Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 11–20 of 43

11

لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٌۭ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ سُوٓءًۭا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ

For each one are successive [angels] before and behind him who protect him by the decree of Allah. Indeed, Allah will not change the condition of a people until they change what is in themselves. And when Allah intends for a people ill, there is no repelling it. And there is not for them besides Him any patron.

﴿لَهُ﴾ أيْ لِذَلِكَ المُسْتَخْفِي أوِ السّارِبِ - كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ﴿مُعَقِّباتٌ﴾ أيْ أعْوانٌ وأنْصارٌ يَتَناوَبُونَ في أمْرِهِ بِأنْ يُخْلِفَ [ كُلُّ - ] واحِدٍ مِنهم صاحِبَهُ ويَكُونُ بَدَلًا مِنهُ.

ولَمّا كانَ حِفْظُ جِهَتِيِ القُدّامِ والخَلْفِ يَسْتَلْزِمُ حِفْظَ اليَمِينِ والشَّمالِ وكانَ مَلَأُ كُلٍّ مِنَ الجِهَتَيْنِ مِنَ الحَفَظَةِ عَلى المَخْلُوقِ مُتَعَذِّرًا، قالَ آتِيًا بِالجارِّ: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أيْ مِن قُدّامِهِ ﴿ومِن خَلْفِهِ﴾ واسْتَأْنَفَ بَيانَ فائِدَةِ المُعَقِّباتِ فَقالَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ أيْ في زَعْمِهِ مَن كُلِّ شَيْءٍ يَخْشاهُ ﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ.

ولَمّا دَلَّ هَذا عَلى غايَةَ القُدْرَةِ، وجَرَتْ عادَةُ المُتَمَكِّنِينَ مِن مُلُوكِ الأرْضِ بِالتَّعَدِّي عَلى جِيرانِهِمْ واسْتِلابِ مَمالِكِهِمْ والعَسْفِ في شَأْنِهِمْ، زِيادَةٌ في المُكْنَةِ وتَوَسُّعًا في المُلْكِ، ولا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ الجارُّ ظانًّا مَعَ ضَعْفِهِ وعَجْزِهِ أنْ يَحْفَظَهُ مانِعٌ مِن أخْذِهِ، أخْبَرَ تَعالى مِن كَأنَّهُ سَألَ عَنْ ذَلِكَ [ أنَّهُ - ] غَيَّرَ هَذا لِغِناهُ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ والكَمالُ كُلُّهُ ﴿لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ أيْ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما﴾ أيِ الَّذِي ﴿بِأنْفُسِهِمْ﴾ مِمّا كانُوا يُزَيِّنُونَها بِهِ مِنَ التَّحَلِّي بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ والتَّخَلِّي مِن أخْلاقِ المُفْسِدِينَ، فَإذا غَيَّرُوا ذَلِكَ غُيِّرَ [ ما - ] بِهِمْ إذا أرادَ وإنْ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ.

ولَمّا كانَ مُلُوكُ الدُّنْيا لا يَتَمَكَّنُونَ غالِبًا مِن جَمِيعِ مُراداتِهِمْ لِكَثْرَةِ المُعارِضِينَ مِنَ الأمْثالِ الصّالِحِينَ لِلْمُلْكِ، قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَإذا غَيَّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ أنْزَلَ بِهِمُ السُّوءَ: ﴿وإذا أرادَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿بِقَوْمٍ﴾ أيْ وإنْ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ ﴿سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ مِن أحَدٍ سِواهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذِهِ الآيَةِ في الأنْفالِ مَزِيدُ بَيانٍ.

ولَمّا كانَ كُلَّ أحَدٌ دُونَهُ في الرُّتْبَةِ لا إمْكانَ لَهُ أنْ يَقُومَ مَقامَهُ بِوَجْهٍ، قالَ: ﴿وما لَهُمْ﴾ وبَيَّنَ سُفُولَ الرُّتَبِ كُلِّها عَنْ رُتْبَتِهِ فَقالَ: ”مِن دُون“ وأعْرَقَ في النَّفْيِ [ فَقالَ- ]: ﴿مِن﴾ ولَمّا كانَ السِّياقُ ظاهِرًا في أنَّهُ لا مَنفَذَ لَهم مِمّا أرادَهُ، أتى بِصِيغَةِ فاعِلٍ مَنقُوصٍ إشارَةً إلى نَفْيِ أدْنى وُجُوهِ الوِلايَةِ فَكَيْفَ بِما فَوْقَها فَقالَ: ﴿والٍ﴾ أيْ [ مِن - ] مَلْجَأٍ يُعِيذُهُمْ، بِأنَّ الفِعْلَ مَعَهم مِنَ الإنْجاءِ والنُّصْرَةِ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مَعَ ولِيِّهِ الأقْرَبِ إلَيْهِ،

12

هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًۭا وَطَمَعًۭا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ

It is He who shows you lightening, [causing] fear and aspiration, and generates the heavy clouds.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأمْرٍ هو أدِلَّةُ ما قَبْلَهُ جامِعٌ لِلْعِلْمِ والقُدْرَةِ وهو ألْطَفُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، مُعْلِمٌ بِجَلِيلِ القُدْرَةِ في أنَّهُ إذا أرادَ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ، ودَقِيقُ الحِكْمَةِ لِأنَّهُ مَظْهَرٌ واحِدٌ تُرْجى مِنهُ النِّعْمَةُ وتُخْشى مِنهُ النِّقْمَةُ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي يُرِيكُمُ﴾ [ أيْ - ] عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ دائِمًا ﴿البَرْقَ﴾ وهو لَمَعَ كَعَمُودِ النّارِ ﴿خَوْفًا﴾ أيْ لِأجْلِ إرادَةِ الخَوْفِ مِن قُدْرَتِهِ عَلى جَعْلِهِ صَواعِقَ مُهْلِكَةً، والخَوْفُ: انْزِعاجُ النَّفْسِ بِتَوَهُّمِ وُقُوعِ الضُّرِّ.

ولَمّا لَمْ يَكُنْ لَهُمُ السَّبَبُ في إنْزالِ المَطَرِ، لَمْ يُعَبِّرْ بِالرَّجاءِ وقالَ: ﴿وطَمَعًا﴾ أيْ ولِأجْلِ إرادَةِ طَمَعِكم في رَحْمَتِهِ بِأنْ يَكُونَ غَيْثًا نافِعًا، ولا بُدَّ مِن هَذا التَّقْدِيرِ لِيَكُونا فِعْلَ فاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يُرِيكم ذَلِكَ إخافَةً وإطْماعًا فَتَخافُونَ خَوْفًا وتَطْمَعُونَ طَمَعًا، فَتَكُونُ الآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: فِعْلُ الإراءَةِ دالٌّ عَلى الإخافَةِ والإطْماعِ، والخَوْفِ [ والطَّمَعِ - ] دالّانِ عَلى ”تَخافُونَ وتَطْمَعُونَ“ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا حالَيْنِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ أيْ ذَوِي خَوْفٍ وطَمَعٍ ﴿ويُنْشِئُ﴾ والإنْشاءُ: فِعْلُ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ مُوَلَّدٍ ﴿السَّحابَ﴾ وهو غَيْمٌ يَنْسَحِبُ في السَّماءِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ، واحِدُهُ سَحابَةٌ ﴿الثِّقالَ﴾ بِأنْهارِ الماءِ مَحْمُولَةً في الهَواءِ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ؛ والثِّقْلُ: الِاعْتِمادُ عَلى جِهَةِ الثِّقْلِ بِكَثافَةِ الأجْزاءِ

13

وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِۦ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِۦ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ

And the thunder exalts [Allah] with praise of Him - and the angels [as well] from fear of Him - and He sends thunderbolts and strikes therewith whom He wills while they dispute about Allah; and He is severe in assault.

﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ﴾ أيْ يُنَزِّهُ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ تَنْزِيهًا مُلْتَبِسًا ﴿بِحَمْدِهِ﴾ أيْ بِوَصْفِهِ بِصِفاتِ الكَمالِ، ويُرْوى عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ أنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ [ وإنْ لَمْ يَصِحَّ أنَّهُ مَلَكٌ فَتَسْبِيحُهُ دَلالَتُهُ عَلى أنَّ مُوجِدَهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ مُحِيطٌ - ] أوْصافَ الكَمالِ ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيْ تُسَبِّحُ ﴿مِن خِيفَتِهِ﴾ قالَ الرُّمّانِيُّ: والخِيفَةُ مُضَمَّنَةٌ بِالحالِ، كَقَوْلِكَ: هَذِهِ رُكْبَةٌ، أيْ حالٌ مِنَ الرُّكُوبِ حَسَنَةٌ، وكَذَلِكَ هَذِهِ خِيفَةٌ شَدِيدَةٌ، والخَوْفُ مَصْدَرٌ غَيْرُ مُضَمَّنٍ بِالحالِ.

﴿ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾ المُحْرِقَةَ مِن تِلْكَ السَّحائِبِ المَشْحُونَةِ بِالمِياهِ المُغْرِقَةِ؛ والصّاعِقَةِ - قالَ الرّازِّيُّ: نارٌ لَطِيفَةٌ تَسْقُطُ مِنَ السَّماءِ بِحالٍ هائِلَةٍ.

﴿فَيُصِيبُ بِها﴾ أيِ الصَّواعِقِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ كَما أصابَ بِها أرْبَدُ بْنُ رَبِيعَةَ ﴿وهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ ﴿يُجادِلُونَ﴾ والجِدالُ: فَتْلُ الخَصْمِ عَنْ مَذْهَبِهِ بِطَرِيقِ الحُجّاجِ ﴿فِي اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ بِما يُؤَدِّي إلى الشَّكِّ [فِي] قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ. ولَمّا كانَ لا يُغْنِي مَن قَصَدَهُ بِالعَذابِ شَيْءٌ قالَ: ﴿وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ لِأنَّ المُحالَ - كَكِتابِ: الكَيْدُ ورُومُ الأمْرِ بِالحِيَلِ والتَّدْبِيرِ والمَكْرِ والقُدْرَةِ والجِدالِ والعَذابِ والعِقابِ والعَداوَةِ والمُعاداةِ والقُوَّةِ والشِّدَّةِ والهَلاكِ والإهْلاكِ، يَأْتِي أعْداءَهُ بِما يُرِيدُ مِن إنْزالِ [العَذابِ] بِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وكُلُّها صالِحٌ [هُنا] حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، وقالَ الرُّمّانِيُّ: والمُحالُ: الأخْذُ بِالعِقابِ مِن قَوْلِهِمْ: ما حِلْتُ فُلانًا - إذا فَتَلْتَهُ إلى هَلْكِهِ انْتَهى.

ومادَّةُ ”مَحَلَ“ بِجَمِيعِ تَقالِيبِها تَدُورُ عَلى صَرْفِ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ وعادَتِهِ وما تَقْتَضِيهِ جِبِلَّتُهُ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ القُدْرَةَ والقُوَّةَ والشِّدَّةَ، فالحامِلُ يُمْسِكُ المَحْمُولَ بِقُوَّتِهِ عَنْ أنْ يَهْوِيَ إلى جِهَةِ السُّفْلِ، والحَمْلَةُ: الكُرَةُ في الحَرْبِ، ويَلْزَمُ الحَمْلُ المَشَقَّةَ، ومِنهُ تَحَمَّلَ الشَّيْءُ وحُمِلَ عَنْهُ أيْ حُلْمٍ فَهو حَمُولٌ: ذُو [حِلْمٍ]، والحَمِيلُ - كَأمِيرٍ: الدَّعِيُّ والغَرِيبُ - كَأنَّهُما مَحْمُولانِ لِحاجَتِهِما إلى ذَلِكَ، والكَفِيلُ، لِأنَّهُ حامِلٌ لِكُلِّ مَكْفُولٍ واحْتَمَلَ لَوْنَهُ - لِلْمَفْعُولِ: غَضِبَ وامْتَقَعَ - كَأنَّ الغَضَبَ صَرَفَهُ عَمّا كانَ مِن عادَتِهِ، والمَحْمَلُ - كَمُحْسِنٍ: المَرْأةُ [يَنْزِلُ] لَبَنُها مِن غَيْرِ حَبَلٍ، لِأنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، والحَمْلُ - مُحَرِّكَةٌ: الخَرُوفُ - لِسُهُولَةِ حَمْلِهِ، والحَلِيمُ: مَن يَحْبِسُ غَيْظَهُ بِقُوَّةِ حِلْمِهِ - أيْ عَقْلِهِ - عَنْ أنْ يَسْتَخِفَّهُ الغَضَبُ، والحِلْمُ - بِالكَسْرِ: الأناةُ والعَقْلُ، والحُلْمُ - بِالضَّمِّ وبِضَمَّتَيْنِ: الرُّؤْيا، لِأنَّها صَرْفُ النَّفْسِ عَمّا هي عَلَيْهِ، وهو مِن شَأْنِها مِنَ الغَفْلَةِ، ومِنهُ الحُلْمُ - بِالضَّمِّ - والِاحْتِلامُ لِلْجِماعِ في النَّوْمِ، والِاسْمُ الحُلْمُ - كَعُنُقٍ، وذَلِكَ يَكُونُ غالِبًا عِنْدَ فَراغِ البالِ عَنِ الهُمُومِ، وإلَيْهِ يَرْجِعُ حُلْمُ المالِ -بِالضَّمِّ: سَمْنُ، والصَّبِيُّ وغَيْرُهُ: أقْبَلَ شَحْمُهُ، أوْ هو مِنَ الحَلَمَةِ - مُحَرِّكَةُ: اللُّحْمَةِ النّاتِئَةِ وسَطَ الثَّدْيِ كالثُّؤْلُولِ - لِصَرْفِها لَوْنَ الثَّدْيِ وهَيْئَتَهُ عَمّا …

14

لَهُۥ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦ ۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍۢ

To Him [alone] is the supplication of truth. And those they call upon besides Him do not respond to them with a thing, except as one who stretches his hands toward water [from afar, calling it] to reach his mouth, but it will not reach it [thus]. And the supplication of the disbelievers is not but in error [i.e. futility].

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] ما لَهُ مِنَ الآياتِ [ التّابِعَةِ - ] لِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِنها التَّنَزُّهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِالجَلالِ وأنَّهُ شَدِيدُ المِحالِ، شَرَعَ يُبَيِّنُ ضَلالَهم في اشْتِراكِهِمُ المُشارِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] [ بِما - ] هو عِلَّةٌ لِخَتْمِ ما قَبْلَها مِن أنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ، فَقالَ: ﴿لَهُ﴾ أيِ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ إنْ دَعاهُ أحَدٌ سَمِعَهُ فَأجابَهُ - إنْ شاءَ - بِما يَشاءُ، وإنْ دَعا هو أحَدًا دَعْوَةَ أمْرٍ، بَيْنَ الصَّوابِ بِما يَكْشِفُ الِارْتِيابَ، أوْ دَعْوَةَ حُكْمٍ لَبّى صاغِرًا وأجابَ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيْ يَدْعُو الكافِرُونَ، وبَيْنَ سُفُولِ رُتْبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيِ اللَّهِ ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ﴾ أيْ لا يُوجِدُونَ الإجابَةَ ”لَهُمْ“ أيِ الكافِرِينَ ﴿بِشَيْءٍ﴾ والِاسْتِجابَةُ: مُتابَعَةُ الدّاعِي فِيما دَعا إلَيْهِ بِمُوافَقَةِ إرادَتِهِ ﴿إلا كَباسِطِ﴾ أيْ إلّا إجابَةً كَإجابَةِ الماءِ لِباسِطِ ﴿كَفَّيْهِ﴾ تَثْنِيَةُ كَفٍّ، وهو مَوْضِعُ القَبْضِ بِاليَدِ، وأصْلُهُ مِن كَفِّهِ - إذا جَمَعَ أطْرافَهُ ﴿إلى الماءِ لِيَبْلُغَ﴾ أيِ الماءُ ”فاهُ“ دُونَ أنْ يَصِلَ كَفّاهُ إلى الماءِ- بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْدِيَةُ بِـ ”إلى“، فَما الماءُ بِمُجِيبٍ دُعاءَهُ في بُلُوغٍ فِيهِ ﴿وما هُوَ﴾ أيِ الماءِ ﴿بِبالِغِهِ﴾ أيْ فِيهِ، فَلِلْكافِرِينَ ”بِذَلِكَ دَعْوَةُ الباطِلِ كَما أنَّ الماءَ جَمادٌ لا يُحِسُّ بِدَعْوَةِ هَذا فَلا يُجِيبُهُ، فَأصْنامُهم كَذَلِكَ.

ولَمّا كانَ دُعاءَهُمْ“ مُنْحَصِرًا في الباطِلِ، قالَ في مَوْضِعٍ ”وما دُعاؤُهُمْ“ مُظْهِرًا تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ﴾ أيِ السّاتِرِينَ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ أنْوارُ عُقُولِهِمْ بِمَعْبُوداتِهِمْ أوْ غَيْرِها ﴿إلا في ضَلالٍ﴾ لِأنَّهُ لا يَجِدُ لَهم نَفْعًا، أمّا مَعْبُوداتِهم فَلا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وأمّا اللَّهُ فَلا يُجِيبُهم لِتَضْيِيعِهِمُ الأساسَ.

15

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًۭا وَكَرْهًۭا وَظِلَٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْءَاصَالِ ۩

And to Allah prostrates whoever is within the heavens and the earth, willingly or by compulsion, and their shadows [as well] in the mornings and the afternoons.

ولَمّا كانَتْ دَعْوَةُ الأمْرِ واضِحَةَ السُّبُلِ جَلِيَّةَ المَناهِجِ في جَمِيعِ كُتُبِهِ، وكُلُّها إلى النّاظِرَيْنِ وبَيَّنَ دَعْوَةَ الحُكْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿يَسْجُدُ﴾ أيْ يَخْضَعُ ويَنْقادُ ويَتَذَلَّلُ كَما بَيَّنَ عِنْدِ قَوْلِهِ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٩] ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِجَمِيعِ أحْكامِهِ النّافِذَةِ وأقْضِيَتِهِ الجارِيَةِ ”طَوْعًا“ والطَّوْعُ: الِانْقِيادُ لِلْأمْرِ الَّذِي يُدْعى إلَيْهِ مِن قِبَلِ النَّفْسِ ﴿وكَرْهًا﴾ قالَ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: والكافِرُ في حُكْمِ السّاجِدِ وإنَّ أباهُ لِما بِهِ مِنَ الحاجَةِ الدّاعِيَةِ إلى الخُضُوعِ، واعْلَمْ أنَّ سُجُودَ كُلِّ صِنْفٍ هو تَذَلُّلُهُ وتَسَخُّرُهُ وانْقِيادُهُ لِما أُرِيدُ لَهُ، فَكُلُّ مَوْجُودٍ جَمادٌ وحَيَوانٌ عاقِلٌ وغَيْرُ عاقِلٍ ورُوحانِيٌّ وغَيْرُ رُوحانِيٍّ مُسَخَّرٍ لِأمْرِ مَن لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ؛ وقالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينَ النَّوَوِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: أصْلُهُ - أيِ السُّجُودُ - الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، وكُلُّ مَن تَذَلَّلَ وخَضَعَ فَقَدْ سَجَدَ، وسُجُودُ كُلِّ مُواتٍ في القُرْآنِ طاعَتُهُ لِما سُخِّرَ لَهُ - هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِمَن وضَعَ جَبْهَتَهُ في الأرْضِ: سَجَدَ، لِأنَّهُ غايَةُ الخُضُوعِ.

ولَمّا كانَتِ الظِّلالُ مُسَخَّرَةً لِما أرادَ سُبْحانَهُ، لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى تَغْيِيرِ ذَلِكَ بِوَجْهٍ، قالَ: ﴿وظِلالُهُمْ﴾ أيْ أيْضًا تَسْجُدُ [ لَهُ - ] بِامْتِدادِها عَلى الأرْضِ، تَقْصُرُ تارَةً بِارْتِفاعِ الشَّمْسِ وتَطُولُ [أُخْرى - ] بِانْحِطاطِها، لا يَقْدِرُونَ عَلى مَنعِ ظِلالِهِمْ مِن ذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ لَهم ظِلالٌ، وذَلِكَ ﴿بِالغُدُوِّ﴾ جَمْعُ غَداةَ، وهي البَكَرَةُ: أوَّلُ النَّهارِ ﴿والآصالِ﴾ جَمْعُ أصِيلٍ، دائِمًا في جَمِيعِ البِلادِ، وفي وسَطِ النَّهارِ في بَعْضِ البِلادِ؛ والظِّلُّ: سِتْرُ الشَّخْصِ ما بِإزائِهِ، والفَيْءُ: الَّذِي يَرْجِعُ بَعْدَ ذَهابِ ضَوْئِهِ، والأصِيلُ: العَشِيُّ ما بَيْنَ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ - كَأنَّهُ أصَّلَ اللَّيْلَ الَّذِي يَنْشَأُ مِنهُ.

ومادَّةُ ”صِلا“ - واوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِتَراكِيبِها الأحَدَ عَشَرَ، وهِيَ: صَلَوَ، صَوَلَ، [لَصَوَ]، لَوَصَ، وصَلَ، صَلِيَ، صَيَلَ، لَصَيَ، لَيَصَ، أصَلَ، صَألَ - تَدُورُ عَلى الوَصالَةِ، فالصَّلاةُ وصْلَةٌ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ سَواءٌ كانَتْ دُعاءً أوِ اسْتِغْفارًا أوْ رَحْمَةً أوْ حُسْنَ الثَّناءِ مِنَ اللَّهِ عَلى رَسُولِهِ، أوْ ذاتِ الأرْكانِ، وصَلَواتُ اليَهُودِ لِمُتَعَبَّداتِهِمْ مِن ذَلِكَ في الأصْلِ، والصَّلا: وسَطَ الظَّهْرِ مِنّا، أوْ مِن كُلِّ ذِي أرْبَعٍ، أوْ ما انْحَدَرَ مِنَ الوِرْكَيْنِ، [أوِ] الفُرْجَةِ بَيْنَ الجاعِرَةِ والذَّنَبِ - يَجُوزُ أنْ يَكُونَ [مِن ذَلِكَ، لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأعْضاءِ إذا انْثَنى الحَيَوانُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ] شُبِّهَ بِالعُودِ المُعْوَجِّ الَّذِي يَقُومُ بِإصْلائِهِ النّارَ، وأصَلَتِ النّاقَةُ وصَلِيَتْ - إذا اسْتَرْخى صَلْواها لِقُرْبِ نِتاجِها، والمُصَلِّي مِن خَيْلِ الحَلْبَةِ: الَّذِي يَجِيءُ عَلى إثْرِ السّابِقِ، فَإنَّهُ يُواصِلُهُ، وصَلى الحِمارُ أُتُنَهُ: طَرَدَها وقَحَمَها الطَّرِيقَ - فَكَأنَّهُ بِذَلِكَ قَوَّمَها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُعْوَجَّةً، أوْ أرادَ مُواصَلَتَها؛ صالَ الرَّجُلُ صَوْلَةً - إذا سَطا واسْتَطالَ، لِأنَّ ذَلِكَ مُواصَلَةٌ عَلى وجْهِ القَهْرِ والغَلَبَةِ، [و] كَذا صالَ الفَحْلُ عَلى الإبِلِ - إذا …

16

قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ ۚ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّۭا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُوا۟ كَخَلْقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُوَ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّٰرُ

Say, "Who is Lord of the heavens and earth?" Say, "Allah." Say, "Have you then taken besides Him allies not possessing [even] for themselves any benefit or any harm?" Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Or is darkness equivalent to light? Or have they attributed to Allah partners who created like His creation so that the creation [of each] seemed similar to them?" Say, "Allah is the Creator of all things, and He is the One, the Prevailing."

فَلَمّا تَبَيَّنَ قَطْعًا أنَّهُ سُبْحانَهُ المُدَبِّرُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ القاهِرُ لِمَن فِيهِما، وتَبَيَّنَ قَطْعًا أنَّهُ المُخْتَصُّ بِرُبُوبِيَّتِهِما فَأمْرُهُ تَعالى أنْ يُوَجِّهَ السُّؤالَ نَحْوَهم عَنْ ذَلِكَ - رَدًّا عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُلْحِدِينَ - بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ أقَمْتَ هَذِهِ الأدِلَّةَ القاطِعَةَ، مُقَرِّرًا لَهم ﴿مَن رَبُّ﴾ أيْ مُوجِدٍ ومُدَبِّرٍ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ وكُلُّ ما فِيهِما.

ولَمّا مَضى في غَيْرِ [آيَةٍ] أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِرُبُوبِيَّتِهِ مُقِرُّونَ بِخَلْقِهِ ورِزْقِهِ ثُمَّ لَمَّ يَزَعْهم ذَلِكَ عَنِ الإشْراكِ، جَعَلُوا هُنا كَأنَّهم مُنْكِرُونَ لِذَلِكَ عِنادًا، فَلَمْ يَنْتَظِرْ جَوابَهم بَلْ أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم بِما يُجِيبُونَ بِهِ، إشارَةً إلى أنَّهم لا يَتَحاشَوْنَ مِنَ التَّناقُضِ في اتِّباعِ الهَوى ولا تَصُونُهم عُقُولُهُمُ الجَلِيلَةُ وآراؤُهُمُ الأصْلِيَّةُ - بِزَعْمِهِمْ - عَنِ التَّساقُطِ في مُهاوِي الرَّدى، فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، فَثَبَتَ حِينَئِذٍ أنْ لا ولِيَّ إلّا هُوَ، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تُوَجُّهُ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في اعْتِمادِ غَيْرِهِ، فَأمَرَهُ بِالإنْكارِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبْتُمْ عَنِ انْفِرادِهِ بِرُبُوبِيَّتِكم أنْ أوْجَدْتُمُ الأخْذَ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ، فَتَسَبَّبْتُمُ الإشْراكَ عَمّا يَجِبُ أنْ يَكُونَ سَبَبَ التَّوْحِيدِ، وبَيْنَ سُفُولِ رُتْبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ لا يُساوُونَكم في التَّسَبُّبِ في الضُّرِّ والنَّفْعِ، بَلْ ﴿لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ﴾ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ ”نَفْعًا“ ونَكَّرَهُ لِيَعُمَّ، وقَدَّمَهُ لِأنَّ السِّياقَ لِطَلَبِهِمْ مِنهُمْ، والإنْسانُ إنَّما يَطْلُبُ ما يَنْفَعُهُ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ [لا قُدْرَةَ] لِأحَدٍ عَلى أنْ يُؤَثِّرَ في [آخِرِهِ] أثَرًا لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ في نَفْسِهِ قالَ: ﴿ولا ضَرًّا﴾ فَثَبَتَ أنَّ مَن سَوّاهم بِاللَّهِ أضَلَّ الضّالِّينَ، لِأنَّهُ يَلْزُمُهُ أنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ المُتَضادّاتِ، فَكانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي﴾ والِاسْتِواءُ: اسْتِمْرارُ الشَّيْءِ في جِهَةٍ واحِدَةٍ ﴿الأعْمى﴾ في عَيْنِهِ أوْ في قَلْبِهِ ﴿والبَصِيرُ﴾ كَذَلِكَ ﴿أمْ هَلْ تَسْتَوِي﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ هَلْ أدَّتْهم عُقُولُهم إلى أنْ سَوَّوْا بَيْنَ هَذِهِ المُتَضادّاتِ الشَّدِيدَةِ الظُّهُورِ لِغَباوَةٍ أوْ عِنادٍ حَتّى سَوَّوْا مَن يَخْلُقُ بِمَن لا يَخْلُقُ، فَجَعَلُوا لَهُ شَرِيكًا كَذَلِكَ لِغَباوَةٍ أوْ عِنادٍ ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ﴾ أيِ [ الَّذِي - ] لَهُ مَجامِعُ العَظَمَةِ ﴿شُرَكاءَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِهِ الشَّرِكَةَ، فَقالَ واصِفًا لَهُمْ: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ وسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَتَشابَهَ﴾ والتَّشابُهُ: التَّشاكُلُ بِما يَلْتَبِسُ حَتّى لا يَفْصِلَ فِيهِ بَيْنَ [أحَدٍ] الشَّيْئَيْنِ والآخِرُ ﴿الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ فَكانَ ذَلِكَ الخُلُقُ الَّذِي خَلَقَهُ الشُّرَكاءُ سَبَبُ عُرُوضِ شُبْهَةٍ لَهُمْ، وساقَ ذَلِكَ في أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ إعْلامًا بِأنَّهم أهْلُ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ، لِكَوْنِهِمْ في عِدادِ البَهائِمِ لِقَوْلِهِمْ ما لا يَعْقِلُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا يَأْتِي قَرِيبًا في قَوْلِهِ: ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] أيْ بِشُبْهَةٍ يَكُونُ فِيها نَوْعُ ظُهُورٍ لِبَعْضِ الأذْهانِ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ جَوابَهم أنَّ الخَلْقَ كُلَّهُ لِلَّهِ. ولَمْ يَمْنَعْهم …

17

أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌۢ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًۭا رَّابِيًۭا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَٰعٍۢ زَبَدٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَٰطِلَ ۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءًۭ ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ

He sends down from the sky, rain, and valleys flow according to their capacity, and the torrent carries a rising foam. And from that [ore] which they heat in the fire, desiring adornments and utensils, is a foam like it. Thus Allah presents [the example of] truth and falsehood. As for the foam, it vanishes, [being] cast off; but as for that which benefits the people, it remains on the earth. Thus does Allah present examples.

ولَمّا [ كانَ - ] حَمْلُ الماءِ في العُلُوِّ لا يُمْكِنُ إلّا عَنْ قَهْرٍ، وإنْزالُهُ في وقْتٍ دُونَ غَيْرِهِ [ كَذَلِكَ- ]، أتْبَعَ هَذا الخَتْمَ قَوْلَهُ دَلِيلًا مُشاهِدًا عَلَيْهِ: ﴿أنْـزَلَ﴾ ولَمّا كانَ الإنْزالُ قَدْ يَتَجَوَّزُ بِهِ عَنْ إيجادِ ما يَعْظُمُ إيجادُهُ، حَقَّقَ أمْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ ولَمّا كانَ المُنَزَّلُ مِنها أنْواعًا شَتّى قالَ: ﴿ماءً فَسالَتْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ إنْزالِهِ لِكَثْرَتِهِ أنْ سالَتْ ﴿أوْدِيَةٌ﴾ أيْ مِياهُها مِنها الكَبِيرُ والصَّغِيرُ؛ والوادِي: سَفْحُ الجَبَلِ العَظِيمِ الَّذِي يُقابِلُهُ جَبَلٌ أوْ تَلٌّ فَيَجْتَمِعُ فِيهِ المَطَرُ، فَيَجْرِي في فَضائِهِ، ومِنهُ أُخِذَتِ الدِّيَةُ - لِجَمْعِ المالِ العَظِيمِ الَّذِي يُؤَدّى عَنِ القَتْلِ ﴿بِقَدَرِها﴾ والقَدْرُ: اتِّزانُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، فالمَعْنى أنَّ المِياهَ مَلَأتِ الأوْدِيَةَ مَعَ ما ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفَرُّدِ بِالرُّبُوبِيَّةِ مِمّا هو مِثالٌ لِلْحَقِّ والباطِلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فاحْتَمَلَ﴾ والِاحْتِمالُ: رَفْعُ الشَّيْءِ عَلى الظَّهْرِ بِقُوَّةِ الحامِلِ لَهُ ﴿السَّيْلُ﴾ وهو ماءُ المَطَرِ الجارِي مِنَ الوادِي بِعَظْمٍ ﴿زَبَدًا رابِيًا﴾ أيْ عالِيًا بِانْتِفاخِهِ: والزُّبْدُ: الرَّغْوَةُ الَّتِي تَعْلُو الماءَ، ومَدارُ المادَّةِ عَلى الخِفَّةِ، ويَلْزَمُها العُلُوُّ، ومِنهُ زَبَدُ البَحْرِ والبَعِيرِ - لِلرَّغْوَةِ الخارِجَةِ مِن شِدْقِهِ، والغَضْبانِ، وزَبَدَتِ المَرْأةُ القُطْنَ - إذا نَفَشَتْهُ، والزَّبادُ - كَرُمّانٍ: ضَرْبٌ مِنَ النَّبْتِ تَنْفَرِشُ أفْنانُهُ، وشاةٌ مُزْبِدَةٌ أيْ سَمِينَةٌ، ومِنهُ الزَّبادُ - لِلطِّيبِ المَعْرُوفِ وهو وسَخٌ يُشْبِهُ الرَّغْوَةَ يَجْتَمِعُ تَحْتَ ذَنَبِ نَوْعٍ مِنَ السَّنانِيرِ، ومِنهُ الزُّبَدُ - بِضَمٍّ وسُكُونٍ - لِخالِصِ [ اللَّبَنِ - ] فَإنَّهُ أخَفُّهُ، يُقالُ مِنهُ: زَبَدْتُ فُلانًا أزَبْدُهُ - إذا أطْعَمْتُهُ الزَّبَدَ، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ حَتّى قِيلَ لِمُطْلَقِ العَطِيَّةِ، ومِنهُ: «”نَهْيُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ عَنْ زَبَدِ المُشْرِكِينَ“؛» ومِنهُ الزِّدْبُ - بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ، وهو النَّصِيبُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن زُبْدِ اللَّبَنِ الزَّبادُ لِلنَّبْتِ، فَإنَّهُ مَرْعى ناجِعٌ، كَأنَّهُ شُبِّهَ بِهِ أوْ لِأنَّهُ سَبَبُهُ، وكَذا شاةٌ مُزْبَدَةٌ [أيْ - ] سَمِينَةٌ ويَلْزَمُ الخِفَّةَ الإسْراعُ، يُقالُ: تُزْبِدُ اليَمِينَ - إذا أسْرَعَ إلَيْها، أوْ إنَّها شُبِّهَتْ بِالزُّبْدِ في سُهُولَةِ التِقامِهِ.

ولَمّا الزَّبَدُ أحْسَنُ مَثَلٍ لِمَعْبُوداتِهِمْ، وكانَ لا يَخْتَصُّ بِالماءِ الَّذِي هو مائِعٌ بِطَبْعِهِ بِجَمْعِ الأوْضارِ والأقْذارِ بِجَرْيِهِ، ذَكَرَ مَعَهُ ما يُشْبِهُهُ في النَّفْعِ مِنَ الجَوامِدِ الصَّلْبَةِ الَّتِي تُزْبِدُ عِنْدَ الإذابَةِ مَعَ كَوْنِها في حالِ الجُمُودِ في غايَةِ الصَّفاءِ والخُلُوصِ عَنِ الشَّوائِبِ عَلى ما يَظْهَرُ، فَقالَ: ﴿ومِمّا يُوقِدُونَ﴾ أيْ إيقادًا مُسْتَعْلِيًا ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ لِلْإذابَةِ ﴿فِي النّارِ﴾ مِنَ المَعادِنِ ﴿ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾ تَتَحَلَّوْنَ بِها مِنَ الأساوِرِ والحِلَقِ ونَحْوِها ﴿أوْ﴾ ابْتِغاءَ ﴿مَتاعٍ﴾ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ والسُّيُوفِ والأوانِي [ ونَحْوُها- ]، وأصْلُ المَتاعِ: التَّمَتُّعُ الحاضِرُ، فَهَذا تَقْسِيمٌ حاصِرٌ لِأنْواعِ الفِلِزِّ المُنَوَّهِ إلَيْها مَعَ إظْهارِ التَّهاوُنِ بِهِ وإنْ تَنافَسَ النّاسُ فِيهِ [كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ يُظْهِرُونَ المَجْدَ والفَخارَ بِالِاسْتِهانَةِ بِما يَتَنافَسُ النّاسُ …

18

لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُۥ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

For those who have responded to their Lord is the best [reward], but those who did not respond to Him - if they had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby. Those will have the worst account, and their refuge is Hell, and wretched is the resting place.

ولِما تَمَّ ما لِلْحَقِّ والباطِلِ في أنْفُسِهِمْ مِنَ الثَّباتِ والِاضْطِرابِ، ذَكَرَ ما لِأهْلِهِما مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: [ما] لِمَن تَدَبَّرَ هَذِهِ الأمْثالَ، وأبْعَدَ عَمّا أشارَتْ إلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ، أوْ حادَ عَمّا دَعَتْ إلَيْهِ ومالَ؟ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ أيْ طَلَبُوا مِن أنْفُسِهِمُ الإجابَةَ وأوْجَدُوها ﴿لِرَبِّهِمُ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ شُكْرًا لَهُ، الحالَةُ ﴿الحُسْنى﴾ أيِ العَظِيمَةُ في الحُسْنِ، وهي القَرارُ في الجَنَّةِ فَهو جَزاؤُهُمْ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وذَلِكَ هو النَّصْرُ في الدُّنْيا وما اخْتَصُّوا بِهِ مِن نِعَمِهِ تَعالى ودُخُولِ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ - انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ في [سُورَةِ يُونُسَ ] عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهم يُزادُونَ ما لا يَعْلَمُ قَدْرَهُ إلّا الَّذِي فَعَلُوا ذَلِكَ خَوْفَ عِقابِهِ ورَجاءَ ثَوابِهِ.

ولَمّا ذَكَرَ ما لِلطّائِعِينَ، أتْبَعُهُ جَزاءَ العاصِينَ، فَقالَ مُبْتَدِئًا: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ أيْ يَرْغَبُوا في إيجادِ الإجابَةِ ”لَهُ“ وأخْبَرَ عَنْ هَذا الِابْتِداءِ قَوْلُهُ مُعْلِمًا بِأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالعَذابِ بِاسْتِعْجالِهِمْ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ جَراءَةً مِنهم ناشِئَةً عَنْ جَهْلٍ صِرْفٍ تَزُولُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ عَذابَهُ سُبْحانَهُ، فَيُبَلِّغُونَ حِينَئِذٍ بِالِافْتِداءِ غايَةَ الذُّلِّ فَلا يُقْبَلُ مِنهم -: ﴿لَوْ أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ [ في - ] مِلْكِهِمْ وتَحْتَ قُدْرَتِهِمْ ﴿ما في الأرْضِ﴾ وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَمِيعًا ومِثْلَهُ﴾ وأوْضَحَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ أيْ جَعَلُوا فِكاكَ أنْفُسِهِمْ بِغايَةِ جُهْدِهِمْ، وأكَّدَهُ لِادِّعاءِ الكَفَرَةِ أنَّهم لا يَذِلُّونَ لِشَيْءٍ ولا يُوهِنُ قُواهم شَيْءٌ، والِافْتِداءُ: جَعْلُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ بَدَلًا مِنَ الآخَرِ عَلى جِهَةِ الِاتِّقاءِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي دَهاهم حَتّى كانَ هَذا حالَهُمْ؟ فَقِيلَ - دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنهُمُ الفِداءَ ولَوْ عَظُمَ -: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿لَهم سُوءُ الحِسابِ﴾ والحِسابُ: إحْصاءُ ما عَلى العَبْدِ ولَهُ، وسُوءُ المُؤاخَذَةِ، وعَدَمُ العَفْوِ عَنْ شَيْءٍ ﴿ومَأْواهُمْ﴾ أيْ مُسْتَقَرَّهم ﴿جَهَنَّمُ﴾ أيِ الطَّبَقَةُ الَّتِي تَلْقى داخِلَها بِالتَّجَهُّمِ والعَبُوسَةَ. ولَمّا كانَ المَأْوى إنَّما يَأْوِي إلَيْهِ صاحِبُهُ لِلرّاحَةِ فِيهِ بِالِاتِّكاءِ عَلى فَرْشٍ ونَحْوِهِ، قالَ مُعَبِّرًا بِمَجْمَعِ المَذامِّ: ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾

19

۞ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰٓ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ

Then is he who knows that what has been revealed to you from your Lord is the truth like one who is blind? They will only be reminded who are people of understanding -

ولَمّا افْتَرَقَ حالُ ما أجابَ ومَن أعْرَضَ في الجَزاءِ، وكانَ ما مَضى مُسْتَوْفِيًا طَرَقَ البَيانَ بِإيضاحِ الأمْرِ بِالجُزَيْئاتِ والأمْثِلَةِ مَعَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. فَكانَ جَدِيرًا بِتَرْتِيبِ الأثَرِ عَلَيْهِ، تَسَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارُ عَلى مِن سَوّى بَيْنَ العالِمِ العامِلِ وغَيْرِهِ التِفاتًا إلى قَوْلِهِ ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [الرعد: ١٦] وسَوّى بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ التِفاتًا إلى قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ [الرعد: ١٧] فَحَسُنَ قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن﴾ بِفاءِ السَّبَبِ ﴿يَعْلَمُ﴾ عِلْمًا نافِعًا هو عامِلٌ بِهِ ﴿إنَّما﴾ أيِ الَّذِي ﴿أُنْـزِلَ﴾ أيْ وجَدَ إنْزالَهُ وفَرَغَ مِنهُ ﴿إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِأحْسَنِ التَّدْبِيرِ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الكامِلِ في الحَقِّيَّةِ، فَهو نَيِّرُ العَيْنِ لِلْبَصَرِ والقَلْبِ لِلِاسْتِبْصارِ والِاعْتِبارِ، يَهْتَدِي بِما يَعْلَمُ إلى طَرِيقِ الرُّشْدِ فَيَسْلُكُها، وإلى طَرِيقِ الغَيِّ فَيَتْرُكُها، ويَفْهَمُ الأُشاراتِ، ويَنْتَفِعُ بِالأمْثالِ السّائِراتِ، كَما يُبَصِّرُ بِالبَصَرِ طَرِيقَ النَّجاةِ مِن طَرِيقِ الهَلاكِ ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ لا بَصَرَ لَهُ ولا بَصِيرَةَ، لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ وإنْ كانَ عالِمًا، فَهو لا يَنْتَفِعُ بِالأمْثالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أصْلًا، ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الإنْكارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما﴾ أيْ لِأنَّهُ إنَّما يَعْلَمُ ذَلِكَ بِالتَّذَكُّرِ، وإنَّما ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ أيْ يَطْلُبُ الذِّكْرُ طَلَبًا عَظِيمًا فَيَعْمَلُ ﴿أُولُو﴾ أيْ أصْحابُ ﴿الألْبابِ﴾ أيِ العُقُولِ الصّافِيَةِ الخالِصَةِ القابِلَةِ لِلتَّذَكُّرِ بِالتَّفَكُّرِ في أنَّ ما أُنْزِلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثابِتُ الأرْكانِ [راسِي القَواعِدِ، لا قَدَرَ لِأحَدٍ عَلى إزالَةِ مَعْنًى مِن مَعانِيهِ ولا هَدْمَ شَيْءٍ مِن مَبانِيهِ] و[ أنَّ - ] ما عَداهُ هَلْهَلُ النَّسْجِ رَثُّ القُوى، مُخَلْخَلُ الأرْكانِ، دارِسُ الرَّسْمِ، مُنْطَمِسُ الأعْلامِ، مَجْهُولُ المَسالِكِ، مُظْلِمُ الأرْجاءِ، جَمُّ المَهالِكِ، وأمّا القَلْبُ الَّذِي لا يَرْجِعُ عَنْ غَيِّهِ لِمِثْلِ هَذا البَيانِ فَكَأنَّهُ غَيْرُ قابِلٍ لِلذِّكْرى، فاسْتَحَقَّ أنْ يَعِدَ عَدَمًا، وأنْ يَخُصَّ التَّذَكُّرَ بِالقَلْبِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَسْتَوِي مَن لَهُ لُبٌّ [ومَن لا لُبَّ لَهُ]؛ واللُّبُّ والقَلْبُ: أجَلُّ ما في الشَّيْءِ وأخْلَصُهُ وأجْوَدُهُ.

20

ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَٰقَ

Those who fulfill the covenant of Allah and do not break the contract,

ولَمّا مَنَحَ سُبْحانَهُ مِن فِيهِمْ أهْلِيَّةَ التَّذَكُّرِ بِالعُقُولِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ والِانْقِيادِ لِأوامِرِهِ، كانَ كَأنَّهُ عَهْدٌ في ذَلِكَ، فَقالَ يَصِفُ المُتَذَكِّرِينَ بِما يَدُلُّ قَطْعًا عَلى أنَّهُ لا لُبَّ لِسِواهُمْ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ الوَفاءَ لِكُلِّ شَيْءٍ ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ [بِسَبَبِ] العَقْدِ المُؤَكَّدِ مِنَ المَلِكِ الأعْلى بِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، فَيَفْعَلُونَ كُلّا مِنهُما كَما رَسَمَهُ لَهم ولا يُوقِعُونَ شَيْئًا مِنهُما مَكانَ الآخَرِ؛ والعُهَدُ: العَقْدُ المُتَقَدِّمُ عَلى الأمْرِ بِما يَفْعَلُ أوْ يَجْتَنِبُ، والإيفاءُ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ غَيْرِهِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ.

ولَمّا كانَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ مُحَتِّمًا لِلثَّباتِ عَلَيْهِ كَما أنَّ المِيثاقَ اللَّفْظِيَّ مُوجِبٌ لِلْوَفاءِ بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ أيِ الإيثاقَ ولا الوِثاقَ ولا مَكانَهُ ولا زَمانَهُ؛ والنَّقْضُ: حَلُّ العَقْدِ بِفِعْلِ ما يُنافِيهِ ولا يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ مَعَهُ، والمِيثاقُ: العَقْدُ المُحْكَمُ وهو الأوامِرُ والنَّواهِي المُؤَكَّدَةُ بِحُكْمِ العَقْلِ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.