Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 81–90 of 111

81

ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَٰفِظِينَ

Return to your father and say, "O our father, indeed your son has stolen, and we did not testify except to what we knew. And we were not witnesses of the unseen,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨١ ] ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾

﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ أيْ: نُسِبَ إلى سَرِقَةِ صُواعِ المَلِكِ، ﴿وما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا﴾ أيْ ما شَهِدْنا عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ، إلّا بِما تَيَقَّنّاهُ مِن إخْراجِ الصُّواعِ مِن رَحْلِهِ.

تَنْبِيهٌ:

اسْتَنْبَطَ بَعْضُهم مِن هَذا عَدَمَ جَوازِ الشَّهادَةِ عَلى الكِتابَةِ بِلا عِلْمٍ وتَذَكُّرٍ. وكَذا مَن سَمِعَ كَلامَهُ مِن وراءِ حِجابٍ؛ لِعَدَمِ العِلْمِ بِهِ -كَذا في (الإكْلِيلِ)- ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا مِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ في مَواقِعِ الخِلافِ.

﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ أيْ: وما عَلِمْنا أنَّهُ سَيَسْرِقُ حِينَ أعْطَيْناكَ المَوْثِقَ.

82

وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ

And ask the city in which we were and the caravan in which we came - and indeed, we are truthful,"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٢ ] ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾

﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ يَعْنُونَ مِصْرَ. أيْ: أرْسِلْ إلى أهْلِها فَسَلْهم عَنْ كُنْهِ القِصَّةِ. ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ أيْ جِئْنا مَعَها. وكانَ صَحِبَهم قَوْمٌ مِن كَنْعانَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ أيْ فِيما أخْبَرْناكَ.

83

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ

[Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. Perhaps Allah will bring them to me all together. Indeed it is He who is the Knowing, the Wise."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٣ ] ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾

﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ مَعْناهُ: فَرَجَعُوا إلى أبِيهِمْ، فَقالُوا لَهُ ما قالَ لَهم أخُوهم. فَقالَ: بَلْ سَوَّلَتْ، أيْ زَيَّنَتْ وسَهَّلَتْ أنْفُسُكم أمْرًا، فَفَعَلْتُمُوهُ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمْرًا أرَدْتُمُوهُ، وإلّا فَما أدْرى ذَلِكَ الرَّجُلَ أنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ، لَوْلا فَتْواكم وتَعْلِيمِكُمْ؟!.

قالَ النّاصِرُ: هَذا مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ إسْلافُ جَوابٍ عَنْ سُؤالٍ، كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: هم في الوَقْعَةِ الأُولى سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم أمْرًا بِلا مِراءٍ، وأمّا في هَذِهِ الوَقْعَةِ الثّانِيَةِ، فَلَمْ يَتَعَمَّدُوا في حَقِّ بِنْيامِينَ سُوءًا، ولا أخْبَرُوا أباهم إلّا بِالواقِعِ عَلى جَلِيَّتِهِ، وما تَرَكُوهُ بِمِصْرَ إلّا مَغْلُوبِينَ عَنِ اسْتِصْحابِهِ، فَما وجْهُ قَوْلِهِ ثانِيًا: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ كَما قالَ لَهم أوَّلًا؟ وإذا ورَدَ السُّؤالُ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ؛ فَلا بُدَّ مِن زَيْدِ بَسْطٍ في الجَوابِ، فَنَقُولُ: كانُوا عِنْدَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ مُتَّهَمِينَ، وهم قَمِنٌ بِاتِّهامِهِ لِما أسْلَفُوهُ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقامَتْ عِنْدَهُ قَرِينَةٌ تُؤَكِّدُ نَفْيَ التُّهْمَةِ وتُقَوِّيها، وهي أخْذُ المَلِكِ لَهُ في السَّرِقَةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلّا مِن دِينِ يَعْقُوبَ وحْدَهُ، لا مِن دِينِ غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ، ولا مِن عادَتِهِمْ. وإلى ذَلِكَ وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] تَنْبِيهًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهِ اتِّهامِ يَعْقُوبَ لَهُمْ، فَعَلِمَ أنَّ المَلِكَ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ بِفَتْواهم لَهُ بِهِ، وظَنَّ أنَّهم أفْتَوْهُ بِذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِ السَّرِقَةِ تَعَمُّدًا؛ لِيَتَخَلَّفَ أخُوهُمْ، وكانَ الواقِعُ أنَّهُمُ اسْتُفْتُوا مِن قَبْلِ أنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِمُ السَّرِقَةَ، فَذَكَرُوا ما عِنْدَهُمْ، ولَمْ يَشْعُرُوا أنَّ المَقْصُودَ إلْزامُهم بِما قالُوا. واتِّهامُ مَن هو بِحَيْثُ تَتَطَرَّقُ التُّهْمَةُ إلَيْهِ لا حَرَجَ فِيهِ، وخُصُوصًا فِيما يَرْجِعُ إلى الوالِدِ مِنَ الوَلَدِ. ويُحْتَمَلُ -واللَّهُ أعْلَمُ- أنْ يَكُونَ الوَجْهُ الَّذِي سَوَّغَ لَهُ هَذا القَوْلَ في حَقِّهِمْ، أنَّهم جَعَلُوا مُجَرَّدَ وُجُودِ الصُّواعِ في رَحْلِ مَن يُوجَدُ في رَحْلِهِ، سَرِقَةً، مِن غَيْرِ أنْ يُحِيلُوا الحُكْمَ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ سارِقًا بِوَجْهٍ مَعْلُومٍ، وهَذا في شَرْعِنا لا يُثْبِتُ السَّرِقَةَ عَلَيْهِ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ واقِعٌ بِمَكانِهِ مِن حالِهِمْ، وإنْ كانَ شَرْعُهم يَقْتَضِي ذَلِكَ مُخالِفًا لِشَرْعِنا، فالعُمْدَةُ عَلى الجَوابِ الأوَّلِ. اهـ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أيْ بِلا جَزَعٍ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أيْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ المُتَوَقِّفِ بِمِصْرَ، فَتَذْهَبُ أحْزانُهُ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ أيِ العَلِيمُ بِحالِي وحالِهِمُ، الحَكِيمُ في تَشْدِيدِ الأمْرِ لِيَنْظُرَ مِقْدارَ الصَّبْرِ فَيَفِيضُ بِقَدْرِهِ الأجْرُ، ومِنَ الأجْرِ المُعَجَّلِ تَعْجِيلُ الفَرَجِ.

84

وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌۭ

And he turned away from them and said, "Oh, my sorrow over Joseph," and his eyes became white from grief, for he was [of that] a suppressor.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٤ ] ﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾

﴿وتَوَلّى﴾ أيْ: أعْرَضَ ﴿عَنْهُمْ﴾ أيْ عَنْ بَنِيهِ كَراهَةً لِما جاؤُوا بِهِ ﴿وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ أيْ يا حُزْنِي الشَّدِيدَ، و(الألِفُ) بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ لِلتَّخْفِيفِ. وقِيلَ: هي ألِفُ النُّدْبَةِ، والهاءُ مَحْذُوفَةٌ. و(الأسَفُ) أشَدُّ الحُزْنِ والحَسْرَةِ عَلى ما فاتَ. وإنَّما تَأسَّفَ عَلى يُوسُفَ دُونَ أخَوَيْهِ، والحادِثُ رَزَأهُما. والرُّزْءُ الأحْدَثُ أشَدُّ عَلى النَّفْسِ، وأظْهَرُ أثَرًا؛ لِأنَّ الرُّزْءَ في يُوسُفَ كانَ قاعِدَةَ مُصِيباتِهِ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَيْها الرَّزايا في ولَدِهِ، فَكانَ الأسَفُ عَلَيْهِ أسَفًا عَلى مَن لَحِقَ بِهِ، ولِأنَّهُ لَمْ يَزُلْ عَنْ فِكْرِهِ، فَكانَ غَضًّا طَرِيًّا عِنْدَهُ، كَما قِيلَ:

؎ولَمْ تُنْسِنِي أوْفى المُصِيباتِ بُعْدَهُ وكُلُّ جَدِيدٍ يُذَكِّرُ بِالقَدِيمِ

ولِأنَّهُ كانَ واثِقًا بِحَياتِهِما- دُونَ حَياتِهِ.

﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ وذَلِكَ لِكَثْرَةِ بُكائِهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا كَثُرَ الِاسْتِعْبارُ مَحَقَتِ العَبْرَةُ سَوادَ العَيْنِ، وقَلَبَتْهُ إلى بَياضٍ كَدْرٍ. ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ مَمْلُوءٌ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ، ولا يَظْهَرُ ما يَسُوؤُهم. (فَعِيلٌ) بِمَعْنى (مَفْعُولٍ) كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] أوْ بِمَعْنى شَدِيدِ التَّجَرُّعِ لِلْغَيْظِ أوِ الحُزْنِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُهُ إلى أحَدٍ قَطُّ. فَهو بِمَعْنى (فاعِلٍ).

تَنْبِيهٌ:

دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ التَّأسُّفِ والبُكاءِ عِنْدَ المُصِيبَةِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ لِنَبِيِّ اللَّهِ أنْ يَبْلُغَ بِهِ الجَزَعُ ذَلِكَ المَبْلَغَ؟

قُلْتُ: الإنْسانُ مَجْبُولٌ عَلى أنْ لا يَمْلِكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ مِنَ الحُزْنِ، ولِذَلِكَ حُمِدَ صَبْرُهُ، وأنْ يَضْبِطَ نَفْسَهُ حَتّى لا يَخْرُجَ إلى ما لا يَحْسُنُ.

ولَقَدْ بَكى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى ولَدِهِ إبْراهِيمَ وقالَ: ««إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ والقَلْبَ يَحْزَنُ، ولا نَقُولُ إلّا ما يُرْضِي رَبَّنا، وإنّا بِفِراقِكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ»» .

وإنَّما الجَزَعُ المَذْمُومُ ما يَقَعُ مِنَ الجَهَلَةِ مِنَ الصِّياحِ والنِّياحَةِ ولَطْمِ الصُّدُورِ والوُجُوهِ وتَمْزِيقِ الثِّيابِ.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ بَكى عَلى ولَدٍ، أوْ غَيْرِهِ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ؟ فَقالَ: ما رَأيْتُ اللَّهَ جَعَلَ الحُزْنَ عارًا عَلى يَعْقُوبَ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

85

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَٰلِكِينَ

They said, "By Allah, you will not cease remembering Joseph until you become fatally ill or become of those who perish."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٥ ] ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾

﴿قالُوا﴾ أيْ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِأبِيهِمْ عَلى سَبِيلِ الرِّفْقِ بِهِ، والشَّفَقَةِ عَلَيْهِ: ﴿تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ أيْ مَرِيضًا مُشْفِيًا عَلى الهَلاكِ، ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ أيْ بِالمَوْتِ. يَقُولُونَ: إنِ اسْتَمَرَّ بِكَ هَذا الحالُ، خَشِينا عَلَيْكَ الهَلاكَ والتَّلَفَ، واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى جَوازِ الحَلِفِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ. وقِيلَ: إنَّهم عَلِمُوهُ، لَكِنَّهم نَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ المُنْكَرِ، فَلِذا أكَّدُوهُ. و(تَفْتَأُ) مُضارِعُ فَتِئَ، مُثَلَّثَةُ التّاءِ. يُسْتَعْمَلُ مَعَ النَّفْيِ مَلْفُوظًا أوْ مَنوِيًّا؛ لِأنَّ مَوْضِعَهُ مَعْلُومٌ، فَيُحْذَفُ لِلتَّخْفِيفِ كَقَوْلِهِ:

؎فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوْصالِي

أيْ: لا أبْرَحُ. ومَعْنى (تَفْتَأُ): لا تَزالُ ولا تَبْرَحُ.

86

قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

He said, "I only complain of my suffering and my grief to Allah, and I know from Allah that which you do not know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٦ ] ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي﴾ أيْ غَمِّي وحالِي، ﴿وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ لا أشْكُو إلى أحَدٍ مِنكم ومِن غَيْرِكُمْ، إنَّما أشْكُو إلى رَبِّي داعِيًا لَهُ، ومُلْتَجِئًا إلَيْهِ، فَخَلُّونِي وشِكايَتِي.

﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ لِمَن شَكا إلَيْهِ مِن إزالَةِ الشَّكْوى، ومَزِيدِ الرَّحْمَةِ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ما يُوجِبُ حُسْنَ الظَّنِّ بِهِ، وهو مَعَ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ.

ولَمّا عَلِمَ مِن شِدَّةِ البَلاءِ مَعَ الصَّبْرِ، قَرُبَ الفَرَجُ، قَوّى رَجاءَهُمْ، وأمَرَهم أنْ يَرْحَلُوا لِمِصْرَ، ويَتَطَلَّبُوا خَبَرَ يُوسُفَ وأخِيهِ بِقَوْلِهِ:

87

يَٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَٰفِرُونَ

O my sons, go and find out about Joseph and his brother and despair not of relief from Allah. Indeed, no one despairs of relief from Allah except the disbelieving people."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٧ ] ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾

﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أيْ تَعَرَّفُوا مِن نَبَئِهِما، وتَخَبَّرُوا خَبَرَهُما ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ أيْ: فَرَجِهِ ورَحْمَتِهِ المُرِيحَةِ مِنَ الشِّدَّةِ. ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ -لَمْ يُقَلْ (مِنهُ) إشارَةٌ إلى ظُهُورِ حُصُولِهِ لِمَن لَمْ يَيْأسْ- ﴿إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ أيْ بِاللَّهِ ورَحْمَتِهِ، وقُدْرَتِهِ عَلى إفاضَةِ الرَّوْحِ، بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ في الشِّدَّةِ، وسُنَّتِهِ في إفاضَةِ اليُسْرِ مَعَ العُسْرِ، لا سِيَّما في حَقِّ مَن أحْسَنَ الظَّنَّ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

88

فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَٰعَةٍۢ مُّزْجَىٰةٍۢ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ

So when they entered upon Joseph, they said, "O 'Azeez, adversity has touched us and our family, and we have come with goods poor in quality, but give us full measure and be charitable to us. Indeed, Allah rewards the charitable."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٨ ] ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى يُوسُفَ بَعْدَ ما رَجَعُوا إلى مِصْرَ، ولِانْفِهامِهِ مِنَ المَقامِ طَوى ذِكْرَهُ إيجازًا: ﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ﴾ أيِ المَلِكُ القادِرُ، المُتَمَنِّعُ، ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ أيِ الشِّدَّةُ مِنَ الجَدَبِ، ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ أيْ: بِدَراهِمَ قَلِيلَةٍ في مُقابَلَةِ ما نَمْتارُهُ. اسْتَقَلُّوا الثَّمَنَ واسْتَحْقَرُوهُ؛ اتِّضاعًا لِهَيْبَةِ المَلِكِ، واسْتِجْلابًا لِرَأْفَتِهِ وحَنانِهِ. وأصْلُ مَعْنى (التَّزْجِيَةِ): الدَّفْعُ والرَّمْيُ، فَكَنَّوْا بِهِ عَنِ القَلِيلِ الَّذِي يُدْفَعُ؛ رَغْبَةً عَنْهُ، لِذَلِكَ ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتْمِمْهُ ووَفِّرْهُ بِهَذِهِ الدَّراهِمِ المُزْجاةِ، كَما تُوَفِّرُهُ بِالدَّراهِمِ الجِيادِ. ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ أيْ: بِرَدِّ أخِينا، أوْ بِالإيفاءِ، أوْ بِالمُسامَحَةِ وقَبُولِ ما لا يُعَدُّ عِوَضًا: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ أيْ يُثِيبُهم أحْسَنَ المَثُوبَةِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: في الآيَةِ إرْشادٌ إلى أدَبٍ جَلِيلٍ، وهو تَقْدِيمُ الوَسائِلِ أمامَ المَآرِبِ، فَإنَّها أنْجَحُ لَها. وهَكَذا فَعَلَ هَؤُلاءِ: قَدَّمُوا ما ذُكِرَ مِن رِقَّةِ الحالِ، والتَمَسْكُنِ، وتَصْغِيرِ العِوَضِ، ولَمْ يَفْجَؤُوهُ بِحاجَتِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى إسْعافِ مَرامِهِمْ، بِبَعْثِ الشَّفَقَةِ، وهَزِّ العَطْفِ والرَّأْفَةِ، وتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ الرَّحْمَةِ -كَما قَدَّمْنا- ومِن ثَمَّ رَقَّ لَهُمْ، ومَلَكَتْهُ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَتَمالَكْ أنْ عَرَّفَهم نَفْسَهُ، -كَما يَأْتِي-.

الثّانِي: يُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ شَكْوى الحاجَةِ لِمَن يُرْجى مِنهُ إزالَتُها.

الثّالِثُ: اسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ عَلى أنَّ أُجْرَةَ الكَيّالِ عَلى البائِعِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ عَلَيْهِ تَوْفِيَةُ الكَيْلِ، فَعَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ، وما يَتِمُّ بِهِ.

الرّابِعُ: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ مَن قالَ: إنَّ الصَّدَقَةَ لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً عَلى الأنْبِياءِ -كَذا في الإكْلِيلِ- وهَذا بَعْدَ تَسْلِيمِ نُبُوَّةِ إخْوَةِ يُوسُفَ. وفِيها خِلافٌ. وسَيَأْتِي في التَّنْبِيهاتِ، آخِرُ السُّورَةِ، تَحْقِيقُ ذَلِكَ.

الخامِسُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ حَثٌّ عَلى الإحْسانِ، وإشارَةٌ إلى أنَّ المُحْسِنَ يُجْزى أحْسَنَ جَزاءٍ مِنهُ تَعالى، وإنْ لَمْ يُجْزِهِ المُحْسَنُ إلَيْهِ.

89

قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَٰهِلُونَ

He said, "Do you know what you did with Joseph and his brother when you were ignorant?"

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى رَأْفَةَ يُوسُفَ بِتَعَرُّفِهِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٩ ] ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾

﴿قالَ﴾ أيْ: يُوسُفُ مُجِيبًا لَهُمْ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ أيْ شُبّانٌ غافِلُونَ؟ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، يُفِيدُ تَعْظِيمَ الواقِعَةِ. ومَعْناهُ: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ في يُوسُفَ، وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ! كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ وهَلْ تَعْرِفُ مَن خالَفْتَ؟ وهَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]

لَطائِفُ:

الأُولى- أبْدى المَهايِمِيُّ مُناسَبَةً بَدِيعَةً في قَوْلِ يُوسُفَ لَهُمْ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ إثْرَ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨] وهو أنَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨] أنَّهُ يُعْطِيهِمْ في الآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ مِنَ العِوَضِ الدُّنْيَوِيِّ، فَأشارَ لَهم يُوسُفُ بِأنَّكم تُرِيدُونَ دَفْعَ الضَّرَرِ العاجِلِ، بِوَعْدِ الأجْرِ الآجِلِ، ولا تَدْفَعُونَ عَنْ أنْفُسِكُمُ الضَّرَرَ الآجِلَ، كَأنَّكم تُنْكِرُونَهُ، هَلْ عَلِمْتُمْ ضَرَرَ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ؟

الثّانِيَةُ: قِيلَ: مِن تَلَطُّفِهِ بِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ كالِاعْتِذارِ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ فِعْلَ القَبِيحِ عَلى جَهْلٍ بِمِقْدارِ قُبْحِهِ، أسْهَلُ مِن فِعْلِهِ عَلى عِلْمٍ. وهم لَوْ ضُرِبُوا في طُرُقِ الِاعْتِذارِ لَمْ يُلْفُوا عُذْرًا كَهَذا. ألا تَرى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا اعْتَذَرَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَزِدْ عَلى أنْ قالَ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] فَفِيهِ تَخْفِيفٌ لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ.

الثّالِثَةُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فِعْلُهم بِأخِيهِ؟ قُلْتُ: تَعْرِيضُهم إيّاهُ لِلْغَمِّ والثُّكْلِ، بِإفْرادِهِ عَنْ أخِيهِ لِأبِيهِ وأُمِّهِ، وجَفاؤُهم بِهِ، حَتّى كانَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَ أحَدًا مِنهم إلّا كَلامَ الذَّلِيلِ لِلْعَزِيزِ، وإيذاؤُهم لَهُ بِأنْواعِ الأذى. انْتَهى.

90

قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

They said, "Are you indeed Joseph?" He said "I am Joseph, and this is my brother. Allah has certainly favored us. Indeed, he who fears Allah and is patient, then indeed, Allah does not allow to be lost the reward of those who do good."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٠ ] ﴿قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾

﴿قالُوا﴾ أيِ: اسْتِغْرابًا وتَعَجُّبًا مِن أنَّ هَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا يُوسُفُ: ﴿أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ﴾ أيِ: الَّذِي فَعَلْتُمْ بِهِ ما فَعَلْتُمْ، ﴿وهَذا أخِي﴾ أيْ مِن أبَوَيَّ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: زادَهم ذَلِكَ مُبالَغَةً في تَعْرِيفِ نَفْسِهِ، وتَفْخِيمًا لِشَأْنِ أخِيهِ، وتَكْمِلَةً لِما أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩] حَسْبَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِنا مِنَ التَّفْرِيقِ والإذْلالِ، فَأنا يُوسُفُ، وهَذا أخِي، قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بِالخَلاصِ مِمّا ابْتُلِينا بِهِ، والِاجْتِماعِ بَعْدَ الفُرْقَةِ، والعِزَّةِ بَعْدَ الذِّلَّةِ، والأُنْسِ بَعْدَ الوَحْشَةِ.

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ التَّعْلِيلِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ أيْ رَبَّهُ في جَمِيعِ أحْوالِهِ، ﴿ويَصْبِرْ﴾ أيْ: عَلى الضَّرّاءِ، وعَنِ المَعاصِي، ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ أجْرَهُمْ، وفي وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعِ الضَّمِيرِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَنعُوتِينَ بِالتَّقْوى والصَّبْرِ، مَوْصُوفُونَ بِالإحْسانِ.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.