Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 11–20 of 111

11

قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ

They said, "O our father, why do you not entrust us with Joseph while indeed, we are to him sincere counselors?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١ ] ﴿قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾

﴿قالُوا﴾ أيْ: لِأبِيهِمْ ﴿يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ أيْ لِمَ تَخافُنا عَلَيْهِ، ونَحْنُ نُرِيدُ لَهُ الخَيْرَ ونُحِبُّهُ ونُشْفِقُ عَلَيْهِ؟ أرادُوا بِذَلِكَ اسْتِنْزالَهُ عَنْ عادَتِهِ في حِفْظِهِ مِنهم. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ أحَسَّ مِنهم بِما أوْجَبَ أنْ لا يَأْمَنَهم عَلَيْهِ -كَذا في (الكَشّافِ)-.

12

أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًۭا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ

Send him with us tomorrow that he may eat well and play. And indeed, we will be his guardians.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢ ] ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾

﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (الرَّتْعُ): الأكْلُ والشُّرْبُ والسَّعْيُ والنَّشاطُ، حَيْثُ يَكُونُ الخَضِرُ والمِياهُ والزُّرُوعُ. يُرِيدُونَ: أنَّ إلْزامَكَ إيّاهُ أنْ يَكُونَ بِمَكانِكَ، مُوجِبٌ لِمَلالِهِ القاطِعِ لِنَشاطِهِ عَلى العِبادَةِ، واكْتِسابِ الكِمالاتِ.

13

قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَٰفِلُونَ

[Jacob] said, "Indeed, it saddens me that you should take him, and I fear that a wolf would eat him while you are of him unaware."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣ ] ﴿قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾

﴿قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ يَعْنِي: وإنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم لَهُ حافِظُونَ، فَحِفْظُكم إنَّما يَكُونُ ما دُمْتُمْ ناظِرِينَ إلَيْهِ، لَكِنْ لا يَخْلُو الإنْسانُ عَنِ الغَفْلَةِ، فَأخافُ غَفْلَتَكم عَنْهُ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اعْتَذَرَ إلَيْهِمْ بِشَيْئَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ ذَهابَهم بِهِ، ومُفارَقَتَهُ إيّاهُ، مِمّا يُحْزِنُهُ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَصْبِرُ عَنْهُ ساعَةً.

والثّانِي: خَوْفُهُ عَلَيْهِ مِن عَدْوَةِ الذِّئْبِ إذا غَفَلُوا عَنْهُ، بِرَعْيِهِمْ ولَعِبِهِمْ، أوْ قَلَّ بِهِ اهْتِمامُهُمْ، ولَمْ تَصْدُقْ بِحِفْظِهِ عِنايَتُهم.

قالَ النّاصِرُ: وكانَ أشْغَلُ الأمْرَيْنِ لِقَلْبِهِ خَوْفَ الذِّئْبِ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ مَظِنَّةُ هَلاكِهِ. وأمّا حُزْنُهُ لِمُفارَقَتِهِ رَيْثَما يَرْتَعُ ويَلْعَبُ ويَعُودُ سالِمًا إلَيْهِ عَمّا قَلِيلٍ؛ فَأمْرٌ سَهْلٌ. فَكَأنَّهم لَمْ يَشْتَغِلُوا إلّا بِتَأْمِينِهِ وتَطْمِينِهِ مِن أشَدِّ الأمْرَيْنِ عَلَيْهِ. انْتَهى- أيْ فِيما حُكِيَ عَنْهم بِقَوْلِهِ:

14

قَالُوا۟ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذًۭا لَّخَٰسِرُونَ

They said, "If a wolf should eat him while we are a [strong] clan, indeed, we would then be losers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤ ] ﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾

﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أيْ جَماعَةٌ أقْوِياءُ، يُمْكِنُنا أنْ نَنْزِعَهُ مِن يَدِ الذِّئْبِ ﴿إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ أيْ هالِكُونَ ضَعْفًا وجُبْنًا. أوْ عاجِزُونَ، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِأنْ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِالخَسارَةِ والدَّمارِ.

15

فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

So when they took him [out] and agreed to put him into the bottom of the well... But We inspired to him, "You will surely inform them [someday] about this affair of theirs while they do not perceive [your identity]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥ ] ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾

﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ أيْ بَعْدَ مُراجَعَةِ أبِيهِمْ في شَأْنِهِ ﴿وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِما أزْمَعُوا، إذْ أخَذُوهُ لِيُكْرِمُوهُ، ويُدْخِلُوا السُّرُورَ عَلى أبِيهِ، ومَكَرُوا ما مَكَرُوا. ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ أيْ أعْلَمْناهُ بِإلْقاءٍ في رُوعِهِ، أوْ بِواسِطَةِ مَلَكٍ عِنْدَ ذَلِكَ تَبْشِيرًا لَهُ، بِأنَّكَ سَتَخْلُصُ مِمّا أنْتَ فِيهِ، وتُحَدِّثُهم بِما فَعَلُوا بِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ (أوْحَيْنا) أيْ أوْحَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ وهم لا يَشْعُرُونَ؛ إيناسًا لَهُ، وإزالَةً لِلْوَحْشَةِ، أوْ حالٌ مِنَ الهاءِ في (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ)، أيْ: لِتُحَدِّثَنَّهم بِذَلِكَ وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّكَ يُوسُفُ، لِعُلُوِّ شَأْنِكَ، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨]

رُوِيَ أنَّهم نَزَعُوا قَمِيصَ يُوسُفَ المُوَشّى الَّذِي عَلَيْهِ، وأخَذُوهُ، وطَرَحُوهُ في البِئْرِ، وكانَتْ فارِغَةً لا ماءَ بِها، وجَلَسُوا بَعْدُ، يَأْكُلُونَ ويَلْهُونَ إلى المَساءِ.

وجَوابُ (لَمّا) في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، مِثْلَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا، أوْ طَرَحُوهُ فِيها. وقِيلَ: الجَوابُ (أوْحَيْنا) والواوُ زائِدَةٌ.

16

وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءًۭ يَبْكُونَ

And they came to their father at night, weeping.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٦ ] ﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾

﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ بَيانٌ لِمَكْرِهِمْ بِأبِيهِمْ بِطَرِيقِ الِاعْتِذارِ المُوهِمِ مَوْتَهُ القاطِعَ عَنْهُ مُتَمَنّاهُ، لِتَنْقَطِعَ مَحَبَّتُهُ عَنْهُ، ولَوْ بَعْدَ حِينَ، فَيَرْجِعُ إلَيْهِمْ بِالحُبِّ الكُلِّيِّ. وقَدِمُوا عِشاءً لِكَوْنِهِ وقْتَ الظُّلْمَةِ المانِعَةِ مِنِ احْتِشامِهِ في الِاعْتِذارِ الكَذِبِ، ومِن تَفَرُّسِهِ مِن وُجُوهِهِمُ الكَذِبَ، وأوْهَمُوا بِبُكائِهِمْ وتَفَجِّعِهِمْ عَلَيْهِ، إفْراطَ مَحَبَّتِهِمْ لَهُ المانِعَةِ مِنَ الجُرْأةِ عَلَيْهِ. ثُمَّ نادَوْهُ بِاسْمِ (الأبِ) المُضافِ إلَيْهِمْ لِيَرْحَمَهُمْ، فَيَتْرُكَ غَضَبَهُ عَلَيْهِمُ، الدّاعِي إلى تَكْذِيبِهِمْ.

17

قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍۢ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَٰدِقِينَ

They said, "O our father, indeed we went racing each other and left Joseph with our possessions, and a wolf ate him. But you would not believe us, even if we were truthful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٧ ] ﴿قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾

﴿قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ أيْ في العَدْوِ والرَّمْيِ بِالنَّصْلِ ﴿وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا﴾ أيْ ما يَتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الثِّيابِ والأزْوادِ وغَيْرِهِما لِيَحْفَظَهُ ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ أيْ كَما حَذَّرْتَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ تَلَطُّفٌ عَظِيمٌ في تَقْرِيرِ ما يُحاوِلُونَهُ. يَقُولُونَ: ونَحْنُ نَعْلَمُ أنَّكَ لا تُصَدِّقُنا في هَذِهِ الحالَةِ، ولَوْ كُنّا عِنْدَكَ صادِقِينَ، فَكَيْفَ وأنْتَ تَتَّهِمُنا، وغَيْرُ واثِقٍ بِقَوْلِنا؟!.

وقَدِ اسْتُفِيدَ مِنَ الآيَةِ أحْكامٌ:

مِنها: أنَّ بُكاءَ المَرْءِ لا يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ تَصَنُّعًا -نَقَلَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ-.

ومِنها: مَشْرُوعِيَّةُ المُسابَقَةِ، وفِيهِ مِنَ الطِّبِّ رِياضَةُ النَّفْسِ والدَّوابِّ، وتَمْرِينُ الأعْضاءِ عَلى التَّصَرُّفِ -كَذا في (الإكْلِيلِ)-.

قالَ بَعْضُ اليَمانِينَ: اللَّعِبُ إنْ كانَ بَيْنَ الصِّغارِ جازَ بِما لا مَفْسَدَةَ فِيهِ، ولا تَشَبُّهَ بِالفَسَقَةِ، وأمّا بَيْنَ الكِبارِ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ في مَعْنى القِمارِ، فَلا يَجُوزُ.

الثّانِي: أنْ لا يَكُونَ في مَعْناهُ، وفِيهِ اسْتِعانَةٌ وحَثٌّ عَلى القُوَّةِ والجِهادِ، كالمُناضَلَةِ بِالقِسِيِّ، والمُسابَقَةِ عَلى الخَيْلِ، فَذَلِكَ جائِزٌ وِفاقًا.

الثّالِثُ: أنْ لا يَكُونَ فِيهِ عِوَضٌ كالمُصارَعَةِ ونَحْوِها. فَفي ذَلِكَ قَوْلانِ لِلشّافِعِيَّةِ: رَجَّحَ الجَوازُ، إنْ كانَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، أوْ بِعِوَضٍ يَكُونُ دَفْعُهُ عَلى سَبِيلِ الرِّضا؛ لِأنَّهُ ﷺ صارَعَ يَزِيدَ بْنَ رُكانَةَ.

ورُوِيَ «أنَّ عائِشَةَ قالَتْ: سابَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ، فَسَبَقْتُهُ في المَرَّةِ الأُولى، فَلَمّا بَدُنْتُ سَبَقَنِي وقالَ: «هَذِهِ بِتِلْكَ»» .

وفِي الحَدِيثِ: ««لَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ ثَلاثَةٌ: مُلاعَبَةُ الرَّجُلِ أهْلَهُ، وتَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ، ورَمْيُهُ بِقَوْسِهِ»» . انْتَهى.

18

وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍۢ كَذِبٍۢ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ

And they brought upon his shirt false blood. [Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. And Allah is the one sought for help against that which you describe."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٨ ] ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾

﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ بَيانٌ لِما تَآمَرُوا عَلَيْهِ مِنَ المَكِيدَةِ، وهو أنَّهم أخَذُوا قَمِيصَهُ المُوَشّى، وغَمَسُوهُ في دَمِ مَعِزٍ كانُوا ذَبَحُوهُ. و(كَذِبٌ) مَصْدَرٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ذِي كَذِبٍ. أوْ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، كَرَجُلٍ عَدْلٍ. و(عَلى) ظَرْفٌ لِـ (جاءُوا) مُشْعِرٌ بِتَضَمُّنِهِ مَعْنى (افْتَرَوْا).

وقَوْلُهُ: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ مِن تَغَيُّبِ يُوسُفَ، وتَفْرِيقِهِ عَنِّي، والِاعْتِذارِ الكاذِبِ.

قالَ النّاصِرُ: وقَوّاهُ عَلى اتِّهامِهِمْ، أنَّهُمُ ادَّعَوُا الوَجْهَ الخاصَّ الَّذِي خافَ يَعْقُوبُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، هَلاكَهُ بِسَبَبِهِ أوَّلًا، وهو أكْلُ الذِّئْبِ، فاتَّهَمَهم أنْ يَكُونُوا تَلَقَّفُوا العُذْرَ مِن قَوْلِهِ لَهُمْ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] وكَثِيرًا ما تَتَّفِقُ الأعْذارُ الباطِلَةُ، مِن قَلَقٍ في المُخاطَبِ المُعْتَذِرِ إلَيْهِ، حَتّى كانَ بَعْضُ أُمَراءِ المُؤْمِنِينَ يُلَقِّنُونَ السّارِقَ الإنْكارَ. انْتَهى.

وفِي (الإكْلِيلِ): اسْتَنْبَطَ، مِن هَذا، الحُكْمِ بِالأماراتِ، والنَّظَرِ إلى التُّهْمَةِ، حَيْثُ قالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ الآيَةَ.

لَطائِفُ:

قالَ المَهايِمِيُّ: في الآيَةِ مِنَ الفَوائِدِ أنَّ الجاهَ يَدْعُو إلى الحَسَدِ، كالمالِ، وهو يَمْنَعُ مِنَ المَحَبَّةِ الأصْلِيَّةِ مِنَ القَرابَةِ ونَحْوِها، بَلْ يَجْعَلُ عَداوَتَهم أشَدَّ مِن عَداوَةِ الأجانِبِ، وأنَّ الحَسَدَ يَدْعُو إلى المَكْرِ بِالمَحْسُودِ، وبِمَن يُراعِيهِ، وأنَّهُ إنَّما يَكُونُ بِرُؤْيَةِ الماكِرِ نَفْسَهُ أكْمَلَ عَقْلًا مِنَ المَمْكُورِ بِهِ. وأنَّ الحاسِدَ إذا ادَّعى النُّصْحَ والحِفْظَ والمَحَبَّةَ، بَلْ أظْهَرَهُ فِعْلًا؛ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَيْهِ.

وكَذا مَن أظْهَرَ الأمانَةَ قَوْلًا وفِعْلًا يَفْعَلُ الخِيانَةَ. وأنَّ الإذْلالَ والإعْزازَ بِيَدِ اللَّهِ، لا الخَلْقِ. وأنَّ مَن طَلَبَ مُرادَهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ بَعُدَ عَنْهُ، وأنَّ الخَوْفَ مِنَ الخَلْقِ يُورِثُ البَلاءَ، وأنَّ الإنْسانَ وإنْ كانَ نَبِيًّا، يُخْلَقُ أوَّلًا عَلى طَبْعِ البَشَرِيَّةِ. وأنَّ اتِّباعَ الشَّهَواتِ يُورِثُ الحُزْنَ الطَّوِيلَ. وأنَّ القَدَرَ كائِنٌ، وأنَّ الحَذَرَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ.

قِيلَ لِلْهُدْهُدِ: كَيْفَ تَرى الماءَ تَحْتَ الأرْضِ، ولا تَرى الشَّبَكَةَ فَوْقَها؟ قالَ: إذا جاءَ القَضاءُ عَمِيَ البَصَرُ.

و(التَّسْوِيلُ) تَزْيِينُ النَّفْسِ لِلْمَرْءِ ما يَحْرِصُ عَلَيْهِ، وتَصْوِيرُ القَبِيحِ بِصُورَةِ الحَسَنِ. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (صَبْرٌ) خَبَرٌ أوْ مُبْتَدَأٌ، لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا، أيْ فَشَأْنِي صَبْرٌ جَمِيلٌ. أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ، والصَّبْرُ قُوَّةٌ لِلنَّفْسِ عَلى احْتِمالِ الآلامِ كالمَصائِبِ إذا عَرَضَتْ، والجَمِيلُ مِنهُ هو ما لا شَكْوى فِيهِ إلى الخَلْقِ ولا جَزَعٌ، رِضًا بِقَضاءِ اللَّهِ، ووُقُوفًا مَعَ مُقْتَضى العُبُودِيَّةِ.

﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ أيِ المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَ مِن هَلاكِ يُوسُفَ -كَذا قَدَّرُوهُ- وحَقَّقَ أبُو السُّعُودِ؛ أنَّ المَعْنى عَلى إظْهارِ حالِ ما تَصِفُونَ، وبَيانِ كَوْنِهِ كَذِبًا، وإظْهارِ سَلامَتِهِ، فَإنَّهُ عَلَمٌ في الكَذِبِ، قالَ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] وهو الألْيَقُ بِما سَيَجِيءُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَبْرٌ …

19

وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌۭ فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ ۖ قَالَ يَٰبُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٌۭ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

And there came a company of travelers; then they sent their water drawer, and he let down his bucket. He said, "Good news! Here is a boy." And they concealed him, [taking him] as merchandise; and Allah was knowing of what they did.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩ ] ﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعَةً واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾

﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهُمْ﴾ أيِ الَّذِي يَرِدُ الماءَ ويَسْتَقِي لَهم ﴿فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ أيْ أرْسَلَها في الجِبِّ لِيَمْلَأها، فَتَعَلَّقَ بِها يُوسُفُ لِلْخُرُوجِ، فَلَمّا رَآهُ ﴿قالَ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ﴾ وقُرِئَ (يا بُشْرايَ) بِالإضافَةِ والمُنادى مَحْذُوفٌ. أوْ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ مَن يُنادِي، ويُقالُ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّبْشِيرِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى النِّداءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى النِّداءِ في هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي لا تُجِيبُ هو تَنْبِيهُ المُخاطَبِينَ، وتَوْكِيدُ القِصَّةِ. فَإذا قُلْتُ: يا عَجَباهُ! فَكَأنَّكَ قُلْتَ: اعْجَبُوا.

و(الغُلامُ): الطّارُّ الشّارِبُ، أوْ مِن وِلادَتِهِ إلى أنْ يَشِبَّ. والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ.

﴿وأسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ أيْ أخْفَوْهُ مَتاعًا لِلتِّجارَةِ. فَـ ﴿بِضاعَةً﴾ حالٌ. وفي (الفَرائِدِ): أنَّهُ ضَمَّنَ (أسَرُّوهُ) مَعْنى (جَعَلُوهُ) أيْ جَعَلُوهُ بِضاعَةً مُسَرِّينَ، فَهو مَفْعُولٌ بِهِ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ. أيْ: لِأجْلِ التِّجارَةِ. و(البِضاعَةُ) مِنَ البِضْعِ، وهو القَطْعُ لِأنَّهُ قِطْعَةٌ وافِرَةٌ مِنَ المالِ تُقْتَنى لِلتِّجارَةِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾

20

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍۢ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍۢ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ

And they sold him for a reduced price - a few dirhams - and they were, concerning him, of those content with little.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٠ ] ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾

﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ الضَّمِيرُ فِي (أسَرُّوهُ) و(شَرَوْهُ) لِلسَّيّارَةِ؛ لِأنَّها بِمَعْنى القَوْمِ السّائِرِينَ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا تُجّارًا مِن بَلْدَةِ مَدْيَنَ. فَلَمّا أصْعَدَ وارِدُهم يُوسُفَ، وضَمُّوهُ إلى بِضاعَتِهِمْ؛ باعُوهُ لِقافِلَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ سائِرَةً إلى مِصْرَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا مِنَ الفِضَّةِ، ثُمَّ أتَوْا بِيُوسُفَ إلى مِصْرَ. و(دَراهِمَ) بَدَلٌ مِنَ الثَّمَنِ. و(المَعْدُودُ)، كِنايَةٌ عَنِ القَلِيلِ؛ لِأنَّ الكَثِيرَ يُوزَنُ عِنْدَهم. و(الزُّهْدُ) فِيهِ بِمَعْنى الرَّغْبَةِ عَنْهُ.

فَوائِدُ:

قالَ في (الإكْلِيلِ)، اسْتَنْبَطَ النّاسُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أحْكامَ اللَّقِيطِ، فَأخَذُوا مِنها أنَّ اللَّقِيطَ يُؤْخَذُ ولا يُتْرَكُ. ومِن قَوْلِهِ: (هَذا غُلامٌ) أنَّهُ كانَ صَغِيرًا، وأنَّ الِالتِقاطَ خاصٌّ بِهِ، فَلا يُلْتَقَطُ الكَبِيرُ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] لِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ يَخْتَصُّ بِالصِّغارِ. ومِن قَوْلِهِ: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أنَّ اللَّقِيطَ يُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ، وأنَّ ثَمَنَ الحُرِّ حَرامٌ. قالَ بَعْضُهُمْ: وجْهُ الِاسْتِدْلالِ لِأنَّهم باعُوهُ بِثَمَنٍ حَقِيرٍ لِكَوْنِهِ لَقِيطًا، وهو لا يُمْلَكُ؛ إذْ لَوْ مُلِكَ اسْتَوْفَوْا ثَمَنَهُ.

قالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ، ورَدَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ بِأنَّ فِعْلَهم لَيْسَ شَرِيعَةً. وأمّا الآنَ فَلا شُبْهَةَ أنَّ ظاهِرَ اللَّقِيطِ الحُرِّيَّةُ، كَما أنَّ ظاهِرَهُ الإسْلامُ. اهـ.

قالَ المَهايِمِيُّ: ومِنَ الفَوائِدِ أنَّ الفَرَجَ قَدْ يَحْصُلُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، وأنَّهُ يَنْتَظِرُ لِلشِّدَّةِ. وأنَّ مَن خَرَجَ لِطَلَبِ شَيْءٍ قَدْ يَجِدُ ما لَمْ يَكُنْ في خاطِرِهِ. وأنَّ الشَّيْءَ الخَطِيرَ قَدْ يَعْرِضُ فِيهِ ما يُهَوِّنُهُ. وأنَّ البُشْرى قَدْ يَعْقُبُها الحُزْنُ، والعِزَّةُ قَدْ يَعْقُبُها الذِّلَّةُ. وبِالعَكْسِ. اهـ.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.