Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 91–100 of 123

91

قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًۭا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًۭا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَٰكَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍۢ

They said, "O Shu'ayb, we do not understand much of what you say, and indeed, we consider you among us as weak. And if not for your family, we would have stoned you [to death]; and you are not to us one respected."

﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ أيْ ما نَفْهَمُ ذَلِكَ كَأنَّهم جَعَلُوا كَلامَهُ المُشْتَمِلَ عَلى فُنُونِ الحِكَمِ والمَواعِظِ وأنْواعِ العُلُومِ والمَعارِفِ إذْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ ولَمْ يَجِدُوا إلى مُحاوَرَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ سَبِيلًا مِن قَبِيلِ التَّخْلِيطِ والهَذَيانِ الَّذِي لا يُفْهَمُ مَعْناهُ ولا يُدْرَكُ فَحْواهُ، وقِيلَ: قالُوا ذَلِكَ اسْتِهانَةً بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن لا يَعْبَأُ بِهِ: لا أدْرِي ما تَقُولُ، ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ مُغايَرَةٍ لِلْأوَّلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَوَجُّهِهِمْ إلى سَماعِ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَزِيدِ نَفْرَتِهِمْ عَنْهُ أوْ لِغَباوَتِهِمْ وقُصُورِ عُقُولِهِمْ، قِيلَ: وقَوْلُهم كَثِيرًا لِلْفِرارِ عَلى المُكابَرَةِ ولا يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ الكُلُّ وإنْ ورَدَ في اللُّغَةِ لِأنَّ مِمّا تَقُولُ يَأْبى ذَلِكَ، كَما أنَّ كَثِيرًا مِنهم يَأْبى حَمْلَ كَلامِهِمْ هَذا عَلى أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ القَبُولِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهم إنَّما لَمْ يَفْقَهُوا كَثِيرًا مِمّا يَقُولُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ ألْثَغَ، وأظُنُّ أنَّهُ لَمْ يُفْصِحْ بِذَلِكَ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَلى أنَّ ظاهِرَ ما جاءَ مِن وصْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ خَطِيبُ الأنْبِياءِ يَأْبى ذَلِكَ، ولَعَلَّ صِيغَةَ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِالِاسْتِمْرارِ ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا﴾ أيْ فِيما بَيْنَنا ﴿ضَعِيفًا﴾ لا قُوَّةَ لَكَ ولا قُدْرَةَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الضُّرِّ والنَّفْعِ والإيقاعِ والدَّفْعِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وسُفْيانِ الثَّوْرِيِّ وأبِي صالِحٍ تَفْسِيرُ الضَّعِيفِ بِالأعْمى وهي لُغَةُ أهْلِ اليَمَنِ، وذَلِكَ كَما يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ ضَرِيرًا، وهو مِن بابِ الكِنايَةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ البَعْضُ، وإطْلاقُ البَصِيرِ عَلَيْهِ كَما هو شائِعٌ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ تَلْمِيحًا، وضَعَّفَ هَذا التَّفْسِيرَ بِأنَّ التَّقْيِيدَ بِقَوْلِهِمْ: فِينا بَصِيرٌ لَغْوٌ؛ لِأنَّ مَن كانَ أعْمى يَكُونُ أعْمى فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ وإرادَةٌ لازِمَةٌ وهي الضَّعْفُ بَيْنَ مَن يَنْصُرُهُ ويُعادِيهِ، ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ، ومِن هُنا قالَ الإمامُ: جَوَّزَ بَعْضُ أصْحابِنا العَمى عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَكِنْ لا يَحْسُنُ الحَمْلُ عَلَيْهِ هُنا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُصَحَّحَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ فِيهِمْ أعْمى وما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أمْرًا عارِضًا وذَهَبَ.

والأخْبارُ المَرْوِيَّةُ عَمَّنْ ذَكَرْنا في شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ نَقِفْ عَلى تَصْحِيحٍ لَها سِوى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَإنَّ الحاكِمَ صَحَّحَ بَعْضَ طُرُقِهِ لَكِنَّ تَصْحِيحَ الحاكِمِ كَتَضْعِيفِ ابْنِ الجَوْزِيِّ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، ورُبَّما يُقالُ فِيهِ نَحْوُ ما قِيلَ في يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَدْ أخْرَجَ الواحِدِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «بَكى شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حُبِّ اللَّهِ تَعالى حَتّى عَمِيَ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بَصَرَهُ وأوْحى إلَيْهِ: يا شُعَيْبُ ما هَذا البُكاءُ أشَوْقًا إلى الجَنَّةِ أمْ خَوْفًا مِنَ النّارِ، فَقالَ: لا ولَكِنِ اعْتَقَدْتُ حُبَّكَ بِقَلْبِي فَإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ فَلا أُبالِي ما الَّذِي تَصْنَعُ بِي، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ يا شُعَيْبُ إنْ …

92

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَهْطِىٓ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ

He said, "O my people, is my family more respected for power by you than Allah? But you put Him behind your backs [in neglect]. Indeed, my Lord is encompassing of what you do.

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ مِن نَبِيِّ اللَّهِ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ كَما قالَ العَلّامَةُ وغَيْرُهُ: إنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمُ اخْتِصاصَهُ بِنَفْيِ العِزَّةِ بَلْ مُجَرَّدُ الإخْبارِ بِعَدَمِ عِزَّتِهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَسْتَقِمْ هَذا الجَوابُ ولَمْ يَكُنْ مُطابِقًا لِمَقالِهِمْ، إذْ لا دَلالَةَ لِنَفْيِ العِزَّةِ عَنْهُ عَلى ثُبُوتِها لِلْغَيْرِ، وإنَّما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ اخْتِصاصُهُ بِنَفْيِ العِزَّةِ.

واعْتَرَضَ صاحِبُ الإيضاحِ بِأنَّ هَذا مِن بابِ: أنا عارِفٌ، وهو لا يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ وِفاقًا، وإنَّما يُفِيدُهُ التَّقْدِيمُ عَلى الفِعْلِ مِثْلَ أنا عَرَفْتُ، وكَوْنُ المُشْتَقّاتِ قَرِيبَةً مِنَ الأفْعالِ في التَّقْوى لا يَقْتَضِي كَوْنَها كالأفْعالِ في الِاخْتِصاصِ، والتَّمَسُّكُ بِالجَوابِ ضَعِيفٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِقَوْلِهِمْ: (لَوْلا رَهْطُك لَرَجَمْناك) فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ رَهْطَهُ هُمُ الأعِزَّةُ حَيْثُ كانَ الِامْتِناعُ عَنْ رَجْمِهِ بِسَبَبِهِمْ لا بِسَبَبِهِ، ومَعْلُومٌ بِحَسَبِ الحالِ والمَقامِ أنَّ ذَلِكَ لِعِزَّتِهِمْ لا لِخَوْفِهِمْ، وتَعَقَّبَهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ بِأنَّ صاحِبَ الكَشّافِ صَرَّحَ بِالتَّخْصِيصِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ فَكَيْفَ يُقالُ: بابُ أنا عارِفٌ، لا يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ اتِّفاقًا، وإنَّ جَعْلَهُ جَوابًا -لِما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ- هو الظّاهِرُ بِأنْ يُجْعَلَ التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ فَيَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ أصْلِ العِزَّةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ودَلالَةٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ عَلى اشْتِراكِ العِزَّةِ فَلا يُلائِمُهُ ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: فَإنْ قِيلَ: شَرْطُ التَّخْصِيصِ عِنْدَ السَّكاكِيِّ أنْ يَكُونَ المُقَدَّمُ

صفحة 125

بِحَيْثُ إذا أُخِّرَ كانَ فاعِلًا مَعْنَوِيًّا، ولا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِيما نَحْنُ فِيهِ، قُلْنا: إنَّ الصِّفَةَ بَعْدَ النَّفْيِ تَسْتَقِلُّ مَعَ فاعِلِها كَلامًا، فَجازَ أنْ يُقالَ: ما عَزِيزٌ أنْتَ- عَلى أنْ يَكُونَ أنْتَ تَأْكِيدًا لِلْمُسْتَتِرِ ثُمَّ يُقَدَّمُ ويَدْخُلُ الباءُ عَلى –عَزِيزٍ- بَعْدَ تَقْدِيمِ أنْتَ وجَعْلِهِ مُبْتَدَأً، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ مِمّا يَلِي حَرْفَ النَّفْيِ وكانَ الخَبَرُ صِفَةً، وقَدْ صَرَّحَ صاحِبُ الكَشّافِ وغَيْرُهُ بِإفادَةِ التَّقْدِيمِ الحَصْرَ في ذَلِكَ كُلِّهِ، وأمّا صُورَةُ الإثْباتِ نَحْوُ -أنا عارِفٌ- فَلا يَجْرِي فِيها ذَلِكَ، فَلا يُفِيدُ عِنْدَهُ تَخْصِيصًا وإنْ كانَ مُفِيدًا إيّاهُ عِنْدَ مَن لا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ.

وأجابَ صاحِبُ الكَشْفِ عَمّا قالَهُ صاحِبُ الإيضاحِ بَعْدَ نَقْلِ خُلاصَتِهِ: بِأنَّ ما فِيهِ الخَبَرُ وصْفًا كَما يُقارِبُ ما فِيهِ الخَبَرُ فِعْلًا في إفادَةِ التَّقْوى عَلى ما سَلَّمَهُ المُعْتَرِضُ يُقارِبُهُ في إفادَةِ الحَصْرِ لِذَلِكَ الدَّلِيلِ بِعَيْنِهِ، وأنَّ قَوْلَهُمْ: ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ كَفى بِهِ دَلِيلًا أنَّ حَقَّ الكَلامِ أنْ يُفادَ التَّخْصِيصُ لا أصْلُ العِزِّ، فَفَهْمُهُ مِن ذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَهُ جَوابًا لِهَذا الكَلامِ، بَلْ يُؤَكِّدُهُ، وقَدْ صَرَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِإفادَةِ نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ الِاحْتِمالَيْنِ في ﴿إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها)،﴾ وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (لَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ) وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ مِن بابِ الطَّرْدِ والعَكْسِ عِنادًا …

93

وَيَٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَٰمِلٌۭ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَٰذِبٌۭ ۖ وَٱرْتَقِبُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌۭ

And O my people, work according to your position; indeed, I am working. You are going to know to whom will come a punishment that will disgrace him and who is a liar. So watch; indeed, I am with you a watcher, [awaiting the outcome]."

﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ غايَةَ تَمَكُّنِكم مِن أمْرِكم وأقْصى اسْتِطاعَتِكم وإمْكانِكم وهو مَصْدَرُ مَكَّنَ يُقالُ: مَكَّنَ مَكانَةً إذا تَمَكَّنَ أبْلَغُ والمِيمُ عَلى هَذا أصْلِيَّةٌ، وفي البَحْرِ يُقالُ: المَكانُ والمَكانَةُ مَفْعَلٌ ومَفْعَلَةٌ

صفحة 127

مِنَ الكَوْنِ والمِيمُ حِينَئِذٍ زائِدَةٌ، وفَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ المَكانَةَ بِالحالِ يُقالُ: عَلى مَكانَتِكَ يا فُلانُ إذا أمَرْتَهُ أنْ يَثْبُتَ عَلى حالِهِ كَأنَّكَ قُلْتَ: اثْبُتْ عَلى حالِكَ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها لا تَنْحَرِفُ، وهو مِنِ اسْتِعارَةِ العَيْنِ لِلْمَعْنى كَما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وحاصِلُ المَعْنى هَهُنا اثْبُتُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَشاقَّةِ لِي وسائِرِ ما لا خَيْرَ فِيهِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ -مَكاناتِكُمْ- عَلى الجَمْعِ وهو بِاعْتِبارِ جَمْعِ المُخاطَبِينَ كَما أنَّ الإفْرادَ بِاعْتِبارِ الجِنْسِ، والجارُّ والمَجْرُورُ كَما قالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ عَلى تَضْمِينِ الفِعْلِ عَلى مَعْنى البِناءِ ونَحْوِهِ كَما تَقُولُ: عَمِلَ عَلى الجِدِّ وعَلى القُوَّةِ ونَحْوَهُما، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ اعْمَلُوا قارِّينَ وثابِتِينَ عَلى مَكانَتِكم.

﴿إنِّي عامِلٌ﴾ عَلى مَكانَتِي حَسْبَما يُؤَيِّدُنِي اللَّهُ تَعالى ويُوَفِّقُنِي بِأنْواعِ التَّأْيِيدِ والتَّوْفِيقِ وكَأنَّهُ حُذِفَ عَلى مَكانَتِي لِلِاخْتِصارِ ولِما فِيهِ مِن زِيادَةِ الوَعِيدِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ ناشِئٍ مِن تَهْدِيدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإيّاهم بِقَوْلِهِ ( اعْمَلُوا ) إلَخْ كَأنَّ سائِلًا مِنهم سَألَ فَماذا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقِيلَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ولِذا سَقَطَتِ الفاءُ وذُكِرَتْ في آيَةِ الأنْعامِ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ الوَعِيدَ ناشِئٌ ومُتَفَرِّعٌ عَنْ إصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ والتَّمَكُّنِ فِيهِ، وما هُنا أبْلُغُ في التَّهْوِيلِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُسْألُ عَنْهُ ويُعْتَنى بِهِ، والسُّؤالُ المُقَدَّرُ يَدُلُّ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الفاءُ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَكْثِيرِ المَعْنى بِتَقْلِيلِ اللَّفْظِ، وكَأنَّ الدّاعِيَ إلى الإتْيانِ بِالأبْلَغِ هُنا دُونَ ما تَقَدَّمَ أنَّ القَوْمَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بالَغُوا في الِاسْتِهانَةِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَلَغُوا الغايَةَ في ذَلِكَ فَناسَبَ أنْ يُبالِغَ لَهم في التَّهْدِيدِ ويَبْلُغَ فِيهِ الغايَةَ وإنْ كانُوا في عَدَمِ الِانْتِفاعِ كالأنْعامِ وما فِيها نَحْوَ ذَلِكَ.

وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ الفُضَلاءِ: إنَّ اخْتِيارَ إحْدى الطَّرِيقَيْنِ ثَمَّةَ والأُخْرى هُنا وإنْ كانَ مِثْلُهُ لا يُسْألُ عَنْهُ لِأنَّهُ دَوْرِيٌّ، لِأنَّ أوَّلَ الذِّكْرَيْنِ يَقْتَضِي التَّصْرِيحَ فَيُناسِبُ في الثّانِي خِلافَهُ، انْتَهى، وهو دُونَ ما قُلْناهُ و(مَن) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ قِيلَ: مَوْصُولَةٌ مَفْعُولُ العِلْمِ وهو بِمَعْنى العِرْفانِ وجُمْلَةُ (يَأْتِيهِ العَذابُ) صِلَةُ المَوْصُولِ وجُمْلَةُ ( يُخْزِيهِ ) صِفَةُ ( عَذابٌ ) ووَصَفَهُ بِالإخْزاءِ تَعْرِيضًا بِما أوْعَدُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الرَّجْمِ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ عَذابًا فِيهِ خِزْيٌ ظاهِرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن هو كاذِبٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ( مَن يَأْتِيهِ ) و(مَن) أيْضًا مَوْصُولَةٌ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ (مَن) في المَوْضِعَيْنِ اسْتِفْهامِيَّةً والعِلْمُ عَلى بابِهِ وهي مُعَلِّقَةٌ لَهُ عَنِ العَمَلِ.

واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ المَوْصُولِيَّةَ ولَيْسَ هَذا العَطْفُ مِن عَطْفِ …

94

وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَٰرِهِمْ جَٰثِمِينَ

And when Our command came, We saved Shu'ayb and those who believed with him, by mercy from Us. And the shriek seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone

﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا كَما يُنْبِئُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إلَخْ.. أوْ وقْتُهُ فَإنَّ الِارْتِقابَ يُؤْذِنُ بِذَلِكَ ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ وهو الإيمانُ الَّذِي وفَّقْناهم لَهُ أوْ بِرَحْمَةٍ كائِنَةٍ لَهُمْ، وإنَّما جِيءَ بِالفاءِ في قِصَّتَيْ ثَمُودَ ولُوطٍ حَيْثُ قِيلَ: ( فَلَمّا جاءَ أمْرنا ) وبِالواوِ هَهُنا وفي قِصَّةِ عادٍ حَيْثُ قِيلَ: ( ولَمّا جاءَ ) إلَخْ؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ هُناكَ سابِقَةَ الوَعْدِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ وهو يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ المُقْتَضِي لِدُخُولِ الفاءِ في مَعْلُولِهِ، وأمّا هَهُنا وفي قِصَّةِ عادٍ فَلَمْ يَسْبِقْ مِثْلُ ذَلِكَ بَلْ ذَكَرَ مَجِيءَ العَذابِ عَلى أنَّهُ قِصَّةٌ بِنَفْسِهِ وما قَبْلَهُ قِصَّةٌ أُخْرى لَكِنَّهُما مُتَعَلِّقانِ بِقَوْمٍ واحِدٍ فَهُما مُتَشارِكانِ مِن وجْهٍ مُفْتَرِقانِ مِن آخَرَ وذَلِكَ مَقامُ الواوِ كَذا قِيلَ.

وتَعَقَّبَ في الكَلامِ هَهُنا ذِكْرَ الوَعْدِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( يا قَوْمٌ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم ) إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿رَقِيبٌ﴾ غايَةُ الأمْرِ أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ بِلَفْظِ الوَعْدِ ومِثْلُهُ لا يَكْفِي في الفَرْقِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الفاءِ في المَوْضِعَيْنِ لِقُرْبِ عَذابِ قَوْمِ صالِحٍ ولُوطٍ لِلْوَعْدِ المَذْكُورِ، فَإنَّ بَيْنَ الأوَّلِينَ والعَذابِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وبَيْنَ الآخَرِينَ وبَيْنَهُ ما بَيْنَ قَوْلِ المَلائِكَةِ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ والصُّبْحُ: وهي سُوَيْعاتٌ يَسِيرَةٌ ولا كَذَلِكَ عَذابُ قَوْمَيْ شُعَيْبٍ وهُودٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، بَلْ في قِصَّةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يُشْعِرُ بِعَدَمِ تَضْيِيقِ زَمانِ مَجِيءِ العَذابِ بِناءً عَلى الشّائِعِ في اسْتِعْمالِ -سَوْفَ- عَلى أنَّ مَن أنْصَفَ مِن نَفْسِهِ لَمْ يَشُكَّ في الفَرْقِ بَيْنَ الوَعْدِ في قِصَّتَيْ صالِحٍ ولُوطٍ عَلَيْهِما السَّلامُ والوَعْدِ في غَيْرِهِما، فَإنَّ الإشْعارَ بِالمَجِيءِ فِيهِما ظاهِرٌ فَحَسُنَ تَفْرِيعُهُ بِالفاءِ ولا كَذَلِكَ في غَيْرِهِما، كَذا قِيلَ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى التَّفْرِقَةِ بِالقُرْبِ

صفحة 129

وعَدَمِهِ أقَلُّ غائِلَةٍ مِمّا قِيلَ، وكَذا مِمّا يُقالُ: مِن أنَّ الإتْيانَ بِالفاءِ -لِتَقَدُّمِ الوَعْدِ، وتَرْكُها وإنْ كانَ هُناكَ وعْدٌ لِلْإشارَةِ إلى سُوءِ حالِ أُولَئِكَ القَوْمَيْنِ ومَزِيدِ فَظاعَتِهِ حَتّى أنَّ العَذابَ حَلَّ بِهِمْ لا لِسَبَبِ سَبْقِ الوَعْدِ بَلْ لِمُجَرَّدِ ظُلْمِهِمْ، وكَأنَّ وجْهَ اعْتِبارِ ذَلِكَ فِيهِمْ دُونَ قَوْمَيْ لُوطٍ وصالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ أنَّهُمُ امْتازُوا عَنْهم بِرَمْيِ ذَيْنَكِ النَّبِيَّيْنِ بِالجُنُونِ ومُشافَهَتِهِما بِما لَمْ يُشافِهْ بِهِ كُلٌّ مِن قَوْمَيْ صالِحٍ ولُوطٍ نَبِيَّهُ فِيما قَصَّ عَنْهُما في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، فَإنَّ في ذَلِكَ ما لا يَكادُ يَخْفى عَلَيْكَ فَتَدَبَّرْ ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وإشْعارًا بِالعِلْيَةِ أيْ وأخَذَتْ أُولَئِكَ الظّالِمِينَ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ الَّذِي فُصِّلَ ﴿الصَّيْحَةُ﴾ قِيلَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهَلَكُوا وكانَتْ صَيْحَةً عَلى الحَقِيقَةِ، وجَوَّزَ البَلْخِيُّ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها نَوْعًا مِنَ العَذابِ، والعَرَبُ تَقُولُ: صاحَ بِهِمُ الزَّمانُ إذا هَلَكُوا، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

فَدَعْ عَنْكَ نَهْبًا (صِيحَ) في حُجُراتِهِ ولَكِنْ حَدِيثُ ما حَدِيثُ …

95

كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ

As if they had never prospered therein. Then, away with Madyan as Thamud was taken away.

﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ أيْ لَمْ يُقِيمُوا ﴿فِيها﴾ مُتَصَرِّفِينَ في أطْرافِها مُتَقَلِّبِينَ في أكْنافِها، والجُمْلَةُ إمّا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ حالٌ بَعْدَ حالٍ.

﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ العُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ لِلْمُبالَغَةِ في تَفْظِيعِ حالِهِمْ ولِيَكُونَ أنْسَبَ بِمَن شَبَّهَ هَلاكَهم بِهَلاكِهِمْ، وإنَّما شَبَّهَ هَلاكَهم بِهَلاكِهِمْ لِأنَّ عَذابَ كُلٍّ كانَ بِالصَّيْحَةِ غَيْرَ أنَّهُ رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ صَيْحَةَ ثَمُودَ كانْتْ مِن تَحْتِهِمْ، وصَيْحَةُ مَدْيَنَ كانَتْ مِن فَوْقِهِمْ.

وقَرَأ السِّلْمِيُّ وأبُو حَيْوَةَ (بَعُدَتْ) بِضَمِّ العَيْنِ، والجُمْهُورُ بِكَسْرِها عَلى أنَّهُ مِن بَعِدَ يَبْعَدُ بِكَسْرِ العَيْنِ في الماضِي وفَتْحِها في المُضارِعِ بِمَعْنى هَلَكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ:

يَقُولُونَ: (لا تَبْعُدُ) وهم يَدْفِونني وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا

وأمّا بَعُدَ يَبْعُدُ بِالضَّمِّ فَهو البُعْدُ ضِدُّ القُرْبِ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قِيلَ: أرادَتِ العَرَبُ بِهَذا التَّغْيِيرِ الفَرْقَ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مِنَ العَرَبِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ الهَلاكِ والبُعْدِ الَّذِي هو ضِدُّ القُرْبِ، وفي القامُوسِ البُعْدُ المَعْرُوفُ والمَوْتُ، وفِعْلُهُما كَكَرُمَ وفَرِحَ بُعْدًا وبَعَدًا بِفَتْحَتَيْنِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ بَعُدَ بِالضَّمِّ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وبَعِدَ بِالكَسْرِ في الشَّرِّ خاصَّةً، وكَيْفَما كانَ الأمْرُ فالمُرادُ بِبَعِدَتْ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ أيْضًا هَلَكَتْ غايَةُ الأمْرِ أنَّهُ في ذَلِكَ إمّا حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ، ومَن هَلَكَ فَقَدْ بَعُدَ ونَأى كَما قالَ الشّاعِرُ:

ومَن كانَ بَيْنَكَ في التُّرابِ وبَيْنَهُ ∗∗∗ شَهْرانِ فَهو في غايَةِ (البُعْدِ)

صفحة 130

وفِي الآيَةِ ما يُسَمّى الِاسْتِطْرادَ، قِيلَ: ولَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ مِن هَذا النَّوْعِ إلّا ما في هَذا المَوْضِعِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ في أشْعارِها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:

إنْ كُنْتِ كاذِبَةً الَّذِي حَدَّثْتِنِي ∗∗∗ فَنَجَوْتُ مَنجى الحَرْثِ بْنِ هِشامِ

تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونَهم ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمَّرَةٍ ولِجامِ

* * *

هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في قِصَّةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ ذِي نَفْسٍ تَحْتَ قَهْرِهِ سُبْحانَهُ وسُلْطانُهُ أسِيرٌ في يَدِ تَصَرُّفِهِ ومَلَكَتِهِ عاجِزٌ عَنِ الفِعْلِ إلّا بِإذْنِهِ وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُسَلِّطُ أحَدًا عَلى أحَدٍ إلّا عَنِ اسْتِحْقاقِ ذَنْبٍ أوْ رَفْعِ دَرَجَةٍ وإعْلاءِ مَنزِلَةٍ؛ لِأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى طَرِيقِ العَدْلِ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ في فُصُوصِهِ: إنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ فَهو دابَّةٌ فَإنَّهُ ذُو رُوحٍ وما ثَمَّ مَن يَدُبُّ بِنَفْسِهِ وإنَّما يَدِبُّ بِغَيْرِهِ بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ لِلَّذِي هو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَكُلُّ ماشٍ فَهو عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ وحِينَئِذٍ فَلا مَغْضُوبَ عَلَيْهِ ولا ضالَّ مِن هَذا الوَجْهِ، نَعَمْ إنَّ النّاسَ عَلى قِسْمَيْنِ: أهْلِ الكَشْفِ وأهْلِ الحِجابِ، فالأوَّلُونَ يَمْشُونَ عَلى طَرِيقٍ يَعْرِفُونَها ويَعْرِفُونَ غايَتَها، فَهي في حَقِّهِمْ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ كَما أنَّها في نَفْسِ الأمْرِ كَذَلِكَ، والآخَرُونَ يَمْشُونَ عَلى طَرِيقٍ يَجْهَلُونَها ولا …

96

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلْطَٰنٍۢ مُّبِينٍ

And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ وهي الآياتُ التِّسْعُ؛ العَصا واليَدُ البَيْضاءُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والنَّقْصُ مِنَ الثَّمَراتِ والأنْفُسِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِ ( أرْسَلْنا ) أوْ نَعْتًا لِمَصْدَرِهِ المُؤَكَّدِ أيْ أرْسَلْناهُ حالَ كَوْنِهِ مُلْتَبِسًا بِآياتِنا. أوْ أرْسَلْناهُ إرْسالًا مُلْتَبِسًا بِها.

﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ هو المُعْجِزاتُ الباهِرَةُ مِنها -وهُوَ العَصا- والإفْرادُ بِالذِّكْرِ لِإظْهارِ شَرَفِها لِكَوْنِها أبْهَرَها، والمُرادُ بِالآياتِ ما عَداها، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِما واحِدٌ، والعَطْفُ بِاعْتِبارِ التَّغايُرِ الوَصْفِيِّ أيْ أرْسَلْناهُ بِالجامِعِ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتِنا وكَوْنِهِ سُلْطانًا لَهُ عَلى نُبُوَّتِهِ واضِحًا في نَفْسِهِ أوْ مُوَضِّحًا إيّاها مِن أبانَ لازِمًا بِمَعْنى تَبَيَّنَ ومُتَعَدِّيًا بِمَعْنى بَيَّنَ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الآياتِ والسُّلْطانَ شَيْئًا واحِدًا في نَفْسِ الأمْرِ إلّا أنَّ في ذَلِكَ تَجْرِيدًا نَحْوَ مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ الكَرِيمِ، والنَّسَمَةُ المُبارَكَةُ كَأنَّهُ جَرَّدَ مِنَ الآياتِ الحُجَّةَ وجَعَلَها غَيْرَها وعُطِفَتْ عَلَيْها لِذَلِكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالآياتِ ما سَمِعْتَ وبِالسُّلْطانِ ما بَيَّنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَضاعِيفِ دَعْوَتِهِ حِينَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: ﴿فَمَن رَبُّكُما)،﴾ ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ مِنَ الحَقائِقِ الرّائِقَةِ، والدَّقائِقِ اللّائِقَةِ، أوْ هو الغَلَبَةُ والِاسْتِيَلاءُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ وجَعَلَهُ عِبارَةً عَنِ التَّوْراةِ، أوْ إدْراجُها في جُمْلَةِ الآياتِ يَرُدُّهُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:

97

إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍۢ

To Pharaoh and his establishment, but they followed the command of Pharaoh, and the command of Pharaoh was not [at all] discerning.

﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فَإنَّ نُزُولَها إنَّما كانَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ قاطِبَةً لِيَعْمَلَ بِها بَنُو إسْرائِيلَ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ، وأمّا فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ فَإنَّما كانُوا مَأْمُورِينَ بِعِبادَةِ رَبِّ العالَمِينَ وتَرْكِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ الَّتِي كانَ يَدَّعِيها الطّاغِيَةُ وتَقْبَلُها مِنهُ فِئَةُ الباغِيَةِ وبِإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ والقَسْرِ، ومِن هَذا يُعْلَمُ ما في عَدِّ النَّقْصِ مِنَ الثَّمَراتِ والنَّقْصِ مِنَ الأنْفُسِ آيَةً واحِدَةً مِنَ الآياتِ التِّسْعِ، وعَدِّ إظْلالِ الجَبَلِ مِنها لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِقَبُولِ التَّوْراةِ حِينَ أباهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَهو مُتَأخِّرٌ أيْضًا ضَرُورَةً، ومِثْلُ ذَلِكَ عُدَّ فَلْقُ البَحْرِ وإظْلالُ الغَمامِ بَدَلَهُما لِأنَّ هَذا الإظْلالَ أيْضًا مُتَأخِّرٌ عَنْ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

وأجابَ بَعْضُ الأفاضِلِ عَنْ الِاعْتِراضِ عَلى جَعْلِ التَّوْراةِ مِنَ الآياتِ بِأنَّ التَّصْحِيحَ مُمْكِنٌ، أمّا أوَّلًا فَبِما صَرَّحُوا بِهِ مِن جَوازِ إرْجاعِ الضَّمِيرِ وتَعَلُّقِ الجارِّ ونَحْوِهِ بِالمُطْلَقِ الَّذِي في ضِمْنِ المُقَيَّدِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( إلى فِرْعَوْنَ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالإرْسالِ المُطْلَقِ لا المُقَيَّدِ بِكَوْنِهِ بِالتَّوْراةِ، وأمّا ثانِيًا فَبِأنْ يُقالَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أرْسَلَ إلى الفَراعِنَةِ أرْسَلَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ أيْضًا فَيَجِبُ أنْ يُحْمَلَ مَلَأُ فِرْعَوْنَ عَلى ما يَشْمَلُهم فَيَجِيءُ الكَلامُ عَلى التَّوْزِيعِ عَلى مَعْنى أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ وإلى مَلائِهِ بِالتَّوْراةِ فَيَكُونُ لَفًّا ونَشْرًا غَيْرَ مُرَتَّبٍ، ويُقالُ نَحْوُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ عَدِّ إظْلالِ الجَبَلِ أوِ الغَمامِ مِنَ الآياتِ، وفي مَجْمُوعَةِ سَرِيِّ الدِّينِ المِصْرِيِّ أنَّ هَذا السُّؤالَ مِمّا أوْرَدَ الحافِظُ الطّاشَكَنْدِيُّ عَلى مَخْدُومِ المَلِكِ فَأجابَ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( بِآياتِنا ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ مُقَدِّرِينَ تَلَبُّسَهُ أوْ نُصْرَتَهُ بِالآياتِ والسُّلْطانِ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَلا يَقْدَحُ فِيهِ ظُهُورُ بَعْضِها بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ كالتَّوْراةِ، وانْفِجارِ الماءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وبِأنَّهُ قِيلَ: إنَّ إعْطاءَ التَّوْراةِ مَجْمُوعًا مُرَتَّبًا مَكْتُوبًا في الألْواحِ بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ،

صفحة 133

وأوْحى بِها إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في حَياةِ فِرْعَوْنَ وكانَ يَأْمُرُ بِها قَوْمَهُ ويُبَلِّغُها إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، ويُؤَيِّدُهُ ما قِيلَ: إنَّ بَعْضَ الألْواحِ كانَ مُنَزَّلًا قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ بِتَمامِها وكانَتْ تِلْكَ الألْواحُ مِن خَشَبٍ والألْواحُ الَّتِي كانَتْ فِيها التَّوْراةُ بِتَمامِها كانَتْ مِن زُمُرَّدٍ أوْ مِن ياقُوتٍ أحْمَرَ أوْ مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ، انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ الذَّهابَ إلى كَوْنِ الحالِ مُقَدَّرَةً مِمّا لا يَكادُ يَقْبَلُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، وما حَكى مِن أنَّ إعْطاءَ التَّوْراةِ مَجْمُوعًا كانَ بَعْدُ، والإيحاءُ بِها كانَ قَبْلُ إلَخْ.. مِمّا لا مُسْتَنَدَ لَهُ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ، وما ذُكِرَ أوَّلًا مِن حَدِيثِ التَّعَلُّقِ بِالمُطْلَقِ وثانِيًا مِن حَمْلِ (المَلَأِ) عَلى ما يَشْمَلُ بَنِي إسْرائِيلَ إلَخْ.. مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُنَزِّهَ ساحَةَ التَّنْزِيلِ عَنْهُ، وكَيْفَ يَحْمِلُ –المَلَأ- عَلى ما يَشْمَلُ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ الإضافَةِ إلَيْهِ وجَعَلَهم مِن أهْلِ النّارِ، ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِنَ القَوْلِ بِعَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ، وقِيلَ: لَوْ جَعَلَ ( إلى …

98

يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ

He will precede his people on the Day of Resurrection and lead them into the Fire; and wretched is the place to which they are led.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ عَلى الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا لِمَن سَألَ عَنْ حالِ المَتْبُوعِ والتّابِعِ مَآلًا، وعَلى الثّانِي تَفْسِيرٌ وإيضاحٌ لِعَدَمِ صَلاحِ عاقِبَتِهِ أيْ كَيْفَ يُرْشِدُ أمْرَ مَن هَذِهِ عاقِبَتُهُ، وجُمْلَةُ ( وما أمْرُ ) إلَخْ جَوَّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ –اتَّبَعُوا- وأنْ تَكُونَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ قِيلَ: وهو مُخْتارُ الزَّمَخْشَرِيِّ، والمُرادُ بِالقَوْمِ ما يَشْمَلُ المَلَأ وغَيْرَهُمْ، و﴿يَقْدُمُ﴾ كَيَنْصُرُ مِن قَدَمَ كَنَصَرَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ، ومِنهُ قادِمَةُ الرَّحْلِ، وهَذا كَما يُقالُ: قَدَّمَهُ بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ، وأقْدَمَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ ومِنهُ مُقَدِّمُ العَيْنِ فَإنَّهُ بِالكَسْرِ لا غَيْرَ كَما قالَهُ المَرْزُوقِيُّ، ومِثْلُهُ مُؤَخِّرُ العَيْنِ كَما في المُزْهِرِ، والمُرادُ مِن أوْرَدَهم يُورِدُهُمْ، والتَّعْبِيرُ بِهِ دُونَهُ لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لا مَحالَةَ، والقَوْلُ: بِأنَّهُ باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ -والمُرادُ فَأوْرَدَهم في الدُّنْيا النّارَ أيْ مُوجِبُها وهو الكُفْرُ- لَيْسَ بِشَيْءٍ، ونَصْبُ النّارِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ –لِأوْرَدَهُمْ- وهي اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ لِلضِّدِّ وهو الماءُ، وفي قَرِينَتِها احْتِمالاتٌ كَما شاعَ في ( يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ) وعَلى احْتِمالِ المَجازِ يَكُونُ الإيرادُ مُسْتَعارًا اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً لِسَوْقِهِمْ إلى النّارِ.

وجَوَّزَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ شَبَّهَ فِرْعَوْنَ بِالفارِطِ وهو الَّذِي يَتَقَدَّمُ القَوْمَ لِلْماءِ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، وجَعَلَ اتِّباعَهُ وارِدَةً، وإثْباتُ الوُرُودِ لَهم تَخْيِيلٌ، وجَوَّزَ أيْضًا جَعْلَ المَجْمُوعِ تَمْثِيلًا.

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ﴿يَقْدُمُ﴾ وأوْرَدَ مُتَنازِعِينَ في النّارِ إلّا أنَّهُ أعْمَلَ الثّانِي وحَذَفَ مَفْعُولَ الأوَّلِ ولَيْسَ بِذَلِكَ.

﴿وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ أيْ بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يَرِدُونَهُ النّارُ لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُورَدُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ وفي النّارِ تَقْطُّعُ الأكْبادِ واشْتِعالُها كَذا قِيلَ، فالوِرْدُ عَلى هَذا بِمَعْنى النَّصِيبِ مِنَ الماءِ و(المَوْرُودُ) صِفَتُهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ وهو النّارُ، وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن تَصادُقِ فاعِلِ (بِئْسَ) ومَخْصُوصِها ولا تَصادُقَ عَلى هَذا، وأيْضًا في جَوازِ وصْفِ فاعِلِ -نِعْمَ وبِئْسَ- خِلافٌ، وابْنُ السِّراجِ والفارِسِيُّ عَلى عَدَمِ الجَوازِ.

وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَ المَوْرُودِ صِفَةً والمَخْصُوصِ النّارَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ الكَلامَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، فالتَّصادُقُ حاصِلٌ في الحَقِيقَةِ أيْ -بِئْسَ مَكانُ الوُرُودِ والمَوْرُودِ النّارُ- ومِنهم مَن يَجْعَلُ ﴿المَوْرُودُ﴾ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، والمُرادُ بِهِ النّارُ، ويُقَدَّرُ المُضافُ لِيَحْصُلَ التَّصادُقُ أيْضًا أيْ -بِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ النّارُ- ومَن يَجْعَلُ الوِرْدَ فاعِلَ (بِئْسَ) ويُفَسِّرُهُ بِالجَمْعِ الوارِدِ، و﴿المَوْرُودُ﴾ صِفَةٌ لَهم والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ ضَمِيرُهُمُ المَحْذُوفُ أيْ -بِئْسَ القَوْمُ المَوْرُودُ بِهِمْ هُمْ- فَيَكُونُ ذَمًّا لِلْوارِدِينَ لا لِمَوْضِعِ الوُرُودِ

99

وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَٰذِهِۦ لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ

And they were followed in this [world] with a curse and on the Day of Resurrection. And wretched is the gift which is given.

﴿وأُتْبِعُوا﴾ أيِ المَلَأُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: القَوْمُ مُطْلَقًا ﴿فِي هَذِهِ﴾ أيْ في الدُّنْيا ﴿لَعْنَةً﴾ عَظِيمَةً حَيْثُ يَلْعَنُهم مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْضًا حَيْثُ يَلْعَنُهم أهْلُ المَوْقِفِ قاطِبَةً فَهي تابِعَةٌ لَهم حَيْثُما سارُوا ودائِرَةٌ أيْنَما دارُوا فَكَما اتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ اتَّبَعَتْهُمُ اللَّعْنَةُ في الدّارَيْنِ جَزاءً وِفاقًا.

وقالَ الكَلْبِيُّ: اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ بِالغَرَقِ، ويَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ بِالنّارِ.

﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ أيْ بِئْسَ العَوْنُ المُعانُ كَما نُقِلَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ رِفْدُهُمْ، ويَكُونُ الرِّفْدُ بِمَعْنى العَطِيَّةِ كَما يَكُونُ بِمَعْنى العَوْنِ.

قالَ أبُو حَيّانَ: يُقالُ: رَفَدَ الرَّجُلُ يَرْفِدُهُ رَفْدًا ورِفْدًا إذا أعْطاهُ وأعانَهُ مِن رَفَدَ الحائِطَ دَعَمَهُ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ الرَّفْدُ بِالفَتْحِ القَدَحُ، والرِّفْدُ بِالكَسْرِ ما فِيهِ مِنَ الشَّرابِ، وقالَ اللَّيْثُ: أصْلُ الرَّفْدِ العَطاءُ والمَعُونَةُ، ومِنهُ

صفحة 135

رِفادَةُ قُرَيْشٍ وهي مُعاوَنَتُهم لِلْحاجِّ بِشَيْءٍ يُخْرِجُونَهُ لِلْفُقَراءِ، ويُقالُ رَفَدَهُ رِفْدًا ورَفْدًا بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها، ويُقالُ بِالكَسْرِ الِاسْمُ، وبِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وفَسَّرَهُ هُنا بِالعَطاءِ غَيْرُ واحِدٍ.

وزَعَمَ أنَّ المَقامَ لا يُلائِمُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، نَعَمْ تَفْسِيرُهُ بِالعَوْنِ جاءَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، والمُرادُ بِهِ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ اللَّعْنَةُ وتَسْمِيَتُها عَوْنًا عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ، وأمّا كَوْنُها مُعانًا فَلِأنَّها أُرْفِدَتْ في الآخِرَةِ بِلَعْنَةٍ أُخْرى لِتَكُونا هادِيَتَيْنِ إلى صِراطِ الجَحِيمِ، وكانَ القِياسُ أنْ يُسْنَدَ المَرْفُودُ إلَيْهِمْ لِأنَّ اللَّعْنَةَ في الدُّنْيا تَتْبَعُهم وكَذا في الآخِرَةِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( وأُتْبِعُوا ) إلَخْ، ولَكِنْ أُسْنِدَ إلى الرَّفْدِ الَّذِي هو اللَّعْنَةُ عَلى الإسْنادِ المُجازِيِّ نَحْوَ جَدَّ جَدُّهُ، وجُنُونُكَ مَجْنُونٌ، وكَذا يُعْتَبَرُ الِاسْتِعارَةُ والمَجازُ المَذْكُورانِ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي كَذا قِيلَ.

وقالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: إنَّ في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ في بَيانِ الآيَةِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ المَنقُولِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وذَلِكَ أنَّ اللَّعْنَةَ في الدُّنْيا رِفْدٌ لِلْعَذابِ ومَدَدٌ لَهُ، وقَدْ رُفِدَتْ بِاللَّعْنَةِ في الآخِرَةِ ما يُشْعِرُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةَ في شَيْءٍ إذْ لَوْ كانَ رَفْدًا لِلْمُعَذَّبِينَ لَكانَ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، ثُمَّ قالَ: وجَعْلُهُ مِن بابِ جَدَّ جَدُّهُ أبْعَدُ وأبْعَدُ لِأنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ رَفَدَ أعْيَنُ بِرَفْدٍ أمّا لَوْ فُسِّرَ بِالتَّفْسِيرِ الثّانِي فَفِيهِ الأوَّلُ لا الثّانِي لِأنَّهُ لَيْسَ مَصْدَرًا وإنَّما العَطاءُ بِمَعْنى ما يُعْطى فَكَثِيرًا ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ انْتَهى، وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ القَوْلَ بِأنَّ هُناكَ لَعْنَتَيْنِ رُفِدَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى هو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وغَيْرِهِ، فَيَوْمٌ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ في الدُّنْيا.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ التَّقْسِيمَ هو أنَّ لَهم في الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ ما يَرْفِدُونَ بِهِ فَهي لَعْنَةٌ واحِدَةٌ أوَّلًا وقُبْحُ إرْفادٍ آخِرًا انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ هَذا لا يَصِحُّ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ (يَوْمَ) مَعْمُولُ (بِئْسَ) وهي …

100

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَآئِمٌۭ وَحَصِيدٌۭ

That is from the news of the cities, which We relate to you; of them, some are [still] standing and some are [as] a harvest [mowed down].

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما قَصَّ مِن أنْباءِ الأُمَمِ وبَعْدَهُ بِاعْتِبارِ تَقَضِّيهِ أوْ بِاعْتِبارِ ما قِيلَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿مِن أنْباءِ القُرى﴾ المُهْلِكَةِ بِما جَنَتْهُ أيْدِي أهْلِها فَألْ فِيها لِلْعَهْدِ السّابِقِ تَقْدِيرًا بِذِكْرِ أرْبابِها ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أيْ ذَلِكَ النَّبَأُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى مَقْصُوصٌ عَلَيْكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿مِن أنْباءِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وهَذا هو الخَبَرُ، وجَوَّزَ أيْضًا عَكْسَ ذَلِكَ ﴿مِنها﴾ أيْ مِن تِلْكَ القُرى ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ أيْ ومِنها حَصِيدٌ، فالعَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى كَما لا يَخْفى، وقَدْ شَبَّهَ ما بَقِيَ مِنها بِالزَّرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ، وما عَفا وبَطَلَ بِالحَصِيدِ، فالمَعْنى مِنها باقٍ، ومِنها عافٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ، ونَحْوُهُ ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿قائِمٌ﴾ لَمْ يُخْسَفْ ﴿وحَصِيدٌ﴾ قَدْ خُسِفَ، قِيلَ: ﴿وحَصِيدٌ﴾ الزَّرْعُ جاءَ في كَلامِهِمْ بِمَعْنى الفَناءِ كَما في قَوْلِهِ:

والنّاسُ في قِسْمِ المَنِيَّةِ بَيْنَهم (كالزَّرْعِ مِنهُ قائِمٌ وحَصِيدُ)

صفحة 136

وصِيغَةُ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَحْصُودٌ كَما قالَ الأخْفَشُ وجَمْعُهُ حَصْدى، وحِصادٌ مِثْلُ مَرْضى ومِراضٌ، وجُمْلَةُ ﴿مِنها قائِمٌ﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لِلتَّحْرِيضِ عَلى النَّظَرِ في ذَلِكَ والِاعْتِبارِ بِهِ، أوْ بَيانِيًّا كَأنَّهُ سُئِلَ لَمّا ذُكِرَتْ ما حالُها؟ فَأُجِيبَ بِذَلِكَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: هي في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الهاءِ في نَقْصِهِ، وجَوَّزَ الطِّيبِيُّ كَوْنَها حالًا مِنَ القُرى، وادَّعى صاحِبُ الكَشْفِ أنَّ جَعْلَها حالًا مِن ضَمِيرِ نَقَصَهُ فاسِدٌ لَفْظًا ومَعْنًى، ومِنَ القُرى كَذَلِكَ، وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أرادَ بِالفَسادِ اللَّفْظِيِّ في الأوَّلِ خُلُوَّ الجُمْلَةِ مِنَ الواوِ والضَّمِيرِ، وفي الثّانِي مَجِيءَ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ في غَيْرِ الصُّوَرِ المَعْهُودَةِ، وبِالفَسادِ المَعْنَوِيِّ أنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَقْصُوصِ بَلْ هو حالٌ خارِجَةٌ عَنْها ولَيْسَ بِمُرادٍ، ولا يَسُوغُ جَعْلُ ما بَعْدَهُ ابْتِداءَ المَقْصُوصِ، وفِيهِ فَسادٌ لَفْظِيٌّ أيْضًا.

وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ أرادَ بِالفَسادِ الأوَّلِ في الأوَّلِ ما ذَكَرَ، وفي الثّانِي وُقُوعَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ حالًا بِالضَّمِيرِ وحْدَهُ وبِالضَّمِيرِ تَخْصِيصُ كَوْنِها مَقْصُوصَةً بِتِلْكَ الحالَةِ، فَإنَّ المَقْصُوصِيَّةَ ثابِتَةٌ لَها ولِلنَّبَأِ وقْتَ قِيامِ بَعْضِها أيْضًا، وقَدْ أصابَ بَعْضًا وأخْطَأ بَعْضًا، ووَجَّهَ الجَلْبِيُّ الخُلُوَّ عَنِ الواوِ والضَّمِيرِ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الضَّمِيرِ الرَّبْطُ وهو حاصِلٌ لِارْتِباطِ ذَلِكَ بِمُتَعَلِّقِ ذِي الحالِ وهي القُرى، فالمَعْنى نَقُصُّ عَلَيْكَ بَعْضَ أنْباءِ القُرى وهي عَلى هَذِهِ الحالَةِ تُشاهِدُونَ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى بِها، وتَعَقَّبَ بِأنَّ الِاكْتِفاءَ في الرَّبْطِ بِما ذَكَرَ مَعَ خَفائِهِ مَذْهَبٌ تَفَرَّدَ بِهِ الأخْفَشُ ولَمْ يَذْكُرْهُ في الحالِ وإنَّما ذَكَرَهُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ الحالَ أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ وضَرَبَ المَثَلَ لِلْحاضِرِينَ مَعَ ما سَمِعْتَ نَفْعًا، والحَقُّ أنَّهُ لا وجْهَ لِما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ يُعَوِّلُ عَلَيْهِ إلّا الذُّهُولَ

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.