Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 61–70 of 111

61

قَالُوا۟ سَنُرَٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ

They said, "We will attempt to dissuade his father from [keeping] him, and indeed, we will do [it]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦١ ] ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾

﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنُخادِعُهُ ونَحْتالُ في انْتِزاعِهِ مِن يَدِهِ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِزَّةِ المَطْلَبِ، وصُعُوبَةِ مَنالِهِ -قالَهُ أبُو السُّعُودِ-: ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ أيْ ذَلِكَ. يَعْنُونَ المُراوَدَةَ، أوِ الإتْيانَ بِهِ، فَيَكُونُ تَرَقِّيًا إلى الوَعْدِ بِتَحْصِيلِهِ بَعْدَ المُراوَدَةِ.

62

وَقَالَ لِفِتْيَٰنِهِ ٱجْعَلُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And [Joseph] said to his servants, "Put their merchandise into their saddlebags so they might recognize it when they have gone back to their people that perhaps they will [again] return."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٢ ] ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ﴾ أيْ لِخُدّامِهِ الكَيّالِينَ: ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ يَعْنِي بِبِضاعَتِهِمْ، ما شَرَوْا بِهِ الطَّعامَ. رُوِيَ أنَّها كانَتْ فِضَّةً. أيِ اجْعَلُوها في أمْتِعَتِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ أيْ لِكَيْ يَعْرِفُونَها، ﴿إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ﴾ أيْ وفَتَحُوا أوْعِيَتَهُمْ، ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ حَسْبَما أمَرْتَهم بِهِ، فَإنَّ التَّفَضُّلَ عَلَيْهِمْ بِإعْطاءِ البَدَلَيْنِ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى الرُّجُوعِ.

63

فَلَمَّا رَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيهِمْ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ

So when they returned to their father, they said, "O our father, [further] measure has been denied to us, so send with us our brother [that] we will be given measure. And indeed, we will be his guardians."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٣ ] ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾

﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ أيْ: أُنْذِرْنا بِمَنعِهِ بَعْدَ هَذا، إنْ لَمْ نَأْتِ بِأخِينا، ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ﴾ أيْ نَرْفَعِ المانِعَ مِنَ الكَيْلِ، ونَكْتَلْ مِنَ الطَّعامِ ما نَحْتاجُ إلَيْهِ، وقُرِئَ (يَكْتَلْ) بِالتَّحْتِيَّةِ أيْ أخُونا لِنَفْسِهِ مَعَ اكْتِيالِنا، ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ أيْ مِن أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ.

64

قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَٰفِظًۭا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ

He said, "Should I entrust you with him except [under coercion] as I entrusted you with his brother before? But Allah is the best guardian, and He is the most merciful of the merciful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٤ ] ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾

﴿قالَ﴾ أيْ يَعْقُوبُ لَهم ﴿هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِهِ، يُوسُفُ. يَعْنِي: هَلْ أقْدِرُ أنْ آخُذَ عَلَيْكُمُ العَهْدَ والمِيثاقَ، أكْثَرَ مِمّا أخَذْتُ عَلَيْكم في يُوسُفَ، وقَدْ قُلْتُمْ: " وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ "، ثُمَّ خُنْتُمْ بِضَمانِكُمْ؟ فَما يُؤَمِّنُنِي مِن مِثْلِ ذَلِكَ؟ فَلا أثِقُ بِكُمْ، ولا بِحِفْظِكُمْ، وإنَّما أُفَوِّضُ الأمْرَ إلى اللَّهِ ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ أيْ: مِنكم ومِن كُلِّ أحَدٍ ﴿وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ أيْ أرْحَمُ مِن والِدَيْهِ وإخْوَتِهِ، فَأرْجُو أنْ يَرْحَمَنِي بِحِفْظِهِ. وهَذا مَيْلٌ مِنهُ إلى الإذْنِ في إرْسالِهِ مَعَهم لِما رَأى فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ.

65

وَلَمَّا فَتَحُوا۟ مَتَٰعَهُمْ وَجَدُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبْغِى ۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍۢ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌۭ يَسِيرٌۭ

And when they opened their baggage, they found their merchandise returned to them. They said, "O our father, what [more] could we desire? This is our merchandise returned to us. And we will obtain supplies for our family and protect our brother and obtain an increase of a camel's load; that is an easy measurement."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٥ ] ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَـزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾

﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: وجَدُوا دَراهِمَهُمْ، ثَمَنَ طَعامِهِمْ في مَتاعِهِمْ.

رُوِيَ أنَّ أحَدَهم فَتَحَ مَتاعَهُ لِيَأْخُذَ عَلَفًا لِدابَّتِهِ، فَرَأى فِضَّتَهُ في فَمِ مَتاعِهِ، فَقالَ لِإخْوَتِهِ: قَدْ رُدَّتْ دَراهِمِي وها هي في مَتاعِي، ثُمَّ لَمّا وصَلُوا كَنْعانَ، وأخَذُوا يُفْرِغُونَ أوْعِيَتَهُمْ، وجَدَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم صُرَّةَ دَراهِمِهِ في وِعائِهِ، فاسْتَطارَتْ قُلُوبُهُمْ، ودَهِشُوا، وحَمِدُوا عِنايَةَ اللَّهِ بِهِمْ.

﴿قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي﴾ أيْ ماذا نَبْتَغِي وراءَ ذَلِكَ؟ هَلْ مِن زِيادَةٍ؟ أيْ: لا مَزِيدَ عَلى ما فَعَلَ؛ لِأنَّهُ أكْرَمَنا، وأحْسَنَ مَثْوانا، بِإنْزالِنا عِنْدَهُ، ورَدَّ الثَّمَنَ عَلَيْنا. والقَصْدُ إلى اسْتِنْزالِهِ عَنْ رَأْيِهِ. أوْ: لا نَبْغِي في القَوْلِ ولا نَكْذِبُ فِيما حَكَيْنا لَكَ، مِن إحْسانِهِ الدّاعِي إلى امْتِثالِ أمْرِهِ. أوْ: ما نَبْغِي وما نَنْطِقُ إلّا بِالصَّوابِ فِيما نُشِيرُ بِهِ عَلَيْكَ مِن تَجْهِيزِنا مَعَ أخِينا، وقُرِئَ عَلى الخِطابِ. أيْ: أيَّ شَيْءٍ تَطْلُبُ وراءَ هَذا مِنَ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِنا؟

﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الإنْكارُ مِن بُلُوغِ اللُّطْفِ غايَتَهُ، كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ لا، وهَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا تَفَضُّلًا مِن حَيْثُ لا نَدْرِي؟

﴿ونَمِيرُ أهْلَنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ مَفْهُومٍ. أيْ: فَنَسْتَظْهِرُ بِها، ونَمِيرُ أهْلَنا إذا رَجَعْنا إلى المَلِكِ، أيْ: نَأْتِيهِمْ بِمِيرَةٍ، أيْ: بِطَعامٍ. يُقالُ: (مارَهُ) أتاهُ بِطَعامٍ، ومِنهُ: (ما عِنْدَهُ خَيْرٌ ولا مَيْرٌ).

﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ أيْ: فَلا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِمّا تَخافُهُ: ﴿ونَـزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أيْ بِاسْتِصْحابِهِ ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أيْ سَهْلٌ عَلى هَذا المَلِكِ المُحْسِنِ لِسَخائِهِ، فَلا يُضايِقُنا فِيهِ. أوِ المَعْنى قَصِيرُ المُدَّةِ، لَيْسَ سَبِيلَ مِثْلِهِ أنْ تَطُولَ مُدَّتُهُ بِسَبَبِ الحَبْسِ والتَّأْخِيرِ. أوِ المَعْنى: ذَلِكَ الَّذِي يُكالُ لَنا دُونَ أخِينا شَيْءٌ يَسِيرٌ قَلِيلٌ، فابْعَثْ أخانا مَعَنا حَتّى نَتَّسِعَ ونَتَكَثَّرَ بِمَكِيلِهِ...

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مِن تَمامِ الكَلامِ وتَحْسِينِهِ. أيْ: إنَّ هَذا يَسِيرٌ في مُقابَلَةِ أخْذِ أخِيهِمْ لا يَعْدِلُ هَذا، فَلا يَكُونُ مِن كَلامِهِمْ، والجُمْلَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْكُلِّ.

66

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌۭ

[Jacob] said, "Never will I send him with you until you give me a promise by Allah that you will bring him [back] to me, unless you should be surrounded by enemies." And when they had given their promise, he said, "Allah, over what we say, is Witness."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٦ ] ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أنْ يُحاطَ بِكم فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ .

﴿قالَ﴾ أيْ لَهم أبُوهم ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ﴾ أيْ بِهَذِهِ المَقالَةِ: ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ أيْ عَهْدًا مِنهُ، ويَمِينًا بِهِ، لِتَرُدُّنَّهُ عَلَيَّ ﴿إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ أيْ تُغْلَبُوا كُلُّكُمْ، فَلا تَقْدِرُونَ عَلى تَخْلِيصِهِ. وأصْلُهُ مِن: (أحاطَ بِهِ العَدُوُّ) سَدَّ عَلَيْهِ مَسالِكَ النَّجاةِ ودَنا هَلاكُهُ.

﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ شَهِيدٌ رَقِيبٌ. والقَصْدُ حَثُّهم عَلى مِيثاقِهِمْ بِتَخْوِيفِهِمْ مِن نَقْضِهِ بِمُجازاتِهِ تَعالى.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مَن بَعْثِهِمْ لِأجْلِ المِيرَةِ الَّتِي لا غِنى بِهِمْ عَنْها.

لَطِيفَةٌ:

قالَ النّاصِرُ: ولَقَدْ صَدَقَتْ هَذِهِ القِصَّةُ المَثَلَ السّائِرَ، وهو قَوْلُهُمُ: (البَلاءُ مَوْكُلٌ بِالمَنطِقِ) فَإنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ أوَّلًا في حَقِّ يُوسُفَ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] فابْتُلِيَ مِن ناحِيَةِ هَذا القَوْلِ. وقالَ ها هُنا ثانِيًا: ﴿إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ أيْ تُغْلَبُوا عَلَيْهِ. فابْتُلِيَ أيْضًا بِذَلِكَ، وأُحِيطَ بِهِمْ وغُلِبُوا عَلَيْهِ. انْتَهى.

67

وَقَالَ يَٰبَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍۢ وَٰحِدٍۢ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍۢ مُّتَفَرِّقَةٍۢ ۖ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ

And he said, "O my sons, do not enter from one gate but enter from different gates; and I cannot avail you against [the decree of] Allah at all. The decision is only for Allah; upon Him I have relied, and upon Him let those who would rely [indeed] rely."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٧ ] ﴿وقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾

﴿وقالَ﴾ أيْ: أبُوهُمْ: ﴿يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ أيْ لِئَلّا يَسْتَلْفِتَ دُخُولُهم مِن بابٍ واحِدٍ أنْظارَ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ مِنَ الجُنْدِ، ومَن يَعُسُّ لِلْحاكِمِ، فَيُرِيبُ بِهِمْ؛ لِأنَّ دُخُولَ قَوْمٍ عَلى شَكْلٍ واحِدٍ، وزِيٍّ مُتَّحِدٍ، عَلى بَلَدِهِمْ غُرَباءَ عَنْهُ، مِمّا يَلْفِتُ نَظَرَ كُلِّ راصِدٍ. وكانَتِ المُدُنُ وقْتَئِذٍ مُبَوَّبَةً لا يَنْفُذُ إلَيْها إلّا مِن أبْوابِها، وعَلى كُلِّ بابٍ حَرَسُهُ، ولَيْسَ دُخُولُ الفَرْدِ كَدُخُولِ الجَمْعِ في التَّنَبُّهِ، واتِّباعِ البَصَرِ. وقِيلَ: نَهاهم لِئَلّا تُصِيبَهُمُ العَيْنُ إذا دَخَلُوا كَوْكَبَةٌ واحِدَةٌ -وسَيَأْتِي بَيانُهُ-.

﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم بِتَدْبِيرِي شَيْئًا مِمّا قُضِيَ عَلَيْكُمْ، فَإنَّ الحَذَرَ لا يَمْنَعُ القَدَرَ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: ولَمْ يُرِدْ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلْغاءَ الحَذَرِ بِالمَرَّةِ، كَيْفَ لا وقَدْ قالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وقالَ: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] بَلْ أرادَ بَيانَ أنَّ ما وصّاهم بِهِ لَيْسَ مِمّا يَسْتَوْجِبُ المُرادَ لا مَحالَةَ، بَلْ هو تَدْبِيرٌ في الجُمْلَةِ. وإنَّما التَّأْثِيرُ وتَرْتِيبُ المَنفَعَةِ عَلَيْهِ مِنَ العَزِيزِ القَدِيرِ، وإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُدافَعَةٍ لِلْقَدَرِ، بَلْ هو اسْتِعانَةٌ بِاللَّهِ تَعالى، وهَرَبٌ مِنهُ إلَيْهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ أيْ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ، ولا يُمانِعُهُ شَيْءٌ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾

68

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةًۭ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا ۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍۢ لِّمَا عَلَّمْنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

And when they entered from where their father had ordered them, it did not avail them against Allah at all except [it was] a need within the soul of Jacob, which he satisfied. And indeed, he was a possessor of knowledge because of what We had taught him, but most of the people do not know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٨ ] ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إلا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾

﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الأبْوابِ المُتَفَرِّقَةِ ﴿ما كانَ﴾ أيْ ذَلِكَ الدُّخُولُ ﴿يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إلا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ أيْ أبْداها، ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ أيْ: عِلْمٍ جَلِيلٍ، لِتَعْلِيمِنا إيّاهُ بِالوَحْيِ، ونَصْبِ الأدِلَّةِ، حَيْثُ لَمْ يَعْتَقِدْ أنَّ الحَذَرَ يَدْفَعُ القَدَرَ، وأنَّ التَّدْبِيرَ لَهُ حَظٌّ مِنَ التَّأْثِيرِ. وفي تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) و(اللّامِ) وتَنْكِيرِ العِلْمِ، وتَعْلِيلِهِ بِالتَّعْلِيمِ المُسْنَدِ إلى ذاتِهِ سُبْحانَهُ؛ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى شَأْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعُلُوِّ مَرْتَبَةِ عِلْمِهِ وفَخامَتِهِ ما لا يَخْفى -أفادَهُ أبُو السُّعُودِ-.

﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ فَيَظُنُّونَ الأسْبابَ مُؤَثِّراتٍ.

قالَ ابْنُ حَزْمٍ في (المِلَلِ): كانَ أمْرُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِدُخُولِهِمْ مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، إشْفاقًا عَلَيْهِمْ، إمّا مِن إصابَةِ العَيْنِ، وإمّا مِن تَعَرُّضِ عَدُوٍّ، أوْ مُسْتَرِيبٍ بِإجْماعِهِمْ، أوْ بِبَعْضِ ما يُخَوِّفُهُ عَلَيْهِمْ. وهو عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْتَرِفٌ أنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ، وأمْرَهُ إيّاهم بِما أمَرَهم بِهِ مِن ذَلِكَ؛ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يُرِيدُهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِمْ. ولَكِنْ لَمّا كانَتْ طَبِيعَةُ البَشَرِ جارِيَةً في يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، كَما قالَ تَعالى حاكِيًا عَنِ الرُّسُلِ أنَّهم قالُوا: ﴿إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم: ١١] حَمَلَهم ذَلِكَ عَلى بَعْضِ النَّظَرِ المُخَفِّفِ لِحاجَةِ النَّفْسِ ونَزْعِها وتَوْقِها إلى سَلامَةِ مَن تُحِبُّ، وإنْ كانَ ذَلِكَ لا يُغْنِي شَيْئًا، كَما كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُحِبُّ الفَأْلَ الحَسَنَ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِما- أنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأنَّ الحَذَرَ لا يَرُدُّ القَدَرَ. ومَعَ ذَلِكَ لا بُدَّ مِن مُلاحَظَةِ الأسْبابِ. انْتَهى.

وقالَ بَعْضُ اليَمانِينَ: لِهَذِهِ الجُمْلَةِ ثَمَراتٌ وهِيَ: اسْتِحْبابُ البُعْدِ عَنْ مَضارِّ العِبادِ، والحَذَرُ عَنْها. فَأمّا فِعْلُ اللَّهِ تَعالى فَلا يُغْنِي الحَذَرُ عَنْهُ. ثُمَّ قالَ: وفي (التَّهْذِيبِ) أنَّ أبا عَلِيٍّ أنْكَرَ الضَّرَرَ بِالعَيْنِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ.

وصَحَّحَ الحاكِمُ والأمِيرُ الحُسَيْنُ وغَيْرُهُما جَوازَ ذَلِكَ؛ لِأخْبارٍ ورَدَتْ فِيها.

ثُمَّ قالَ: واخْتُلِفَ مِن أيْنَ أتَتِ المُضِرَّةُ الحاصِلَةُ بِالعَيْنِ، فَمِن قائِلٍ: بِأنَّهُ يَخْرُجُ مِن عَيْنِ العائِنِ شُعاعٌ يَتَّصِلُ بِمَن يَراهُ، فَيُؤَثِّرُ فِيهِ تَأْثِيرَ السُّمِّ. وضَعَّفَهُ الحاكِمُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ، لَما اخْتَصَّ بِبَعْضِ الأشْياءِ دُونَ بَعْضٍ، ولِأنَّ الجَواهِرَ مُتَماثِلَةٌ، فَلا يُؤَثِّرُ بَعْضُها في بَعْضٍ. ومِن قائِلٍ: بِأنَّهُ فِعْلُ العائِنِ. قالَ: وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الجِسْمَ لا يَفْعَلُ في جِسْمٍ آخَرَ شَيْئًا إلّا بِمُماسَّتِهِ، أوْ ما في حُكْمِها مِن الِاعْتِماداتِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ فَعَلَهُ وقَفَ عَلى اخْتِيارِهِ. ومِن قائِلٍ: بِأنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ، أجْرى اللَّهُ العادَةَ …

69

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And when they entered upon Joseph, he took his brother to himself; he said, "Indeed, I am your brother, so do not despair over what they used to do [to me]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٩ ] ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يُخْبِرُ سُبْحانَهُ بِأنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا قَدِمُوا عَلَيْهِ، ضَمَّ إلَيْهِ أخاهُ بِنْيامِينَ، إمّا عَلى الطَّعامِ، أوْ في المَنزِلِ، وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ أخُوهُ، وقالَ لَهُ: لا تَبْتَئِسْ. أيْ: لا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ بِنا فِيما مَضى، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا، وجَمَعَنا بِخَيْرٍ.

وقَدْ رُوِيَ أنَّهم لَمّا قَدِمُوا عَلَيْهِ، ووَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، رَأى أخاهُ بِنْيامِينَ مَعَهُمْ، فَأمَرَ بِإنْزالِهِمْ في بَيْتِهِ، وحُلُولِهِمْ في كَرامَتِهِ وضِيافَتِهِ، وحُضُورِهِمْ مَعَهُ في غَدائِهِ. ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَقامُوا وسَجَدُوا لَهُ، وسَألَهم عَنْ سَلامَةِ أبِيهِمْ، ورَفَعَ طَرَفَهُ إلى أخِيهِ، فَأدْناهُ وآواهُ إلَيْهِ، وآنَسَهُ بِحَدِيثِهِ -كَما ذَكَرَ في الآيَةِ- ثُمَّ أرادَ يُوسُفُ أنْ يَحْتالَ عَلى بَقاءِ أخِيهِ عِنْدَهُ، فَتَواطَأ مَعَ فِتْيانِهِ، إذْ جَهَّزَ إخْوَتَهُ، أنْ يَضَعُوا سِقايَتَهُ في رَحْلِ أخِيهِ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ:

70

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَٰرِقُونَ

So when he had furnished them with their supplies, he put the [gold measuring] bowl into the bag of his brother. Then an announcer called out, "O caravan, indeed you are thieves."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٠ ] ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾

﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ أيْ مِنَ الطَّعامِ ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ﴾ وهي جامُ فِضَّةٍ يَشْرَبُ بِهِ يُوسُفُ، وضَعَهُ في مِيرَةِ أخِيهِ.

وقَدْ رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ لَمّا جَهَّزَهم وارْتَحَلُوا، أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا وبَعُدُوا قَلِيلًا عَنِ المَدِينَةِ، ثُمَّ أمَرَ أنْ يَسْعى في إثْرِهِمْ، ويُؤَذَّنُوا بِما فَقَدَ، كَما أشارَ إلَيْهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.