Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 21–30 of 123

21

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

Those are the ones who will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ القَبائِحِ.

﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِاشْتِراءِ عِبادَةِ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، وقِيلَ: خَسِرُوا بِسَبَبِ تَبْدِيلِهِمُ الهِدايَةَ بِالضَّلالَةِ والآخِرَةَ بِالدُّنْيا، وضاعَ عَنْهم ما حَصَّلُوهُ بِذَلِكَ التَّبْدِيلِ مِن مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا والرِّياسَةِ.

وفِي البَحْرِ أنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: خَسِرُوا سَعادَةَ أنْفُسِهِمْ وراحَتَها، فَإنَّ أنْفُسَهم باقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ

صفحة 33

وتَعَقَّبَ بِأنَّ إبْقاءَهُ عَلى ظاهِرِهِ أوْلى لِأنَّ البَقاءَ في العَذابِ كَلا بَقاءَ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الآلِهَةِ وشَفاعَتِها

22

لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ

Assuredly, it is they in the Hereafter who will be the greatest losers.

﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ أيْ لا أحَدَ أبْيَنُ أوْ أكْثَرُ خُسْرانًا مِنهُمْ، فَأفْعَلُ لِلزِّيادَةِ إمّا في الكُمِّ أوِ الكَيْفِ، وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِلامِ الجِنْسِ لِإفادَةِ الحَصْرِ، وإنْ جُعِلَ (هُمْ) ضَمِيرَ فَصْلٍ أفادَ تَأْكِيدَ الِاخْتِصاصِ، وإنْ جُعِلَ مُبْتَدَأً وما بَعْدُهُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ أنَّ أفادَ تَأْكِيدَ الحُكْمِ، وفي ( لا جَرَمَ ) أقْوالٌ: فَفي البَحْرِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ –لا- نافِيَةٌ ومَنفِيُّها مَحْذُوفٌ، أيْ: لا يَنْفَعُهم فِعْلُهم مَثَلًا، و–جَرَمَ- فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى كَسَبَ، يُقالُ: جَرَمَتِ الذَّنْبَ إذا كَسَبَتْهُ؛ وقالَ الشّاعِرُ:

نَصَبْنا رَأْسَهُ في جِذْعِ نَخْلٍ بِما (جَرَمَتْ) يَداهُ وما اعْتَدَيْنا

وما بَعْدَهُ مَفْعُولُهُ وفاعِلُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ كَسَبَ ذَلِكَ أظَهْرِيَّةَ أوْ أكْثَرِيَّةَ خُسْرانِهِمْ، وحُكِيَ هَذا عَنِ الأزْهَرِيِّ، ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ –لا- نافِيَةٌ حَسْبَما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ، و–جَرَمَ- فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى حَقَّ وما بَعْدُ فاعِلُهُ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ الفِعْلُ حَقَّ ( أنَّهم في الآخِرَةِ ) إلَخْ.

وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ، وكَذا الخَلِيلُ أيْضًا كَوْنُ مَجْمُوعِ ( لا جَرَمَ ) بِمَعْنى حَقَّ، وأنَّ ما بَعْدَهُ رُفِعَ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقِيلَ: (لا) صِلَةٌ و(جَرَمَ) فِعْلٌ بِمَعْنى كَسَبَ أوْ حَقَّ، وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّ (لا) نافِيَةٌ و(جَرَمَ) اسْمُها مَبْنِيٌّ مَعَها عَلى الفَتْحِ نَحْوَ لا رَجُلَ، والمَعْنى لا ضِدَّ ولا مَنعَ، والظّاهِرُ أنَّ الخَبَرَ عَلى هَذا مَحْذُوفٌ وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِن أنْ ويُقَدَّرُ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَعْنى، وقِيلَ: إنَّ جَرَمَ اسْمُ (لا) ومَعْناهُ القَطْعُ مِن جَرَمْتُ الشَّيْءَ أيْ قَطَعْتُهُ، والمَعْنى لا قَطْعَ لِثُبُوتِ أكْثَرِيَّةِ خُسْرانِهِمْ أيْ إنَّ ذَلِكَ لا يَنْقَطِعُ في وقْتٍ فَيَكُونُ خِلافَهُ.

ونَقَلَ السَّيْرافِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ ( لا جَرَمَ ) في الأصْلِ بِمَعْنى لا يُدْخِلَنَّكم في الجَرْمِ أيِ الإثْمِ كَإثْمِهِ أيْ أدْخَلَهُ في الإثْمِ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صارَ بِمَعْنى لا بُدَّ، ونُقِلَ هَذا المَعْنى عَنِ الفَرّاءِ، وفي البَحْرِ أنَّ (جَرَمَ) عَلَيْهِ اسْمُ (لا)، وقِيلَ: إنَّ (جَرَمَ) بِمَعْنى باطِلٍ إمّا عَلى أنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، وإمّا أنَّهُ بِمَعْنى كَسَبَ، والباطِلُ مُحْتاجٌ لَهُ، ومِن هُنا يُفَسَّرُ ( لا جَرَمَ ) بِمَعْنى حَقًّا؛ لِأنَّ الحَقَّ نَقِيضُ الباطِلِ، وصارَ لا باطِلَ يَمِينًا كَلا كَذِبَ في قَوْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ“،» وفي القامُوسِ أنَّهُ يُقالُ: (لا جَرَمَ)، ولا (ذا جَرَمَ)، ولا أنْ ذا جَرَمَ، ولا عَنْ ذا جَرَمَ، ولا جَرُمَ كَكَرُمَ، و(لا جُرْمَ) بِالضَّمِّ أيْ لا بُدَّ، أوْ حَقًّا، أوْ لا مَحالَةَ، وهَذا أصْلُهُ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى تَحَوَّلَ إلى مَعْنى القَسَمِ، فَلِذَلِكَ يُجابُ عَنْهُ بِاللّامِ، فَيُقالُ: لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ، انْتَهى، وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِما نَقَلَهُ السِّيرافِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ، وما ذَكَرَهُ مِن (لا جَرُمَ) كَكَرُمَ رَواهُ بَعْضُهم عَنْ أبِي عَمْرٍو في الآيَةِ، ومَن لا ذا جُرْمٍ حَكاهُ الفَرّاءُ عَنْ بَنِي عامِرٍ، وحَكى أيْضًا (لا جُرْمَ) بِالضَّمِّ عَنْ أُناسٍ مِنَ العَرَبِ، ولَكِنْ قالَ الشِّهابُ: إنَّ في ثُبُوتِ هَذِهِ اللُّغَةِ في فَصِيحِ كَلامِهِمْ تَرَدُّدًا وجَرْمَ فِيها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا وأنْ يَكُونَ فِعْلًا مَجْهُولًا سَكَنَ لِلتَّخْفِيفِ، وحَكى بَعْضُهم لا ذُو جَرَمَ، ولا …

23

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Indeed, they who have believed and done righteous deeds and humbled themselves to their Lord - those are the companions of Paradise; they will abide eternally therein.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ صَدَّقُوا بِكُلِّ ما يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِاسْتِماعِ الحَقِّ ومُشاهَدَةِ الآياتِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ والتَّدَبُّرِ فِيها، أوِ المَعْنى فَعَلُوا الإيمانَ واتَّصَفُوا بِهِ كَما في فُلانٍ يُعْطِي ويَمْنَعُ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيِ الأعْمالَ الصّالِحاتِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِها ما يَشْمَلُ التَّرْغِيبَ في سُلُوكِ سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ونَحْوِهِ مِمّا عَلى ضِدِّهِ فَرِيقُ الكُفّارِ ﴿وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ أيِ اطْمَأنُّوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ وخَشَعُوا لَهُ، وأصْلُ الإخْباتِ نُزُولُ الخَبْتِ وهو المُنْخَفِضُ مِنَ الأرْضِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى اطْمِئْنانِ النَّفْسِ والخُشُوعِ تَشْبِيهًا لِلْمَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً فِيهِ، ومِنهُ الخَبِيتُ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ لِلدَّنِيءِ، وقِيلَ: إنَّ التّاءَ بَدَلٌ مِنَ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِتِلْكَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنَ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ دائِمُونَ أبَدًا، ولَيْسَ المُرادُ حَصْرَ الخُلُودِ فِيهِمْ لِأنَّ العُصاةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ ويَخْلُدُونَ فِيها، ولَعَلَّ مَن يَدَّعِي ذَلِكَ يُرِيدُ بِنَفْيِ الخُلُودِ عَنِ العُصاةِ نَقْصَهُ مِن أوَّلِهِ كَما قِيلَ بِهِ فِيما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى

24

۞ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

The example of the two parties is like the blind and deaf, and the seeing and hearing. Are they equal in comparison? Then, will you not remember?

﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ﴾ المَذْكُورَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، أيِ: حالُهُما العَجِيبُ، وأصْلُ المَثَلِ كالمِثْلِ النَّظِيرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِقَوْلٍ شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ، ولا يَكُونُ إلّا لِما فِيهِ غَرابَةٌ وصارَ في ذَلِكَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، ومِن هُنا يُسْتَعارُ لِلْقِصَّةِ والحالِ والصِّفَةِ العَجِيبَةِ.

﴿كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾ أيْ كَحالِ مَن جَمَعَ بَيْنَ العَمى والصَّمَمِ، ومَن جَمَعَ بَيْنَ البَصَرِ والسَّمْعِ فَهُناكَ تَشْبِيهانِ: الأوَّلُ تَشْبِيهُ حالِ الكَفَرَةِ المَوْصُوفِينَ بِالتَّعامِي والتَّصامِّ عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى بِحالِ مَن خُلِقَ أعْمى أصَمَّ لا تَنْفَعُهُ عِبارَةٌ ولا إشارَةٌ، والثّانِي تَشْبِيهُ حالِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فانْتَفَعُوا بِأسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمُ اهْتِداءً إلى الجَنَّةِ وانْكِفاءً عَمّا كانُوا خابِطِينَ فِيهِ مِن ضَلالِ الكُفْرِ والدُّجْنَةِ بِحالِ مَن هو بَصِيرٌ سَمِيعٌ يَسْتَضِيءُ بِالأنْوارِ في الظَّلامِ ويَسْتَفِيءُ بِمَغانِمِ الإنْذارِ والإبْشارِ فَوْزًا بِالمَرامِ، والعَطْفُ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذَّواتِ كَما في قَوْلِهِ:

يا لَهَفَ زِيابَةَ لِلْحَرْثِ الصَّ ابِحِ فالغانِمُ فالآيِبِ

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَشْبِيهاتٌ بِأنْ يُعْتَبَرَ تَشْبِيهُ حالِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الفَرِيقِ الكافِرِ والفَرِيقِ المُؤْمِنِ بِحالِ اثْنَيْنِ، أيْ مَثَّلَ الفَرِيقَ الكافِرَ كالأعْمى ومَثَّلَهُ أيْضًا كالأصَمِّ، ومَثَّلَ الفَرِيقَ المُؤْمِنَ كالبَصِيرِ ومَثَّلَهُ أيْضًا كالسَّمِيعِ، وقَدْ يُعْتَبَرُ تَنْوِيعُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى نَوْعَيْنِ فَيُشَبَّهُ نَوْعٌ مِنَ الكُفّارِ بِالأعْمى ونَوْعٌ مِنهم بِالأصَمِّ، ويُشَبَّهُ نَوْعٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالبَصِيرِ ونَوْعٌ مِنهم بِالسَّمِيعِ، واسْتُبْعِدَ ذَلِكَ إذْ تَقْسِيمُ الكُفّارِ إلى مُشَبَّهٍ بِالأوَّلِ ومُشَبَّهٍ بِالثّانِي وكَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ غَيْرُ مَقْصُودٍ البَتَّةَ بِدَلِيلِ نَظائِرِهِ في الآياتِ الأُخَرِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ في الكُفّارِ الخُلَّصِ، وقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ في المُنافِقِينَ، ولِلْآيَةِ عَلى احْتِمالاتِها شَبَهٌ في الجُمْلَةِ بِقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العَنّابِ والحَشَفِ البالِي

فَتَدَبَّرْهُ، وقَدْ يُعْتَبَرُ التَّشْبِيهُ تَمْثِيلِيًّا بِأنْ يَنْتَزِعَ مِن حالِ الفَرِيقِ الأوَّلِ في تَصامِّهِمْ وتَعامِيهِمُ المَذْكُورَيْنِ ووُقُوعِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ في العَذابِ المُضاعَفِ والخُسْرانِ الَّذِي لا خُسْرانَ فَوْقَهُ هَيْئَةً مُنْتَزَعَةً مِمَّنْ فَقَدَ مَشْعَرَيِ البَصَرِ والسَّمْعِ

صفحة 35

فَتَخَبَّطَ في مَسْلَكِهِ فَوَقَعَ في مَهاوِي الرَّدى ولَمْ يَجِدْ إلى مَقْصِدِهِ سَبِيلًا، ويَنْتَزِعُ مِن حالِ الفَرِيقِ الثّانِي في اِسْتِعْمالِ مَشاعِرِهِمْ في آياتِ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما يَنْبَغِي وفَوْزِهِمْ بِدارِ الخُلُودِ هَيْئَةً تُشَبَّهُ بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِمَّنْ لَهُ بَصَرٌ وسَمْعٌ يَسْتَعْمِلُهُما في مُهِمّاتِهِ فَيَهْتَدِي إلى سَبِيلِهِ ويَنالُ مَرامَهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، ولَعَلَّ أظْهَرَ الِاحْتِمالاتِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا والكَلامُ مِن بابِ اللَّفِّ والنَّشْرِ، واللَّفُّ إمّا تَقْدِيرِيٌّ إنِ اعْتُبِرَ في الفَرِيقَيْنِ لِأنَّهُ في قُوَّةِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، أوْ تَحْقِيقِيٌّ إنِ اعْتُبِرَ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ …

25

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ

And We had certainly sent Noah to his people, [saying], "Indeed, I am to you a clear warner

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ الواوُ ابْتِدائِيَّةٌ واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ويُقَدَّرُ حَرْفُهُ ياءً لا واوًا وإنْ كانَ هو الشّائِعَ لِئَلّا يَجْتَمِعَ واوانِ، وبَعْضُهم يُقَدِّرُها ولا يُبالِي بِذَلِكَ.

ونُوحٌ في المَشْهُورِ ابْنُ لَمْكَ بْنِ مَتُوشَلْخَ بْنِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّهُ أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ بَعْدَهُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: بُعِثَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ مِن عُمُرِهِ ولَبِثَ يَدْعُو قَوْمَهُ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا؛ وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً وكانَ عُمُرُهُ ألْفًا وخَمْسِينَ سَنَةً، وقالَ مُقاتِلٌ: بُعِثَ وهو ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: ابْنُ خَمْسِينَ، وقِيلَ: ابْنُ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ، ومَكَثَ يَدْعُو قَوْمَهُ ما قَصَّ سُبْحانَهُ وعاشَ بَعْدَ

صفحة 36

الطُّوفانِ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً فَكانَ عُمُرُهُ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً ( إنِّي لَكم نَذِير ) بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: فَقالَ أوْ قائِلًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ مُلْتَبِسًا بِذَلِكَ الكَلامِ، وهو ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ﴾ فَلَمّا اتَّصَلَ الجارُّ فُتِحَ كَما فُتِحَ في كانَ، والمَعْنى عَلى الكَسْرِ وهو قَوْلُكَ: إنَّ زَيْدًا كالأسَدِ بِناءً عَلى أنَّ كانَ مُرَكَّبَةٌ ولَيْسَتْ حَرْفًا بِرَأْسِهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ خِلافًا لِأبِي عَلِيٍّ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَذِيرًا لِأنَّهم لَمْ يَغْتَنِمُوا مَغانِمَ إبْشارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مُبِينٌ).﴾ أيْ مُوَضِّحٌ لَكم مُوجِباتِ العَذابِ ووَجْهَ الخَلاصِ مِنهُ

26

أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍۢ

That you not worship except Allah. Indeed, I fear for you the punishment of a painful day."

﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ أيْ بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ عَلى أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ والياءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِأرْسَلْنا- و(لا) ناهِيَةٌ أيْ أرْسَلْناهُ مُلْتَبِسًا بِنَهْيِهِمْ عَنِ الإشْراكِ إلّا أنَّهُ وسَطٌ بَيْنَهُما بَيانُ بَعْضِ أوْصافِهِ لِيَكُونَ أدْخَلَ في القَبُولِ، ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ في صَدْرِ السُّورَةِ لِئَلّا يَكُونَ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ، وجَوَّزَ كَوْنَ (أنَّ) وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَفْعُولًا –لِ مُبِينٌ- أيْ مُبَيِّنًا النَّهْيَ عَنِ الإشْراكِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (أنَّ) مُفَسِّرَةً مُتَعَلِّقَةً بِأرْسَلْنا أوْ بِنَذِيرٍ أوْ بِمُبِينٍ- أيْ أرْسَلْناهُ بِشَيْءٍ أوْ نَذِيرٌ بِشَيْءٍ، أوْ مُبِينٌ شَيْئًا هو ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ لَكِنْ قِيلَ: الإنْذارُ في هَذا غَيْرُ ظاهِرٍ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فِيما مَرَّ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ فَإنَّ (لا) إلَخْ. بَدَلٌ مِن ( إنِّي لَكم ) إلَخْ.. ويُقَدَّرُ القَوْلُ بَعْدَ (أنْ) فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ أرْسَلْناهُ بِقَوْلِهِ: ( إنِّي لَكم نَذِيرٌ ) وبِقَوْلِهِ (لا تَعْبُدُوا) فَهو بَدَلُ البَعْضِ أوِ الكُلِّ عَلى المُبالَغَةِ، وادِّعاءُ (أنَّ) الإنْذارَ كُلَّهُ هُوَ، وجازَ أنْ لا يُقَدَّرَ القَوْلُ، فالأظْهَرُ حِينَئِذٍ بَدَلُ الِاشْتِمالِ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ كَذَلِكَ مُطْلَقًا إذْ لا عَلاقَةَ بَيْنَهُما بِجُزْئِيَّةٍ أوْ كُلِّيَّةٍ فَقَدْ غَفَلَ عَنْ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ المُعَلَّلَ بِهِ النَّهْيُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ وهو إنْذارٌ خاصٌّ فَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْضًا لَهُ أوْ كُلًّا عَلى الِادِّعاءِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِاليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ يَوْمَ الطُّوفانِ، ووَصْفُهُ بِالألِيمِ أيِ المُؤْلِمِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّ المُؤْلِمَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ نَزَلَ الظَّرْفُ مَنزِلَةَ الفاعِلِ نَفْسِهِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الفِعْلِ فِيهِ، فَجُعِلَ كَأنَّهُ وقَعَ الفِعْلُ مِنهُ وكَذا وُصِفَ العَذابُ بِذَلِكَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ، ويُمْكِنُ اعْتِبارُهُ هُنا أيْضًا، وجُعِلَ الجَرُّ لِلْجِوارِ ووَجْهُ التَّجَوُّزِ حِينَئِذٍ أنَّهُ جُعِلَ وصْفَ الشَّيْءِ لِقُوَّةِ تَلَبُّسِهِ بِهِ كَأنَّهُ عَيَّنَهُ فَأسْنَدَ إلَيْهِ ما يُسْنَدُ إلى الفاعِلِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ عَلى الوَجْهَيْنِ نَهارُهُ صائِمٌ وجَدَّ جَدُّهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ وصْفَ العَذابِ بِالإيلامِ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ ومِثْلُهُ يُعَدُّ فاعِلًا في اللُّغَةِ، فَيُقالُ: آلَمَهُ العَذابُ مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ قِيلَ: وهَذِهِ المَقالَةُ -وكَذا ما في مَعْناها- مِمّا قَصَّ في غَيْرِ آيَةٍ لِما لَمْ تَصْدُرْ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّةً واحِدَةً بَلْ كانَ يُكَرِّرُها في مُدَّتِهِ المُتَطاوِلَةِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا ونَهارًا﴾ الآياتِ، عُطِفَ عَلى فِعْلِ الإرْسالِ المُقارِنِ لَها أوِ القَوْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَهُ جَوابُهُمُ المُعْتَرِضُ لِأحْوالِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ بَعْدَ اللَّتَيا والَّتِي بِالفاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ فَقالَ سُبْحانَهُ:

27

فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًۭا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَٰذِبِينَ

So the eminent among those who disbelieved from his people said, "We do not see you but as a man like ourselves, and we do not see you followed except by those who are the lowest of us [and] at first suggestion. And we do not see in you over us any merit; rather, we think you are liars."

﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيِ الأشْرافُ مِنهم -وهُوَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مَلِيءٌ بِكَذا إذا كانَ قادِرًا عَلَيْهِ لِأنَّهم مُلِئُوا بِكِفايَةِ الأُمُورِ وتَدْبِيرِها، أوْ لِأنَّهم مُتَمالِئُونَ أيْ مُتَظاهِرُونَ مُتَعاوِنُونَ، أوْ لِأنَّهم يَمْلَأُونَ القُلُوبَ جَلالًا، والعُيُونَ جَمالًا، والأكُفَّ نَوالًا، أوْ لِأنَّهم مَمْلُئُونَ بِالآراءِ الصّائِبَةِ والأحْلامِ الرّاجِحَةِ عَلى أنَّهُ مِنَ المَلَأِ لازِمًا، ومُتَعَدِّيًا

صفحة 37

ووَصَفَهم بِالكُفْرِ لِذَمِّهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ لا لِأنَّ بَعْضَ أشْرافِهِمْ لَيْسُوا بِكَفَرَةٍ.

﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ أرادُوا ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا لَيْسَ فِيكَ مَزِيَّةً تَخُصُّكَ مِن بَيْنِنا بِالنُّبُوَّةِ ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَرَأيْناهُ لا أنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ لَكِنْ لا نَراهُ، وكَذا الحالُ في ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ فالفِعْلانِ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ وبَشَرًا واتَّبَعَكَ حالانِ مِنَ المَفْعُولِ بِتَقْدِيرِ قَدْ في الثّانِي أوْ بِدُونِهِ عَلى الخِلافِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ وهو الظّاهِرُ فَهُما حِينَئِذٍ المَفْعُولُ الثّانِي، وتَعَلُّقُ الرَّأْيِ في الأوَّلِ بِالمِثْلِيَّةِ لا البَشَرِيَّةُ فَقَطْ، ويُفْهَمُ مِنَ الكَشّافِ أنَّ في الآيَةِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّهم أرادُوا التَّعْرِيضَ بِأنَّهم أحَقُّ بِالنُّبُوَّةِ كَأنَّهم قالُوا: هَبْ أنَّكَ مِثْلُنا في الفَضِيلَةِ والمَزِيَّةِ مِن كَثْرَةِ المالِ والجاهِ فَلِمَ اخْتَصَصْتَ بِالنُّبُوَّةِ مِن دُونِنا؟ والثّانِي أنَّهم أرادُوا أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا، وتَعَقَّبَ هَذا بِأنَّ فِيهِ اعْتِزالًا خَفِيًّا، وقَدْ بَيَّنَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ ونُوزِعَ في ذَلِكَ فَفي الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهم (مِثْلُنا) عِلْيَةٌ لِتَحْقِيقِ البَشَرِيَّةِ، وقَوْلُهم ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ﴾ إلَخِ.. اسْتِدْلالٌ بِأنَّهم ضُعَفاءُ العُقُولِ لا تَمْيِيزَ لَهم فَجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا، وقَوْلُهُمُ الآتِي ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ تَسْجِيلٌ بِأنَّ دَعْوَةَ النُّبُوَّةِ باطِلَةٌ لِإدْخالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والأراذِلِ في سِلْكٍ عَلى أُسْلُوبٍ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أنْقَصُ البَشَرِ فَضْلًا عَنْ الِارْتِقاءِ، ولَيْسَ في هَذا الكَلامِ اعْتِزالٌ خَفِيٌّ ولا المَقامَ عَنْهُ أبِيٌّ انْتَهى.

وفِي الِانْتِصافِ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قَدْ أرادُوا الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا كَأنَّهم قالُوا: مِن حَقِّ الرَّسُولِ أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا وأنْتَ بَشَرٌ، وإنْ جازَ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا فَنَحْنُ أحَقُّ مِنكَ بِالرِّسالَةِ، ويَشْهَدُ لِإرادَتِهِمُ الأُولى قَوْلُهُ في الجَوابِ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ)،﴾ ويَشْهَدُ لِإرادَتِهِمُ الثّانِيَةُ ﴿وما نَرى لَكُمْ)..﴾ إلَخْ. والظّاهِرُ أنَّ مَقْصُودَهم لَيْسَ إلّا إثْباتَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلُهم ولَيْسَ فِيهِ مَزِيَّةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها النُّبُوَّةُ ووُجُوبُ الإطاعَةِ والاتِّباعُ، ولَعَلَّ قَوْلَهم ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ﴾ إلَخْ.. جَوابٌ عَمّا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِثْلَهم حَيْثُ اتَّبَعَهُ مَن وُفِّقَ لِاتِّباعِهِ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّهُ لَمْ يُمَيِّزْكَ اتِّباعُ مَنِ اتَّبَعَكَ فَيُوجِبُ عَلَيْنا اتِّباعَكَ لِأنَّهُ لَمْ يَتْبَعْكَ ﴿إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ أيْ أخِسّاؤُنا وأدانِينا، وهو جَمْعُ أرْذَلَ الأغْلَبُ الأقْيَسُ في مِثْلِهِ إذا أُرِيدَ جَمْعُهُ أنْ يَجْمَعَ جَمْعَ …

28

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَٰرِهُونَ

He said, "O my people have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord while He has given me mercy from Himself but it has been made unapparent to you, should we force it upon you while you are averse to it?

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ﴿يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ أخْبِرُونِي، وفِيهِ إيماءٌ إلى رَكاكَةِ رَأْيِهِمُ المَذْكُورِ ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ ﴿مِن رَبِّي﴾ وشاهِدٍ يَشْهَدُ لِي بِصِحَّةِ دَعْوايَ ﴿وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ﴾ هي النُّبُوَّةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ هي البَيِّنَةَ نَفْسَها جِيءَ بِها إيذانًا بِأنَّها مَعَ كَوْنِها بَيِّنَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى رَحْمَةٌ ونِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ، ووَجْهُ إفْرادِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ أُخْفِيَتْ عَلى هَذا ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها النُّبُوَّةُ. وبِالبَيِّنَةِ البُرْهانِ الدّالِّ عَلى صِحَّتِها، فالإفْرادُ لِإرادَةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما، أوْ لِكَوْنِ الضَّمِيرِ لِلْبَيِّنَةِ، والِاكْتِفاءُ بِذَلِكَ لِاسْتِلْزامِ خَفاءِ البَيِّنَةِ خَفاءَ المُدَّعِي، وجُمْلَةُ﴿وآتانِي رَحْمَةً﴾ عَلى هَذا مُعْتَرِضَةٌ أوْ لِكَوْنِهِ لِلرَّحْمَةِ، وفي الكَلامِ مُقَدَّرٌ أيْ أخْفَيْتُ الرَّحْمَةَ بَعْدَ إخْفاءِ البَيِّنَةِ وما يَدُلُّ عَلَيْها وحُذِفَ لِلِاخْتِصارِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُعْتَبَرٌ في المَعْنى دُونَ تَقْدِيرٍ، أوْ لِتَقْدِيرِ –عُمِّيَتْ- غَيْرِ المَذْكُورِ بَعْدَ لَفْظِ البَيِّنَةِ وحُذِفَ اخْتِصارًا، وفِيهِ تَقْدِيرُ جُمْلَةٍ قَبْلَ الدَّلِيلِ.

وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ ( فَعَمِيَتْ ) بِفَتْحِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهو مِنَ العَمى ضِدَّ البَصَرِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الخَفاءُ مَجازًا يُقالُ: حُجَّةٌ عَمْياءُ كَما يُقالُ: مُبْصِرَةٌ لِلْواضِحَةِ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ شِبْهُ خَفاءِ الدَّلِيلِ بِالعَمى في أنَّ كُلًّا مِنهُما يَمْنَعُ الوُصُولَ إلى المَقاصِدِ، ثُمَّ فَعَلَ ما لا يَخْفى عَلَيْكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ شَبَّهَ الَّذِي لا يَهْتَدِي بِالحُجَّةِ لِخَفائِها عَلَيْهِ بِمَن سَلَكَ مَفازَةً لا يَعْرِفُ طُرُقَها واتَّبَعَ دَلِيلًا أعْمى فِيها، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والأصْلُ فَعَمِيتُمْ عَنْها كَما تَقُولُ العَرَبُ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

تَرى الثَّوْرَ فِيها يَدْخُلُ الظِّلَّ رَأْسُهُ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ القَلْبَ عِنْدَ أصْحابِنا مُطْلَقًا لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ لَيْسَ مِنهُ بَلْ مِن بابِ الِاتِّساعِ في الظَّرْفِ، وكَذا الآيَةُ لَيْسَتْ مِنهُ أيْضًا لِأنَّ أخْلَفَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والوَصْفُ مِنهُ كَذَلِكَ ولَكَ أنْ تُضِيفَهُ إلى أيِّهِما شِئْتَ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ ما ذُكِرَ مِنَ القَلْبِ لَكانَ التَّعَدِّي بِعْنَ دُونَ عَلى، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: عَمِيتُ عَنْ كَذا ولا تَقُولُ: عَمِيتُ عَلى كَذا.

ورَوى الأعْمَشُ عَنْ وثّابٍ –وعَمِيَتْ- بِالواوِ الخَفِيفَةِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والسُّلَمِيُّ والحَسَنُ وغَيْرُهُمْ: فَعَمّاها عَلَيْكُمْ، عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ تَعالى، وقُرِئَ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ، وظاهِرُ ذَلِكَ مَعَ أهْلِ السُّنَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ الحَسَنَ والقَبِيحَ مِنهُ تَعالى، ولِذا أوَّلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ حِفْظًا لِعَقِيدَتِهِ ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ أيْ أنُكْرِهُكم عَلى الِاهْتِداءِ بِها، وهو جَوابُ أرَأيْتُمْ وسادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ

صفحة 40

وفِي البَحْرِ أنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَهُ ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ البَيِّنَةُ مُقَدَّرًا وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ …

29

وَيَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ

And O my people, I ask not of you for it any wealth. My reward is not but from Allah. And I am not one to drive away those who have believed. Indeed, they will meet their Lord, but I see that you are a people behaving ignorantly.

﴿ويا قَوْمِ﴾ ناداهم بِذَلِكَ تَلَطُّفًا بِهِمْ واسْتِدْراجًا لَهم ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيِ التَّبْلِيغِ المَفْهُومِ مِمّا تَقَدَّمَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْإنْذارِ، وإفْرادِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ، وقِيلَ: لِلدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ أيْ لا أطْلُبُ مِنكم عَلى ذَلِكَ ﴿مالا﴾ تُؤَدُّونَهُ إلَيَّ بَعْدَ إيمانِكُمْ، وأجْرًا لِي في مُقابَلَةِ اهْتِدائِكم ﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ فَهو سُبْحانَهُ يُثِيبُنِي عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ، ولا بُدَّ حَسَبَ وعْدِهِ الَّذِي لا يُخْلَفُ فالمُرادُ بِالأجْرِ الأجْرُ عَلى التَّبْلِيغِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ الأجْرُ عَلى الطّاعَةِ مُطْلَقًا، ويَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفي التَّعْبِيرِ بِالمالِ أوَّلًا وبِالأجْرِ ثانِيًا ما لا يَخْفى مِن مَزِيَّةِ ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى ما عِنْدَهم ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قِيلَ: هو جَوابٌ عَمّا لَوَّحُوا بِهِ بِقَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ مِن أنَّهُ لَوِ اتَّبَعَهُ الأشْرافُ لَوافَقُوهم وإنَّ اتِّباعَ الفُقَراءِ مانِعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ كَما صَرَّحُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ فَكانَ ذَلِكَ التِماسًا مِنهم لِطَرْدِهِمْ وتَعْلِيقًا لِإيمانِهِمْ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ أنَفَةً مِن الِانْتِظامِ مَعَهم في سِلْكٍ واحِدٍ، انْتَهى، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهم قالُوا لَهُ يا نُوحُ: إنْ أحْبَبْتَ أنْ نَتْبَعَكَ فاطْرُدْ هَؤُلاءِ، وإلّا فَلَنْ نَرْضى أنْ نَكُونَ نَحْنُ وهم في الأمْرِ سَواءً وذَلِكَ كَما قالَ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في فُقَراءِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ: اطْرُدْ هَؤُلاءِ عَنْكَ ونَحْنُ نَتْبَعُكَ فَإنّا نَسْتَحِي أنْ نَجْلِسَ مَعَهم في مَجْلِسِكَ، فَهو جَوابٌ عَمّا لَمْ يُذْكَرْ في النَّظْمِ الكَرِيمِ لَكِنَّ فِيهِ نَوْعَ إشارَةٍ إلَيْهِ، وقُرِئَ (بِطارِدٍ) بِالتَّنْوِينِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ، يَعْنِي أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ فَأصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ، واسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ قَدْ يُقالُ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما شَبَهُهُ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهٌ بِغَيْرِ جِنْسِهِ والآخَرُ شَبَهُهُ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، وإلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، انْتَهى، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ أوْلَوِيَّةَ إلْحاقِهِ بِالأسْماءِ إنَّما يَتِمُّ القَوْلُ بِها إذا كانَتِ الإضافَةُ في الأسْماءِ هي الأصْلَ ولَيْسَ فَلَيْسَ.

﴿إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلِامْتِناعِ مِن طَرْدِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: لا أطْرُدُهم ولا أُبْعِدُهم عَنْ مَجْلِسِي لِأنَّهم مِن أهْلِ الزُّلْفى المُقَرَّبُونَ الفائِزُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وانْفِهامُ الفَوْزِ بِمَعُونَةِ المَقامِ وإلّا فَمُلاقاةُ اللَّهِ تَعالى تَكُونُ لِلْفائِزِ وغَيْرِهِ أوْ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ فَيُخاصِمُونَ طارِدَهم عِنْدَهُ فَيُعاقِبُهُ عَلى ما فَعَلَ -وحَمَلَهُ عَلى أنَّهم مُصَدِّقُونَ في الدُّنْيا بِلِقاءِ رَبِّهِمْ مُوقِنُونَ بِهِ عالِمُونَ أنَّهم مُلاقُوهُ لا مَحالَةَ فَكَيْفَ أطْرُدُهُمْ- خِلافَ الظّاهِرِ عَلى أنَّ هَذا التَّصْدِيقَ مِن تَوابِعِ الإيمانِ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّهم يُلاقُونَهُ تَعالى فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ …

30

وَيَٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

And O my people, who would protect me from Allah if I drove them away? Then will you not be reminded?

﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مَن اللَّهِ﴾ أيْ مَن يَصُونُنِي مِنهُ تَعالى ويَدْفَعُ عَنِّي حُلُولَ سُخْطِهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، أيْ: لا يَنْصُرُنِي أحَدٌ مِن ذَلِكَ إنْ طَرَدْتُهم وأبْعَدْتُهم عَنِّي وهم بِتِلْكَ المَثابَةِ والزُّلْفى مِنهُ تَعالى، وفي الكَلامِ ما لا يَخْفى مِن تَهْوِيلِ أمْرِ طَرْدِهِمْ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ أتَسْتَمِرُّونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الجَهْلِ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ما ذُكِرَ مِن حالِهِمْ حَتّى تَعْرِفُوا أنَّ ما تَأْتُونَهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّوابِ، قِيلَ: ولِكَوْنِ هَذِهِ العِلَّةِ مُسْتَقِلَّةً بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ ظاهِرِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُوبِ الِامْتِناعِ عَنِ الطَّرْدِ أُفْرِدَتْ عَنِ التَّعْلِيلِ السّابِقِ وصُدِّرَتْ بِيا قَوْمِ- .

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.