دَعْوَةُ المَدْعُوِّ الحَقِّ الَّذِي يَسْمَعُ فَيُجِيبُ، وعَنِ الحَسَنِ: الحَقُّ هو اللَّهُ وكُلُّ دُعاءٍ إلَيْهِ فَهو دَعْوَةُ الحَقِّ.

ثم قال تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي الآلِهَةَ الَّذِينَ يَدْعُونَهُمُ الكُفّارُ مِن دُونِ اللَّهِ: ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ﴾ مِمّا يَطْلُبُونَهُ إلّا اسْتِجابَةً كاسْتِجابَةِ باسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ، والماءُ جَمادٌ لا يَشْعُرُ بِبَسْطِ كَفَّيْهِ ولا بِعَطَشِهِ وحاجَتِهِ إلَيْهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يُجِيبَ دُعاءَهُ ويَبْلُغَ فاهُ، فَكَذَلِكَ ما يَدْعُونَهُ جَمادٌ، لا يُحِسُّ بِدُعائِهِمْ ولا يَسْتَطِيعُ إجابَتَهم، ولا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِهِمْ، وقِيلَ شُبِّهُوا في قِلَّةِ فائِدَةِ دُعائِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ، بِمَن أرادَ أنْ يَغْرِفَ الماءَ بِيَدَيْهِ لِيَشْرَبَهُ فَيَبْسُطُها ناشِرًا أصابِعَهُ ولَمْ تَصِلْ كَفّاهُ إلى ذَلِكَ الماءِ ولَمْ يَبْلُغْ مَطْلُوبَهُ مِن شُرْبِهِ، وقُرِئَ [تَدْعُونَ] بِالتّاءِ [كَباسِطٍ كَفَّيْهِ] بِالتَّنْوِينِ، ثم قال: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ أيْ إلّا في ضَياعٍ لا مَنفَعَةَ فِيهِ؛ لِأنَّهم إنْ دَعَوُا اللَّهَ لَمْ يُجِبْهم، وإنْ دَعَوُا الآلِهَةَ لَمْ تَسْتَطِعْ إجابَتَهم.

15

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًۭا وَكَرْهًۭا وَظِلَٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْءَاصَالِ ۩

And to Allah prostrates whoever is within the heavens and the earth, willingly or by compulsion, and their shadows [as well] in the mornings and the afternoons.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ في المُرادِ بِهَذا السُّجُودِ قَوْلَيْنِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ السُّجُودُ بِمَعْنى وضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ، وعَلى هَذا الوجه فَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ اللَّفْظَ وإنْ كانَ عامًّا إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ الخُصُوصُ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَبَعْضُ المُؤْمِنِينَ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ طَوْعًا بِسُهُولَةٍ ونَشاطٍ، ومِنَ المُسْلِمِينَ مَن يَسْجُدُ لِلَّهِ كَرْهًا لِصُعُوبَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ يَحْمِلُ نَفْسَهُ عَلى أداءِ تِلْكَ الطّاعَةِ شاءَ أمْ أبى.

والثّانِي: أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ والمُرادُ مِنهُ أيْضًا العامُّ وعَلى هَذا فَفي الآيَةِ إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ يَسْجُدُ لِلَّهِ، بَلِ المَلائِكَةُ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ، والمُؤْمِنُونَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ تَعالى، وأمّا الكافِرُونَ فَلا يَسْجُدُونَ.

الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ ويَجِبُ عَلى كُلِّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ أنْ يَسْجُدَ لِلَّهِ، فَعَبَّرَ عَنِ الوُجُوبِ بِالوُقُوعِ والحُصُولِ.

والثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ مِنَ السُّجُودِ التَّعْظِيمُ والِاعْتِرافُ بِالعُبُودِيَّةِ، وكُلُّ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ يَعْتَرِفُونَ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [ لُقْمانَ: ٢٥].

وأمّا القَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ، فَهو أنَّ السُّجُودَ عِبارَةٌ عَنْ الِانْقِيادِ والخُضُوعِ وعَدَمِ الِامْتِناعِ، وكُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ساجِدٌ لِلَّهِ بِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّ قُدْرَتَهُ ومَشِيئَتَهُ نافِذَةٌ في الكُلِّ وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ ما

صفحة ٢٥

سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ هو الَّذِي تَكُونُ ماهِيَّتُهُ قابِلَةً لِلْعَدَمِ والوُجُودِ عَلى السَّوِيَّةِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ رُجْحانُ وجُودِهِ عَلى عَدَمِهِ أوْ بِالعَكْسِ، إلّا بِتَأْثِيرِ مَوْجُودٍ ومُؤَثِّرٍ، فَيَكُونُ وُجُودُ كُلِّ ما سِوى الحَقِّ سُبْحانَهُ بِإيجادِهِ، وعَدَمُ كُلِّ ما سِواهُ بِإعْدامِهِ، فَتَأْثِيرُهُ نافِذٌ في جَمِيعِ المُمْكِناتِ في طَرَفَيِ الإيجادِ والإعْدامِ، وذَلِكَ هو السُّجُودُ وهو التَّواضُعُ والخُضُوعُ والِانْقِيادُ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١١٦] وقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٨٣].

وأما قوله تَعالى: ﴿طَوْعًا وكَرْهًا﴾ فالمُرادُ: أنَّ بَعْضَ الحَوادِثِ مِمّا يَمِيلُ الطَّبْعُ إلى حُصُولِهِ كالحَياةِ والغِنى، وبَعْضَها مِمّا يَنْفِرُ الطَّبْعُ عَنْهُ كالمَوْتِ والفَقْرِ والعَمى والحُزْنِ والزِّمانَةِ وجَمِيعِ أصْنافِ المَكْرُوهاتِ، والكُلُّ حاصِلٌ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ وتَكْوِينِهِ وإيجادِهِ، ولا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى الِامْتِناعِ والمُدافَعَةِ.

ثم قال تَعالى: ﴿وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كُلُّ شَخْصٍ سَواءٌ كانَ مُؤْمِنًا أوْ كافِرًا، فَإنَّ ظِلَّهُ يَسْجُدُ لِلَّهِ، قالَ مُجاهِدٌ: ظِلُّ المُؤْمِنِ يَسْجُدُ لِلَّهِ طَوْعًا وهو طائِعٌ، وظِلُّ الكافِرِ يَسْجُدُ لِلَّهِ كَرْهًا وهو كارِهٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الكافِرَ يَسْجُدُ لِغَيْرِ اللَّهِ وظِلُّهُ يَسْجُدُ لِلَّهِ، …

16

قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ ۚ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّۭا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُوا۟ كَخَلْقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُوَ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّٰرُ

Say, "Who is Lord of the heavens and earth?" Say, "Allah." Say, "Have you then taken besides Him allies not possessing [even] for themselves any benefit or any harm?" Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Or is darkness equivalent to light? Or have they attributed to Allah partners who created like His creation so that the creation [of each] seemed similar to them?" Say, "Allah is the Creator of all things, and He is the One, the Prevailing."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ساجِدٌ لَهُ بِمَعْنى كَوْنِهِ خاضِعًا لَهُ، عادَ إلى الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ، فَقالَ: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ ولَمّا كانَ هَذا الجَوابُ جَوابًا يُقِرُّ بِهِ المَسْئُولُ ويَعْتَرِفُ بِهِ ولا يُنْكِرُهُ، أمَرَهُ ﷺ أنْ يَكُونَ هو الذّاكِرَ لِهَذا الجَوابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لا يُنْكِرُونَهُ البَتَّةَ، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الرَّبُّ لِكُلِّ الكائِناتِ قالَ: قُلْ لَهم فَلِمَ اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ، وهي جَماداتٌ، وهي لا تَمْلِكُ لِأنْفُسِها نَفْعًا ولا ضَرًّا؟ ولَمّا كانَتْ عاجِزَةً عَنْ تَحْصِيلِ المَنفَعَةِ لِأنْفُسِها ودَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ أنْفُسِها، فَبِأنْ تَكُونَ عاجِزَةً عَنْ

صفحة ٢٦

تَحْصِيلِ المَنفَعَةِ لِغَيْرِها ودَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ غَيْرِها كانَ ذَلِكَ أوْلى، فَإذا لَمْ تَكُنْ قادِرَةً عَلى ذَلِكَ كانَتْ عِبادَتُها مَحْضَ العَبَثِ والسَّفَهِ، ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الحَجَّةَ الظّاهِرَةَ بَيَّنَ أنَّ الجاهِلَ بِمِثْلِ هَذِهِ الحُجَّةِ يَكُونُ كالأعْمى والعالِمَ بِها كالبَصِيرِ، والجَهْلُ بِمِثْلِ هَذِهِ الحُجَّةِ كالظُّلُماتِ، والعِلْمُ بِها كالنُّورِ، وكَما أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الأعْمى لا يُساوِي البَصِيرَ، والظُّلْمَةَ لا تُساوِي النُّورَ كَذَلِكَ كُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الجاهِلَ بِهَذِهِ الحُجَّةِ لا يُساوِي العالِمَ بِها، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وعَمْرٌو عَنْ عاصِمِ [يَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ] بِالياءِ، لِأنَّها مُقَدَّمَةٌ عَلى اسْمِ الجَمْعِ والباقُونَ بِالتّاءِ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا البَيانَ فَقالَ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها شُرَكاءُ لِلَّهِ لَيْسَ لَها خَلْقٌ يُشْبِهُ خَلْقَ اللَّهِ حَتّى يَقُولُوا إنَّها تُشارِكُ اللَّهَ في الخالِقِيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ تُشارِكَهُ في الإلَهِيَّةِ، بَلْ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْها فِعْلٌ البَتَّةَ، ولا خَلْقٌ ولا أثَرٌ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ حُكْمُهم بِكَوْنِها شُرَكاءَ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ مَحْضَ السَّفَهِ والجَهْلِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المُعْتَزِلَةَ زَعَمُوا أنَّ الحَيَواناتِ تَخْلُقُ حَرَكاتٍ وسَكَناتٍ مِثْلَ الحَرَكاتِ والسَّكَناتِ الَّتِي يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ والإنْكارِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ، قالَ القاضِي: نَحْنُ وإنْ قُلْنا: إنَّ العَبْدَ يَفْعَلُ ويُحْدِثُ، إلّا أنّا لا نُطْلِقُ القَوْلَ بِأنَّهُ يَخْلُقُ، ولَوْ أطْلَقْناهُ لَمْ نَقُلْ إنَّهُ يَخْلُقُ كَخَلْقِ …

17

أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌۢ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًۭا رَّابِيًۭا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَٰعٍۢ زَبَدٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَٰطِلَ ۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءًۭ ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ

He sends down from the sky, rain, and valleys flow according to their capacity, and the torrent carries a rising foam. And from that [ore] which they heat in the fire, desiring adornments and utensils, is a foam like it. Thus Allah presents [the example of] truth and falsehood. As for the foam, it vanishes, [being] cast off; but as for that which benefits the people, it remains on the earth. Thus does Allah present examples.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَبَّهَ المُؤْمِنَ والكافِرَ والإيمانَ والكُفْرَ بِالأعْمى والبَصِيرِ والظُّلُماتِ والنُّورِ ضَرَبَ لِلْإيمانِ والكُفْرِ مَثَلًا آخَرَ، فَقالَ: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ ومِن حَقِّ الماءِ أنْ يَسْتَقِرَّ في الأوْدِيَةِ المُنْخَفِضَةِ عَنِ الجِبالِ والتِّلالِ بِمِقْدارِ سِعَةِ تِلْكَ الأوْدِيَةِ وصِغَرِها، ومِن حَقِّ الماءِ إذا زادَ عَلى قَدْرِ الأوْدِيَةِ أنْ يَنْبَسِطَ عَلى الأرْضِ، ومِن حَقِّ الزَّبَدِ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ الماءُ فَيَطْفُو ويَرْبُو عَلَيْهِ أنْ يَتَبَدَّدَ في الأطْرافِ ويَبْطُلَ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الزَّبَدُ ما يَجْرِي مَجْرى الغَلَيانِ مِنَ البَياضِ أوْ ما يُحْفَظُ بِالماءِ مِنَ الأجْسامِ الخَفِيفَةِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذا الزَّبَدَ الَّذِي لا يَظْهَرُ إلّا عِنْدَ اشْتِدادِ جَرْيِ الماءِ ذَكَرَ الزَّبَدَ الَّذِي لا يَظْهَرُ إلّا بِالنّارِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأجْسادِ السَّبْعَةِ إذا أُذِيبَ بِالنّارِ لِابْتِغاءِ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ آخَرَ مِنَ الأمْتِعَةِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في مَصالِحِ البَيْتِ، فَإنَّهُ يَنْفَصِلُ عَنْها نَوْعٌ مِنَ الزَّبَدِ والخَبَثِ، ولا يُنْتَفَعُ بِهِ بَلْ يَضِيعُ ويَبْطُلُ ويَبْقى الخالِصُ، فالحاصِلُ: أنَّ الوادِيَ إذا جَرى طَفا عَلَيْهِ زَبَدٌ، وذَلِكَ الزَّبَدُ يَبْطُلُ ويَبْقى الماءُ، والأجْسادُ السَّبْعَةُ إذا أُذِيبَتْ لِأجْلِ اتِّخاذِ الحُلِيِّ أوْ لِأجْلِ اتِّخاذِ سائِرِ الأمْتِعَةِ انْفَصَلَ عَنْها خَبَثٌ وزَبَدٌ، فَيَبْطُلُ ويَبْقى ذَلِكَ الجَوْهَرُ المُنْتَفَعُ بِهِ، فَكَذا هاهُنا أنْزَلَ مِن سَماءِ الكِبْرِياءِ والجَلالَةِ والإحْسانِ ماءً وهو القُرْآنُ، والأوْدِيَةُ قُلُوبُ العِبادِ وشَبَّهَ القُلُوبَ

صفحة ٢٩

بِالأوْدِيَةِ؛ لِأنَّ القُلُوبَ تَسْتَقِرُّ فِيها أنْوارُ عُلُومِ القُرْآنِ، كَما أنَّ الأوْدِيَةَ تَسْتَقِرُّ فِيها المِياهُ النّازِلَةُ مِنَ السَّماءِ، وكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ فَإنَّما يَحْصُلُ فِيهِ مِن مِياهِ الأمْطارِ ما يَلِيقُ بِسِعَتِهِ أوْ ضِيقِهِ، فَكَذا هاهُنا كُلُّ قَلْبٍ إنَّما يَحْصُلُ فِيهِ مِن أنْوارِ عُلُومِ القُرْآنِ ما يَلِيقُ بِذَلِكَ القَلْبِ مِن طَهارَتِهِ وخُبْثِهِ وقُوَّةِ فَهْمِهِ وقُصُورِ فَهْمِهِ، وكَما أنَّ الماءَ يَعْلُوهُ زَبَدُ الأجْسادِ السَّبْعَةِ المُذابَةِ يُخالِطُها خَبَثٌ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الزَّبَدَ والخَبَثَ يَذْهَبُ ويَضِيعُ ويَبْقى جَوْهَرُ الماءِ وجَوْهَرُ الأجْسادِ السَّبْعَةِ، كَذا هاهُنا بَياناتُ القُرْآنِ تَخْتَلِطُ بِها شُكُوكٌ وشُبَهاتٌ، ثُمَّ إنَّها بِالآخِرَةِ تَزُولُ وتَضِيعُ ويَبْقى العِلْمُ والدِّينُ والحِكْمَةُ والمُكاشَفَةُ في العاقِبَةِ، فَهَذا هو تَقْرِيرُ هَذا المَثَلِ ووَجْهُ انْطِباقِ المَثَلِ عَلى المُمَثَّلِ بِهِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ سَكَتُوا عَنْ …

18

لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُۥ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

For those who have responded to their Lord is the best [reward], but those who did not respond to Him - if they had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby. Those will have the worst account, and their refuge is Hell, and wretched is the resting place.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَبَّهَ المُؤْمِنَ والكافِرَ والإيمانَ والكُفْرَ بِالأعْمى والبَصِيرِ والظُّلُماتِ والنُّورِ ضَرَبَ لِلْإيمانِ والكُفْرِ مَثَلًا آخَرَ، فَقالَ: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ ومِن حَقِّ الماءِ أنْ يَسْتَقِرَّ في الأوْدِيَةِ المُنْخَفِضَةِ عَنِ الجِبالِ والتِّلالِ بِمِقْدارِ سِعَةِ تِلْكَ الأوْدِيَةِ وصِغَرِها، ومِن حَقِّ الماءِ إذا زادَ عَلى قَدْرِ الأوْدِيَةِ أنْ يَنْبَسِطَ عَلى الأرْضِ، ومِن حَقِّ الزَّبَدِ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ الماءُ فَيَطْفُو ويَرْبُو عَلَيْهِ أنْ يَتَبَدَّدَ في الأطْرافِ ويَبْطُلَ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الزَّبَدُ ما يَجْرِي مَجْرى الغَلَيانِ مِنَ البَياضِ أوْ ما يُحْفَظُ بِالماءِ مِنَ الأجْسامِ الخَفِيفَةِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذا الزَّبَدَ الَّذِي لا يَظْهَرُ إلّا عِنْدَ اشْتِدادِ جَرْيِ الماءِ ذَكَرَ الزَّبَدَ الَّذِي لا يَظْهَرُ إلّا بِالنّارِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأجْسادِ السَّبْعَةِ إذا أُذِيبَ بِالنّارِ لِابْتِغاءِ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ آخَرَ مِنَ الأمْتِعَةِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في مَصالِحِ البَيْتِ، فَإنَّهُ يَنْفَصِلُ عَنْها نَوْعٌ مِنَ الزَّبَدِ والخَبَثِ، ولا يُنْتَفَعُ بِهِ بَلْ يَضِيعُ ويَبْطُلُ ويَبْقى الخالِصُ، فالحاصِلُ: أنَّ الوادِيَ إذا جَرى طَفا عَلَيْهِ زَبَدٌ، وذَلِكَ الزَّبَدُ يَبْطُلُ ويَبْقى الماءُ، والأجْسادُ السَّبْعَةُ إذا أُذِيبَتْ لِأجْلِ اتِّخاذِ الحُلِيِّ أوْ لِأجْلِ اتِّخاذِ سائِرِ الأمْتِعَةِ انْفَصَلَ عَنْها خَبَثٌ وزَبَدٌ، فَيَبْطُلُ ويَبْقى ذَلِكَ الجَوْهَرُ المُنْتَفَعُ بِهِ، فَكَذا هاهُنا أنْزَلَ مِن سَماءِ الكِبْرِياءِ والجَلالَةِ والإحْسانِ ماءً وهو القُرْآنُ، والأوْدِيَةُ قُلُوبُ العِبادِ وشَبَّهَ القُلُوبَ

صفحة ٢٩

بِالأوْدِيَةِ؛ لِأنَّ القُلُوبَ تَسْتَقِرُّ فِيها أنْوارُ عُلُومِ القُرْآنِ، كَما أنَّ الأوْدِيَةَ تَسْتَقِرُّ فِيها المِياهُ النّازِلَةُ مِنَ السَّماءِ، وكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ فَإنَّما يَحْصُلُ فِيهِ مِن مِياهِ الأمْطارِ ما يَلِيقُ بِسِعَتِهِ أوْ ضِيقِهِ، فَكَذا هاهُنا كُلُّ قَلْبٍ إنَّما يَحْصُلُ فِيهِ مِن أنْوارِ عُلُومِ القُرْآنِ ما يَلِيقُ بِذَلِكَ القَلْبِ مِن طَهارَتِهِ وخُبْثِهِ وقُوَّةِ فَهْمِهِ وقُصُورِ فَهْمِهِ، وكَما أنَّ الماءَ يَعْلُوهُ زَبَدُ الأجْسادِ السَّبْعَةِ المُذابَةِ يُخالِطُها خَبَثٌ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الزَّبَدَ والخَبَثَ يَذْهَبُ ويَضِيعُ ويَبْقى جَوْهَرُ الماءِ وجَوْهَرُ الأجْسادِ السَّبْعَةِ، كَذا هاهُنا بَياناتُ القُرْآنِ تَخْتَلِطُ بِها شُكُوكٌ وشُبَهاتٌ، ثُمَّ إنَّها بِالآخِرَةِ تَزُولُ وتَضِيعُ ويَبْقى العِلْمُ والدِّينُ والحِكْمَةُ والمُكاشَفَةُ في العاقِبَةِ، فَهَذا هو تَقْرِيرُ هَذا المَثَلِ ووَجْهُ انْطِباقِ المَثَلِ عَلى المُمَثَّلِ بِهِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ سَكَتُوا عَنْ …

19

۞ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰٓ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ

Then is he who knows that what has been revealed to you from your Lord is the truth like one who is blind? They will only be reminded who are people of understanding -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَبَّهَ المُؤْمِنَ والكافِرَ والإيمانَ والكُفْرَ بِالأعْمى والبَصِيرِ والظُّلُماتِ والنُّورِ ضَرَبَ لِلْإيمانِ والكُفْرِ مَثَلًا آخَرَ، فَقالَ: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ ومِن حَقِّ الماءِ أنْ يَسْتَقِرَّ في الأوْدِيَةِ المُنْخَفِضَةِ عَنِ الجِبالِ والتِّلالِ بِمِقْدارِ سِعَةِ تِلْكَ الأوْدِيَةِ وصِغَرِها، ومِن حَقِّ الماءِ إذا زادَ عَلى قَدْرِ الأوْدِيَةِ أنْ يَنْبَسِطَ عَلى الأرْضِ، ومِن حَقِّ الزَّبَدِ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ الماءُ فَيَطْفُو ويَرْبُو عَلَيْهِ أنْ يَتَبَدَّدَ في الأطْرافِ ويَبْطُلَ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الزَّبَدُ ما يَجْرِي مَجْرى الغَلَيانِ مِنَ البَياضِ أوْ ما يُحْفَظُ بِالماءِ مِنَ الأجْسامِ الخَفِيفَةِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذا الزَّبَدَ الَّذِي لا يَظْهَرُ إلّا عِنْدَ اشْتِدادِ جَرْيِ الماءِ ذَكَرَ الزَّبَدَ الَّذِي لا يَظْهَرُ إلّا بِالنّارِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأجْسادِ السَّبْعَةِ إذا أُذِيبَ بِالنّارِ لِابْتِغاءِ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ آخَرَ مِنَ الأمْتِعَةِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في مَصالِحِ البَيْتِ، فَإنَّهُ يَنْفَصِلُ عَنْها نَوْعٌ مِنَ الزَّبَدِ والخَبَثِ، ولا يُنْتَفَعُ بِهِ بَلْ يَضِيعُ ويَبْطُلُ ويَبْقى الخالِصُ، فالحاصِلُ: أنَّ الوادِيَ إذا جَرى طَفا عَلَيْهِ زَبَدٌ، وذَلِكَ الزَّبَدُ يَبْطُلُ ويَبْقى الماءُ، والأجْسادُ السَّبْعَةُ إذا أُذِيبَتْ لِأجْلِ اتِّخاذِ الحُلِيِّ أوْ لِأجْلِ اتِّخاذِ سائِرِ الأمْتِعَةِ انْفَصَلَ عَنْها خَبَثٌ وزَبَدٌ، فَيَبْطُلُ ويَبْقى ذَلِكَ الجَوْهَرُ المُنْتَفَعُ بِهِ، فَكَذا هاهُنا أنْزَلَ مِن سَماءِ الكِبْرِياءِ والجَلالَةِ والإحْسانِ ماءً وهو القُرْآنُ، والأوْدِيَةُ قُلُوبُ العِبادِ وشَبَّهَ القُلُوبَ

صفحة ٢٩

بِالأوْدِيَةِ؛ لِأنَّ القُلُوبَ تَسْتَقِرُّ فِيها أنْوارُ عُلُومِ القُرْآنِ، كَما أنَّ الأوْدِيَةَ تَسْتَقِرُّ فِيها المِياهُ النّازِلَةُ مِنَ السَّماءِ، وكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ فَإنَّما يَحْصُلُ فِيهِ مِن مِياهِ الأمْطارِ ما يَلِيقُ بِسِعَتِهِ أوْ ضِيقِهِ، فَكَذا هاهُنا كُلُّ قَلْبٍ إنَّما يَحْصُلُ فِيهِ مِن أنْوارِ عُلُومِ القُرْآنِ ما يَلِيقُ بِذَلِكَ القَلْبِ مِن طَهارَتِهِ وخُبْثِهِ وقُوَّةِ فَهْمِهِ وقُصُورِ فَهْمِهِ، وكَما أنَّ الماءَ يَعْلُوهُ زَبَدُ الأجْسادِ السَّبْعَةِ المُذابَةِ يُخالِطُها خَبَثٌ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الزَّبَدَ والخَبَثَ يَذْهَبُ ويَضِيعُ ويَبْقى جَوْهَرُ الماءِ وجَوْهَرُ الأجْسادِ السَّبْعَةِ، كَذا هاهُنا بَياناتُ القُرْآنِ تَخْتَلِطُ بِها شُكُوكٌ وشُبَهاتٌ، ثُمَّ إنَّها بِالآخِرَةِ تَزُولُ وتَضِيعُ ويَبْقى العِلْمُ والدِّينُ والحِكْمَةُ والمُكاشَفَةُ في العاقِبَةِ، فَهَذا هو تَقْرِيرُ هَذا المَثَلِ ووَجْهُ انْطِباقِ المَثَلِ عَلى المُمَثَّلِ بِهِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ سَكَتُوا عَنْ …

20

ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَٰقَ

Those who fulfill the covenant of Allah and do not break the contract,

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هَلْ هي مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها أمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ صِفَةً لِأُولِي الألْبابِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ .

والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ مُبْتَدَأً: ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ خَبَرُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٥]

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها جُمْلَةٌ واحِدَةٌ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وشَرْطُها مُشْتَمِلٌ عَلى قُيُودٍ، وجَزاؤُها يَشْتَمِلُ أيْضًا عَلى قُيُودٍ، أمّا القُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في الشَّرْطِ فَهي تِسْعَةٌ:

القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ الَّذِي عاهَدَهم عَلَيْهِ حِينَ كانُوا في صُلْبِ آدَمَ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] .

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِعَهْدِ اللَّهِ كُلُّ أمْرٍ قامَ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ وهو مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: الأشْياءُ الَّتِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْها دَلائِلَ عَقْلِيَّةً قاطِعَةً لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والتَّغْيِيرَ.

والآخَرُ: الَّتِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْها الدَّلائِلَ السَّمْعِيَّةَ وبَيَّنَ لَهم تِلْكَ الأحْكامَ، والحاصِلُ أنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ كُلُّ ما قامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، ويَصِحُّ إطْلاقُ لَفْظِ العَهْدِ عَلى الحُجَّةِ بَلِ الحَقُّ أنَّهُ لا عَهْدَ أوْكَدُ مِنَ الحُجَّةِ، والدَّلالَةُ عَلى ذَلِكَ أنَّ مَن حَلَفَ عَلى الشَّيْءِ، فَإنَّما

صفحة ٣٣

يَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ إذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ وُجُوبُهُ لا بِمُجَرَّدِ اليَمِينِ؛ ولِذَلِكَ رُبَّما يَلْزَمُهُ أنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ إذا كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ، فَلا عَهْدَ أوْكَدُ مِن إلْزامِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ العَقْلِ أوْ بِدَلِيلِ السَّمْعِ، ولا يَكُونُ العَبْدُ مُوفِيًا لِلْعَهْدِ إلّا بِأنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ تِلْكَ الأشْياءِ، كَما أنَّ الحالِفَ عَلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ لا يَكُونُ بارًّا في يَمِينِهِ إلّا إذا فَعَلَ الكُلَّ، ويَدْخُلُ فِيهِ الإتْيانُ بِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ والِانْتِهاءُ عَنْ كُلِّ المَنهِيّاتِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الوَفاءُ بِالعُقُودِ في المُعامَلاتِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أداءُ الأماناتِ، وهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ الصَّحِيحُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ.

* * *

القَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:

القَوْلُ الأوَّلُ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ -: إنَّ هَذا الكَلامَ قَرِيبٌ مِنَ …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.