Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 41–50 of 111

41

يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًۭا ۖ وَأَمَّا ٱلْءَاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ

O two companions of prison, as for one of you, he will give drink to his master of wine; but as for the other, he will be crucified, and the birds will eat from his head. The matter has been decreed about which you both inquire."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤١ ] ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾

﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أيْ يَخْرُجُ مِنَ السِّجْنِ، ويَعُودُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن سَقْيِ سَيِّدِهِ الخَمْرَ، ﴿وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ أيْ فَيُقْتَلُ ويُعَلَّقُ عَلى خَشَبَةٍ، فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن لَحْمِ رَأْسِهِ.

﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ أيْ قُطِعَ وتَمَّ ما تَسْتَفْتِيانِ فِيهِ. يَعْنِي: مَآلَهُ، وهو نَجاةُ أحَدِهِما، وهَلاكُ الآخَرِ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِـ (الأمْرِ)، وعَنْ طَلَبِ تَأْوِيلِهِ بِـ (الِاسْتِفْتاءِ) تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ، وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، إذْ الِاسْتِفْتاءُ إنَّما يَكُونُ في النَّوازِلِ المُشْكَلَةِ الحُكْمَ، المُبْهَمَةِ الجَوابَ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ، مَعَ سَبْقِ اسْتِفْتائِهِما في ذَلِكَ، لِما أنَّهُما بِصَدَدِهِ، إلى أنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَوابِ وطَرَهُ.

42

وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍۢ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ

And he said to the one whom he knew would go free, "Mention me before your master." But Satan made him forget the mention [to] his master, and Joseph remained in prison several years.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤٢ ] ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾

﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ: قالَ يُوسُفُ لِلَّذِي عَلِمَ نَجاتَهُ مِنَ الفَتَيَيْنِ، أيْ خُلُوصَهُ مِنَ السَّجْنِ والقَتْلِ، وهو السّاقِي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيِ اذْكُرْ حالِي وصِفَتِي، وعِلْمِي بِالرُّؤْيا، وما جَرى عَلَيَّ، عِنْدَ المَلِكِ سَيِّدِكَ، عَسى يُخَلِّصُنِي مِمّا ظُلِمْتُ بِهِ.

و(الظَّنُّ) بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ، ورَدَ كَثِيرًا، والتَّعْبِيرُ بِهِ إرْخاءٌ لِلْعِنانِ، وتَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: الظَّنُّ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ، بِناءً عَلى أنَّ تَأْوِيلَ يُوسُفَ بِطَرِيقِ الِاجْتِهادِ، والحُكْمُ بِقَضاءِ الأمْرِ اجْتِهادِيٌّ أيْضًا، والأوَّلُ أنْسَبُ بِالسِّياقِ.

تَنْبِيهٌ:

دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ الِاسْتِعانَةِ بِمَن هو مَظِنَّةُ كَشْفِ الغُمَّةِ، ولَوْ مُشْرِكًا. وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ [المائدة: ٢] وقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ عِيسى: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وفي الحَدِيثِ: ««واللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما دامَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ»» . وجَلِيٌّ أنَّ ذَلِكَ مِن نِظامِ الكَوْنِ، والعُمْرانِ البَشَرِيِّ، ولِذَلِكَ مَيَّزَ الإنْسانَ بِالنُّطْقِ.

وأمّا ما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَوْ لَمْ يَقُلْ - يَعْنِي يُوسُفَ- الكَلِمَةَ الَّتِي قالَ، ما لَبِثَ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ، حَيْثُ يَبْتَغِي الفَرَجَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى-» فَقالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، وذَكَرَ مِن رِجالِهِ الضُّعَفاءِ راوِيَيْنِ سَمّاهُما. ثُمَّ قالَ: ورُوِيَ أيْضًا مُرْسَلًا عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ. قالَ: وهَذِهِ المُرْسَلاتُ هاهُنا لا تَقْبَلُ، لَوْ قُبِلَ المُرْسَلُ مِن حَيْثُ هُوَ، في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ -واللَّهُ أعْلَمُ- انْتَهى. ولَقَدْ أجادَ وأفادَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ يَعْنِي: فَشَغَلَهُ الشَّيْطانُ حَتّى نَسِيَ ذِكْرَ يُوسُفَ عِنْدَ المَلِكِ. ﴿فَلَبِثَ﴾ أيْ مَكَثَ يُوسُفُ ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ أيْ طائِفَةً مِنها.

ولِأهْلِ اللُّغَةِ أقْوالٌ في (البِضْعِ): ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، أوْ إلى الخَمْسِ، أوْ ما لَمْ يَبْلُغِ العِقْدَ ولا نَصِفَهُ، يَعْنِي ما بَيْنَ الواحِدِ إلى الأرْبَعَةِ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

ولَمّا دَنا الفَرَجُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِرَحْمَتِهِ تَعالى، ما هَيَّأهُ مِنَ الأسْبابِ؛ رَأى فِرْعَوْنُ مِصْرَ هَذِهِ الرُّؤْيا الَّتِي أشارَ إلَيْها تَعالى بِقَوْلِهِ:

43

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ ۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ

And [subsequently] the king said, "Indeed, I have seen [in a dream] seven fat cows being eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry. O eminent ones, explain to me my vision, if you should interpret visions."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٣ ] ﴿وقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾

﴿وقالَ المَلِكُ﴾ أيْ لِمَلَئِهِ: ﴿إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ﴾ أيْ هالِكاتٌ مِنَ الهُزالِ. جَمْعُ عَجْفاءَ، بِمَعْنى المَهْزُولَةِ، ضِدَّ السَّمِينَةِ، ﴿وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ﴾ أيْ وأرى رُؤْيا ثانِيَةً سَبْعَ سُنْبُلاتٍ ﴿خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ أيْ وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ دَقِيقَةً، أيْ: نَبَتَتْ وراءَها، فابْتَلَعَتِ السَّنابِلَ الخُضَرَ المُمْتَلِئَةَ، وإنَّما اسْتَغْنى عَنْ عَدَدِها وإعْدامِها لِلْخُضْرِ، لِلِاكْتِفاءِ بِما ذَكَرَ مِن حالِ البَقَراتِ لِأنَّها نَظِيرَتُها.

وقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ خِطابٌ لِلْأشْرافِ مِن قَوْمِهِ، وكانَ دَعا إثْرَ اسْتِيقاظِهِ سَحَرَةَ مِصْرَ وحُكَماءَها، وقَصَّ عَلَيْهِمْ رُؤْياهُ هَذِهِ.

44

قَالُوٓا۟ أَضْغَٰثُ أَحْلَٰمٍۢ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ

They said, "[It is but] a mixture of false dreams, and we are not learned in the interpretation of dreams."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٤ ] ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾

﴿قالُوا﴾ أيِ المَلَأُ لِلْمَلِكِ ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ أيْ تَخالِيطُها. جَمْعُ (ضِغْثٍ). وهو في الأصْلِ ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وحُزِمَ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِما تَجْمَعُهُ القُوَّةُ المُتَخَيَّلَةُ مِن أحادِيثِ النَّفْسِ، ووَساوِسِ الشَّيْطانِ، وتُرِيها في المَنامِ. و(الأحْلامُ) جَمْعُ (حُلْمٍ)، وهو ما يَراهُ النّائِمُ، فَهو مُرادِفٌ لِلرُّؤْيا، إلّا أنَّها غَلَبَتْ في رُؤْيا الخَيْرِ، والشَّيْءِ الحَسَنِ، وغَلَبَ الحُلْمُ عَلى خِلافِهِ. وفي الحَدِيثِ: ««الرُّؤْيا مِنَ اللَّهِ، والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ»» .

قالَ التُّورَبَشْتِيُّ: الحُلْمُ عِنْدَ العَرَبِ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الرُّؤْيا، والتَّفْرِيقُ مِن الِاصْطِلاحاتِ الَّتِي سَنَّها الشّارِعُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَأنَّهُ كَرِهَ أنْ يُسَمّى ما كانَ مِنَ اللَّهِ وما كانَ مِنَ الشَّيْطانِ بِاسْمٍ واحِدٍ، فَجَعَلَ الرُّؤْيا عِبارَةً عَنِ الصّالِحِ مِنها، لِما في الرُّؤْيا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى المُشاهَدَةِ بِالبَصَرِ أوِ البَصِيرَةِ، وجَعَلَ الحُلْمَ عِبارَةً عَمّا كانَ مِنَ الشَّيْطانِ، لِأنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلّا فِيما يُخَيَّلُ لِلْحالِمِ في مَنامِهِ مِن قَضاءِ الشَّهْوَةِ، مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ. انْتَهى.

والمُرادُ بِالجَمْعِ في (الأحْلامِ) ما فَوْقَ الواحِدِ، لِأنَّهُما حُلْمانِ، رَأى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إثْرَ اسْتِيقاظِهِ مِنهُ، كَما رُوِيَ، وفَهِمَ بَعْضُهم أنَّهُ حُلْمٌ واحِدٌ، فالتَمَسَ لِلْجَمْعِ نُكْتَةً فَقالَ: إمّا المُبالَغَةُ في وصْفِهِ بِالبُطْلانِ، أوْ تَضَمُّنُهُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً، ولا حاجَةَ إلَيْهِ، كَما بَيَّنّا.

﴿وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا بِـ (الأحْلامِ) المَناماتِ الباطِلَةَ خاصَّةً. أيْ: لَيْسَ لَها تَأْوِيلٌ عِنْدَنا، وإنَّما التَّأْوِيلُ لِلرُّؤْيا الصّادِقَةِ. وأنْ يَعْتَرِفُوا بِقُصُورِ عِلْمِهِمْ، وأنَّهم لَيْسُوا في التَّعْبِيرِ بِنَحارِيرَ.

قالَ النّاصِرُ: وهَذا هو الظّاهِرُ. وحَمْلُ الكَلامِ عَلى الأوَّلِ يُصَيِّرُهُ مِن وادِي:

؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ

كَأنَّهم قالُوا: ولا تَأْوِيلَ لِلْأحْلامِ الباطِلَةِ، فَنَكُونُ بِهِ عالِمِينَ. وقَوْلُ المَلِكِ لَهم أوَّلًا: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا في عِلْمِهِ عالِمِينَ بِها، لِأنَّهُ أتى بِكَلِمَةِ الشَّكِّ، وجاءَ اعْتِرافُهم بِالقُصُورِ مُطابِقًا لِشَكِّ المَلِكِ الَّذِي أخْرَجَهُ مَخْرَجَ اسْتِفْهامِهِمْ عَنْ كَوْنِهِمْ عالِمِينَ بِالرُّؤْيا أوْ لا. وقَوْلُ الفَتى: ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦] دَلِيلٌ أيْضًا عَلى ذَلِكَ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

45

وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ

But the one who was freed and remembered after a time said, "I will inform you of its interpretation, so send me forth."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٥ ] ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾

﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ أيْ مِن صاحِبَيِ السِّجْنِ، وهو السّاقِي: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أيْ تَذَكَّرَ بَعْدَ مُدَّةٍ، وكانَ تَذَكُّرُهُ، عَلى ما رُوِيَ، بَعْدَ سَنَتَيْنِ ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ أُخْبِرُكم بِهِ بِالتَّلَقِّي عَمَّنْ عِنْدَهُ عِلْمُهُ، لا مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: أنا أُفْتِيكم فِيها، وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَأرْسِلُونِ﴾ أيْ فابْعَثُونِي إلى يُوسُفَ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرْهُ؛ ثِقَةً بِما سَبَقَ مِنَ التَّذَكُّرِ، وما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ:

46

يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ

[He said], "Joseph, O man of truth, explain to us about seven fat cows eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry - that I may return to the people; perhaps they will know [about you]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٦ ] ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾

﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ أيْ أرْسَلَ إلَيْهِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا يُوسُفُ! ووَصَفَهُ بِالمُبالَغَةِ في الصِّدْقِ، حَسْبَما ذاقَ أحْوالَهُ، وتَعَرَّفَ صِدْقَهُ في تَأْوِيلِ رُؤْياهُ، ورُؤْيا صاحِبِهِ، حَيْثُ جاءَ كَما أوَّلَ، لِكَوْنِهِ بِصَدَدِ اغْتِنامِ مَعارِفِهِ، فَهو مِن بابِ بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ ﴿أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ أيْ في تَأْوِيلِ رُؤْيا ذَلِكَ. ولَمْ يُغَيِّرْ لَفْظَ المَلِكِ؛ لِأنَّ التَّعْبِيرَ يَكُونُ عَلى وفْقِهِ، كَما بَيَّنُوهُ. وفي قَوْلِهِ ﴿أفْتِنا﴾ مَعَ أنَّهُ المُسْتَفْتِي وحْدَهُ إشْعارٌ بِأنَّ الرُّؤْيا لَيْسَتْ لَهُ، بَلْ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ مُلابَسَةٌ بِأُمُورِ العامَّةِ، وأنَّهُ في ذَلِكَ مُعَبِّرٌ وسَفِيرٌ، كَما آذَنَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ أيْ إلى المَلِكِ ومَن عِنْدِهِ ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ ذَلِكَ: فَيَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ، أوْ يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ ومَكانَكَ مِنَ العِلْمِ، فَيَطْلُبُوكَ ويُخَلِّصُوكَ مِن مِحْنَتِكَ. وإنَّما لَمْ يَبُتَّ الكَلامَ، بَلْ قالَ (لَعَلِّي) و(لَعَلَّهُمْ) مُجاراةً مَعَهُ عَلى نَهْجِ الأدَبِ، واحْتِرازًا عَنِ المُجازَفَةِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلى يَقِينٍ مِنَ الرُّجُوعِ، فَرُبَّما اخْتَرَمَ دُونَهُ.

؎لَعَلَّ المَنايا دُونَ ما تَعُدّانِي

ولا مِن عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ، فَرُبَّما لَمْ يَعْلَمُوهُ -أشارَ إلَيْهِ أبُو السُّعُودِ-.

47

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تَأْكُلُونَ

[Joseph] said, "You will plant for seven years consecutively; and what you harvest leave in its spikes, except a little from which you will eat.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٧ ] ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ [ ٤٨ ] ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] [ ٤٩ ] ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]

﴿قالَ﴾ أيْ يُوسُفُ لَهُ في تَأْوِيلِها ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ أيْ دائِبِينَ مُواظِبِينَ كُلَّ عامٍ مِنها ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ أيْ مِنَ الزَّرْعِ ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ أيْ لا تَدْرُسُوهُ، فَإنَّهُ أبْقى لَهُ ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ أيْ في تِلْكَ السِّنِينَ، يَعْنِي بِقَدْرِ ما تَأْكُلُونَ.

﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [يوسف: ٤٨] أيِ السَّبْعِ المَذْكُوراتِ ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ [يوسف: ٤٨] أيْ سَبْعُ سِنِينَ صِعابٍ عَلى النّاسِ، لِقُوَّةِ القَحْطِ ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ [يوسف: ٤٨] أيْ ما رَفَعْتُمْ لَهُنَّ مِنَ الحُبُوبِ المَتْرُوكَةِ في سَنابِلِها. ولَمّا عَبَّرَ عَنِ البَقَراتِ بِالسِّنِينَ؛ نَسَبَ الأكْلَ إلى السِّنِينَ، كَما رَأى في الواقِعَةِ البَقَراتِ يَأْكُلْنَ حَتّى يَحْصُلَ التَّطابُقُ بَيْنَ المُعَبَّرِ وهو المَرْئِيُّ في المَنامِ، والمُعَبَّرُ بِهِ، وهو تَأْوِيلُهُ. ولا يَتَعَيَّنُ المَجازُ العَقْلِيُّ -أيْ يُؤْكَلُ فِيها- كَما فِي: (نَهارُهُ صائِمٌ) لِجَوازِ أنْ يَكُونَ مُشاكَلَةً حِينَئِذٍ. ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] أيْ تُحْرِزُونَ وتُخَبِّئُونَ لِلزِّراعَةِ.

﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [يوسف: ٤٨] أيِ السِّنِينَ المَوْصُوفَةِ بِالشِّدَّةِ، وأكْلِ الغِلالِ المُدَّخَرَةِ ﴿عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ [يوسف: ٤٩] أيْ يُمْطَرُونَ مِنَ الغَيْثِ، أوْ يُغاثُونَ مِنَ القَحْطِ، أوْ يَرْفَعُ عَنْهم مَكْرُوهَهُ مِنَ الغَوْثِ ﴿وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] أيْ ما كانُوا يَعْصِرُونَهُ عَلى عادَتِهِمْ مِن عِنَبٍ وزَيْتُونٍ ونَحْوِهِما.

قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعَرُّضُ لِذِكْرِ (العَصْرِ)، مَعَ جَوازِ الِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِذِكْرِ (الغَيْثِ) المُسْتَلْزِمِ لَهُ عادَةً، كَما اكْتَفى بِهِ عَنْ ذِكْرِ تَصَرُّفِهِمْ في الحُبُوبِ، إمّا لِأنَّ اسْتِلْزامَ الغَيْثِ لَهُ لَيْسَ كاسْتِلْزامِهِ لِلْحُبُوبِ، إذِ المَذْكُوراتُ يَتَوَقَّفُ صَلاحُها عَلى مَبادِئَ أُخَرَ غَيْرِ المَطَرِ. وإمّا لِمُراعاةِ جانِبِ المُسْتَفْتِي بِاعْتِبارِ حالَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ، بِشارَةً لَهُ، وهي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها حُسْنُ مَوْقِعِ تَغْلِيبِهِ عَلى النّاسِ، في القِراءَةِ بِالفَوْقانِيَّةِ. وقِيلَ: مَعْنى (يَعْصِرُونَ) يَحْلُبُونَ الضُّرُوعَ. انْتَهى.

واللَّفْظُ بِعُمُومِ مَعْناهُ يَشْمَلُهُ، لِأنَّ الحَلْبَ فِيهِ عَصْرُ الضَّرْعِ لِيَخْرُجَ الدَّرُّ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَأْوِيلُ البَقَراتِ السِّمانِ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرِ: بِسِنِينَ مُخْصِبَةٍ، والعِجافِ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، ثُمَّ بَشَّرَهم بَعْدَ الفَراغِ مِن تَأْوِيلِ الرُّؤْيا بِأنَّ العامَ الثّامِنَ يَجِيءُ مُبارَكًا خَصِيبًا، كَثِيرَ الخَيْرِ، غَزِيرَ النِّعَمِ، وذَلِكَ جِهَةَ الوَحْيِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ في (الإكْلِيلِ): هَذِهِ الآيَةُ مِن أُصُولِ التَّعْبِيرِ. وفِيها أيْضًا صِحَّةُ رُؤْيا الكُفّارِ، وجَوازُ تَسْمِيَتِهِ مَلِكًا، وأنَّ قَوْلَنا (الرُّؤْيا لِأوَّلِ عابِرٍ) لَيْسَ عامًّا في كُلِّ رُؤْيا، لِأنَّهم قالُوا: ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ [يوسف: ٤٤] ولَمْ تَسْقُطْ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ، فَتَخُصُّ القاعِدَةُ بِما يَحْتَمِلُ مِنَ الرُّؤْيا وُجُوهًا، فَيُعَبَّرُ …

48

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌۭ شِدَادٌۭ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تُحْصِنُونَ

Then will come after that seven difficult [years] which will consume what you saved for them, except a little from which you will store.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٧ ] ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ [ ٤٨ ] ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] [ ٤٩ ] ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]

﴿قالَ﴾ أيْ يُوسُفُ لَهُ في تَأْوِيلِها ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ أيْ دائِبِينَ مُواظِبِينَ كُلَّ عامٍ مِنها ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ أيْ مِنَ الزَّرْعِ ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ أيْ لا تَدْرُسُوهُ، فَإنَّهُ أبْقى لَهُ ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ أيْ في تِلْكَ السِّنِينَ، يَعْنِي بِقَدْرِ ما تَأْكُلُونَ.

﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [يوسف: ٤٨] أيِ السَّبْعِ المَذْكُوراتِ ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ [يوسف: ٤٨] أيْ سَبْعُ سِنِينَ صِعابٍ عَلى النّاسِ، لِقُوَّةِ القَحْطِ ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ [يوسف: ٤٨] أيْ ما رَفَعْتُمْ لَهُنَّ مِنَ الحُبُوبِ المَتْرُوكَةِ في سَنابِلِها. ولَمّا عَبَّرَ عَنِ البَقَراتِ بِالسِّنِينَ؛ نَسَبَ الأكْلَ إلى السِّنِينَ، كَما رَأى في الواقِعَةِ البَقَراتِ يَأْكُلْنَ حَتّى يَحْصُلَ التَّطابُقُ بَيْنَ المُعَبَّرِ وهو المَرْئِيُّ في المَنامِ، والمُعَبَّرُ بِهِ، وهو تَأْوِيلُهُ. ولا يَتَعَيَّنُ المَجازُ العَقْلِيُّ -أيْ يُؤْكَلُ فِيها- كَما فِي: (نَهارُهُ صائِمٌ) لِجَوازِ أنْ يَكُونَ مُشاكَلَةً حِينَئِذٍ. ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] أيْ تُحْرِزُونَ وتُخَبِّئُونَ لِلزِّراعَةِ.

﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [يوسف: ٤٨] أيِ السِّنِينَ المَوْصُوفَةِ بِالشِّدَّةِ، وأكْلِ الغِلالِ المُدَّخَرَةِ ﴿عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ [يوسف: ٤٩] أيْ يُمْطَرُونَ مِنَ الغَيْثِ، أوْ يُغاثُونَ مِنَ القَحْطِ، أوْ يَرْفَعُ عَنْهم مَكْرُوهَهُ مِنَ الغَوْثِ ﴿وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] أيْ ما كانُوا يَعْصِرُونَهُ عَلى عادَتِهِمْ مِن عِنَبٍ وزَيْتُونٍ ونَحْوِهِما.

قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعَرُّضُ لِذِكْرِ (العَصْرِ)، مَعَ جَوازِ الِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِذِكْرِ (الغَيْثِ) المُسْتَلْزِمِ لَهُ عادَةً، كَما اكْتَفى بِهِ عَنْ ذِكْرِ تَصَرُّفِهِمْ في الحُبُوبِ، إمّا لِأنَّ اسْتِلْزامَ الغَيْثِ لَهُ لَيْسَ كاسْتِلْزامِهِ لِلْحُبُوبِ، إذِ المَذْكُوراتُ يَتَوَقَّفُ صَلاحُها عَلى مَبادِئَ أُخَرَ غَيْرِ المَطَرِ. وإمّا لِمُراعاةِ جانِبِ المُسْتَفْتِي بِاعْتِبارِ حالَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ، بِشارَةً لَهُ، وهي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها حُسْنُ مَوْقِعِ تَغْلِيبِهِ عَلى النّاسِ، في القِراءَةِ بِالفَوْقانِيَّةِ. وقِيلَ: مَعْنى (يَعْصِرُونَ) يَحْلُبُونَ الضُّرُوعَ. انْتَهى.

واللَّفْظُ بِعُمُومِ مَعْناهُ يَشْمَلُهُ، لِأنَّ الحَلْبَ فِيهِ عَصْرُ الضَّرْعِ لِيَخْرُجَ الدَّرُّ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَأْوِيلُ البَقَراتِ السِّمانِ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرِ: بِسِنِينَ مُخْصِبَةٍ، والعِجافِ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، ثُمَّ بَشَّرَهم بَعْدَ الفَراغِ مِن تَأْوِيلِ الرُّؤْيا بِأنَّ العامَ الثّامِنَ يَجِيءُ مُبارَكًا خَصِيبًا، كَثِيرَ الخَيْرِ، غَزِيرَ النِّعَمِ، وذَلِكَ جِهَةَ الوَحْيِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ في (الإكْلِيلِ): هَذِهِ الآيَةُ مِن أُصُولِ التَّعْبِيرِ. وفِيها أيْضًا صِحَّةُ رُؤْيا الكُفّارِ، وجَوازُ تَسْمِيَتِهِ مَلِكًا، وأنَّ قَوْلَنا (الرُّؤْيا لِأوَّلِ عابِرٍ) لَيْسَ عامًّا في كُلِّ رُؤْيا، لِأنَّهم قالُوا: ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ [يوسف: ٤٤] ولَمْ تَسْقُطْ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ، فَتَخُصُّ القاعِدَةُ بِما يَحْتَمِلُ مِنَ الرُّؤْيا وُجُوهًا، فَيُعَبَّرُ …

49

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ

Then will come after that a year in which the people will be given rain and in which they will press [olives and grapes]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٧ ] ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ [ ٤٨ ] ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] [ ٤٩ ] ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]

﴿قالَ﴾ أيْ يُوسُفُ لَهُ في تَأْوِيلِها ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ أيْ دائِبِينَ مُواظِبِينَ كُلَّ عامٍ مِنها ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ أيْ مِنَ الزَّرْعِ ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ أيْ لا تَدْرُسُوهُ، فَإنَّهُ أبْقى لَهُ ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ أيْ في تِلْكَ السِّنِينَ، يَعْنِي بِقَدْرِ ما تَأْكُلُونَ.

﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [يوسف: ٤٨] أيِ السَّبْعِ المَذْكُوراتِ ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ [يوسف: ٤٨] أيْ سَبْعُ سِنِينَ صِعابٍ عَلى النّاسِ، لِقُوَّةِ القَحْطِ ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ [يوسف: ٤٨] أيْ ما رَفَعْتُمْ لَهُنَّ مِنَ الحُبُوبِ المَتْرُوكَةِ في سَنابِلِها. ولَمّا عَبَّرَ عَنِ البَقَراتِ بِالسِّنِينَ؛ نَسَبَ الأكْلَ إلى السِّنِينَ، كَما رَأى في الواقِعَةِ البَقَراتِ يَأْكُلْنَ حَتّى يَحْصُلَ التَّطابُقُ بَيْنَ المُعَبَّرِ وهو المَرْئِيُّ في المَنامِ، والمُعَبَّرُ بِهِ، وهو تَأْوِيلُهُ. ولا يَتَعَيَّنُ المَجازُ العَقْلِيُّ -أيْ يُؤْكَلُ فِيها- كَما فِي: (نَهارُهُ صائِمٌ) لِجَوازِ أنْ يَكُونَ مُشاكَلَةً حِينَئِذٍ. ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] أيْ تُحْرِزُونَ وتُخَبِّئُونَ لِلزِّراعَةِ.

﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [يوسف: ٤٨] أيِ السِّنِينَ المَوْصُوفَةِ بِالشِّدَّةِ، وأكْلِ الغِلالِ المُدَّخَرَةِ ﴿عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ [يوسف: ٤٩] أيْ يُمْطَرُونَ مِنَ الغَيْثِ، أوْ يُغاثُونَ مِنَ القَحْطِ، أوْ يَرْفَعُ عَنْهم مَكْرُوهَهُ مِنَ الغَوْثِ ﴿وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] أيْ ما كانُوا يَعْصِرُونَهُ عَلى عادَتِهِمْ مِن عِنَبٍ وزَيْتُونٍ ونَحْوِهِما.

قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعَرُّضُ لِذِكْرِ (العَصْرِ)، مَعَ جَوازِ الِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِذِكْرِ (الغَيْثِ) المُسْتَلْزِمِ لَهُ عادَةً، كَما اكْتَفى بِهِ عَنْ ذِكْرِ تَصَرُّفِهِمْ في الحُبُوبِ، إمّا لِأنَّ اسْتِلْزامَ الغَيْثِ لَهُ لَيْسَ كاسْتِلْزامِهِ لِلْحُبُوبِ، إذِ المَذْكُوراتُ يَتَوَقَّفُ صَلاحُها عَلى مَبادِئَ أُخَرَ غَيْرِ المَطَرِ. وإمّا لِمُراعاةِ جانِبِ المُسْتَفْتِي بِاعْتِبارِ حالَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ، بِشارَةً لَهُ، وهي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها حُسْنُ مَوْقِعِ تَغْلِيبِهِ عَلى النّاسِ، في القِراءَةِ بِالفَوْقانِيَّةِ. وقِيلَ: مَعْنى (يَعْصِرُونَ) يَحْلُبُونَ الضُّرُوعَ. انْتَهى.

واللَّفْظُ بِعُمُومِ مَعْناهُ يَشْمَلُهُ، لِأنَّ الحَلْبَ فِيهِ عَصْرُ الضَّرْعِ لِيَخْرُجَ الدَّرُّ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَأْوِيلُ البَقَراتِ السِّمانِ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرِ: بِسِنِينَ مُخْصِبَةٍ، والعِجافِ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، ثُمَّ بَشَّرَهم بَعْدَ الفَراغِ مِن تَأْوِيلِ الرُّؤْيا بِأنَّ العامَ الثّامِنَ يَجِيءُ مُبارَكًا خَصِيبًا، كَثِيرَ الخَيْرِ، غَزِيرَ النِّعَمِ، وذَلِكَ جِهَةَ الوَحْيِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ في (الإكْلِيلِ): هَذِهِ الآيَةُ مِن أُصُولِ التَّعْبِيرِ. وفِيها أيْضًا صِحَّةُ رُؤْيا الكُفّارِ، وجَوازُ تَسْمِيَتِهِ مَلِكًا، وأنَّ قَوْلَنا (الرُّؤْيا لِأوَّلِ عابِرٍ) لَيْسَ عامًّا في كُلِّ رُؤْيا، لِأنَّهم قالُوا: ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ [يوسف: ٤٤] ولَمْ تَسْقُطْ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ، فَتَخُصُّ القاعِدَةُ بِما يَحْتَمِلُ مِنَ الرُّؤْيا وُجُوهًا، فَيُعَبَّرُ …

50

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌۭ

And the king said, "Bring him to me." But when the messenger came to him, [Joseph] said, "Return to your master and ask him what is the case of the women who cut their hands. Indeed, my Lord is Knowing of their plan."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٠ ] ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾

﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ أيْ أخْرِجُوهُ مِنَ السَّجْنِ وأحْضِرُوهُ، لِما عَلِمَ مِن عِلْمِهِ وفَضْلِهِ، ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ﴾ أيْ يَسْتَدْعِيهِ إلى المَلِكِ ﴿قالَ﴾ أيْ يُوسُفُ لَهُ: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ سَيِّدِكَ المَلِكِ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أيْ ما شَأْنُهُنَّ وخَبَرَهُنَّ؟ أمَرَهُ بِأنْ يَسْألَهُ ويَسْتَفْهِمَهُ عَنْ ذَلِكَ، ولَمْ يَكْشِفْ لَهُ عَنِ القِصَّةِ، ولا أوْضَحَها لَهُ؛ لِأنَّ السُّؤالَ مُجْمَلًا، مِمّا يُهَيِّجُ المَلِكَ عَلى الكَشْفِ والبَحْثِ والِاسْتِعْلامِ، فَتَحْصُلُ البَراءَةُ. وإنَّما كانَ السُّؤالُ المُجْمَلُ يُهَيِّجُ الإنْسانَ، ويُحَرِّكُهُ لِلْبَحْثِ عَنْهُ. لِأنَّهُ يَأْنَفُ مَن جَهِلَهُ وعَدِمَ عِلْمَهُ بِهِ، ولَوْ قالَ: سَلْهُ أنْ يُفَتِّشَ عَنْ ذَلِكَ، لَكانَ طَلَبًا لِلْفَحْصِ عَنْهُ، وهو مِمّا يَتَسامَحُ ويَتَساهَلُ بِهِ، وفِيهِ جُرْأةٌ عَلَيْهِ، فَرُبَّما امْتَنَعَ مِنهُ، ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما تَأنّى وتَثَبَّتَ في إجابَةِ المَلِكِ، وقَدَّمَ سُؤالَ النِّسْوَةِ؛ لِيُظْهِرَ بَراءَةَ ساحَتِهِ عَمّا قَرِفَ بِهِ وسُجِنَ فِيهِ؛ لِئَلّا يَتَسَلَّقَ بِهِ الحاسِدُونَ إلى تَقْبِيحِ أمْرِهِ عِنْدَهُ، ويَجْعَلُوهُ سُلَّمًا إلى حَطِّ مَنزِلَتِهِ لَدَيْهِ، ولِئَلّا يَقُولُوا: ما خَلَدَ في السِّجْنِ إلّا لِأمْرٍ عَظِيمٍ وجُرْمٍ كَبِيرٍ، حَقَّ بِهِ أنْ يُسْجَنَ ويُعَذَّبَ، ويُسْتَكَفَّ شَرُّهُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاجْتِهادَ في نَفْيِ التُّهَمِ واجِبٌ وُجُوبَ اتِّقاءِ الوُقُوفِ في مَواقِفِها. قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ««مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلا يَقِفَنَّ مَواقِفَ التُّهَمِ»» . ومِنهُ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمارِّينَ بِهِ في مُعْتَكَفِهِ، وعِنْدَهُ بَعْضُ نِسائِهِ: «هي فُلانَةُ»»؛ اتِّقاءً لِلتُّهْمَةِ.

وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««لَقَدْ عَجِبْتُ مِن يُوسُفَ وكَرَمِهِ وصَبْرِهِ، واللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، حِينَ سُئِلَ عَنِ البَقَراتِ العِجافِ والسِّمانِ، ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ما أخْبَرْتُهم حَتّى أشْتَرِطَ أنْ يُخْرِجُونِي. ولَقَدْ عَجِبْتُ مِنهُ حَيْثُ أتاهُ الرَّسُولُ فَقالَ: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ولَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثْتُ؛ لَأسْرَعْتُ الإجابَةَ، وبادَرْتُهُمُ البابَ، ولَما ابْتَغَيْتُ العُذْرَ، إنْ كانَ لَحَلِيمًا ذا أناةٍ»» . انْتَهى.

رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في مُصَنَّفِهِ مُرْسَلًا عَنْ عِكْرِمَةَ.

وقَدْ رُوِيَ في المُسْنَدِ والصَّحِيحَيْنِ مُخْتَصَرًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ»» . مَدَحَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى هَذِهِ الأناةِ، وكانَ في طَيِّ هَذِهِ المِدْحَةِ بِالأناةِ والتَّثَبُّتِ تَنْزِيهُهُ وتَبْرِئَتُهُ مِمّا لَعَلَّهُ يَسْبِقُ إلى الوَهْمِ أنَّهُ هَمَّ بِامْرَأةِ العَزِيزِ هَمًّا يُؤاخَذُ بِهِ؛ لِأنَّهُ إذا صَبَرَ وتَثَبَّتَ فِيما لَهُ ألّا يَصْبِرَ فِيهِ، وهو الخُرُوجُ مِنَ السِّجْنِ، مَعَ أنَّ الدَّواعِيَ مُتَوافِرَةٌ عَلى الخُرُوجِ مِنهُ؛ فَلِأنْ يَصْبِرَ فِيما عَلَيْهِ أنْ يَصْبِرَ فِيهِ مِنَ الهَمِّ أوْلى وأجْدَرُ- أفادَهُ النّاصِرُ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِامْرَأةِ العَزِيزِ، مَعَ ما لَقِيَ مِنها ما لَقِيَ، مِن مُقاساةِ …

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.