Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 101–110 of 111

101

۞ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ

My Lord, You have given me [something] of sovereignty and taught me of the interpretation of dreams. Creator of the heavens and earth, You are my protector in this world and in the Hereafter. Cause me to die a Muslim and join me with the righteous."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠١ ] ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾

﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ أيْ بَعْضًا مِنهُ عَظِيمًا، وهو مُلْكُ مِصْرَ، ﴿وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ أيْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا، ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْدِعَهُما وخالِقَهُما، ﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ أيْ مالِكُ أُمُورِي، ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أيْ مِنَ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ. دَعا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا الدُّعاءِ لِما تَمَّتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِاجْتِماعِهِ بِأبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ وما آثَرَهُ بِهِ مِنَ العِلْمِ والمُلْكِ، فَسَألَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ، كَما أتَمَّ عَلَيْهِ نِعْمَتَهُ في الدُّنْيا، أنْ يَحْفَظَها عَلَيْهِ باقِي عُمْرِهِ، حَتّى إذا حانَ أجَلُهُ قَبَضَهُ عَلى الإسْلامِ، وألْحَقَهُ بِالصّالِحِينَ. فَلَيْسَ فِيهِ تَمَنٍّ لِلْمَوْتِ، وطَلَبُ التَّوَفِّي مُنْجِزًا كَما قِيلَ.

رَوى الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا يَتَمَنَّيْنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، إنْ كانَ مُحْسِنًا فَيَزْدادُ، وإنْ كانَ مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ أحْيِنِي ما كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي»» . وفي رِوايَةٍ: ««وتَوَفَّنِي إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي»» .

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: في فِقْهِ هَذِهِ الآياتِ: قالَ بَعْضُ اليَمانِينَ: يُسْتَدَلُّ مِمّا رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ خَرَجَ لِلِقاءِ أبِيهِ، عَلى حُسْنِ التَّعْظِيمِ بِاللِّقاءِ، وكَذا يَأْتِي مِثْلُهُ في التَّشْيِيعِ، ومِنهُ ما رُوِيَ في تَشْيِيعِ الضَّيْفِ: ويُسْتَدَلُّ مِمّا رُوِيَ أنَّ المُرادَ بِأُمِّهِ خالَتُهُ -كَما مَرَّ- أنَّ مَن نَسَبَ رَجُلًا إلى خالَتِهِ فَقالَ: يا ابْنَ فُلانَةَ! لَمْ يَكُنْ قاذِفًا لَها. ويُسْتَدَلُّ مِن رَفْعِهِما عَلى العَرْشِ -وهُوَ السَّرِيرُ الرَّفِيعُ- جَوازُ اتِّخاذِهِ، ورَفْعُ الغَيْرِ، تَعْظِيمًا لِلْمَرْفُوعِ، ويُسْتَدَلُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ [يوسف: ١٠٠] عَلى أنَّ الِانْتِقالَ مِنهُ نِعْمَةٌ، وذَلِكَ لِما يَلْحَقُ أهْلَ البادِيَةِ مِنَ الجَفاءِ، والبُعْدِ عَنْ مَوارِدِ العُلُومِ، وعَنْ رَفاهَةِ المَدَنِيَّةِ، ولُطْفِ المُعاشَرَةِ، والكِمالاتِ الإنْسانِيَّةِ، ورُوِيَ لِجَرِيرٍ:

؎أرْضُ الحِراثَةِ لَوْ أتاها جَرْوَلٌ أعْنِي الحُطَيْئَةَ لاغْتَدى حَرّاثًا

؎ما جِئْتَها مِن أيِّ وجْهٍ جِئْتَها ∗∗∗ إلّا حَسَبْتَ بُيُوتَها أجْداثًا

وفِي الحَدِيثِ: ««مَن بَدا جَفا»» أيْ: مَن حَلَّ البادِيَةَ. وفي آخَرَ: ««إنَّ الجَفا والقَسْوَةَ في الفَدّادِينَ»» . فَفي هَذا دَلِيلٌ عَلى حُسْنِ النَّقْلَةِ مِنَ البَوادِي إلى المُدُنِ. اهـ. بِزِيادَةِ.

الثّانِي: قَصَّ كَثِيرٌ نَبَأ اسْتِقْرارِ يَعْقُوبَ وآلِهِ بِمِصْرَ. ومُجْمَلُهُ: أنَّ يُوسُفَ اخْتارَ لِمُسْتَقَرِّهِمْ أرْضَ جاسانَ، فَلَمّا دَخَلُوا مِصْرَ أخْبَرَ يُوسُفُ فِرْعَوْنَ بِقُدُومِ أبِيهِ وإخْوَتِهِ وجَمِيعِ ما لَهم إلى أرْضِ جاسانَ، ثُمَّ أدْخَلَ أباهُ عَلى فِرْعَوْنَ، فَأكْرَمَهُ وكَلَّمَهُ حِصَّةً. وسَألَهُ عَنْ عُمُرِهِ، فَأجابَهُ: مِائَةٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، وأقْطَعَهُ وبَنِيهِ أجْوَدَ أرْضٍ في مِصْرَ، وهي أرْضُ رَعَمْسِيسَ، أيْ عَيْنِ شَمْسٍ، ومَلَّكَها إيّاهُمْ، ودَعا لَهُ يَعْقُوبُ ثُمَّ انْصَرَفَ. ثُمَّ أخَذَ يُوسُفُ خَمْسَةً مِن إخْوَتِهِ، فَمَثَّلَهم بَيْنَ يَدَيْ …

102

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ

That is from the news of the unseen which We reveal, [O Muhammad], to you. And you were not with them when they put together their plan while they conspired.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٢ ] ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾

﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن نَبَأِ يُوسُفَ، البَعِيدِ دَرَجَةُ كَمالِهِ في جَمِيعِ ما لا يَتَناهى مِنَ المَحاسِنِ والأسْرارِ حَتّى صارَ مُعْجِزًا. والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيْ: هَذا مِن أخْبارِ الغُيُوبِ السّابِقَةِ، نُوحِيهِ إلَيْكَ، ونُعْلِمُكَ بِهِ، لِما فِيهِ مِنَ العِبْرَةِ والِاتِّعاظِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ كالدَّلِيلِ عَلى كَوْنِهِ نَبَأً غَيْبِيًّا ووَحْيًا سَماوِيًّا. أيْ: لَمْ تَعْرِفْ هَذا النَّبَأ إلّا مِن جِهَةِ الوَحْيِ؛ لِأنَّكَ لَمْ تَحْضُرْ إخْوَةَ يُوسُفَ، حِينَ أجْمَعُوا أمْرَهم عَلى إلْقاءِ أخِيهِمْ في البِئْرِ، وهم يَمْكُرُونَ بِهِ، إذْ حَثُّوهُ عَلى الخُرُوجِ مَعَهُمْ، يَبْغُونَ لَهُ الغَوائِلَ، وبِأبِيهِمْ في اسْتِئْذانِهِ لِيُرْسِلَهُ مَعَهُمْ، أيْ: فَلَمْ تُشاهِدْهم حَتّى تَقِفَ عَلى ظَواهِرِ أسْرارِهِمْ وبَواطِنِها.

قالَ أبُو السُّعُودِ: ولَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ نَفْيِ حُضُورِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مَشْهَدِ إجْماعِهِمْ ومَكْرِهِمْ فَقَطْ، بَلْ سائِرِ المَشاهِدِ أيْضًا. وإنَّما تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ مَطْلَعَ القِصَّةِ، وأخْفى أحْوالَها، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وهم يَمْكُرُونَ﴾ والخِطابُ -وإنْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ- لَكِنَّ المُرادَ إلْزامُ المُكَذِّبِينَ. والمَعْنى: ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ؛ إذْ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِكَ إيّاهُ سِوى ذَلِكَ، إذْ عَدَمُ سَماعِكَ ذَلِكَ مِنَ الغَيْرِ، وعَدَمُ مُطالَعَتِكَ لِلْكُتُبِ أمْرٌ لا يَشُكُّ فِيهِ المُكَذِّبُونَ أيْضًا، ولَمْ تَكُنْ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ عِنْدَ وُقُوعِ الأمْرِ حَتّى تَعْرِفَهُ كَما هُوَ، فَتُبَلِّغَهُ إلَيْهِمْ. وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ، فَكَأنَّهم يَشُكُّونَ في ذَلِكَ فَيَدْفَعُ شَكَّهم. وفِيهِ أيْضًا إيذانٌ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ النَّبَأِ هو الحَقُّ المُطابِقُ لِلْواقِعِ. وما يَنْقُلُهُ أهْلُ الكِتابِ لَيْسَ عَلى ما هو عَلَيْهِ. يَعْنِي: أنَّ مِثْلَ هَذا التَّحْقِيقِ بِلا وحْيٍ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بِالحُضُورِ والمُشاهَدَةِ، وإذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِالحُضُورِ فَهو بِالوَحْيِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى:

103

وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ

And most of the people, although you strive [for it], are not believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٣ ] ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾

﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ يُرِيدُ بِهِ العُمُومَ، أوْ أهْلَ مَكَّةَ: ﴿ولَوْ حَرَصْتَ﴾ أيْ جَهِدْتَ كُلَّ الجُهْدِ عَلى إيمانِهِمْ، وبالَغْتَ في إظْهارِ الآياتِ القاطِعَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِكَ، ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِالكُتُبِ والرُّسُلِ؛ لِمَيْلِهِمْ إلى الكُفْرِ، وسَبِيلِ الشَّرِّ. يَعْنِي: قَدْ وضُحَ بِمِثْلِ هَذا النَّبَأِ نُبُوَّتَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقامَتِ الحُجَّةُ، ومَعَ ذَلِكَ فَما آمَنَ أكْثَرُ النّاسِ، كَما قالَ تَعالى: " إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ " .

قالَ الرّازِيُّ: ما مَعْناهُ: وجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها؛ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ، وجَماعَةً مِنَ اليَهُودِ، طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَصَّ نَبَأِ يُوسُفَ تَعَنُّتًا، فَكانَ يُظَنُّ أنَّهم يُؤْمِنُونَ إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا نَزَلَتْ وأصَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ؛ قِيلَ لَهُ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ إلَخْ. وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦]

104

وَمَا تَسْـَٔلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَٰلَمِينَ

And you do not ask of them for it any payment. It is not except a reminder to the worlds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٤ ] ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾

﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى هَذا النُّصْحِ، والدُّعاءِ إلى الخَيْرِ والرُّشْدِ، ﴿مِن أجْرٍ﴾ أيْ أُجْرَةٍ ﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ ما هُوَ، يَعْنِي القُرْآنَ، ﴿إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ: عِظَةٌ لَهُمْ، يَتَذَكَّرُونَ بِهِ ويَهْتَدُونَ ويَنْجُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. يَعْنِي: أنَّ هَذا القُرْآنَ يَشْتَمِلُ عَلى العِظَةِ البالِغَةِ، والمَراشِدِ القَوِيمَةِ، وأنْتَ لا تَطْلُبُ في تِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ مالًا، ولا جَعْلًا. فَلَوْ كانُوا عُقَلاءَ لَقَبِلُوا، ولَمْ يَتَمَرَّدُوا.

قالَ بَعْضُ اليَمانِينَ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن تَصَدَّرَ لِلْإرْشادِ، مِن تَعْلِيمٍ ووَعْظٍ؛ فَإنَّ عَلَيْهِ اجْتِنابَ ما يَمْنَعُ مِن قَبُولِ كَلامِهِ.

105

وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ

And how many a sign within the heavens and earth do they pass over while they, therefrom, are turning away.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٥ ] ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾

﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: وكَمْ مِن آيَةٍ عَلى وحْدانِيَّةِ الخالِقِ، وقُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، ونُعُوتِهِ الجَلِيلَةِ، في السَّماواتِ: مِن كَواكِبِها وأفْلاكِها، وفي الأرْضِ: مِن قِطَعٍ مُتَجاوِراتٍ، وحَدائِقَ وجَنّاتٍ، وجِبالٍ راسِياتٍ، وبِحارٍ زاخِراتٍ، وقِفارٍ شاسِعاتٍ، وحَيَوانٍ ونَباتٍ، وثِمارٍ مُخْتَلِفاتٍ، وأحْياءٍ وأمْواتٍ، يُشاهِدُونَها، ولا يَعْتَبِرُونَ بِها.

قالَ الرّازِيُّ: يَعْنِي أنَّهُ لا عَجَبَ إذا لَمْ يَتَأمَّلُوا في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِكَ، فَإنَّ العالَمَ مَمْلُوءٌ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ إنَّهم يَمُرُّونَ عَلَيْها، ولا يَلْتَفِتُونَ إلَيْها، واعْلَمْ أنَّ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ، لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مِن أُمُورٍ مَحْسُوسَةٍ، وهي إمّا الأجْرامُ الفَلَكِيَّةُ، وإمّا الأجْرامُ العُنْصُرِيَّةُ. أمّا الأجْرامُ الفَلَكِيَّةُ فَهي قِسْمانِ: أفْلاكٌ وكَواكِبُ. أمّا الأفْلاكُ فَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِمَقادِيرِها المُعَيَّنَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ. وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِكَوْنِ بَعْضِها فَوْقَ البَعْضِ أوْ تَحْتَهُ. وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِأحْوالِ حَرَكاتِها، إمّا بِسَبَبِ أنَّ حَرَكاتِها مَسْبُوقَةٌ بِالعَدَمِ، فَلا بُدَّ مِن مُحَرِّكٍ قادِرٍ، وإمّا بِسَبَبِ كَيْفِيَّةِ حَرَكاتِها في سُرْعَتِها وبُطْئِها، وإمّا بِسَبَبِ اخْتِلافِ جِهاتِ تِلْكَ الحَرَكاتِ. وأمّا الأجْرامُ الكَوْكَبِيَّةُ: فَتارَّةً يُسْتَدَلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِمَقادِيرِها وأحْيازِها وحَرَكاتِها، وتارَّةً بِألْوانِها وأضْوائِها، وتارَّةً بِتَأْثِيراتِها في حُصُولِ الأضْواءِ والأظْلالِ، والظُّلُماتِ والنُّورِ.

وأمّا الدَّلائِلُ المَأْخُوذَةُ مِنَ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ: فَإمّا أنْ تَكُونَ مَأْخُوذَةً مِن بِسائِطَ، وهي عَجائِبُ البَرِّ والبَحْرِ، وإمّا مِنَ المَوالِيدِ وهي أقْسامٌ:

أحَدُها: الآثارُ العُلْوِيَّةُ، كالرَّعْدِ والبَرْقِ والسَّحابِ والمَطَرِ والثَّلْجِ والهَواءِ وقَوْسِ قُزَحٍ.

وثانِيها: المَعادِنُ عَلى اخْتِلافِ طَبائِعِها وصِفاتِها وكَيْفِيّاتِها.

ثالِثُها: النَّباتُ وخاصِّيَّةُ الخَشَبِ والوَرَقِ والتَّمْرِ، واخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِطَبْعٍ خاصٍّ وطَعْمٍ خاصٍّ، وخاصِّيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ.

ورابِعُها: اخْتِلافُ أحْوالِ الحَيَواناتِ في أشْكالِها وطَبائِعِها وأصْواتِها وخِلْقَتِها.

وخامِسُها: تَشْرِيحُ أبْدانِ النّاسِ، وتَشْرِيحُ القُوى الإنْسانِيَّةِ، وبَيانُ المَنفَعَةِ الحاصِلَةِ فِيها.

فَهَذِهِ مَجامِعُ الدَّلائِلِ.

ومِن هَذا البابِ أيْضًا قِصَصُ الأوَّلِينَ، وحِكاياتُ الأقْدَمِينَ، وأنَّ المُلُوكَ إذا اسْتَوْلَوْا عَلى الأرْضِ وخَرَّبُوا البِلادَ، وقَهَرُوا العِبادَ؛ ماتُوا ولَمْ يَبْقَ مِنهم في الدُّنْيا خَبَرٌ ولا أثَرٌ، ثُمَّ بَقِيَ الوِزْرُ والعِقابُ.

ولَمّا كانَ العَقْلُ البَشَرِيُّ لا يَفِي بِالإحاطَةِ بِشَرْحِ دَلائِلِ العالَمِ الأعْلى والأسْفَلِ؛ ذُكِرَ في الكِتابِ العَزِيزِ مُجْمَلًا. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى:

106

وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ

And most of them believe not in Allah except while they associate others with Him.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٦ ] ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾

﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ﴾ أيِ: النّاسُ، أوْ أهْلُ مَكَّةَ، ﴿بِاللَّهِ﴾ أيْ في إقْرارِهِمْ بِوُجُودِهِ وخالِقِيَّتِهِ ﴿إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ أيْ: بِعِبادَتِهِمْ لِغَيْرِهِ، وبِاتِّخاذِهِمُ الأحْبارَ والرُّهْبانَ أرْبابًا، وبِقَوْلِهِمْ بِاتِّخاذِهِ تَعالى ولَدًا. سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

تَنْبِيهٌ:

كَما تَدُلُّ الآيَةُ عَلى النَّعْيِ عَلَيْهِمْ بِالشِّرْكِ الأكْبَرِ، وهو أنْ يُعْبَدَ مَعَ اللَّهِ غَيْرُهُ. فَإنَّها تُشِيرُ إلى ما يَتَخَلَّلُ الأفْئِدَةَ ويَنْغَمِسُ بِهِ الأكْثَرُونَ مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، الَّذِي لا يَشْعُرُ صاحِبُهُ بِهِ غالِبًا. ومِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ في هَذِهِ الآيَةِ: ذاكَ المُنافِقُ، يَعْمَلُ إذا عَمِلَ رِئاءَ النّاسِ، وهو مُشْرِكٌ بِعَمَلِهِ. يَعْنِي: الشِّرْكَ في العِبادَةِ. فَصاحِبُهُ، وإنِ اعْتَقَدَ وحْدانِيَّتَهُ تَعالى -ولَكِنْ لا يُخْلِصُ لَهُ في عُبُودِيَّتِهِ بَلْ يَعْمَلُ لِحَظِّ نَفْسِهِ، أوْ طَلَبِ الدُّنْيا، أوْ طَلَبِ الرِّفْعَةِ والمَنزِلَةِ والجاهِ عِنْدَ الخَلْقِ؛ فَلِلَّهِ مِن عَمَلِهِ وسَعْيِهِ نَصِيبٌ، ولِنَفْسِهِ وحَظِّهِ وهَواهُ نَصِيبٌ، ولِلشَّيْطانِ نَصِيبٌ، ولِلْخَلْقِ نَصِيبٌ. وهَذا حالُ أكْثَرِ النّاسِ، وهو الشِّرْكُ الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ، فِيما رَواهُ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ: ««الشِّرْكُ في هَذِهِ الأُمَّةِ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ»» . فالرِّياءُ كُلُّهُ شِرْكٌ، وهو مُحْبِطٌ لِلْعِبادَةِ، مُبْطِلٌ ثَوابَ العَمَلِ، ويُعاقَبُ عَلَيْهِ إذا كانَ العَمَلُ واجِبًا. فَإنَّهُ تَعالى أمَرَ بِعِبادَتِهِ خالِصَةً. قالَ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ﴾ [البينة: ٥] فَمَن لَمْ يُخْلِصْ لِلَّهِ في عِبادَتِهِ؛ لَمْ يَفْعَلْ ما أُمِرَ بِهِ، بَلِ الَّذِي أتى بِهِ شَيْءٌ غَيْرُ المَأْمُورِ، فَلا يُقْبَلُ مِنهُ.

ورَوى مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَقُولُ اللَّهُ: أنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ. مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ»» .

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، رَفَعَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ: ««إنْ أخْوَفَ ما أخافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأصْغَرُ! قالُوا: وما الشِّرْكُ الأصْغَرُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: الرِّياءُ»» .

ومِنَ الشِّرْكِ نَوْعٌ غَيْرُ مَغْفُورٍ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ في المَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ، بِأنْ يُحِبَّ مَخْلُوقًا كَما يُحِبُّ اللَّهَ، فَهَذا مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وهو الشِّرْكُ الَّذِي قالَ سُبْحانَهُ فِيهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] الآيَةَ. وقالَ أصْحابُ هَذا الشِّرْكِ لِآلِهَتِهِمْ، وقَدْ جَمَعَتْهُمُ الجَحِيمُ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧] ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨] ومَعْلُومٌ أنَّهم ما سَوَّوْهم بِهِ سُبْحانَهُ في الخَلْقِ والرِّزْقِ، والإماتَةِ والإحْياءِ، والمُلْكِ والقُدْرَةِ، وإنَّما سَوَّوْهم بِهِ في الحُبِّ والتَّألُّهِ، والخُضُوعِ لَهم والتَّذَلُّلِ. وهَذا غايَةُ الجَهْلِ والظُّلْمِ، فَكَيْفَ يُسَوّى مَن خُلِقَ مِنَ التُّرابِ بِرَبِّ الأرْبابِ؟ وكَيْفَ يُسَوّى العَبِيدُ بِمالِكِ الرِّقابِ، وكَيْفَ يُسَوّى الفَقِيرُ بِالذّاتِ، الضَّعِيفُ بِالذّاتِ، العاجِزُ بِالذّاتِ، المُحْتاجُ بِالذّاتِ، الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ؛ بِالغَنِيِّ بِالذّاتِ، …

107

أَفَأَمِنُوٓا۟ أَن تَأْتِيَهُمْ غَٰشِيَةٌۭ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

Then do they feel secure that there will not come to them an overwhelming [aspect] of the punishment of Allah or that the Hour will not come upon them suddenly while they do not perceive?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٧ ] ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾

﴿أفَأمِنُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ ﴿أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ عُقُوبَةٌ تَنْبَسِطُ عَلَيْهِمْ وتَغْمُرُهم ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: بِإتْيانِها، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧] ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]

108

قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "This is my way; I invite to Allah with insight, I and those who follow me. And exalted is Allah; and I am not of those who associate others with Him."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٨ ] ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أيْ هَذِهِ السَّبِيلُ، الَّتِي هي الدَّعْوَةُ إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، سَبِيلِي، أيْ طَرِيقِي ومَسْلَكِي وسُنَّتِي. والسَّبِيلُ والطَّرِيقُ يُذَكَّرانِ ويُؤَنَّثانِ. ثُمَّ فَسَّرَ سَبِيلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلى دِينِهِ وتَوْحِيدِهِ، ومَعْرِفَتِهِ بِصِفاتِ كَمالِهِ، ونُعُوتِ جَلالِهِ: ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ: مَعَ حُجَّةٍ واضِحَةٍ، غَيْرِ عَمْياءَ ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أيْ: آمَنَ بِي، يَدْعُونَ إلى اللَّهِ أيْضًا عَلى بَصِيرَةٍ، لا عَلى هَوًى. ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ: وأُنَزِّهُهُ وأُجِلُّهُ وأُقَدِّسُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ، أوْ نِدٌّ أوْ كُفْءٌ أوْ ولَدٌ أوْ صاحِبَةٌ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: عَلى دِينِهِمْ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ السَّمِينُ ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وهو الظّاهِرُ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الياءِ، و﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ " أدْعُو" . أيْ: أدْعُو كائِنًا عَلى بَصِيرَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عَطْفٌ عَلى فاعِلِ " أدْعُو" ولِذَلِكَ أكَّدَ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ومَنِ اتَّبَعَنِي يَدْعُو أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ خَبَرًا مُقَدَّمًا، و" أنا" مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا و" مَنِ اتَّبَعَنِي" عَطْفٌ عَلَيْهِ، ومَفْعُولُ " أدْعُو" إمّا مَنوِيٌّ، أيِ النّاسُ، أوْ مَنسِيٌّ.

الثّانِي: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ عَلى مَزِيَّةِ هَذا الدِّينِ الحَنِيفِ، ونَهْجِهِ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ، وهو أنَّهُ لَمْ يَطْلُبِ التَّسْلِيمَ بِهِ لِمُجَرَّدِ أنَّهُ جاءَ بِحِكايَتِهِ، ولَكِنَّهُ ادَّعى وبَرْهَنَ وحَكى مَذاهِبَ المُخالِفِينَ، وكَرَّ عَلَيْها بِالحُجَّةِ، وخاطَبَ العَقْلَ، واسْتَنْهَضَ الفِكْرَ، وعَرَضَ نِظامَ الأكْوانِ، وما فِيها مِنَ الإحْكامِ والإتْقانِ، عَلى أنْظارِ العُقُولِ، وطالَبَها بِالإمْعانِ فِيها لِتَصِلَ بِذَلِكَ إلى اليَقِينِ بِصِحَّةِ ما ادَّعاهُ ودَعا إلَيْهِ -انْظُرْ (رِسالَةَ التَّوْحِيدِ) في تَتِمَّةِ ذَلِكَ.

الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ سِيرَةَ أتْباعِهِ ﷺ، الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ.

قالَ الرّازِيُّ: كُلُّ مَن ذَكَرَ الحُجَّةَ، وأجابَ عَنِ الشُّبْهَةِ؛ فَقَدْ دَعا بِمِقْدارِ وُسْعِهِ إلى اللَّهِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ تَعالى إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ مَعَ هَذا الشَّرْطِ، وهو أنْ يَكُونَ عَلى بَصِيرَةٍ مِمّا يَقُولُ، وعَلى هُدًى ويَقِينٍ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَهو مَحْضُ الغُرُورِ. انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ إنَّما هي بِنَشْرِ مَطالِبِ الدِّينِ، وإذاعَةِ آدابِهِ وتَعْلِيمِهِ.

قالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي لِلْعالَمِ أنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ مَعَ العامَّةِ، في حالِ مُخالَطَتِهِ ومُجالَسَتِهِ لَهُمْ، في بَيانِ الواجِباتِ والمُحَرَّماتِ، ونَوافِلِ الطّاعاتِ، وذِكْرِ الثَّوابِ والعِقابِ، عَلى الإحْسانِ والإساءَةِ. ويَكُونُ كَلامُهُ مَعَهم بِعِبارَةٍ قَرِيبَةٍ واضِحَةٍ يَعْرِفُونَها ويَفْهَمُونَها، ويَزِيدُ بَيانًا لِلْأُمُورِ الَّتِي يَعْلَمُ أنَّهم مُلابِسُونَ لَها، ولا يَسْكُتُ حَتّى يَسْألَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ العِلْمِ، وهو يَعْلَمُ أنَّهم مُحْتاجُونَ إلَيْهِ، ومُضْطَرُّونَ إلَيْهِ، فَإنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ سُؤالٌ مِنهم بِلِسانِ الحالِ. والعامَّةُ قَدْ غَلَبَ …

109

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And We sent not before you [as messengers] except men to whom We revealed from among the people of cities. So have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? And the home of the Hereafter is best for those who fear Allah; then will you not reason?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٩ ] ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ أيْ لا مَلائِكَةَ مِن أهْلِ السَّماءِ، رَدٌّ لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْـزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤] وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وما كانُوا خالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] الآيَةَ.

واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا رِجالا﴾ عَلى أنَّهُ لَمْ يَنْتَظِمْ في سِلْكِ النُّبُوَّةِ امْرَأةٌ.

والقُرى: جَمْعُ قَرْيَةٍ، وهي عَلى ما في (القامُوسِ): المَصْرُ الجامِعُ، وفي (كِفايَةِ المُتَحَفِّظِ): القَرْيَةُ كُلُّ مَكانٍ اتَّصَلَتْ بِهِ الأبْنِيَةُ، واتَّخَذَ قَرارًا. وتَقَعُ عَلى المُدُنِ وغَيْرِهِما. انْتَهى.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والمُرادُ بِالقُرى هُنا المُدُنُ. أيْ: لا أنَّهم مِن أهْلِ البَوادِي الَّذِينَ هم أجْفى النّاسِ طِباعًا وأخْلاقًا. وهَذا هو المَعْهُودُ المَعْرُوفُ: أنَّ أهْلَ المُدُنِ أرَقُّ طِباعًا، وألْطَفُ مِن أهْلِ بِوادِيهِمْ. وأهْلُ الرِّيفِ والسَّوادِ أقْرَبُ حالًا مِنَ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ في البَوادِي. ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ [التوبة: ٩٧] الآيَةَ.

قالَ قَتادَةُ: إنَّما كانُوا مِن أهْلِ القُرى؛ لِأنَّهم أعْلَمُ وأحْلَمُ مِن أهْلِ العُمُورِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ، ﴿فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ أيْ نَظَرُ تَفَكُّرٍ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ [الحج: ٤٦] الآيَةَ، فَإذا اسْتَمَعُوا خَبَرَ ذَلِكَ؛ رَأوْا أنَّ اللَّهَ أهْلَكَ الكافِرِينَ، ونَجّى المُؤْمِنِينَ. وهَذِهِ كانَتْ سُنَّتَهُ تَعالى في خَلْقِهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ: الشِّرْكَ والفَواحِشَ، وآمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِهِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وكَما نَجَّيْنا المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، كَذَلِكَ كَتَبْنا لَهُمُ النَّجاةَ في الدّارِ الآخِرَةِ، وهي خَيْرٌ لَهم مِنَ الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١]

﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ تَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَكُمْ، فَتَعْلَمُوا أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ، أوْ تَعْلَمُوا كَيْفَ عاقِبَةُ أُولَئِكَ.

110

حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ

[They continued] until, when the messengers despaired and were certain that they had been denied, there came to them Our victory, and whoever We willed was saved. And Our punishment cannot be repelled from the people who are criminals.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ العاقِبَةَ لِرُسُلِهِ، وأنَّ نَصْرَهُ يَأْتِيهِمْ إذا تَمادى تَكْذِيبُهُمْ، تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٠ ] ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾

﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ أيْ: مِن إجابَةِ قَوْمِهِمْ ﴿وظَنُّوا﴾ أيْ: عَلِمُوا وتَيَقَّنُوا، يَعْنِي: الرُّسُلَ ﴿أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا﴾ يُقْرَأُ (كُذِّبُوا) بِضَمِّ الكافِ وتَشْدِيدِ الذّالِ. أيْ: كَذَّبَهم قَوْمُهم بِما جاءُوا بِهِ؛ لِطُولِ البَلاءِ عَلَيْهِمْ. ويُقْرَأُ بِضَمِّ الكافِ وتَخْفِيفِ الذّالِ، فالضَّمِيرُ في ﴿ظَنُّوا﴾ [الجن: ٧] -عَلى ما اخْتارُوهُ- لِلْقَوْمِ. أيْ: ظَنُّوا أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كُذِّبُوا. أيْ: ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ النَّصْرِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِلرُّسُلِ. أيْ: وظَنُّوا حِينَ ضَعُفُوا وغُلِبُوا أنَّهم قَدْ أُخْلِفُوا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ. وقالَ: كانُوا بَشَرًا، وتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] وقَدِ اسْتَشْكَلُوهُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، وتَأوَّلُوا لِكَلامِهِ وُجُوهًا.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِالظَّنِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ، ويَهْجِسُ في القَلْبِ، مِن شُبَهِ الوَسْوَسَةِ، وحَدِيثِ النَّفْسِ، عَلى ما عَلَيْهِ البَشَرِيَّةُ. انْتَهى.

وقِيلَ: المُرادُ بِظَنِّهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ذَلِكَ؛ المُبالَغَةُ في التَّراخِي والإمْهالِ، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، بِأنْ شَبَّهَ المُبالَغَةَ في التَّراخِي بِظَنِّ الكَذِبِ، بِاعْتِبارِ اسْتِلْزامِ كُلٍّ مِنهُما؛ لِعَدَمِ تَرَتُّبِ المَطْلُوبِ، فاسْتُعْمِلَ ما لِأحَدِهِما لِلْآخَرِ.

وقالَ الخَطّابِيُّ: لا شَكَّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لا يُجِيزُ عَلى الرُّسُلِ أنَّها تُكْذَبُ بِالوَحْيِ، ولا تَشُكُّ في صِدْقِ المُخْبِرِ، فَيُحْمَلُ كَلامُهُ عَلى أنَّهُ أرادَ أنَّهُمْ، لِطُولِ البَلاءِ عَلَيْهِمْ، وإبْطاءِ النَّصْرِ، وشِدَّةِ اسْتِنْجازِ ما وُعِدُوا بِهِ- تَوَهَّمُوا أنَّ الَّذِي جاءَهم مِنَ الوَحْيِ كانَ حُسْبانًا مِن أنْفُسِهِمْ، وظَنُّوا عَلَيْها الغَلَطَ في تَلَقِّي ما ورَدَ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ، فَيَكُونُ الَّذِي بُنِيَ لَهُ الفِعْلُ أنْفُسَهُمْ، لا الآتِيَ بِالوَحْيِ. والمُرادُ بِـ (الكَذِبِ): الغَلَطُ، لا حَقِيقَةُ الكَذِبِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: كَذَّبَتْكَ نَفْسُكَ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مُجاهِدٍ: ((وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كَذَبُوا)) بِفَتْحِ أوَّلِهِ مَعَ التَّخْفِيفِ أيْ: غَلِطُوا. ويَكُونُ فاعِلُ (وظَنُّوا) الرُّسُلَ.

وقالَ أبُو نَصْرٍ القُشَيْرِيُّ: ولا يَبْعُدُ أنَّ المُرادَ خَطَرَ بِقَلْبِ الرُّسُلِ، فَصَرَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ. أوِ المَعْنى: قَرُبُوا مِنَ الظَّنِّ، كَما يُقالُ: بَلَغْتُ المَنزِلَ، إذا قَرُبْتَ مِنهُ.

وقالَ التِّرْمِذِيُّ الحَكِيمُ: وجْهُهُ: أنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تَخافُ بَعْدَ أنْ وعَدَهُمُ اللَّهُ النَّصْرَ؛ أنْ يَتَخَلَّفَ النَّصْرُ، لا مِن تُهْمَةٍ بِوَعْدِ اللَّهِ، بَلْ لِتُهْمَةِ النُّفُوسِ أنْ تَكُونَ قَدْ أحْدَثَتْ حَدَثًا يَنْقُضُ ذَلِكَ الشَّرْطَ، فَكانَ الأمْرُ إذا طالَ، واشْتَدَّ البَلاءُ عَلَيْهِمْ؛ دَخَلَهُمُ الظَّنُّ مِن هَذِهِ الجِهَةِ.

وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّهُ قالَ: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِن …

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.