Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 71–80 of 111

71

قَالُوا۟ وَأَقْبَلُوا۟ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ

They said while approaching them, "What is it you are missing?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧١ ] ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ [ ٧٢ ] ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] .

﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾

﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] مَعْنى (أذَّنَ) نادى. يُقالُ: آذَنَهُ: أعْلَمَهُ، وأذَّنَ أكْثَرَ الإعْلامَ، ومِنهُ (المُؤَذِّنُ) لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنهُ.

و(العِيرُ): الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ، لِأنَّها تُعِيرُ، أيْ تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وهو اسْمُ جَمْعٍ لِلْإبِلِ، لا واحِدَ لَهُ، فَأُطْلِقَ عَلى أصْحابِها. وقِيلَ: هي قافِلَةُ الحَمِيرِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ قافِلَةٍ (عِيرٌ). و(الصُّواعُ) هو السِّقايَةُ المُتَقَدِّمَةُ، إناءُ فِضَّةٍ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الحِيلَةِ في التَّوَصُّلِ إلى المُباحِ، وما فِيهِ الغِبْطَةُ والصَّلاحُ، واسْتِخْراجُ الحُقُوقِ.

قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وفي إطْلاقِ السَّرِقَةِ عَلَيْهِمْ ولَيْسُوا بِسارِقِينَ، جَوازُ دَفْعِ الضَّرَرِ بِضَرَرٍ أقَلَّ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] أصْلٌ في الجَعالَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] أصْلٌ في الضَّمانِ والكَفالَةِ. انْتَهى.

ولَمّا اتَّهَمَهُمُ المُؤَذِّنُ ومَن مَعَهُ مِنَ الفِتْيانِ:

72

قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍۢ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌۭ

They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧١ ] ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ [ ٧٢ ] ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] .

﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾

﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] مَعْنى (أذَّنَ) نادى. يُقالُ: آذَنَهُ: أعْلَمَهُ، وأذَّنَ أكْثَرَ الإعْلامَ، ومِنهُ (المُؤَذِّنُ) لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنهُ.

و(العِيرُ): الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ، لِأنَّها تُعِيرُ، أيْ تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وهو اسْمُ جَمْعٍ لِلْإبِلِ، لا واحِدَ لَهُ، فَأُطْلِقَ عَلى أصْحابِها. وقِيلَ: هي قافِلَةُ الحَمِيرِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ قافِلَةٍ (عِيرٌ). و(الصُّواعُ) هو السِّقايَةُ المُتَقَدِّمَةُ، إناءُ فِضَّةٍ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الحِيلَةِ في التَّوَصُّلِ إلى المُباحِ، وما فِيهِ الغِبْطَةُ والصَّلاحُ، واسْتِخْراجُ الحُقُوقِ.

قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وفي إطْلاقِ السَّرِقَةِ عَلَيْهِمْ ولَيْسُوا بِسارِقِينَ، جَوازُ دَفْعِ الضَّرَرِ بِضَرَرٍ أقَلَّ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] أصْلٌ في الجَعالَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] أصْلٌ في الضَّمانِ والكَفالَةِ. انْتَهى.

ولَمّا اتَّهَمَهُمُ المُؤَذِّنُ ومَن مَعَهُ مِنَ الفِتْيانِ:

73

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ

They said, "By Allah, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٣ ] ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾

﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ أيْ ما جِئْنا لِلسَّرِقَةِ، أوْ لِمُطْلَقِ فَسادٍ، وإنَّما جِئْنا لِلْمِيرَةِ، وما كُنّا نُوصَفُ بِالسَّرِقَةِ. وإنَّما اسْتَشْهَدُوا بِعِلْمِهِمْ عَلى بَراءَتِهِمْ، لِما تَيَقَّنُوهُ مِن حالِهِمْ، في كَرَّتَيْ مَجِيئِهِمْ.

74

قَالُوا۟ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمْ كَٰذِبِينَ

The accusers said, "Then what would be its recompense if you should be liars?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٤ ] ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ [ ٧٥ ] ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [يوسف: ٧٥] .

﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ﴾ أيِ السّارِقِ ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾

﴿قالُوا﴾ [يوسف: ٧٥] أيْ لِثِقَتِهِمْ بِبَراءَتِهِمْ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] أيْ: جَزاءُ سَرِقَتِهِ، أُخِذَ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ رَقِيقًا، وهو قَوْلُهُمْ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ وإلْزامِهِ، أيْ: فَأخْذُهُ جَزاؤُهُ لا غَيْرُهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " جَزاؤُهُ" مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ كَما هي خَبَرُهُ، عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، والأصْلُ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو هو. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [يوسف: ٧٥] أيْ بِالسَّرِقَةِ، تَأْكِيدٌ إثْرَ تَأْكِيدٍ، وبَيانٌ لِقُبْحِ السَّرِقَةِ.

75

قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ

[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense. Thus do we recompense the wrongdoers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٤ ] ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ [ ٧٥ ] ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [يوسف: ٧٥] .

﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ﴾ أيِ السّارِقِ ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾

﴿قالُوا﴾ [يوسف: ٧٥] أيْ لِثِقَتِهِمْ بِبَراءَتِهِمْ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] أيْ: جَزاءُ سَرِقَتِهِ، أُخِذَ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ رَقِيقًا، وهو قَوْلُهُمْ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ وإلْزامِهِ، أيْ: فَأخْذُهُ جَزاؤُهُ لا غَيْرُهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " جَزاؤُهُ" مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ كَما هي خَبَرُهُ، عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، والأصْلُ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو هو. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [يوسف: ٧٥] أيْ بِالسَّرِقَةِ، تَأْكِيدٌ إثْرَ تَأْكِيدٍ، وبَيانٌ لِقُبْحِ السَّرِقَةِ.

76

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌۭ

So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion of the king except that Allah willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٦ ] ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾

﴿فَبَدَأ﴾ أيْ فَتى يُوسُفَ ﴿بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ أيْ فَفَتَّشَها ﴿قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ أيْ بِنْيامِينَ، نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَها﴾ أيِ السِّقايَةَ ﴿مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أيْ دَبَّرْنا لِتَحْصِيلِ غَرَضِهِ ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ أيْ شَرْعِهِ وقانُونِهِ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وتَعْلِيلٌ لِذَلِكَ الكَيْدِ وصُنْعِهِ. أيْ: ما صَحَّ لَهُ أنْ يَأْخُذَ أخاهُ في قَضاءِ المَلِكِ، فَدَبَّرَ تَعالى ما حَكَمَ بِهِ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلى السّارِقِ، لِإيصالِ يُوسُفَ إلى أرْبِهِ، رَحْمَةً مِنهُ وفَضْلًا. وفِيهِ إعْلامٌ بِأنَّ يُوسُفَ ما كانَ يَتَجاوَزُ قانُونَ المَلِكِ، وإلّا لاسْتَبَدَّ بِما شاءَ، وهَذا مِن وُفُورِ فِطْنَتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ. ويُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى جَوازِ تَسْمِيَةِ قَوانِينِ مِلَلِ الكُفْرِ (دِينًا) لَها والآياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كانَ إلْهامًا مِنَ اللَّهِ لِيُوسُفَ وإخْوَتِهِ، حَتّى جَرى الأمْرُ وفْقَ المُرادِ.

﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ أيْ بِالعِلْمِ، كَما رَفَعْنا يُوسُفَ. وفي إيثارِ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ إشْعارٌ بِأنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ إلَهِيَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِهَذِهِ المادَّةِ.

﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ أيْ مِن أُولَئِكَ المَرْفُوعِينَ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ فَوْقَهُ أرْفَعُ دَرَجَةً مِنهُ.

77

۞ قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌۭ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ

They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them. He said, "You are worse in position, and Allah is most knowing of what you describe."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٧ ] ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾

﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ هَذا تَنَصُّلٌ مِنهم إلى العَزِيزِ بِالتَّشْبِيهِ بِهِ. أيْ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَما فَعَلَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ، يَعْنُونَ بِهِ يُوسُفَ.

﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: مَنزِلَةً، حَيْثُ سَرَقْتُمْ أخاكم مِن أبِيكُمْ، ثُمَّ طَفِقْتُمْ تَفْتَرُونَ عَلى البَرِيءِ.

﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ أيْ: مِن أمْرِ يُوسُفَ.

78

قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًۭا شَيْخًۭا كَبِيرًۭا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ

They said, "O 'Azeez, indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٨ ] ﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾

﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ لَمّا تَعَيَّنَ أخْذُ بِنْيامِينَ وإبْقاؤُهُ عِنْدَ يُوسُفَ بِمُقْتَضى فَتْواهُمْ، طَفِقُوا يُعَطِّفُونَهُ عَلَيْهِمْ، بِأنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا يَتَسَلّى بِهِ عَنْ أخِيهِ المَفْقُودِ، فَخُذْ أحَدَنا بَدَلَهُ رَقِيقًا عِنْدَكَ.

قالَ بَعْضُهُمُ: الفِقْهُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّ لِلْكَبِيرِ حَقًّا يَتَوَسَّلُ بِهِ، كَما تَوَسَّلُوا بِكِبَرِ يَعْقُوبَ. وقَدْ ورَدَ في الِاسْتِسْقاءِ إخْراجُ الشُّيُوخِ. انْتَهى.

وفِي ما عَزَمُوا عَلَيْهِ لِإنْقاذِ أخِيهِمْ مِن شَرَكِ العُبُودِيَّةِ، المَقْضِيُّ عَلَيْهِ بِها، ما يَشُفُّ عَنْ حُسْنِ طَوِيَّةٍ، ووَفاءٍ بِالوَعْدِ، ويُعْرِبُ عَنْ أمانَةٍ، وصِدْقِ بِرٍّ، وشِدَّةِ تَمَسُّكٍ بِمَوْثِقِ أبِيهِمْ، مُحافَظَةً عَلى رِضاهُ وإكْرامِهِ، وهَكَذا فَلْيَتَمَسَّكِ البارُّ بِمَرْضاةِ أبَوَيْهِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ إلَيْنا، فَأتْمِمْ إحْسانَكَ بِهَذِهِ التَّتِمَّةِ. أوْ مِنَ المُتَعَوِّدِينَ بِالإحْسانِ، فَلْيَكُنْ هَذا مِنهُ.

79

قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًۭا لَّظَٰلِمُونَ

He said, "[I seek] the refuge of Allah [to prevent] that we take except him with whom we found our possession. Indeed, we would then be unjust."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٩ ] ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾

﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ أيْ إنَّ أخْذَنا بَرِيئًا بِمُتَّهَمٍ؛ لِأنَّهُ لا يُؤْخَذُ أحَدٌ بِجُرْمِ غَيْرِهِ. قالَ بَعْضُهُمْ: إلّا ما ورَدَ في العَقْلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

80

فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّۭا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ

So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allah and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allah decides for me, and He is the best of judges.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٠ ] ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾

﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أيْ يَئِسُوا مِن يُوسُفَ وإجابَتِهِ لَهم أشَدَّ يَأْسٍ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ (السِّينُ والتّاءُ) فَإنَّهُما يُزادانِ في المُبالَغَةِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما حَصَلَتْ لَهم هَذِهِ المَرْتَبَةُ مِنَ اليَأْسِ، لِما شاهَدُوهُ مِن عَوَذِهِ بِاللَّهِ لِما طَلَبُوهُ، الدّالِّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ عِنْدَهُ في أقْصى مَراتِبِ الكَراهَةِ، وأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ، ويُعاذَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومِن تَسْمِيَتِهِ (ظُلْمًا) بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] و﴿خَلَصُوا﴾ بِمَعْنى اعْتَزَلُوا وانْفَرَدُوا عَنِ النّاسِ، خالِصِينَ، لا يُخالِطُهم سِواهُمْ، و(نَجِيًّا) حالٌ مِن فاعِلِ ﴿خَلَصُوا﴾ أيِ: اعْتَزَلُوا في هَذِهِ الحالَةِ مُناجِينَ. وإنَّما أُفْرِدَتِ الحالُ وصاحِبُها جَمْعٌ؛ إمّا لِأنَّ النَّجِيَّ (فَعِيلٌ) بِمَعْنى (مُفاعِلٍ) كالعَشِيرِ والخَلِيطِ، بِمَعْنى المُعاشِرِ والمُخالِطِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] أيْ مُناجِيًا، وهَذا في الِاسْتِعْمالِ يُفْرَدُ مُطْلَقًا. يُقالُ: هم خَلِيطُكَ وعَشِيرُكَ أيْ: مُخالِطُوكَ ومُعاشِرُوكَ. وإمّا لِأنَّهُ صِفَةٌ عَلى (فَعِيلٍ) بِمَنزِلَةِ صَدِيقٍ، وبابِهِ. فَوُحِّدَ لِأنَّهُ بِزِنَةِ المَصادِرِ، كالصَّهِيلِ والوَحِيدِ والذَّمِيلِ. وإمّا لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّناجِي، أُطْلِقَ عَلى المُتَناجِينَ مُبالَغَةً، أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالمُشْتَقِّ والمَصْدَرِ، ولَوْ بِحَسَبِ الأصْلِ، يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، وتَنْزِيلُ المَصْدَرِ مَنزِلَةَ الأوْصافِ أبْلَغُ في المَعْنى، ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأحْسَنُ مِنهُ -أيْ مِن تَأْوِيلِ ﴿نَجِيًّا﴾ بِذَوِي نَجْوى، أوْ فَوْجًا نَجِيًّا أيْ مُناجِيًا- أنَّهم تَمَحَّضُوا تَناجِيًا لِاسْتِجْماعِهِمْ لِذَلِكَ، وإفاضَتِهِمْ فِيهِ، بِجِدٍّ واهْتِمامٍ، كَأنَّهم في أنْفُسِهِمْ صُورَةُ التَّناجِي وحَقِيقَتُهُ، وكانَ تَناجِيهِمْ في تَدْبِيرِ أمْرِهِمْ عَلى أيِّ صِفَةٍ يَذْهَبُونَ، وما يَقُولُونَ لِأبِيهِمْ في شَأْنِ أخِيهِمْ؟ كَقَوْمٍ تَعايَوْا بِما دَهَمَهم مِنَ الخَطْبِ، فاحْتاجُوا إلى التَّشاوُرِ. انْتَهى.

لَطِيفَةٌ:

ذَكَرَ القاضِي عِياضٌ في (الشَّفا) في (بَحْثِ إعْجازِ القُرْآنِ): أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّ مَخْلُوقًا لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ هَذا الكَلامِ.

وقالَ الثَّعالِبِيُّ في كِتابِ (الإيجازُ والإعْجازُ) في البابِ الأوَّلِ: مَن أرادَ أنْ يَعْرِفَ جَوامِعَ الكَلِمِ، ويَتَنَبَّهَ لِفَضْلِ الِاخْتِصارِ، ويُحِيطَ بِبَلاغَةِ الإيماءِ، ويَفْطُنَ لِكِفايَةِ الإيجازِ، فَلْيَتَدَبَّرِ القُرْآنَ، ولْيَتَأمَّلْ عُلُوَّهُ عَلى سائِرِ الكَلامِ.

ثُمَّ قالَ: فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ، في إخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ وهَذِهِ صِفَةُ اعْتِزالِهِمْ جَمِيعَ النّاسِ وتَقْلِيبِهِمُ الآراءَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وأخْذِهِمْ في تَزْوِيرِ ما يَلْقَوْنَ بِهِ أباهم عِنْدَ عَوْدِهِمْ إلَيْهِ، وما يُورِدُونَ عَلَيْهِ مِن ذِكْرِ الحادِثِ. فَتَضَمَّنَتْ تِلْكَ الكَلِماتُ القَصِيرَةُ مَعانِيَ القِصَّةِ الطَّوِيلَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ أيْ في …

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.