Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Al-Tafsir al-Basit by Al-Wahidi

Ayahs 41–50 of 111

41

يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًۭا ۖ وَأَمَّا ٱلْءَاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ

O two companions of prison, as for one of you, he will give drink to his master of wine; but as for the other, he will be crucified, and the birds will eat from his head. The matter has been decreed about which you both inquire."

قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ الآية، قال الكلبي عن ابن عباس "زاد المسير" 4/ 226، "تنوير المقباس" ص 150، البغوي 4/ 243 بنحوه، الرازي 18/ 142، الثعلبي 7/ 84 أ.: لما قص الساقي رؤياه على يوسف وقد ذكرنا كيف قص عليه في موضعه، قال له يوسف: ما أحسن ما رأيت، أما حسن الحبلة فهو حسن حالك، وأما الأغصان الثلاثة، فثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن، فيردك إلى عملك، فتعود كأحسن ما كنت فيه، وقال للخباز لما قص عليه: بئس ما رأيت، السلال الثلاث، ثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن فيقتلك ويصلبك وتأكل الطير من رأسك، فقالا: ما رأينا شيئًا، فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ يعني سيقع بكما ما عبرت لكما، صدقتما أم كذبتما، فإن قيل كيف حكم يوسف بوقوع تأويل المنامين وربما صدق تأويل المنام وكذب؟

والجواب عن هذا: أن حكم في (أ)، (ب)، (ج): بزيادة (حكم). يوسف حتم بوقوع الأمر بهما من قبل وحي أتاه بذلك من الله تعالى، الذي يدل على هذا أن حكم المنام المكذوب فيه أن يبطل تأويله، فلما وقع ما تؤل لهذين المنامين وكلاهما مكذوب فيه، دل ذلك على أن الجواب وقع بوحي، لا يبطل ولا يزول، على هذا دل كلام المفسرين.

قال ابن عباس "تنوير المقباس" ص 150. وابن مسعود الطبري 12/ 221، وابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2148، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 36، الثعلبي 7/ 84 أ. وقتادة أخرجه أبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 36. وغيرهم وهو قول مجاهد والسدي والطبري وغير واحد، انظر: الطبري 12/ 221، وابن أبي حاتم، و"البحر المحيط" 5/ 311.، قالوا: لما عبر رؤياهما، قالا ما رأينا شيئًا، فقال قضى الأمر الذي فيه تستفتيان، قطع الجواب الذي التمساه من جهته، فكأنه قال: هذا عبارة ما سألتما، وتأويل ما قصصتما عندي، ولم يعن أن الذي تأوله واقع لا محالة، فلم يحتم بصحة هذا التأويل، الدليل على ذلك قوله ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ﴾ والظان شاك غير عالم، والصحيح هو الأول؛ لأنه أشبه بحال الأنبياء هذا الذي رجحه ابن جرير الطبري 12/ 222 - 223، وابن عطية 7/ 515، والقرطبي 9/ 194.، وذكرنا معنى الاستفتاء في سورة النساء عند قوله تعالى ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [آية: 127]. قال هناك: (الاستفتاء طلب الفتوى، يقال: أفتى الرجل في المسألة واستفتيته فأفتاني إفتاء، ويقال: أفتيت فلانا في رؤياه إذا عبرتها له. اهـ..

42

وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍۢ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ

And he said to the one whom he knew would go free, "Mention me before your master." But Satan made him forget the mention [to] his master, and Joseph remained in prison several years.

قوله تعالى ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ قال ابن عباس "تنوير المقباس" ص150، و"زاد المسير" 4/ 227. ومقاتل "تفسير مقاتل" 154 أ. وأكثر المفسرين "الكشاف" 2/ 322، والرازي 18/ 143، و"الدر المصون" 6/ 499، 500.: ظن: أيقن، وهذا التفسير موافق في (أ): (موافق القول)، وفي (ج): (موافقًا لقول). لقول من يقول: إنه حكم في عبارة الرؤيا بالقطع واليقين، فقال للذي في (أ)، (ب)، (ج): (الذي). علم أنه ناج من الرجلين ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقال قتادة القرطبي 16/ 110، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 37، و"زاد المسير" 4/ 227، والقرطبي 9/ 194، وابن عطية 7/ 515.: إنما عبارة الرؤيا على الظن، فيبطل الله ما يشاء ويحق ما يشاء، وفسر الظن هاهنا على الشك والحسبان، وهذا موافق في (أ)، (ب)، (ج): بزيادة (من). مذهب من يقول لم يحتم يوسف بتأويل الرؤيا، والقول هو الذي عليه العامة.

وقوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي عند الملك رواه الطبري 12/ 222 - 223، عن ابن إسحاق ومجاهد وأسباط وقتادة. صاحبك، والرب هاهنا بمعنى السيد، قال المفسرون الثعلبي 7/ 84 ب، الطبري 12/ 222.: قال له يوسف إذا خرجت من السجن، فقل للملك إن في السجن غلامًا محبوسًا ظلمًا، ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ الكناية في قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ﴾ راجعة على يوسف في قول الأكثرين، قال مجاهد الطبري 222 - 224، والثعلبي 7/ 84 ب، وابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم 7/ 2149، وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 39، و"زاد المسير" 4/ 227.: أنسى الشيطان يوسف الاستغاثة بربه، وأوقع في قلبه الاستغاثة بالملك، فعوقب بأن لبث في السجن بضع سنين.

وهذا قول ابن عباس البغوي 4 - 244، و"تنوير المقباس" ص150، وابن أبي حاتم 7/ 2149 بنحوه بدون سند لابن عباس.، واختيار الزجاج "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 112.، قال: أنسى يوسفَ الشيطانُ أن يذكر ربه. وذهب بعض المفسرين إلى أن الكناية راجعة إلى إنساء الشيطان الساقي أن يذكر يوسف لربه، وهذا قول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد وقال ابن كثير 2/ 526: (قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ الضمير عائد إلى الناجي كما قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد).، والكلبي "تنوير المقباس" ص 150. وابن إسحاق الطبري 12/ 224، الثعلبي 7/ 84 ب، "زاد المسير" 4/ 227، ابن عطية 7/ 516.، وذكر الفراء "معاني القرآن" 2/ 46. القولين جميعًا.

قال ابن الأنباري: فمن أعاد الهاء على يوسف احتج بأنها لو عادت على الساقي دخل الكلام حذف وإضمار، لأنه يكون التقدير: فأنساه الشيطان ذكره لربه، ويكون كقوله ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ آل عمران: 175. أي يخوفكم بأوليائه، وإذا صح المعنى من غير إضمار وحذف، لم يعدل عنه إلى غيره وقد ذهب إلى هذا القول عامة المفسرين ومنهم الطبري 12/ 222 وابن عطية 7/ 516، والقرطبي 9/ 196، والبغوي 4 - 244، والرازي 18/ 145، وأما القول الثاني على أن الناسي هو الساقي فرجحه ابن كثير 2/ 526، وأبو حيان 5/ 311.، ومن جعل الهاء عائدة على الساقي، قال: لو رجعت على يوسف ما استحق عقوبة من قبل أن الناسي غير مؤاخذ، والجواب عن هذا أن معنى النسيان هاهنا الترك، ومعنى قوله ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ عامدًا لا ناسيًا.

وقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ قال أبو عبيدة "تهذيب اللغة" (بضع) 1/ 346، و"اللسان" (بضع) 1/ 298.: البضع ما لم يبلغ العقد ولا نصفه، يريد ما بين الواحد إلى الأربعة، وقال الأصمعي "معاني القرآن" للزجاج 3/ 112، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 430.: ما بين الثلاث إلى التسع، قال الزجاج "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 112.: وهو القول الصحيح، واشتقاقه من بضعت بمعنى قطعت، ومعناه القطعة من العدد، فجعل لما دون العشرة من …

43

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ ۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ

And [subsequently] the king said, "Indeed, I have seen [in a dream] seven fat cows being eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry. O eminent ones, explain to me my vision, if you should interpret visions."

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ الآية، قال المفسرون الثعلبي 7/ 85 أ، وفيه: (لما دنا فرج يوسف) وهو الصحيح.: لما ذكرنا فرج يوسف، رأى ملك مصر الأكبر رؤيا عجيبة هالته، وذلك أنه رأى سبع بقرات سمان، وسبعًا عجافًا (عجافًا): ساقط من (أ)، (ب)، (ج). فابتلعت العجاف السمان، فدخلن في بطونهن فلم ير منهن شيئًا، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، وسبعًا آخر يابسات قد استحصدت، والتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها فجمع الكهنة وقصها عليهم، فذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ الآية، فقوله: ﴿عِجَافٌ﴾ قال الليث "تهذيب اللغة" (عجف) 3/ 2340.: العجف ذهاب السمن، والفعل عجف يعجف، والذكر أعجف، والأنثى عجفاء والجميع عجاف في الذكران والإناث، وليس في كلام العرب أفْعَل وفعلاء، وجُمعا على فعال غير أعجف وعجفاء، وهي شاذة حملوها على لفظ سمان فقالوا: سمان وعجاف، وجاء أفعل وفعلاء على فعل يفعل في أحرف معدودة، منها: الأعجف والآدم والأسمر والأحمق والأخرق والأرعن، على أن ابن السكيت "تهذيب اللغة" (عجف) 3/ 2340. قد حكى عن الفراء: عجف وحمق ورعن وخرق، بالكسر في هذه الأربعة، فمعنى العجاف الهزلى التي لا لحم عليها ولا شحم، وقال ابن دريد "تهذيب اللغة" (عجف) 3/ 2340، وابن دريد هو: محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية، من الأزد، انتهى إليه علم لغة البصريين، كان من أحفظ الناس، توفي سنة 321 هـ. انظر: "معجم الأدباء" 18/ 129، و"طبقات النحويين" للزبيدي (ص 202)، و"نزهة الألباء" (323).: العجف غلظ العظام وعراؤها من اللحم.

وقوله تعالى: ﴿أَفْتُونِي﴾ ذكرنا معنى الإفتاء والاستفتاء في سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [آية: 127]..

وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾، يقال: عبرت الرؤيا أعبرها عبرًا وعبارة، وعبرتها تعبيرًا إذا فسرتها، وحكى الأزهري "تهذيب اللغة" (عبر) 3/ 2305.: أن هذا مأخوذ من العبر وهو جانب النهر، ومعنى عبرت النهر والطريق، قطعته إلى الجانب الآخر، فقيل لعابر الرؤيا عابر؛ لأنه يتأمل ناحيتي الرؤيا فيتفكر في أطرافها، ويمضي تفكره فيها من أول ما يرى النائم إلى آخر ما رأى، حتى يقع فهمه على الصحيح منها فيجيب، فأما اللام في قوله ﴿لِلرُّؤْيَا﴾ فقال أحمد بن يحيى "تهذيب اللغة" (عبر) 3/ 2304.: أراد إن كنتم للرؤيا عابرين، وإن كنتم عابرين للرؤيا، تسمّى هذه اللام لام التعقيب، لأنها عقبت الإضافة، لأن المعنى: إن كنتم عابري الرؤيا.

وقال ابن الأنباري "زاد المسير" 4/ 230.: دخلت اللام مؤكدة مفيدة معنى التأكيد، وقيل: إنها أفادت معنى إلى، وكأن تلخيصها: إن كنتم توجهون العبارة إلى الرؤيا، والعرب تقول: هو لزيد ضارب، يعنون: هو يوجه ضربه إلى زيد، وأجاز النحويون: ضربت لك، بمعنى وجهت ضربي إليك. هذا كلامه.

وقال الزجاج "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 112.: هذه اللام أدخلت على المفعول للتبيين، لمعنى إن كنتم تعبرون وعابرين، ثم جاء باللام فقال للرؤيا.

وقال صاحب النظم: وضع الفعل هاهنا موضع النعت كقوله ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: 90] بمعنى حصرة، وقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: 7] أي قائلين، كذلك المعنى هاهنا إن كنتم للرؤيا عابرين، وكما وضعوا الفعل موضع النعت، وضعوا النعت أيضًا موضع الفعل، كقوله تعالى ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: 193] بمعنى أم صمتم، ومضى الكلام في مثل هذا مستقصى في قوله ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [[الأعراف: 154. قال هنالك بعد أن ذكر أقوال النحاة في هذه اللام: "فعلى هذا قوله (لربهم) اللام صلة وتأكيد كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ النمل: 72، وقال بعضهم: إنها لام أجل، والمعنى: هم لأجل ربهم يرهبون، لا رياء ولا …

44

قَالُوٓا۟ أَضْغَٰثُ أَحْلَٰمٍۢ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ

They said, "[It is but] a mixture of false dreams, and we are not learned in the interpretation of dreams."

قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾، قال الفراء "معاني القرآن" 2/ 46.: أضغاث رفع؛ لأنهم أرادوا: ليس هذه بشيء في (أ)، (ب)، (ج): (ليس هذا شيء) والعبارة غير مستقيمة، فإما أن تكون كما ذكرته كما هو في (ي) وفي معاني القراء أو تكون (ليس هذا شيئًا)، والله أعلم.، إنما هي أضغاث أحلام، كقوله ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل: 24].

وأما الأضغاث، فقال النضر "تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2121.: الضغث كالحزمة من أنواع النبت والحشيش.

وقال الأخفش "اللسان" (ضغث) 5/ 2590 - 2591 عن أبي حنيفة.: هو ملء الكف من الحشيش.

وقال الفراء "تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2120، و"اللسان" (ضغث) 5/ 2591.: الضغث ما جمعته مما قام على ساق واستطال، وقال أبو الهيثم "تهذيب اللغة" (ضعث) 3/ 2120، و"اللسان" (ضعث) 5/ 2591.: كل مقبوض عليه بجمع الكف فهو ضغث، هذا معنى الضغث في اللغة انظر: "تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2120 - 2121، و"اللسان" (ضعث) 5/ 2590 - 2591.، قال ابن مقبل [[الخود: الفتاة الناعمة الشابة، الشمال: الريح المعروفة وهي باردة.

انظر: الطبري 12/ 226، و"البحر" 5/ 300، و"المحرر" 9/ 309، و"الدر المصون" 6/ 506.]]:

خَوْدٌ كأنّ فراشَهَا وضِعَتْ به ... أضْغَاث رَيْحَان غَدَاةَ شَمَال

فأما أضغاث الأحلام، فالأكثرون على أنها الأحلام المختلطة، قال أبو عبيدة "مجاز القرآن" 1/ 312.: الأضغاث ما لا تأويل له من الرؤيا، قال: ونراه مأخوذًا من الخيلا في (ج): (الخلا). وهو جماعات يضم بعضها إلى بعض من الرؤيا، كالحشيش الذي يجمع، فيقال له: ضغث قدر ملء الكف، فالأضغاث من الرؤيا هي حلم لا تأويل له وأنشد البيت من الرجز، وهو بلا نسبة في "مجاز القرآن" 2/ 35، والقرطبي 9/ 200، 11/ 270.:

كضِغْثِ حِلْمٍ غُرِّمنه حَالِمَة وقال الكسائي "اللسان" (ضغث) 5/ 2590، و"تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2120. وغيره: أضغاث الأحلام ما لا يستقيم تأويله لدخول بعضه في بعض، كأضغاث من نُبُوت في (ج): (نبوة). مختلفة يُخْلط بعضها ببعض، قال مجاهد القرطبي 9/ 199، و"تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2121، و"اللسان" (ضغث) 5/ 2590.: أهاويل أحلام، وقال الكلبي "تنوير المقباس" ص 150.: أباطيل أحلام، وقال قتادة الطبري 12/ 226، عبد الرزاق 2/ 324. وأخرجه أبو عبيد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد كما في "الدر" 4/ 39.: أخلاط أحلام.

قال ابن الأنباري: ومعنى الآية: أنهم نفوا عن أنفسهم علم ما لا تأويل له من الرؤيا، ولم ينفوا عن أنفسهم علم تأويل ما يصح منها، فعنوا بقولهم ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ هذه منامات كاذبة لا يصح تأويلها، وما نحن بتأويل الأحلام التي هذا وصفها بعالمين، إذ كنا نعلم تأويل ما يصح، هذا معنى قول أكثر المفسرين الطبري 12/ 227، الثعلبي 7/ 58 ب، ابن عطية 7/ 521، "زاد المسير" 4/ 230.: الكلبي "تنوير المقباس" ص 150. وقد روى عن ابن عباس: الأحلام الكاذبة، قال الهيثمي 7/ 39 رواه أبو يعلى وفيه محمد بن السائب وهو متروك. وغيره، ونحوه قال ابن عباس في رواية عطاء، وهو اختيار الزجاج "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 113.؛ لأنه قال: إنهم قالوا له رؤياك أخلاط، وليس للرؤيا المختلطة عندنا تأويل، فعلى هذا لم يقرّوا بالجهل والعجز عن تأويل الأحلام، وإنما قالوا: إن رؤياك فاسدة ولا تأويل للفاسدة عندنا، وذهب آخرون إلى أنهم قالوا: هذه منامات مختلطة لا نعلمها نحن؛ إذ لم نكن من أهل العبارة، إنما يعلمها من خص بالنفاذ في البصر، وحسن استخراج ما يغمض من تأويلها، ذهب إلى هذا المعنى مقاتل بن سليمان "تصير مقاتل" 154أ. ونفر معه.

وقالوا معنى قوله ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ لها تأويل يعلمه غيرنا، فالأضغاث على هذا المذهب [الجماعات من الرؤيا التي يجوز أن تصح وأن تبطل، واحتجوا على …

45

وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ

But the one who was freed and remembered after a time said, "I will inform you of its interpretation, so send me forth."

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ الآية، قال الكلبي "تنوير المقباس" ص 150.: لما سأل الملك عن رؤياه، جثا الساقي بين يديه بعد انقضاء جواب الملأ، فقال للملك: إني قصصت أنا والخباز على رجل في السجن منامين فخبّرنا بتأويلها فصدق في جميع ما وصف، ولم يسقط من تأويله شيء، إن أذنت مضيت إليه وأتيتك من قبله بتفسير هذه الرؤيا، فإنه رجل صالح فاضل عالم ظاهر المحاسن، فأذن له الملك في قصده، فذلك قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ قال ابن عباس الطبري 12/ 227، الثعلبي 7/ 85 ب، البغوي 4/ 246، "زاد المسير" 4/ 231، كلهم من غير نسبة.: يريد أحد العبدين، وهو الذي رأى أنه يعصر خمرًا.

وقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ﴾ ذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ في سورة القمر الآيات: 15، 17، 22، 32، 40، 51، قال هنالك في أول موضع: "قال مقاتل: فهل من مدتكر، وقال أبو إسحاق: وأصله مدتكر، ولكن التاء أبدل منها الذال، والذال في موضع التاء هي أشبه بالدال من التاء، وأدغمت الذال في الدال"..

وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ قال ابن عباس الطبري 12/ 227، عبد الرزاق 2/ 324، والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2151، وأبو الشيخ من طرق كما في الدر 4/ 39، القرطبي 9/ 201. والحسن الطبري 12/ 228. ومجاهد الطبري 12/ 228. وعامة أهل التفسير والمعاني الطبري 12/ 227، الثعلبي 7/ 85 ب، البغوي 4/ 246، "زاد المسير" 4/ 231، ابن عطية 7/ 522، "معاني الفراء" 2/ 47، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 313، و"مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة ص 225، "معاني النحاس" 3/ 432، و"معاني الزجاج" 3/ 113.: بعد حين. قال بعض أهل المعاني: هي الجملة من الحين، والجماعة من الحين؛ لأن الجماعة الكثيرة من الناس أمة يدل على صحة هذا ما روى عطاء عن ابن عباس الطبري 12/ 229، وابن أبي حاتم 7/ 2151 عن سعيد بن جبير. "بعد أمة" بعد سنين. فإن قيل أكثر المفسرين على أن معنى قوله: "وادكر" دليل على أن الناسي هو الساقي.

قال ابن الأنباري "زاد المسير" 4/ 231.: يقال إذ ادكر بمعنى: ذكر وأخبر الملك، وصلح أن يكون ادكر بمعنى ذكر، كما تقول احتلب بمعنى حَلبَ، واعتدى بمعنى عدى في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 194]. وذكر لا يدل على نسيان سبقه.

وقد قال الكلبي فيما روى عن ابن عباس "تنوير المقباس" ص 150، "زاد المسير" 231/ 4، القرطبي 9/ 202.: إنما لم يذكر الساقي خبر يوسف للملك حتى احتاج الملك إلى تعبير رؤياه، خوفًا من أن يكون ذلك إذكارًا لذنبه الذي من أجله حبسه الملك مع الخباز، فكتم أمره ولم يبده للملك لهذه العلة، فهذا يدل على أن الساقي قد نسي ذلك لقضاء الله تعالى في كون يوسف مدة في السجن، أنساه ذلك من غير أن ينسب النسيان إلى الساقي [في قوله ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ ويكون نسيان الساقي غير مذكور، ويستدل عليه بقوله ﴿وَادَّكَرَ﴾. ومن نسب النسيان إلى الساقي] ساقط من (ج). فَسّر الادّكار على ظاهره ولم ينقله إلى معنى الذكر.

وقوله تعالى ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ وقرأ الحسن ابن عطية 7/ 523 قال: "وكذلك في مصحف أبي"، و"البحر المحيط" 5/ 314، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 432، وقال الحسن: (كيف ينبئهم العلج؟). (أنا آتيكم بتأويله) وقال: أراد العلج ينبئهم بتأويله حتى لا يأتي به من عند يوسف عليه السلام.

قال الزجاج "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 113.: وأكرهها لمخالفة المصحف.

وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ قال أبو بكر: هو خطاب للملك وملئه، لذلك خاطب بالجمع. ويجوز أن يخاطب الملك بخطاب الجمع؛ لأن أصحابه على مثل رأيه وأمره.

46

يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍۢ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ

[He said], "Joseph, O man of truth, explain to us about seven fat cows eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry - that I may return to the people; perhaps they will know [about you]."

قوله تعالى ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ قال أهل المعاني الطبري 12/ 229، و"زاد المسير" 4/ 231.: في الكلام محذوف يدل عليه الباقي، وهو أن المعنى فأرسل فأتاه فقال: يا يوسف، وذكرنا أنه يجوز حذف "يا" من النداء عند قوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ والصديق قال أبو إسحاق "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 113.: المبالغ في الصدق. قال المفسرون ابن عطية 7/ 524. وصفه بهذه الصفة؛ لأنه لم يجرب عليه كذبًا، وقيل الثعلبي 7/ 286.: لأنه صدق في تعبير رؤياه.

وقوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ قال ابن عباس الثعلبي 7/ 86 أ، البغوي 4/ 235. والكلبي: يريد أهل مصر. وقال مقاتل في "تفسير مقاتل" 154 ب (يعني أهل مصر)، القرطبي 9/ 202.: يريد الملك وأصحابه. وقال غيره "زاد المسير" 4/ 232.: يريد الملك والعلماء الذين جمعهم الملك ليعبروا رؤياه.

وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد كي يعقلوا. قال ابن الأنباري "زاد المسير" 4/ 232.: وأما إعادة (لعل) فلاختلاف معنييهما، إذ الأولى متعلقة بالإفتاء، والثانية مبنية إلى الرجوع، وكلتاهما بمعنى كي فساغ التكرير لاختلاف متعلقيهما كأنه قال: أفتنا كي أرجع إلى الناس كي يعقلوا؛ فالإفتاء سبب الرجوع والرجوع سبب العلم.

47

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تَأْكُلُونَ

[Joseph] said, "You will plant for seven years consecutively; and what you harvest leave in its spikes, except a little from which you will eat.

قوله تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ الآية، قال المفسرون الطبري 12/ 230، الثعلبي 7/ 86 أ.: قال له يوسف: أما السبع البقرات السمان فإنهن سبع سنين مخصبات ذوات نعمة وأنتم تزرعون، أي: فازرعوا. قال صاحب النظم: قوله (تزرعون) جواب لقوله (أفتنا) جاء مجيء المضارع وتأويله أمر، وفيه إيماء إلى تعبير الرؤيا، ودل على ذلك قوله (فما حصدتم فذروه)، وهذا لفظ أمر، معطوف على قوله (تزرعون)، فدل أن قوله (تزرعون) أيضًا أمر وهذا كقوله ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وهذا اللفظ مضارع وتأويله دعاء والدعاء مثل الأمر كقوله ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ [المؤمنون: 118].

وقوله تعالى ﴿دَأَبًا﴾ قال الزجاج "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 114.: الدأب الملازمة للشيء والعادة. وذكرنا الكلام في الدأب في سورة آل عمران ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ آل عمران: 11. قال هنالك: "يقال: دأبت أدأب دأبًا ودأبًا ودؤوبًا: إذا اجتهدت في الشيء وتعبت فيه" اهـ. قال ابن عباس "تنوير المقباس" ص 150، و"زاد المسير" 4/ 232، والقرطبي 9/ 203.: يريد سبع سنين متوالية. وقال أهل المعاني واللغة "تهذيب اللغة" (دأب) 2/ 1127، و"اللسان" (دأب) 3/ 1311.: الدأب استمرار الشيء على عادة، وهو دائب يفعل كذا، إذا استمر في فعله، وقد دأب يدأب دأبًا ودابًا، أي: زراعة متوالية في هذه السنين. وقيل على عادتكم في الزراعة.

قال أبو علي الفارسي الحجة: 4/ 425.: الأكثر في دأب الإسكان، فلعل الفتح لغة فيكون كشَمْع وشَمَع ونَهْر ونَهَر.

قال الفراء "معاني القرآن" 2/ 47.: وكل حرف فتح أوله وسكن ثانية فتثقيله جائز إذا كان أحد حروف الحلق.

قال الزجاج "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 114.: ذكر جميع الكوفيين أن كل ما كان ثانيه حرفًا من حروف الحلق وكان مِسكنا مفتوح الأول، جاز فيه فتح المسكن نحو: نَعْل ونَعَل، وشَعْر وشَعَر، ونَهْر ونَهَر، وأما البصريون فيزعمون أنه ما جاء من هذا فيه اللغتان تُكُلِّم على ما جاء، وما كان لم يسمع لم يجز فيه التحريك نحو: وعْد لا نقول فيه وعَد، ولا في هذا الأمر وَهًا في معنى وهي، وهذا في بابه مثْلَ دَلَّ ودَلْ، وقَدَّرَ وقَدَرْ، فلا فرق في هذا بين حروف الحلق وغيرها.

قال "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 114.: وانتصب (دأبا) على معنى تدأبون دأبًا، ودل على تدأبون تزرعون وفي الزرع علاج ودؤوب، فقد قال تدأبون فانتصب دأبًا به لا بالمضمر، ونحو هذا القول حكاه ابن الأنباري عن الكوفيين قال: وقال غير الكوفيين: دأبًا مِصدر وضع في موضع الحال، تقديره: تزرعون دائبين، فناب دأب عن دائبين.

وقوله تعالى: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ﴾ إلى آخره. قال ابن عباس "تنوير المقباس" ص 150.: يريد كل ما أردتم أكله فدوسوه، ودعوا الباقي في سنبله لا يتسوّس. وقال المفسرون الطبري 12/ 230، الثعلبي 7/ 86 ب، البغوي 4/ 247، ابن عطية 7/ 525، ابن كثير 2/ 527.: إنما قال (فذروه في سنبله)؛ لأنه أبقى له وأبعد من الفساد، وذلك لأنه إذا ديس ثم طال مكثه فسد، فأشار عليهم بما فيه الصلاح.

واختلفوا في أن جواب يوسف كان من علمه أو بوحي من الله تعالى؟ فذهب بعض المفسرين إلى أنه بنى على ما علّمه الله من تأويل الرؤيا، وذهب بعضهم إلى أنه كان بوحي الله، واحتجوا على هذه بقوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ وهذا العام لم يعلمه إلا بالوحي من أجل أنه لم يدخل في سؤال السائل [[قلت: الراجح والله أعلم أن الإخبار عن سني الجدب بعد سني الخصب هو من قبيل التعبير لرؤيا الملك، وأما قوله ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ فهو من الوحي الذي آتاه الله دلالة على نبوته وحجة على صدقه، انظر: الطبري 12/ 232 ابن عطية 7/ 525، الرازي 18/ 150، القرطبي 9/ 204، الثعلبي 7/ …

48

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌۭ شِدَادٌۭ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تُحْصِنُونَ

Then will come after that seven difficult [years] which will consume what you saved for them, except a little from which you will store.

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾.

قال المفسرون: يعني سبع سنين مجدبات، والشداد الصعاب التي يشتد على الناس.

وقوله تعالى: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ قال ابن الأنباري "زاد المسير" 4/ 233، الرازي 18/ 150.: هذا من المجاز الذي يعني به: يفنين ما قدمتم فيه لهن، فشَبّه الإفناء بالأكل، كما تقول العرب: قد أكل السيرُ لحمَ الناقة، وهم يعنون ذهب به وأفناه. وأنشد لذي الرمة "ديوانه" ص 2/ 678.:

وقد أَكَلَ الوجِيفُ بكلّ خَرْق ... عرائِكَهَا وهُلِّلَت الحُرُومُ

وقال غيره "تفسير الطبري" 12/ 231، و"الثعلبي" 7/ 86 ب، و"ابن عطية" 7/ 528، و"القرطبي" 9/ 204، و"ابن كثير" 2/ 527.: إنما قال للسنين (يأكلن) لوقوع الأكل فيها، كما يقال: ليل نائم. وكقوله:

فنام لَيْلِي تَجَلّى هَمِّي الرجز لرؤبة في "ديوانه" ص 142، و"المحتسب" 2/ 164 وبلا نسبة في "خزانة الأدب" 8/ 202 و"المقتضب" 3/ 50.

ومثله كثير.

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ الإحصان انظر: "تهذيب اللغة" (حصن) 1/ 843، و"اللسان" (حصن)، و"تاج العروس" 18/ 149. الإحراز وهو إلقاء الشيء فيما هو كالحصن، يقال: أحصنه إحصانًا، إذا جعله في حرز. قال ابن عباس الطبري 12/ 231، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2154، وانظر: "الدر" 4/ 41، وابن عطية 7/ 528.: يريد تخزنون، وعنه الطبري 12/ 231، وابن عطية 7/ 528، وانظر: الثعلبي 7/ 86 ب، و"زاد المسير" 4/ 233. أيضًا تحرزون.

49

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ

Then will come after that a year in which the people will be given rain and in which they will press [olives and grapes]."

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ الآية، قال المفسرون الطبري 12/ 232، الثعلبي 7/ 86 أ، ابن عطية 7/ 525.: هذا العام لم يعلمه إلا بالوحي من أجل أنه لم يدخل في سؤال السائل؛ قال قتادة الطبري 12/ 232، الثعلبي 7/ 86 أ، ابن عطية 7/ 525، عبد الرزاق 2/ 324، ابن المنذر كما في "الدر" 4/ 41.: زاده الله علم عام لم يسألوه عنه.

وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى السبع في قوله: ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ والسبع "زاد المسير" 4/ 233، عن ابن القاسم الأنباري. أشبهت المذكر من قبل أنها لا علامة للتأنيث في لفظها، كقوله ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] هذا مذهب الكلبي "تنوير المقباس" ص 150.، ومذهب مقاتل "تفسير مقاتل" 154 ب. أن (ذلك) إشارة إلى الجدب.

وقوله تعالى: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ قال ابن السكيت "تهذيب اللغة" (غاث) 3/ 2616.: يقال: غاث الله البلاد يغيثها غيثًا، وهي إذا نزل بها الغيث. وقد غيثت الأرض تغاث غيثًا، وهي أرض مغيثة ومغيوثة، فعلى هذا (يغاث الناس) معناه يمطرون، ويجوز أن يكون من قولهم: أغاثه الله، إذا أنقذه من كرب أو غم. ومعناه ينقذ الناس فيه من كرب الجدب.

وقوله تعالى: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أي يعصرون السمسم دهنًا، والعنب خمرًا، والزيتون زيتًا، وهذا قول ابن عباس الطبري 12/ 232، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 41، و"زاد المسير" 4/ 234، وابن أبي حاتم 7/ 2154. ومجاهد الطبري 12/ 232. وقتادة الطبري 12/ 233، و"زاد المسير" 4/ 234، وابن أبي حاتم 7/ 2154. وأكثر المفسرين الثعلبي 7/ 287، و"زاد المسير" 4/ 234، وابن عطية 7/ 529. وهذا يدل على ذهاب الجدب وحضور الخصب والخير. وذكرنا معنى العصر في قوله: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: 36].

وقال أبو عبيدة "مجاز القرآن" 1/ 313.: يعصرون تفسيره ينجون من العصر وهو المنحاة، ومثله العصرة والمعتصر. [والمعصر] ما بين المعقوفين ساقط من (ج). ومنه قول أبي زبيد [[لأبي زبيد الطائي عجز بيت، وصدره:

صاديًا يستغيث غير مغاث

من قصيدة له يرثي بها اللجاج ابن أخته، وكان من أحب الناس إليه، انظر "ديوانه" ص 44، و"جمهرة أشعار العرب" ص 260، و"الاقتضاب" ص 390، و"اللسان" (عصر) 5/ 2969، و"أمالي اليزيدي" ص 8، و"المحتسب" 1/ 345، والطبري 12/ 233، والقرطبي 9/ 205، و"تهذيب اللغة" (عصر) 3/ 2458.]]:

ولقد كان عُصْرة المَنْجُودِ

أي: ملجأ الكروب.

وقال عدي بن زيد:

لو بغَيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرِقْ ... كُنْتُ كالغَصَّانِ بالماءِ اعْتِصَارِي [[البيت لعدي بن زيد في "ديوانه" ص 93، و"الأغاني" 2/ 94، و"الحيوان" 5/ 138، 593.

انظر: "الكتاب" 1/ 462، و"مجاز القرآن" 1/ 314، و"الجمهرة" 2/ 154، و"اللسان" (عصر) 5/ 2971، والعيني 4/ 454، و"شواهد المغني" 255، و"الخزانة" 3/ 594، 4/ 460، 524، و"البحر المحيط" 5/ 316، و"تهذيب اللغة" (عصر) 3/ 2459، و"الشعر والشعراء" ص 133، وكتاب "العين" 4/ 342.]]

أي: التجائي، وأنشد أيضًا للبيد [[البيت للبيد، ويروى: (بغير معصَّر) "ديوانه" ص 68.

انظر: "الكتاب" 1/ 410، و"الأغاني" 2/ 26، والشنتمري 1/ 462، والجمهرة 2/ 154، و"اللسان" (عصر) 5/ 2969، العيني 4/ 454، و"شواهد المغني" / 255، و"الخزانة" 3/ 394، و"مجاز القرآن" 1/ 295، 314، والطبري 12/ 234، و"تهذيب اللغة" 3/ 2458.]]: فَباتَ وَأَسْرَى القَومُ آخِرَ لَيلِهِم ... وَما كانَ وَقّافًا بِدَارِ مُعَصَّرِ

وذكر أبو إسحاق "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 114. أيضًا هذا القول فقال: وإن شئت كان على تأويل ينجون من البلاء ويعتصمون بالخصب، وأنشد بيت عدي [[ذكر هذا القول الطبري 12/ 233، وتعقبه فقال: "وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسِّر القرآن على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله: "وفيه يعصرون" إلى: وفيه ينجون من الجدب …

50

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌۭ

And the king said, "Bring him to me." But when the messenger came to him, [Joseph] said, "Return to your master and ask him what is the case of the women who cut their hands. Indeed, my Lord is Knowing of their plan."

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ الآية، قال المفسرون هذه عبارة الثعلبي 7/ 87 أ، و"زاد المسير" 4/ 236.: لما رجع الذي أرسل إلى يوسف للاستفتاء عن تأويل الرؤيا إلى الملك وأخبره بما أفتاه به، عرف الملك أن ذلك التأويل صحيح، وأن الذي قاله كائن فقال: ائتوني بالذي عبر رؤياي هذه، فجاء الرسول يوسف وقال له: أجب الملك، فأبى أن يخرج مع الرسول حتى يتبين براءته مما قذف به، وقال للرسول: ارجع إلى ربك يعني الملك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي﴾ أي ما حالتهن في (ج): (ماحالهن). وشأنهن، والبال: الحال والشأن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد: 2] وقال أبو عبيد [[في "التهذيب" (بال) 1/ 263 قال: قال عبيد وذكر البيت، وانظر: "اللسان" (بول) 1/ 390 من غير نسبه. والبيت لعدي بن زيد، وصدره:

فليت رفعت الهم عني ساعة

انظر: "ديوانه" ص 162، و"الإيضاح" / 106، و"نوادر أبي زيد" / 25 وبلا نسبة في "شواهد التوضيح" ص148 و"الدر" 1/ 114، 123، و"الهمع" 2/ 163، والسيوطي ص 238، و"الإنصاف" ص157، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 183، 295.]]:

فبِتْنا على ما خَيّلتْ نَاعِمِي بَالِ

ومعنى الآية فأسأل الملك أن يتعرف ويسأل ما شأن تلك النسوة وحالهن ليعلم صحة براءتي.

قال أبو إسحاق "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 115.: أي سله أن يستعلم صحة براءتي مما قذفت به، فمعنى ردِّه الرسول هو أن يتبين براءته وأنه حبس بظلم من غير اقتراف ذنب، كما قال قتادة الطبري 12/ 236.: طلب العُذر، وعلى هذا يكون في الآية محذوف على تقدير: فسله أن يسأل أو يتعرف ما بال النسوة، ولكن لما كان قوله: (ما بال النسوة) يتضمن معنى السؤال والاستعلام والتعرف حذف ذلك.

قال عامة المفسرين الطبري 12/ 2340، الثعلبي 7/ 87 ب، البغوي 4/ 248، ابن عطية 7/ 532، "زاد المسير" 4/ 236، القرطبي 9/ 207.: إن يوسف عليه السلام أشفق من أن يراه الملك بعين مشكوك في أمره، مقروف بفاحشة، فأحب أن يراه بعد أن زال عن قلبه ما كان خامره من الباطل. وقد استحسن النبي ﷺ حزم يوسف وصبره حين دعاه الملك فلم يبادر حتى يعلم أنه قد استقر عند الملك صحة براءته فقال النبي ﷺ: "رحم الله يوسف، لقد كان ذا أناة ولو كنت أنا المحبوس ثم جاءني الرسول لخرجت في (ج): (لخرجت إليه) بزيادة إليه. مسرعًا" [[أخرجه البخاري (3387) كتاب أحاديث الأنبياء باب قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ بلفظ: "ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبته" ومسلم بنحوه (151) كتاب الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة.

وأخرجه الترمذي (3116)، كتاب تفسير القرآن، باب من سورة يوسف بلفظ "إن الكريم ابن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: ولو لبثت في السجن ما لبث ثم جاءني الرسول أجبتُ .. الحديث".

وأخرجه ابن جرير 12/ 235 من طريق ابن إسحاق عن رجل عن أبي الزناد == بلفظ: "يرحم الله يوسف إن كان ذا أناة لو كنت أنا المحبوس ثم أرسل إلى لخرجت سريعًا، إن كان لحليمًا ذا أناة" ضعفه الألباني في السلسلة الصحيحة 4/ 485، وضعفه أحمد شاكر في تخريجه للطبري 12/ 235.]].

قال أبو إسحاق "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 115.: ولم يفرد يوسف امرأة العزيز حُسْنَ عشرة منه وأدب، فخلطها بالنسوة.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ يعني: أن الله عالم بكيدهن وقادر على إظهار براءتي لهذا المخلوق الذي استحضرني، وذكرنا معنى كيدهن عند قوله ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾.

Commentary: Al-Tafsir al-Basit by Al-Wahidi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.