Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 21–30 of 111

21

وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

And the one from Egypt who bought him said to his wife, "Make his residence comfortable. Perhaps he will benefit us, or we will adopt him as a son." And thus, We established Joseph in the land that We might teach him the interpretation of events. And Allah is predominant over His affair, but most of the people do not know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢١ ] ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾

﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ يُخْبِرُ تَعالى عَنْ لُطْفِهِ بِيُوسُفَ، إذْ يَسَّرَ لَهُ مَنِ اشْتَراهُ في مِصْرَ، فاعْتَنى بِهِ، وأوْصى أهْلَهُ، وتَوَسَّمَ فِيهِ الخَيْرَ والصَّلاحَ. ومَعْنى ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ﴾ اجْعَلِي مَقامَهُ حَسَنًا مَرْضِيًّا. و(المَثْوى) مَحَلُّ الثَّواءِ، وهو الإقامَةُ.

قالَ الشِّهابُ: وإكْرامُ مَثْواهُ كِنايَةٌ عَنْ إكْرامِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأتَمِّهِ؛ لِأنَّ مَن أكْرَمَ المَحَلَّ بِإحْسانِ الأسِرَّةِ، واتِّخاذِ الفِراشِ ونَحْوِهِ، فَقَدْ أكْرَمَ ضَيْفَهُ بِسائِرِ ما يُكْرَمُ بِهِ. أوِ (المَثْوى) مُقْحَمٌ. كَما يُقالُ: المَقامُ السّامِي.

رُوِيَ أنَّ القافِلَةَ لَمّا نَزَلَتْ مِصْرَ اشْتَراهُ مِنهم رَئِيسُ الشُّرَطِ عِنْدَ مَلِكِ مِصْرَ، فَأقامَ في بَيْتِ سَيِّدِهِ، والعِنايَةُ الرَّبّانِيَّةُ تَحُفُّهُ، والنَّجاحُ يَحُوطُهُ، فَكانَ يَرى سَيِّدَهُ أنَّ كُلَّ ما يَأْتِي بِهِ يُنْجِحُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِهِ، فَنالَ حَظْوَةً لَدَيْهِ، وأقامَهُ قَيِّمًا عَلى كُلِّ ما يَمْلِكُهُ، وضاعَفَ تَعالى البَرَكَةَ في زَرْعِهِ ومالِهِ وحَوْزَتِهِ.

﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ أيْ كَما جَعَلْنا لَهُ مَثْوًى كَرِيمًا في مَنزِلِ العَزِيزِ وقَلْبِهِ، جَعَلْنا لَهُ تَصَرُّفًا بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ومَكانَةً رَفِيعَةً في أرْضِ مِصْرَ، ووَجاهَةً في أهْلِها، ومَحَبَّةً في قُلُوبِهِمْ، لِيَكُونَ عاقِبَةُ ذَلِكَ تَعْلِيمَهُ تَأْوِيلَ الرُّؤْيا الَّتِي سَتَقَعُ مِنَ المَلِكِ، وتُفْضِيبِيُوسُفَ إلى الرِّياسَةِ العُظْمى.

﴿واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ﴾ أيْ لا يُمْنَعُ عَمّا يَشاءُ، ولا يُنازَعُ فِيما يُرِيدُ. أوْ عَلى أمْرِ يُوسُفَ، أُرِيدَ بِهِ مِنَ الفِتْنَةِ ما أُرِيدَ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَلَمْ يَكُنْ إلّا ما أرادَ اللَّهُ لَهُ مِنَ العاقِبَةِ الحَمِيدَةِ.

﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِهِ، فَيَأْتُونَ ويَذِرُونَ زَعْمًا أنْ لَهم شَيْئًا مِنَ الأمْرِ. أوْ لا يَعْلَمُونَ لَطائِفَ صُنْعِهِ، وخَفايا لُطْفِهِ.

22

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَٰهُ حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ

And when Joseph reached maturity, We gave him judgment and knowledge. And thus We reward the doers of good.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٢ ] ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾

﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ كالَّتِي قَبْلَها، تَخَلَّلَتْ تَضاعِيفَ نَظْمِ القِصَّةِ لِمَعْنًى بَدِيعٍ، وهو البِدارُ إلى الإعْلامِ بِنَتائِجَ صَبْرِ يُوسُفَ، وثَمَراتِ مُجاهَداتِهِ، وعَجائِبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى في مُراداتِهِ، إذْ طَوى لَهُ المِنَحَ في تِلْكَ المِحَنِ، وذَخَرَ لَهُ السِّيادَةَ في تِلْكَ العُبُودِيَّةِ. ومَعْنى ﴿بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ زَمانَ اشْتِدادِ جِسْمِهِ وقُوَّتِهِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تَقُولُ: بَلَغَ فُلانٌ أشُدُّهُ، إذا انْتَهى مُنْتَهاهُ في شَبابِهِ وقُوَّتِهِ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَ في النُّقْصانِ. و(الحُكْمَ) إمّا الحِكْمَةُ وهو العِلْمُ المُؤَيَّدُ بِالعَمَلِ، أوِ الحُكْمُ بَيْنَ النّاسِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ كانَ مُحْسِنًا في عَمَلِهِ، مُتَّقِيًا في عُنْفُوانِ أمْرِهِ، وأنَّ اللَّهَ آتاهُ الحُكْمَ والعِلْمَ جَزاءً عَلى إحْسانِهِ.

وعَنِ الحَسَنِ: مَن أحْسَنَ عِبادَةَ رَبِّهِ في شَبِيبَتِهِ، آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ في اكْتِهالِهِ.

23

وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And she, in whose house he was, sought to seduce him. She closed the doors and said, "Come, you." He said, "[I seek] the refuge of Allah. Indeed, he is my master, who has made good my residence. Indeed, wrongdoers will not succeed."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٣ ] ﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾

﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى شَرْحِ ما جَرى عَلى يُوسُفَ في مَنزِلِ العَزِيزِ بَعْدَ ما أمَرَ امْرَأتَهُ بِإكْرامِ مَثْواهُ، مِن مُراوَدَتِها لَهُ وإبائِهِ. والمُراوَدَةُ: المُطالَبَةُ. أيْ: طَلَبَتْ مِنهُ أنْ يُواقِعَها. وتَعْدِيَتُها بِـ (عَنْ) لِتَضْمِينِها مَعْنى المُخادَعَةِ. والعُدُولُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِاسْمِها لِلْمُحافَظَةِ عَلى السِّرِّ والسِّتْرِ، وإيرادُ المَوْصُولِ دُونَ امْرَأةِ العَزِيزِ، لِتَقْرِيرِ المُراوَدَةِ. فَإنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِمّا يَدْعُو إلى ذَلِكَ. قِيلَ لِامْرَأةٍ: ما حَمَلَكِ عَلى ما لا خَيْرَ فِيهِ؟ قالَتْ: قُرْبَ الوِسادِ، وطُولَ السَّوادِ. ولِإظْهارِ كَمالِ نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ -كَما سَيَأْتِي-.

و(هَيْتَ) قُرِئَتْ كَـ (لَيْتَ وقِيلَ وحَيْثُ)، وبِكَسْرِ الهاءِ وبِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها، وفَتْحِ التّاءِ وضَمِّها. وهي في هَذِهِ اللُّغاتِ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى (تَعالَ). واللّامُ لِتَبْيِينِ المَفْعُولِ أيِ المُخاطَبُ. ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّها لُغَةٌ لَأهِلَ حُورانَ سَقَطَتْ إلى مَكَّةَ فَتَكَلَّمُوا بِها.

قالَ ابْنُ الأبْيارِيِّ: هَذا وِفاقٌ بَيْنَ لُغَةِ قُرَيْشٍ وأهْلِ حُورانَ، كَما اتَّفَقَتْ لُغَةُ العَرَبِ والرُّومِ في (القِسْطاسِ) ونَحْوِهِ.

و(مَعاذَ اللَّهِ) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ. أيْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا مِمّا تَدْعِينَنِي إلَيْهِ، لِكَوْنِهِ زِنًى وخِيانَةً فِيما اؤْتُمِنَتْ عَلَيْهِ، وضَرًّا لِمَن تَوَقَّعَ النَّفْعَ، وإساءَةً إلى المُحْسِنِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وهَذا اجْتِنابٌ مِنهُ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ، وإشارَةٌ إلى التَّعْلِيلِ بِأنَّهُ مُنْكَرٌ هائِلٌ! يَجِبُ أنْ يُعاذَ بِاللَّهِ تَعالى لِلْخَلاصِ مِنهُ، وما ذاكَ إلّا لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ شاهَدَهُ بِما أراهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ البُرْهانِ النَّيِّرِ عَلى ما هو عَلَيْهِ في حَدِّ ذاتِهِ مِن غايَةِ القُبْحِ، ونِهايَةِ السُّوءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلِامْتِناعِ بِبَعْضِ الأسْبابِ الخارِجِيَّةِ، مِمّا عَسى أنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا عِنْدَها، وداعِيًا لَها إلى اعْتِبارِهِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى سَبَبِهِ الذّاتِيِّ الَّذِي تَكادُ تَقْبَلُهُ لِما سَوَّلَتْهُ لَها نَفْسُها. والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ. وفائِدَةُ تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِهِ؛ الإيذانُ بِفَخامَةِ مَضْمُونِها، مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرِهِ في الذِّهْنِ، فَإنَّ الضَّمِيرَ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا شَأْنٌ مُبْهَمٌ لَهُ خَطَرٌ، فَيَبْقى الذِّهْنُ مُتَرَقِّبًا لِما يَعْقُبُهُ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ لَهُ فَضْلَ تَمَكُّنٍ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا، وهو رَبِّي، أيْ سَيِّدِي العَزِيزُ، أحْسَنَ مَثْوايَ، أيْ تَعَهُّدِي، حَيْثُ أمَرَكِ بِإكْرامِي، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ أُسِيءَ إلَيْهِ بِالخِيانَةِ في حَرَمِهِ؟ وفِيهِ إرْشادٌ لَها إلى رِعايَةِ حَقِّ العَزِيزِ بِألْطَفِ وجْهٍ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، و(رَبِّي) خَبَرٌ، و(إنَّ)، و(أحْسَنَ مَثْوايَ) خَبَرٌ ثانٍ. أوْ هو الخَبَرُ والأوَّلُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ. والمَعْنى: أنَّ الحالَ هَكَذا، فَكَيْفَ أعْصِيهِ بِارْتِكابِ تِلْكَ …

24

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَٰنَ رَبِّهِۦ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ

And she certainly determined [to seduce] him, and he would have inclined to her had he not seen the proof of his Lord. And thus [it was] that We should avert from him evil and immorality. Indeed, he was of Our chosen servants.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٤ ] ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾

﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ (الهَمُّ): يَكُونُ بِمَعْنى القَصْدِ والإرادَةِ، ويَكُونُ فَوْقَ الإرادَةِ ودُونَ العَزْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ اجْتِماعُ النَّفْسِ عَلى الأمْرِ والإزْماعُ عَلَيْهِ، وبِالعَزْمِ: القَصْدُ إلى إمْضائِهِ، فَهو أوَّلُ العَزِيمَةِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمُ: الهَمُّ هَمّانِ: هَمٌّ ثابِتٌ مَعَهُ عَزْمٌ وعَقْدٌ ورِضًا، وهو مَذْمُومٌ مُؤاخَذٌ بِهِ. وهَمٌّ بِمَعْنى خاطِرٍ، وحَدِيثِ نَفْسٍ، مِن غَيْرِ تَصْمِيمٍ، وهو غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِهِ. لِأنَّ خُطُورَ المَناهِي في الصُّدُورِ، وتَصَوُّرَها في الأذْهانِ، لا مُؤاخَذَةَ بِها ما لَمْ تُوجَدْ في الأعْيانِ.

رَوى الشَّيْخانِ وأهْلُ السُّنَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها، ما لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ، أوْ تَعْمَلْ بِهِ»» . ورَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ أيْ بِمُخالَطَتِهِ، أيْ: قَصَدَتْها وعَزَمَتْ عَلَيْها عَزْمًا جازِمًا، لا يَلْوِيها عَنْهُ صارِفٌ، بَعْدَ ما باشَرَتْ مَبادِئَها مِنَ المُراوَدَةِ، وتَغْلِيقِ الأبْوابِ، ودَعْوَتِهِ إلى الإسْراعِ إلَيْها بِقَوْلِها: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] مِمّا اضْطَرَّهُ إلى الهَرَبِ إلى البابِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ أيْ: لَوْلا رُؤْيَتُهُ بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها، كَما هَمَّتْ بِهِ، لِتَوَفُّرِ الدَّواعِي. ولَكِنَّهُ رَأى مِن تَأْيِيدِ اللَّهِ لَهُ بِالبُرْهانِ ما صَرَفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ.

قالَ أبُو حَيّانَ: ونَظِيرُهُ (قارَفُتَ الإثْمَ لَوْلا أنَّ اللَّهَ عَصَمَكَ). ولا نَقُولُ: إنَّ جَوابَ (لَوْلا) يَتَقَدَّمُ عَلَيْها، وإنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى امْتِناعِهِ، بَلْ صَرِيحُ أدَواتِ الشَّرْطِ العامِلَةِ مُخْتَلَفٌ فِيها، حَتّى ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ وأعْلامُ البَصْرِيِّينَ إلى جَوازِ تَقَدُّمِهِ، بَلْ نَقُولُ: هو مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. لِأنَّ المَحْذُوفَ في الشَّرْطِ يُقَدَّرُ مِن جِنْسِ ما قَبْلَهُ. انْتَهى.

فالآيَةُ حِينَئِذٍ ناطِقَةٌ بِأنَّهُ لَمْ يَهِمَّ أصْلًا. وقِيلَ: جَوابُ (لَوْلا) لَغَشِيَها ونَحْوَهُ. فَمَعْنى (الهَمِّ) حِينَئِذٍ ما قالَهُ الإمامُ الرّازِيُّ: مِن أنَّهُ خُطُورُ الشَّيْءِ بِالبالِ، أوْ مَيْلُ الطَّبْعِ. كالصّائِمِ في الصَّيْفِ. يَرى الماءَ البارِدَ، فَتَحْمِلُهُ نَفْسُهُ عَلى المَيْلِ إلَيْهِ، وطَلَبِ شُرْبِهِ، ولَكِنْ يَمْنَعُهُ دِينُهُ عَنْهُ. وكالمَرْأةِ الفائِقَةِ حُسْنًا وجَمالًا، تَتَهَيَّأُ لِلشّابِّ النّامِي القَوِيِّ، فَتَقَعُ بَيْنَ الشَّهْوَةِ والعِفَّةِ، وبَيْنَ النَّفْسِ والعَقْلِ، مُجاذَبَةٌ ومُنازَعَةٌ. (فالهَمُّ) هُنا عِبارَةٌ عَنْ جَواذِبِ الطَّبِيعَةِ، ورُؤْيَةُ البُرْهانِ جَواذِبُ الحِكْمَةِ. وهَذا لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الذَّنْبِ، بَلْ كُلَّما كانَتْ هَذِهِ الحالُ أشَدَّ، كانَتِ القُوَّةُ عَلى لَوازِمِ العُبُودِيَّةِ أكْمَلَ. انْتَهى.

وكَذا قالَ أبُو السُّعُودِ: إنَّ هَمَّهُ بِها بِمَعْنى مَيْلِهِ إلَيْها، بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ، وشَهْوَةِ الشَّبابِ وقَرَمِهِ، مَيْلًا جِبِلِّيًّا، لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، لا …

25

وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍۢ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And they both raced to the door, and she tore his shirt from the back, and they found her husband at the door. She said, "What is the recompense of one who intended evil for your wife but that he be imprisoned or a painful punishment?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٥ ] ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾

﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ [يوسف: ٢٤] إلَخْ، وقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ [يوسف: ٢٤] إلَخِ، اعْتِرافٌ جِيءَ بِهِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ تَقْرِيرًا لِنَزاهَتِهِ. والمَعْنى: ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وأبى هُوَ، واسْتَبَقا البابَ، أيْ قَصَدَ كُلٌّ سَبْقَ الآخَرِ إلى البابِ؛ فَيُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَخْرُجَ، وهي لِتَمْنَعَهُ مِنَ الخُرُوجِ، ووَحَّدَ (البابَ) هُنا مَعَ جَمْعِهِ أوَّلًا؛ لِأنَّ المُرادَ بِالبابِ البَرّانِيُّ الَّذِي مِنهُ المَخْلَصُ.

﴿وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ أيِ اجْتَذَبَتْهُ مِن خَلْفِهِ فانْقَدَّ، أيِ انْشَقَّ قَمِيصُهُ.

﴿وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾ أيْ صادَفا بَعْلَها ثَمَّتَ قادِمًا.

﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَبْرِئَةً لِساحَتِها، وإغْراءً عَلَيْهِ.

26

قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍۢ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ

[Joseph] said, "It was she who sought to seduce me." And a witness from her family testified. "If his shirt is torn from the front, then she has told the truth, and he is of the liars.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٦ ] ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾

﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ لِأنَّ قَدَّهُ مِنهُ أمارَةُ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِها بِهِ، أوْ تَعَثُّرُهُ في مَقادِمِ قَمِيصِهِ بِسَبَبِ إقْبالِهِ عَلَيْها، فَقُدَّ لِإسْراعِهِ خَلْفَها.

27

وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

But if his shirt is torn from the back, then she has lied, and he is of the truthful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٧ ] ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾

﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لِأنَّهُ أمارَةُ إدْبارِهِ عَنْها بِسَبَبِ أنَّها تَبِعَتْهُ، واجْتَذَبَتْ ثَوْبَهُ إلَيْها فَقَدَّتْهُ.

ومِنَ اللَّطائِفِ ما قِيلَ: إنَّ هَذا الشّاهِدَ أرادَ ألّا يَكُونَ هو الفاضِحَ لَها، ووَثِقَ بِأنَّ انْقِطاعَ قَمِيصِهِ إنَّما كانَ مِن دُبُرٍ، فَنَصْبُهُ أمارَةٌ لِصِدْقِهِ وكَذِبِها. ثُمَّ ذَكَرَ القِسْمَ الآخَرَ، وهو قَدُّهُ مِن قُبُلٍ، عَلى عِلْمٍ بِأنَّهُ لَمْ يَنْقَدَّ مِن قُبُلٍ حَتّى يَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ التُّهْمَةَ في الشَّهادَةِ، وقَصْدِ الفَضِيحَةِ، ويُنْصِفُهُما جَمِيعًا، فَيَذْكُرُ أمارَةً عَلى صِدْقِها المَعْلُومِ نَفْيُهُ، كَما ذَكَرَ أمارَةً عَلى صِدْقِهِ المَعْلُومِ وُجُودُهُ. ومِن ثَمَّ قَدَّمَ أمارَةً عَلى صِدْقِها، عَلى أمارَةِ صِدْقِهِ في الذِّكْرِ؛ إزاحَةً لِلتُّهْمَةِ، ووُثُوقًا بِأنَّ الأمارَةَ الثّانِيَةَ هي الواقِعَةُ، فَلا يَضُرُّهُ تَأْخِيرُها. وهَذِهِ اللَّطِيفَةُ بِعَيْنِها -واللَّهُ أعْلَمُ- هِيَ الَّتِي راعاها مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] فَقَدَّمَ قَسَمَ الكَذِبِ عَلى قَسَمِ الصِّدْقِ، إزاحَةً لِلتُّهْمَةِ الَّتِي خَشِيَ أنْ تَتَطَرَّقَ إلَيْهِ في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ووُثُوقًا بِأنَّ القِسْمَ الثّانِيَ وهو صِدْقُهُ، هو الواقِعُ، فَلا يَضُرُّهُ تَأْخِيرُهُ في الذِّكْرِ لِهَذِهِ الفائِدَةِ، ومِن ثَمَّ قالَ: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] ولَمْ يَقُلْ: كُلَّ ما يَعِدُكُمْ، تَعْرِيضًا بِأنَّهُ مَعَهم عَلَيْهِ، وأنَّهُ حَرِيصٌ عَلى أنْ يَبْخَسَهُ حَقَّهُ، ويَنْحُوَ هَذا النَّحْوَ تَأْخِيرُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِكَشْفِ وِعاءِ أخِيهِ الآتِي ذِكْرُهُ، لِأنَّهُ لَوْ بَدَأ بِهِ لَفَطِنُوا أنَّهُ هو الَّذِي أمَرَ بِوَضْعِ السِّقايَةِ فِيهِ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

28

فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌۭ

So when her husband saw his shirt torn from the back, he said, "Indeed, it is of the women's plan. Indeed, your plan is great.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٨ ] ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾

﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ يَعْنِي بِالكَيْدِ: الحِيلَةَ والمَكْرَ. وإنَّما اسْتَعْظَمَ كَيْدَهُنَّ؛ لِأنَّهُ ألْطَفُ وأعْلَقُ بِالقَلْبِ، وأشَدُّ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ، ولَهُنَّ فِيهِ نِيقَةٌ ورِفْقٌ، وبِذَلِكَ يَغْلِبْنَ الرِّجالَ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ ابْنُ الفُرْسِ: يَحْتَجُّ بِالآيَةِ مَن يَرى الحُكْمَ بِالأماراتِ والعَلاماتِ، فِيما لا تَحْضُرُهُ البَيِّناتُ، كاللُّقَطَةِ، والسَّرِقَةِ، والوَدِيعَةِ، ومَعاقِدِ الحِيطانِ، والسُّقُوفِ وشَبَهِها.

وقَوْلُهُ تَعالى:

29

يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ

Joseph, ignore this. And, [my wife], ask forgiveness for your sin. Indeed, you were of the sinful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٩ ] ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾

﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ نُودِيَ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ، لِقُرْبِهِ وكَمالِ تَفَطُّنِهِ لِلْحَدِيثِ.

أيْ: يا يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا الأمْرِ واكْتُمْهُ، ولا تُحَدِّثْ بِهِ.

﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ أيِ الَّذِي وقَعَ مِنكِ مِن إرادَةِ السُّوءِ بِهَذا الشّابِّ، ثُمَّ قَذْفِهِ بِما هو بَرِيءٌ مِنهُ.

﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ القَوْمِ المُتَعَمِّدِينَ لِلذَّنْبِ. يُقالُ: خَطِئَ إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا، وأخْطَأ إذا فَعَلَهُ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ. ولِهَذا يُقالُ: أصابَ الخَطَأ، وأخْطَأ الصَّوابَ، وأصابَ الصَّوابَ. وإيثارُ جَمْعِ السّالِمِ تَغْلِيبًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ. ودَلَّ هَذا عَلى أنَّ العَزِيزَ كانَ رَجُلًا حَلِيمًا؛ إذِ اكْتَفى مِن مُؤاخَذَتِها بِهَذا المِقْدارِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أوْ أنَّهُ عَذَرَها لِأنَّها رَأتْ ما لا صَبْرَ لَها عَنْهُ. ويُقالُ: إنَّهُ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ.

قالَ الشِّهابُ: وهو لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ مُقْتَضى تُرْبَةِ مِصْرَ. انْتَهى.

وقَدْ تَقَرَّرَ لَدى المُحَقِّقِينَ أنَّ لِاخْتِلافِ أحْوالِ العُمْرانِ في الخِصْبِ والجَدْبِ، وأقالِيمِهِ في الحَرارَةِ والبُرُودَةِ وتَوابِعِها -أثَرًا في أخْلاقِ البَشَرِ وأبْدانِهِمُ- انْظُرِ المُقَدِّمَةَ الرّابِعَةَ والخامِسَةَ مِن (مُقَدِّمَةِ ابْنِ خَلْدُونَ).

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ خَبَرَ يُوسُفَ وامْرَأةِ العَزِيزِ شاعَ في المَدِينَةِ -وهِيَ مِصْرُ- بِقَوْلِهِ:

30

۞ وَقَالَ نِسْوَةٌۭ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

And women in the city said, "The wife of al-'Azeez is seeking to seduce her slave boy; he has impassioned her with love. Indeed, we see her [to be] in clear error."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٠ ] ﴿وقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

﴿وقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾ العَزِيزُ: الأمِيرُ، مَأْخُوذٌ مِنَ (العِزِّ) وهو الشِّدَّةُ والقَهْرُ، وقَدْ غَلَبَ عَلى أمِيرِ مِصْرَ والإسْكَنْدَرِيَّةِ.

﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ أيْ خَرَقَ حُبُّهُ شَغافَ قَلْبِها، حَتّى وصَلَ إلى الفُؤادِ، و(الشَّغافُ) كَسَحابٍ: حِجابُ القَلْبِ.

﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في خَطَأٍ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ والصَّوابِ. وإقْحامُ الرُّؤْيَةِ؛ لِلْإشْعارِ بِأنَّ حُكْمَهُنَّ بِضَلالِها صادِرٌ عَنْ رُؤْيَةٍ وعِلْمٍ، مَعَ التَّلْوِيحِ إلى تَنَزُّهِهِنَّ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.