Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 1–10 of 109

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْحَكِيمِ

Alif, Lam, Ra. These are the verses of the wise Book

صفحة 58

سُورَةُ يُونُسَ

مَكِّيَّةٌ عَلى المَشْهُورِ واسْتَثْنى مِنها بَعْضُهم ثَلاثَ آياتٍ 1 ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ﴾ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ قالَ: إنَّها نَزَلَتْ في المَدِينَةِ، وحَكى ابْنُ الفُرْسِ والسَّخاوِيُّ أنَّ مِن أوَّلِها إلى رَأْسِ أرْبَعِينَ آيَةً مَكِّيٌّ والباقِي مَدَنِيٌّ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رِوايَتانِ فَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ ومِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ عَنْهُ أنَّها مَكِّيَّةٌ وأخْرَجَ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ عَنْهُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ الرِّوايَةُ الأُولى، وآياتُها مِائَةٌ وتِسْعٌ عِنْدَ الجَمِيعِ غَيْرَ الشّامِيِّ فَإنَّها عِنْدَهُ مِائَةٌ وعَشْرُ آياتٍ

ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِسُورَةِ بَراءَةَ أنَّ الأُولى خُتِمَتْ بِذِكْرِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهَذِهِ ابْتُدِئَتْ بِهِ وأيْضًا أنَّ في الأُولى بَيانًا لِما يَقُولُهُ المُنافِقُونَ عِنْدَ نُزُولِ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ وفي هَذِهِ بَيانٌ لِما يَقُولُهُ الكُفّارُ في القُرْآنِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ الآيَةَ وقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ وأيْضًا في الأوْلى ذَمُّ المُنافِقِينَ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ والتَّذَكُّرِ إذا أصابَهُمُ البَلاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ عَلى أحَدِ الأقْوالِ وفي هَذِهِ ذَمٌّ لِمَن يُصِيبُهُ البَلاءُ فَيَرْعَوِي ثُمَّ يَعُودُ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إلى أنْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ وأيْضًا في الأُولى بَراءَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُشْرِكِينَ مَعَ الأمْرِ بِقِتالِهِمْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وفي هَذِهِ بَراءَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن عَمَلِهِمْ لَكِنْ مِن دُونِ أمْرٍ بِقِتالٍ بَلْ أُمِرَ فِيها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُظْهِرَ البَراءَةَ فِيها عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِالإعْراضِ وتَخْلِيَةِ السَّبِيلِ كَما قِيلَ عَلى ضِدِّ ما في الأُولى وهَذا نَوْعٌ مِنَ المُناسَبَةِ أيْضًا وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والعَجَبُ مِنَ الجَلالِ السُّيُوطِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَيْفَ لَمْ يَلُحْ لَهُ في تَناسُقِ الدُّرَرِ وجْهُ المُناسَبَةِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ وذِكْرُ وجْهِ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ وقَدْ يُوجَدُ في الأسْقاطِ ما لا يُوجَدُ في الأسْفاطِ

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الر﴾ بِتَفْخِيمِ الرّاءِ المَفْتُوحَةِ وهو الأصْلُ وأمالَ أبُو عَمْرٍو وبَعْضُ القُرّاءِ إجْراءً لِألِفِ الرّاءِ مَجْرى الألِفِ …

2

أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌۭ مُّبِينٌ

Have the people been amazed that We revealed [revelation] to a man from among them, [saying], "Warn mankind and give good tidings to those who believe that they will have a [firm] precedence of honor with their Lord"? [But] the disbelievers say, "Indeed, this is an obvious magician."

﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ تَعَجُّبِهِمْ ولِتَعْجِيبِ السّامِعِينَ مِنهُ لِوُقُوعِهِ في غَيْرِ مَحَلِّهِ والمُرادُ بِالنّاسِ كُفّارُ العَرَبِ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِاسْمِ

صفحة 60

الجِنْسِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكُفْرِهِمُ الَّذِي هو المَدارُ لِتَعَجُّبِهِمْ كَما تَعَرَّضَ لَهُ فِيما بَعْدُ لِتَحْقِيقِ ما فِيهِ مِنَ الشَّرِكَةِ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَهم وتَعْيِينِ مَدارِ التَّعْجِيبِ في زَعْمِهِمْ ثُمَّ تَبْيِينِ خَطَئِهِمْ وإظْهارِ بُطْلانِ زَعْمِهِمْ بِإيرادِ الإنْكارِ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿عَجَبًا﴾ كَما هو القاعِدَةُ في نَعْتِ النَّكِرَةِ إذا تَقَدَّمَ عَلَيْها وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِعَجَبًا بِناءً عَلى التَّوَسُّعِ المَشْهُورِ في الظُّرُوفِ وبَعْضُهم جَعَلَها مُتَعَلِّقَةً بِهِ لا عَلى طَرِيقِ المَفْعُولِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ

عَجِبْتُ لِسَعْيِ الدَّهْرِ بَيْنِي وبَيْنَها

بَلْ عَلى طَرِيقِ التَّبْيِينِ كَما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ وسُقْيا لَكَ ومِثْلَ ذَلِكَ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلى المَصْدَرِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا قَوْلٌ بِالتَّعَلُّقِ بِمُقَدَّرٍ في التَّحْقِيقِ وقِيلَ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ لِأنَّهُ بِمَعْنى المُعْجَبِ والمَصْدَرُ إذا كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أوْ فاعِلٍ يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ وجُوِّزَ أيْضًا تَعَلُّقُهُ بِكانَ وإنْ كانَتْ ناقِصَةً بِناءً عَلى جَوازِهِ و﴿عَجَبًا﴾ خَبَرُ كانَ قُدِّمَ عَلى اسْمِها وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ لِكَوْنِهِ مَصَبَّ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ وتَشْوِيقًا إلى المُؤَخَّرِ ولِأنَّ في الِاسْمِ ضَرْبَ تَفْصِيلٍ فَفي تَقْدِيمِهِ رِعايَةٌ لِلْأصْلِ نَوْعُ إخْلالٍ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (عَجَبٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وهو نَكِرَةٌ والخَبَرُ ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ وهو مَعْرِفَةٌ لِأنَّ أنَّ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ المُضافِ إلى المَعْرِفَةِ فَهو كَقَوْلِ حَسّانَ:

كَأنَّ سَبِيئَةً مِن بَيْنِ رَأْسٍ يَكُونُ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ

وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى القَلْبِ وفي قَبُولِهِ مُطْلَقًا أوْ إذا تَضَمَّنَ لَطِيفَةً خِلافٌ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ اشْتِراطُ التَّضَمُّنِ وهو غَيْرُ ظاهِرٍ هُنا، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ جِنِّيٍّ أنَّهُ قالَ: إنَّما جازَ ذَلِكَ في البَيْتِ مِن حَيْثُ كانَ عَسَلٌ وماءٌ جِنْسَيْنِ فَكَأنَّهُ قالَ: يَكُونُ مِزاجُها العَسَلَ والماءَ ونَكِرَةُ الجِنْسِ تُفِيدُ مُفادَ مَعْرِفَتِهِ ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: خَرَجْتُ فَإذا أسَدٌ بِالبابِ أيْ فَإذا الأسَدُ بِالبابِ لا فَرْقَ بَيْنَهُما لِأنَّكَ في المَوْضِعَيْنِ لا تُرِيدُ أسَدًا مُعَيَّنًا ولِهَذا لَمْ يَجُزْ هَذا في قَوْلِكَ: كانَ قائِمٌ أخاكَ وكانَ جالِسٌ أباكَ لِأنَّهُ لَيْسَ في جالِسٍ وقائِمٍ مَعْنى الجِنْسِيَّةِ الَّتِي تَتَلاقى مَعْنى نَكِرَتِها ومَعْرِفَتِها

ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا كانَ الوَحْيَ لِلنّاسِ هَذا الجِنْسَ مِنَ الفِعْلِ وهو التَّعَجُّبُ ولا يَخْفى أنَّ المَصْدَرَ المُتَحَصِّلَ هو المَصْدَرُ المُضافُ إلى المَعْرِفَةِ كَما سَمِعْتَ فاعْتِبارُهُ مُحَلًّى بِألِ الجِنْسِيَّةِ خِلافُ الظّاهِرِ وأجازَ بَعْضُهُمُ الإخْبارَ عَنِ المَعْرِفَةِ بِالنَّكِرَةِ في بابِ النَّواسِخِ خاصَّةً سَواءٌ كانَ هُناكَ نَفْيٌ أوْ ما في حُكْمِهِ أمْ لا. وابْنُ جِنِّيٍّ يُجَوِّزُ ذَلِكَ إذا كانَ نَفْيٌ أوْ ما في حُكْمِهِ ولا يُجَوِّزُ إذا لَمْ يَكُنْ وفي الآيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ عَلى النّاسِخِ وهو في حُكْمِ النَّفْيِ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَ …

3

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

Indeed, your Lord is Allah, who created the heavens and the earth in six days and then established Himself above the Throne, arranging the matter [of His creation]. There is no intercessor except after His permission. That is Allah, your Lord, so worship Him. Then will you not remember?

﴿إنَّ رَبَّكُمُ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِإظْهارِ بُطْلانِ تَعَجُّبِهِمُ المَذْكُورِ وما تَبِعَهُ مِن تِلْكَ المَقالَةِ الباطِلَةِ غَبَّ الإشارَةِ إلَيْهِ بِالإنْكارِ والتَّعْجِيبِ وحَقَّقَ فِيهِ حَقِّيَّةَ ما تَعَجَّبُوا مِنهُ وصِحَّةُ ما أنْكَرُوهُ بِالتَّنْبِيهِ الإجْمالِيِّ عَلى بَعْضِ ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن شُئُونِ الخَلْقِ والتَّقْدِيرِ وأحْوالِ التَّكْوِينِ والتَّدْبِيرِ ويُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَتِها بِأدْنى تَذْكِيرٍ لِاعْتِرافِهِمْ بِهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ غَيْرُ ما آيَةٍ في الكِتابِ الكَرِيمِ والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ عَلى ما هو الظّاهِرُ أيْ أنَّ رَبَّكم ومالِكَ أمْرِكِمُ الَّذِي تَعْجَبُونَ مِن أنْ يُرْسِلَ إلَيْكم رَجُلًا مِنكم بِالإنْذارِ والتَّبْشِيرِ وتَعُدُّونَ ما أوْحى إلَيْهِ مِنَ الكِتابِ سِحْرًا هو ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ أوْقاتٍ فالمُرادُ مِنَ اليَوْمِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وهو مُطْلَقُ الوَقْتِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ تِلْكَ الأيّامَ مِن أيّامِ الآخِرَةِ الَّتِي يَوْمٌ مِنها كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ وقِيلَ: هي مِقْدارُ سِتَّةِ أيّامٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ بِخَلْقِ هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ في مِثْلِ تِلْكَ المُدَّةِ اليَسِيرَةِ ولِأنَّهُ تَعْرِيفٌ لَنا بِما نَعْرِفُهُ ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِاليَوْمِ اليَوْمُ المَعْرُوفُ لِأنَّهُ كَما قِيلَ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ الأرْضِ وهو مِمّا لا يُتَصَوَّرُ تَحَقُّقُهُ حِينَ لا أرْضَ ولا سَماءَ واليَوْمَ بِهَذا المَعْنى يُسَمّى النَّهارَ المُفْرَدَ ويُطْلَقُ اليَوْمُ أيْضًا عَلى مَجْمُوعِ ذَلِكَ النَّهارِ ولَيْلَتِهِ ومِقْدارُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ مُمْكِنُ الإرادَةِ هُنا أيْضًا وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الأكابِرِ بِأنَّ المُرادَ بِالسَّماواتِ ما عَدا المُحَدَّدَ وأنَّ اليَوْمَ هُنا عِبارَةٌ عَنْ مُدَّةِ دَوْرَةٍ تامَّةٍ لَهُ ولا يَخْفى أنَّ اليَوْمَ اللُّغَوِيَّ يَتَناوَلُ هَذا أيْضًا إلّا أنَّ إرادَتَهُ كَإرادَةِ مِقْدارِ مَجْمُوعِ النَّهارِ ولَيْلَتِهِ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ ولَيْسَ ذَلِكَ أمْرًا مَعْرُوفًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ لِيَسْتَغْنِيَ عَنِ النَّقْلِ عَلى أنَّ القَوْلَ بِهِ يَدُورُ عَلى كَوْنِ المُحَدَّدِ مُتَحَرِّكًا بِالحَرَكَةِ الوَضْعِيَّةِ ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى النَّقْلِ أيْضًا وكَذا يَدُورُ عَلى كَوْنِ المُحَدَّدِ خارِجًا عَنِ السَّماواتِ المَخْلُوقَةِ في الأيّامِ السِّتِّ لَكِنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ إذِ الآياتُ والأخْبارُ شاهِدَةٌ بِالخُرُوجِ كَما لا يَخْفى وفي خَلْقِها مُدْرَجًا مَعَ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى إبْداعِها في طَرْفَةِ عَيْنٍ اعْتِبارٌ لِلنُّظّارِ وحَثٌّ لَهم عَلى التَّأنِّي في الأحْوالِ والأطْوارِ وفِيهِ أيْضًا عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ دَلِيلٌ عَلى الِاخْتِيارِ وأمّا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالعَدَدِ المُعَيَّنِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ أمْرٌ قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ ما يَسْتَدْعِيهِ عَلّامُ الغُيُوبِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ودَقَّتْ حِكْمَتُهُ وقِيلَ إنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِكُلٍّ مِن خَلْقِ مَوادِّ السَّماواتِ وصُوَرِها ورَبْطِ بَعْضِها بِبَعْضٍ وخَلْقِ مادَّةِ الأرْضِ وصُورَتِها ورَبْطِ إحْداهُما بِالأُخْرى وقْتًا فَلِذا صارَتِ الأوْقاتُ سِتًّا وفِيهِ تَأمُّلٌ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الدُّخانِ تَحْقِيقُ هَذا المَطْلَبِ عَلى وجْهٍ يَنْكَشِفُ بِهِ الغُبارُ عَنْ بَصائِرِ النّاظِرِينَ

وإيثارُ جَمْعِ السَّماواتِ لِما هو …

4

إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ

To Him is your return all together. [It is] the promise of Allah [which is] truth. Indeed, He begins the [process of] creation and then repeats it that He may reward those who have believed and done righteous deeds, in justice. But those who disbelieved will have a drink of scalding water and a painful punishment for what they used to deny.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ كالتَّعْلِيلِ لِوُجُوبِ العِبادَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُتَقَدِّمٌ و﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لا اسْمُ مَكانٍ خِلافًا لِمَن وهِمَ فِيهِ و﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ لِكَوْنِهِ فاعِلًا في المَعْنى أيْ إلَيْهِ تَعالى رُجُوعُكم مُجْتَمِعِينَ لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ بِالبَعْثِ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ لِأنَّها وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِالبَعْثِ وحَيْثُ كانَتْ لا تَحْتَمِلُ غَيْرَ الوَعْدِ كانَ ذَلِكَ مِن أفْرادِ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِنَفْسِهِ عِنْدَهم كَما في قَوْلِكَ: لَهُ عَلَيَّ ألْفٌ عُرْفًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ وعَدَ اللَّهُ وعْدًا وأيّا ما كانَ فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرُّجُوعِ الرُّجُوعُ بِالبَعْثِ لِأنَّ ما بِالمَوْتِ بِمَعْزِلٍ عَنِ الوَعْدِ كَما أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الِاجْتِماعِ فَما وقَعَ في بَعْضِ نُسَخِ القاضِي بِالمَوْتِ أوِ النُّشُورِ لَيْسَ عَلى ما يَنْبَغِي

وقُرِئَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ بِصِيغَةِ الفِعْلِ ورَفْعِ الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى الفاعِلِيَّةِ ﴿حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الأوَّلُ وهو مِن قِسْمِ المُؤَكِّدِ لِغَيْرِهِ لِأنَّ الأوَّلَ لَيْسَ نَصًّا فِيهِ فَإنَّ الوَعْدَ يَحْتَمِلُ الحَقِّيَّةَ والتَّخَلُّفَ وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِوَعَدَ عَلى تَقْدِيرِ - في - وتَشْبِيهُهُ بِالظَّرْفِ كَقَوْلِهِ: أفِي الحَقِّ أنِّي هائِمٌ بِكِ مُغْرَمٌ

والأوَّلُ أظْهَرُ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِما أفادَهُ ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ فَإنَّ غايَةَ البَدْءِ والإعادَةِ هو الجَزاءُ بِما يَلِيقُ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ (أنَّهُ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَقْدِيرِ لِأنَّهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمِثْلِ ما نَصَبَ (وعْدَ) أيْ وعَدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَدْءَ الخَلْقِ ثُمَّ إعادَتَهُ أيْ إعادَتَهُ بَعْدَ بَدْئِهِ ويَكُونُ الوَعْدُ واقِعًا عَلى المَجْمُوعِ لَكِنْ بِاعْتِبارِ الجُزْءِ الأخِيرِ لِأنَّ البَدْءَ لَيْسَ مَوْعُودًا وأنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِمِثْلِ ما نَصَبَ حَقًّا أيْ حَقَّ بَدْءُ الخَلْقِ ثُمَّ إعادَتُهُ نَظِيرُ قَوْلِ الحَماسِيِّ:

أحَقًّا عِبادَ اللَّهِ أنْ لَسْتُ رائِيًا رِفاعَةَ طُولَ الدَّهْرِ إلّا تَوَهُّمًا

وعَنِ المَرْزُوقِيِّ أنَّهُ خَرَّجَهُ عَلى النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وهو إمّا خَبَرٌ مُقَدَّمٌ أوْ ظَرْفٌ مُعْتَمَدٌ وزُعِمَ أنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ بِوَعْدَ اللَّهِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والرَّفْعُ بِحَقًّا عَلى أنَّهُ فاعِلٌ لَهُ وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَيْنِ العامِلَيْنِ في المَصْدَرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ هُما اللَّذانِ يَعْمَلانِ فِيما ذُكِرَ لا فِعْلانِ آخَرانِ مِثْلُهُما وحِينَئِذٍ يَفُوتُ أمْرُ التَّأْكِيدِ الَّذِي ذَكَرْناهُ لِأنَّ فاعِلَ العامِلِ بِالمَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى ما تَقَدَّمَهُ مِمّا أكَّدَهُ وقُرِئَ (حَقٌّ أنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ) وهو كَقَوْلِكَ: حَقٌّ أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ وقُرِئَ (يُبْدِئُ) مِن أبْدَأ ولَعَلَّ المُرادَ مِنَ الخَلْقِ نَحْوَ المُكَلَّفِينَ لا ما يَعُمُّ ذَلِكَ والجَماداتِ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ مَعْنى الآيَةِ يُحْيِي الخَلْقَ ثُمَّ يُمِيتُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ وهو حالٌ …

5

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءًۭ وَٱلْقَمَرَ نُورًۭا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

It is He who made the sun a shining light and the moon a derived light and determined for it phases - that you may know the number of years and account [of time]. Allah has not created this except in truth. He details the signs for a people who know

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِهِ تَعالى ووَحْدَتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ بِآثارِ صَنِيعِهِ في النَّيِّرَيْنِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِما مَرَّ وبَيانٌ لِبَعْضِ أفْرادِ التَّدْبِيرِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ إشارَةً إجْمالِيَّةً وإرْشادٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ حِينَ دَبَّرَ أُمُورَهُمُ المُتَعَلِّقَةَ بِمَعاشِهِمْ هَذا التَّدَبُّرَ البَدِيعَ فَلَأنْ يُدَبِّرَ مَصالِحَهُمُ المُتَعَلِّقَةَ بِمَعادِهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ أوْلى وأحْرى، أوْ جَعَلَ إمّا بِمَعْنى أنْشَأ وأبْدَعَ فَضِياءً حالٌ مِن مَفْعُولِهِ وإمّا بِمَعْنى صَيَّرَ فَهو مَفْعُولُهُ الثّانِي، والكَلامُ عَلى حَدِّ - ضِيقِ فَمِ القِرْبَةِ - إذْ لَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ خالِيَةً عَنْ تِلْكَ الحالَةِ وهي عَلى ما قِيلَ مَأْخُوذَةٌ مِن شِمْسَةِ القِلادَةِ لِلْخَرَزَةِ الكَبِيرَةِ وسَطُها وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أعْظَمُ الكَواكِبِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ ويَشْهَدُ لَهُ الحِسُّ وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ الهَيْئَةِ ومِنهم مَن قالَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها في الفَلَكِ الأوْسَطِ بَيْنَ أفْلاكِ العُلْوِيَّةِ وبَيْنَ أفْلاكِ الثَّلاثَةِ الأُخَرِ وهو أمْرٌ ظَنِّيٌّ لَمْ تَشْهَدْ لَهُ الأخْبارُ النَّبَوِيَّةُ كَما سَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والضِّياءُ مَصْدَرٌ كَقِيامٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ: كَوْنُهُ جَمْعًا كَحَوْضٍ وحِياضٍ وسَوْطٍ وسِياطٍ أقْيَسُ مِن كَوْنِهِ مَصْدَرًا وتُعُقِّبَ بِأنَّ إفْرادَ النُّورِ فِيما بَعْدُ يُرَجِّحُ الأوَّلَ وياؤُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها وأصْلُ الكَلامِ جَعَلَ الشَّمْسَ ذاتَ ضِياءٍ

ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ المَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أيْ مُضِيئَةً وأنْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ مُضافٍ فَيُفِيدَ المُبالَغَةَ بِجَعْلِها نَفْسَ الضِّياءِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ضِئاءً بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُما ألِفٌ والوَجْهُ فِيهِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ: أنْ يَكُونَ آخِرَ الياءِ وقَدَّمَ الهَمْزَةَ فَلَمّا وقَعَتِ الياءُ طَرَفًا بَعْدَ ألْفِ زائِدَةٍ قُلِبَتْ هَمْزَةً عِنْدَ قَوْمٍ وعِنْدَ آخَرِينَ قُلِبَتْ ألْفًا ثُمَّ قُلِبَتِ الألِفُ هَمْزَةً لِئَلّا يَجْتَمِعَ ألِفانِ ﴿والقَمَرَ نُورًا﴾ أيْ ذا نُورٍ أوْ مُنِيرًا أوْ نَفْسَ النُّورِ عَلى حَدِّ ما تَقَدَّمَ آنِفًا والنُّورُ قِيلَ: أعَمُّ مِنَ الضَّوْءِ بِناءً عَلى أنَّهُ ما قَوِيَ مِنَ النُّورِ والنُّورُ شامِلٌ لِلْقَوِيِّ والضَّعِيفِ والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَشْبِيهُ هُداهُ الَّذِي نَصَبَهُ لِلنّاسِ بِالنُّورِ المَوْجُودِ في اللَّيْلِ أثْناءَ الظَّلامِ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ هُداهُ كالنُّورِ في الظَّلامِ فَيُهْدى قَوْمٌ ويَضِلُّ آخَرُونَ ولَوْ جَعَلَهُ كالضِّياءِ الَّذِي لا يَبْقى مَعَهُ ظَلامٌ لَمْ يَضِلَّ أحَدٌ وهو مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ وفِيهِ نَظَرٌ وقِيلَ: هُما مُتَبايِنانِ فَما كانَ بِالذّاتِ فَهو ضِياءٌ وما كانَ بِالعَرَضِ فَهو نُورٌ ولِكَوْنِ الشَّمْسِ نَيِّرَةً بِنَفْسِها نُسِبَ إلَيْها الضِّياءُ ولِكَوْنِ نُورِ القَمَرِ مُسْتَفادًا مِنها نَسَبَ إلَيْهِ النُّورَ وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ الثّانِي بِأنَّ ذَلِكَ قَوْلُ الحُكَماءِ ولَيْسَ مِنَ اللُّغَةِ في شَيْءٍ فَإنَّهُ شاعَ نُورُ الشَّمْسِ ونُورُ النّارِ

صفحة 68

ونَحْنُ قَدْ بَسَطْنا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ وفي كِتابِنا الطِّرازِ المُذَهَّبِ وأتَيْنا فِيهِ هُدًى لِلنّاظِرِينَ

بَقِيَ أنَّ حَدِيثَ الِاسْتِفادَةِ المَذْكُورَةِ سَواءٌ …

6

إِنَّ فِى ٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَّقُونَ

Indeed, in the alternation of the night and the day and [in] what Allah has created in the heavens and the earth are signs for a people who fear Allah

﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ تَنْبِيهٌ آخَرُ إجْمالِيٌّ عَلى ما ذُكِرَ أيْ في تَعاقُبِهِما وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما خِلْفَةً لِلْآخَرِ بِحَسَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها التّابِعَيْنِ عِنْدَ أكْثَرِ الفَلاسِفَةِ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ حَوْلَ مَرْكَزِهِ عَلى خِلافِ التَّوالِي فَإنَّهُ يَلْزَمُها حَرَكَةُ سائِرِ الأفْلاكِ وما فِيها مِنَ الكَواكِبِ عَلى ما تَقَدَّمَ مَعَ سُكُونِ الأرْضِ وهَذا في أكْثَرِ المَواضِعِ وأمّا في عَرْضِ تِسْعِينَ فَلا يَطَّلِعُ شَيْءٌ ولا يَغْرُبُ بِتِلْكَ الحَرَكَةِ أصْلًا بَلْ بِحَرَكاتٍ أُخْرى وكَذا فِيما يَقْرُبُ مِنهُ قَدْ يَقَعُ طُلُوعٌ وغُرُوبٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ وتُسَمّى تِلْكَ الحَرَكَةُ الحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ وجَعَلَها بَعْضُهم بِتَمامِها لِلْأرْضِ وجَعَلَ آخَرُونَ بَعْضَها لِلْأرْضِ وبَعْضَها لِلْفَلَكِ الأعْظَمِ والمَشْهُورُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُحْدَثِينَ أنَّ الشَّمْسَ نَفْسَها تَجْرِي مُسَخَّرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى في بَحْرٍ مَكْفُوفٍ فَتَطْلُعُ وتَغْرُبُ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى

صفحة 72

ولا حَرَكَةَ لِلسَّماءِ وإلى مَثَلِ ذَلِكَ ذَهَبَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِاخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ تَفاوُتُهُما في أنْفُسِهِما بِازْدِيادِ كُلٍّ مِنهُما بِانْتِقاصِ الآخَرِ وانْتِقاصُهُ بِازْدِيادِهِ وهو ناشِئٌ عِنْدَهم مِنِ اخْتِلافِ حالِ الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا قُرْبًا وبُعْدًا بِسَبَبِ حَرَكَتِها الثّانِيَةِ الَّتِي بِها تَخْتَلِفُ الأزْمِنَةُ وتَنْقَسِمُ السَّنَةُ إلى فُصُولٍ وقَدْ يَتَساوى اللَّيْلُ والنَّهارُ في بَعْضِ الأزْمانِ عِنْدَ بَعْضٍ وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا اتَّفَقَ حُلُولُ الشَّمْسِ نُقْطَةَ الِاعْتِدالِ عِنْدَ الطُّلُوعِ أوِ الغُرُوبِ وكانَ الأوْجُ في أحَدِ الِاعْتِدالَيْنِ فَإنَّهُ إذا تَحَقَّقَ الأوَّلُ كانَ قَوْسُ النَّهارِ كَقَوْسِ اللَّيْلِ وإذا تَحَقَّقَ الثّانِي كانَ الأمْرُ بِالعَكْسِ وهَذا نادِرٌ جِدًّا ولا يُمْكِنُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَطْلَيْمُوسُ مِن عَدَمِ حَرَكَةِ الأوْجِ فَلا يَتَساوى اللَّيْلُ والنَّهارُ عِنْدَهُ أصْلًا، وقَدْ يُرادُ اخْتِلافُهُما بِحَسَبِ الأمْكِنَةِ أمّا في الطُّولِ والقَصْرِ فَإنَّ البِلادَ القَرِيبَةَ مِنَ القُطْبِ الشَّمالِيِّ أيّامُها الصَّيْفِيَّةُ أطْوَلُ ولَيالِيها الصَّيْفِيَّةُ أقْصَرُ مِن أيّامِ البِلادِ البَعِيدَةِ مِنهُ ولَيالِيها وأمّا في أنْفُسِهِما فَإنَّ كُرِّيَّةَ الأرْضِ عَلى ما قالُوا تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ بَعْضُ الأوْقاتِ في بْعَضِ الأماكِنِ لَيْلًا وفي مُقابِلِهِ نَهارًا

﴿وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ المَصْنُوعاتِ المُتْقَنَةِ والآثارِ المُحْكَمَةِ ﴿لآياتٍ﴾ . عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ دالَّةٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ تَعالى ووَحْدَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وبالِغِ حِكْمَتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَةِ مُقْتَضَياتِهِ ما أنْكَرُوا مِن إرْسالِ الرَّسُولِ وإنْزالِ الكِتابِ وتَبْيِينِ طَرائِقِ الهُدى وتَعْيِينِ مَهاوِي الرَّدى ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ 6﴾ اللَّهَ تَعالى ويَحْذَرُونَ مِنَ العاقِبَةِ وخَصَّصَهم سُبْحانَهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ التَّقْوى هي الدّاعِيَةُ لِلنَّظَرِ والتَّدَبُّرِ

7

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ

Indeed, those who do not expect the meeting with Us and are satisfied with the life of this world and feel secure therein and those who are heedless of Our signs

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ بَيانٌ لِما آلَ أمْرُ مَن كَفَرَ بِالبَعْثِ المُشارِ إلَيْهِ فِيما سَبَقَ، وأعْرَضَ عَنِ البَيِّناتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ والمُرادُ بِلِقائِهِ تَعالى شَأْنُهُ إمّا الرُّجُوعُ إلَيْهِ بِالبَعْثِ أوْ لِقاءِ الحِسابِ وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ مَعَ الِالتِفاتِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ ما لا يَخْفى

والرَّجاءُ يُطْلَقُ عَلى تَوَقُّعِ الخَيْرِ كالأمَلِ وعَلى الخَوْفِ وتَوَقُّعِ الشَّرِّ وعَلى مُطْلَقِ التَّوَقُّعِ وهو في الأوَّلِ حَقِيقَةٌ وفي الأخِيرَيْنِ مَجازٌ واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ المَعْنى المَجازِيَّ الأخِيرَ المُنْتَظِمَ لِلْأمَلِ والخَوْفِ فالمَعْنى لا يَتَوَقَّعُونَ الرُّجُوعَ إلَيْنا أوْ لِقاءَ حِسابِنا المُؤَدِّيَ إلى حُسْنِ الثَّوابِ أوْ إلى سُوءِ العِقابِ فَلا يَأْمُلُونَ الأوَّلَ ولا يَخافُونَ الثّانِيَ ويُشِيرُ إلى عَدَمِ أمَلِهِمْ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَإنَّهُ مُنْبِئٌ عَنْ إيثارِ الأدْنى الخَسِيسِ عَلى الأعْلى النَّفِيسِ وإلى عَدَمِ خَوْفِهِمْ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ فَإنَّ المُرادَ أنَّهم سَكَنُوا فِيها سُكُونَ مَن لا بَراحُ لَهُ آمَنِينَ مِنِ اعْتِراءِ المُزْعِجاتِ غَيْرَ مُخْطِرِينَ بِبالِهِمْ ما يَسُوءُهم مِنَ العَذابِ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالرَّجاءِ المَعْنى الأوَّلُ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ لا يُؤَمِّلُونَ حُسْنَ لِقائِنا بِالبَعْثِ والإحْياءِ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ ورَضُوا بَدَلًا مِنها ومِمّا فِيها مِنَ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ بِالحَياةِ الدُّنْيا الفانِيَةِ الدَّنِيَّةِ وسَكَنُوا إلَيْها مُكَبِّينَ عَلَيْها قاصِرِينَ مَجامِعَ هِمَمِهِمْ عَلى لَذائِذِها وزَخارِفِها مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ المَعْنى الثّانِي والكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْضًا أيْ لا يَخافُونَ سُوءَ لِقائِنا الَّذِي يَجِبُ أنْ يُخافَ وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَلِمَةَ الرِّضا بِالحَياةِ الدُّنْيا تَأْبى ذَلِكَ فَإنَّها مُنْبِئَةٌ عَمّا تَقَدَّمَ مِن تَرْكِ الأعْلى وأخْذِ الأدْنى وقالَ الإمامُ: إنَّ حَمْلَ الرَّجاءِ عَلى الخَوْفِ بَعِيدٌ لِأنَّ تَفْسِيرَ الضِّدِّ بِالضِّدِّ غَيْرُ جائِزٍ ولا يَخْفى أنَّهُ في حَيِّزِ المَنعُ فَقَدْ ورَدَ ذَلِكَ في اسْتِعْمالِهِمْ وذَكَرَهُ الرّاغِبُ

صفحة 73

والإمامُ المَرْزُوقِيُّ وأنْشَدُوا شاهِدًا لَهُ قَوْلَ أبِي ذُؤَيْبٍ:

إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعُها وحالَفَها في بَيْتِ نَوْبِ عَوامِلَ ووَجَّهَ

ذَلِكَ الرّاغِبُ بِأنَّ الرَّجاءَ والخَوْفَ يَتَلازَمانِ وأمّا الِاعْتِراضُ عَلى الإمامِ بِأنَّ اسْتِعْمالَ الضِّدِّ في الضِّدِّ جائِزٌ في الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ مَقْصُودَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ في غَيْرِ الِاسْتِعارَةِ المَذْكُورَةِ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَفْسِيرٌ دُونَ اسْتِعارَةٍ ثُمَّ إنَّهُ لا يَجُوزُ اعْتِبارُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ هُنا لِأنَّ التَّهَكُّمَ غَيْرُ مُرادٍ كَما لا يَخْفى، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَّرْنا في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّ الباءَ لِلظَّرْفِيَّةِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ عَلى مَعْنى سَكَنُوا بِسَبَبِ زِينَتِها وزَخارِفِها واخْتِيارُ صِيغَةِ الماضِي في الخَصْلَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ كَما أنَّ اخْتِيارَ صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في الأوْلى لِلْإيذانِ بِالِاسْتِمْرارِ ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا﴾ المُفَصَّلَةِ في صَحائِفِ الأكْوانِ حَسْبَما أُشِيرَ إلى بَعْضِها أوْ آياتِنا المُنَزَّلَةِ المُنَبِّهَةِ عَلى …

8

أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

For those their refuge will be the Fire because of what they used to earn.

﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ ﴿مَأْواهُمُ﴾ أيْ مَسْكَنُهم ومَقَرُّهُمُ الذِّي لا بَراحَ لَهم مِنهُ ﴿النّارُ﴾ لا ما اطْمَأنُّوا بِهِ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ونَعِيمِها ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ 8﴾ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ المَعْدُودَةِ وما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ المَعاصِي أوْ يُكْسِبُهم ذَلِكَ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ الواقِعَةُ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ جُوزُوا وجُمْلَةُ (أُولَئِكَ) الخَبَرُ. إنَّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ﴾ إلَخْ

9

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمْ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - their Lord will guide them because of their faith. Beneath them rivers will flow in the Gardens of Pleasure

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ويَنْدَرِجُ فِيهِ الإيمانُ بِالآياتِ الَّتِي غَفَلَ عَنْها الغافِلُونَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا وقَدْ يَخُصُّ المُتَعَلِّقَ بِذَلِكَ نَظَرًا لِلْمَقامِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ في أنْفُسِها اللّائِقَةِ بِالإيمانِ وتَرَكَ ذِكْرَ المَوْصُوفِ لِجَرَيانِ الصِّفَةِ مَجْرى الأسْماءِ ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ أيْ يَهْدِيهِمْ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ إلى مَأْواهم ومَقْصِدِهِمْ وهي الجَنَّةُ وإنَّما تُذْكَرُ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِها وانْسِياقِ النَّفْسِ إلَيْها لا سِيَّما مَعَ مُلاحَظَةِ ما سَبَقَ مِن بَيانِ مَأْوى الكَفَرَةِ وما أدّاهم إلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ومُشاهَدَةِ ما لَحِقَ مِنَ التَّلْوِيحِ والتَّصْرِيحِ.

صفحة 74

والمُرادُ بِهَذا الإيمانِ الَّذِي جُعِلَ سَبَبًا لَمّا ذُكِرَ الإيمانُ الخاصُّ المَشْفُوعُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ لا المُجَرَّدُ عَنْها ولا ما هو الأعَمُّ ولا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ في ذَلِكَ كَبْشانِ والآيَةُ عَلَيْهِ بِمَعْزِلٍ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ مِن أنَّ الإيمانَ الخالِيَ عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ يُفْضِي إلى الجَنَّةِ في الجُمْلَةِ ولا يُخَلَّدُ صاحِبُهُ في النّارِ فَإنَّ مَنطُوقَها أنَّ الإيمانَ المَقْرُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ سَبَبٌ لِلْهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ وأمّا أنْ كَلَّ ما هو سَبَبٌ لَها يَجِبُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَلا دَلالَةَ لَها ولا لِغَيْرِها عَلَيْهِ كَيْفَ لا وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ مُنادٍ بِخِلافِهِ بِناءً عَلى ما أطْبَقُوا عَلَيْهِ مِن تَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِالشِّرْكِ ولَئِنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ أيْضًا يَدْخُلُ في الِاهْتِداءِ مَن آمَنَ ولَمْ يَعْمَلْ صالِحًا ثُمَّ ماتَ قَبْلَ أنْ يَظْلِمَ بِفِعْلٍ حَرامٍ أوْ بِتَرْكِ واجِبٍ وإلى حَمْلِ الإيمانِ عَلى ما قُلْنا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وقالَ: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ المُعْتَبَرَ في الهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ هو الإيمانُ المُقَيَّدُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ ووَجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّهُ جَعَلَ فِيها الصِّلَةَ مَجْمُوعَ الأمْرَيْنِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ثُمَّ قِيلَ: بِإيمانِهِمْ أيْ هَذا المَضْمُومِ إلَيْهِ العَمَلُ الصّالِحُ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ مِنهُ مَبْنِيٌّ عَلى الِاعْتِزالِ وخُلُودِ غَيْرِ الصّالِحِ في النّارِ ثُمَّ قالَ إنَّهُ لا دِلالَةَ في الآيَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ لِأنَّهُ جَعَلَ سَبَبَ الهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ مُطْلَقُ الإيمانِ وأمّا أنَّ إضافَتَهُ الى ضَمِيرِ الصّالِحِينَ يَقْتَضِي أخْذَ الصَّلاحِ قَيْدًا في التَّسَبُّبِ فَمَمْنُوعٌ فَإنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الذَّواتِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الصِّفاتِ وأيْضًا فَإنَّ كَوْنَ الصِّلَةِ عِلَّةً لِلْخَبَرِ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ فَلا يُعارِضُ السَّبَبَ الصَّرِيحَ المَنطُوقَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ خَبَرٍ عَنِ المَوْصُولِ يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ ألا تَرى أنَّ نَحْوَ الَّذِي كانَ مَعَنا بِالأمْسِ فَعَلَ كَذا خالٍ عَمّا يَذْكُرُونَهُ في نَحْوِ الَّذِي يُؤْمِنُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ وانْتَصَرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ بِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ظاهِرٌ في أنَّهُما السَّبَبُ والتَّصْرِيحُ بِسَبَبِيَّةِ الإيمانِ المُضافِ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ ذَلِكَ الإيمانُ المَقْرُونُ بِما مَعَهُ لا المُطْلَقُ لَكِنَّهُ ذُكِرَ لِأصالَتِهِ وزِيادَةِ شَرَفِهِ ولا يَلْزَمُ عَلى …

10

دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌۭ ۚ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Their call therein will be, "Exalted are You, O Allah," and their greeting therein will be, "Peace." And the last of their call will be, "Praise to Allah, Lord of the worlds!"

﴿دَعْواهُمْ﴾ أيْ دُعاؤُهم وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿فِيها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ خَبَرُهُ أيْ دُعاؤُهم هَذا الكَلامَ والدَّعْوى وإنِ اشْتُهِرَتْ بِمَعْنى الِادِّعاءِ لَكِنَّها ورَدَتْ بِما ذَكَرْنا أيْضًا وكَوْنُ الخَبَرِ مِن جِنْسِ الدُّعاءِ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أكْثَرُ دُعائِي ودُعاءِ الأنْبِياءِ قَبْلِي بِعَرَفاتٍ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» . والظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَ الدُّعاءِ عَلى ذَلِكَ مَجازٌ وهو الَّذِي يَفْهَمُهُ كَلامُ ابْنِ الأثِيرِ حَيْثُ قالَ: إنَّما سُمِّيَ التَّهْلِيلُ والتَّحْمِيدُ والتَّمْجِيدُ دُعاءً لِأنَّهُ بِمَنزِلَتِهِ في اسْتِيجابِ ثَوابِ اللَّهِ تَعالى وجَزائِهِ وفي الحَدِيثِ: إذا شَغَلَ عَبْدِي ثَناؤُهُ عَلَيَّ عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ. وجاءَتْ بِمَعْنى العِبادَةِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وجُوِّزَ إرادَتُهُ هُنا والمُرادُ نَفْيُ التَّكْلِيفِ أيْ لا عِبادَةَ لَهم غَيْرُ هَذا القَوْلِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِعِبادَةٍ وإنَّما يُلْهِمُونَهُ ويَنْطِقُونَ بِهِ تَلَذُّذًا لا تَكْلِيفًا ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ وفِيهِ خَفاءٌ كَما لا يَخْفى وقَدْ يُقالُ: يَأْتِي نَظِيرُ هَذا في الآيَةِ عَلى احْتِمالِ أنْ يُرادَ بِالدَّعْوى الدُّعاءُ حَقِيقَةً فَيَكُونُ المَعْنى عَلى طَرْزِ ما قَرَّرَ أنَّهُ لا سُؤالَ لَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى سِوى ذَلِكَ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسُؤالٍ فَيُفِيدُ أنَّهُ لا سُؤالَ لَهم أصْلًا

والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الإشارَةُ إلى حُصُولِ جَمِيعِ مَقاصِدِهِمْ بِالفِعْلِ فَلَيْسَ بِهِمْ حاجَةٌ إلى سُؤالِ شَيْءٍ إلّا أنَّ فِيهِ ما فِيهِ ونَصْبُ سُبْحانَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا وهو بِمَعْنى التَّسْبِيحِ وقُدِّرَتِ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً أيْ أنّا نُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا لِأنَّها أبْلَغُ والجُمَلُ الَّتِي بَعْدَها كَذَلِكَ و﴿اللَّهُمَّ﴾ بِتَقْدِيرِ يا أللَّهُ حَذَفَ حَرْفَ النِّداءِ وعَوَّضَ عَنْهُ المِيمَ وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ وفِيما قَبْلَهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَكَ فَتَذَكَّرْ وكانَ القِياسُ تَقْدِيمَ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِأنَّ النِّداءَ يُقَدَّمُ عَلى الدُّعاءِ لَكِنَّهُ اسْتُعْمِلَ في التَّسْبِيحِ كَذَلِكَ قِيلَ: لِأنَّهُ تَنْزِيهٌ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ وفي النِّداءِ رُبَّما يُتَوَهَّمُ تَرْكُ الأدَبِ

﴿وتَحِيَّتُهُمْ﴾ أيْ ما يُحَيُّونَ بِهِ ﴿فِيها سَلامٌ﴾ أيْ سَلامَتُهم مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ وهو خَبَرُ (تَحِيَّتُهُمْ) و﴿فِيها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِها، والتَّحِيَّةُ التَّكْرِمَةُ بِالحالِ الجَلِيلَةِ وأصْلُها أحْياكَ اللَّهُ تَعالى حَياةً طَيِّبَةً وإضافَتُها هُنا إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ إمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ أيْ تَحِيَّةُ اللَّهِ تَعالى إيّاهم ذَلِكَ ويُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أوِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ﴾ .

صفحة 76

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ إلى الفاعِلِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا آخِرُ ذَلِكَ وقَدْ يَعْتَبِرُ البَعْضُ المُقَدَّرَ مَفْعُولًا فالإضافَةُ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا أُضِيفَ فِيهِ المَصْدَرُ لِفاعِلِهِ ومَفْعُولِهِ مَعًا …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.