Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 81–90 of 123

81

قَالُوا۟ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍۢ

The angels said, "O Lot, indeed we are messengers of your Lord; [therefore], they will never reach you. So set out with your family during a portion of the night and let not any among you look back - except your wife; indeed, she will be struck by that which strikes them. Indeed, their appointment is [for] the morning. Is not the morning near?"

﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ بِضَرَرٍ ولا مَكْرُوهٍ فافْتَحِ البابَ ودَعْنا وإيّاهُمْ، فَفَتَحَ البابَ فَدَخَلُوا فاسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّ العِزَّةِ في عُقُوبَتِهِمْ فَأذِنَ لَهُ فَلَمّا دَنَوْا طَمَسَ أعْيُنَهم فانْطَلَقُوا عُمْيًا يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا وهم يَقُولُونَ: النَّجاءُ النَّجاءُ فَإنَّ في بَيْتِ لُوطٍ قَوْمًا سَحَرَةً، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أغْلَقَ البابَ عَلى ضَيْفِهِ فَجاءُوا فَكَسَرُوا البابَ فَطَمَسَ جِبْرِيلُ أعْيُنَهم فَقالُوا: يا لُوطُ جِئْتَنا بِسَحَرَةٍ وتَوَعَّدُوهُ فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً قالَ: يَذْهَبُ هَؤُلاءِ ويَذَرُونِي فَعِنْدَما قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا تَخَفْ إنّا رُسُلُ رَبِّك، ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ بِالقَطْعِ مِنَ الإسْراءِ، وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ بِالوَصْلِ حَيْثُ جاءَ في القُرْآنِ مِنَ السَّرى، وقَدْ جاءَ سَرِيَ.

صفحة 109

وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ، والأزْهَرِيِّ، وعَنِ اللَّيْثِ أسْرى سارَ أوَّلَ اللَّيْلِ وسَرى سارَ آخِرَهُ ولا يُقالُ في النَّهارِ: إلّا سارَ ولَيْسَ هو مَقْلُوبَ سَرى، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالإسْراءِ عَلى الأخْبارِ بِرِسالَتِهِمُ المُؤْذِنَةِ بِوُرُودِ الأمْرِ والنَّهْيِ مِن جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ أيْ سِرْ مُلابِسًا بِأهْلِكَ ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِطائِفَةٍ مِنهُ، وقالَ قَتادَةُ: بَعْدَ مُضِيِّ صَدْرٍ مِنهُ، وقِيلَ: نَصِفُهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ آخِرَهُ وأنْشَدَ قَوْلَ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ:

ونائِحَةٌ تَقُومُ بِقَطْعِ لَيْلٍ عَلى رَحْلٍ أهانَتْهُ شُعُوبٌ

ولَيْسَ مِن بابِ الِاسْتِدْلالِ، وإلى هَذا ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ أسْرى بِأهْلِهِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ حَتّى جاوَزُوا البَلَدَ المُقْتَلَعَ، ووَقَعَتْ نَجاتُهم بِسَحَرٍ، وأصْلُ القَطْعِ القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ لَكِنْ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِاللَّيْلِ فَلا يُقالُ: عِنْدِي قِطْعٌ مِنَ الثَّوْبِ.

وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ القِطْعَ مِنَ اللَّيْلِ بِطائِفَةٍ مِن ظُلْمَتِهِ، وعَنِ الحَبْرِ أيْضًا تَفْسِيرُهُ بِنَفْسِ السَّوادِ، ولَعَلَّهُ مِن بابِ المُساهَلَةِ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا يَتَخَلَّفْ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ لا يَنْظُرُ إلى ورائِهِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، قِيلَ: وهَذا هو المَعْنى المَشْهُورُ الحَقِيقٌ لِلِالتِفاتِ، وأمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ يُقالُ: لَفَتُّهُ عَنِ الأمْرِ إذا صَرَفْتَهُ عَنْهُ فالتَفَتَ أيِ انْصَرَفَ، والتَّخَلُّفُ انْصِرافٌ عَنِ المَسِيرِ، قالَ تَعالى: ﴿أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أيْ تَصْرِفُنا كَذا قالَ الرّاغِبُ.

وفِي الأساسِ أنَّهُ مَعْنًى مَجازِيٌّ، والنَّهْيُ في اللَّفْظِ لِأحَدٍ، وفي المَعْنى لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ المُبَرَّدِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِخادِمِكَ: لا يَقُمْ أحَدٌ في أنَّ النَّهْيَ في الظّاهِرِ لِأحَدٍ، وهو في الحَقِيقَةِ لِلْخادِمِ أنْ لا يَدَعَ أحَدًا يَقُومُ، فالمَعْنى هُنا فَأسْرِ بِأهْلِكَ ولا تَدَعْ أحَدًا مِنهم يَلْتَفِتُ؛ ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى هَذا تَتِمُّ المُناسَبَةُ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ لِأنَّ الأوَّلَ لِأمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والثّانِي لِنَهْيِهِ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ ضَمِيرَ (مِنكُمْ) لِلْأهْلِ.

وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ شِهابٌ …

82

فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍۢ مَّنضُودٍۢ

So when Our command came, We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of layered hard clay, [which were]

﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا، أوِ الأمْرُ بِهِ، فالأمْرُ عَلى الأوَّلِ واحِدُ الأُمُورِ، وعَلى الثّانِي واحِدُ الأوامِرِ، قِيلَ: ونِسْبَةُ المَجِيءِ إلَيْهِ بِالمَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّةٌ، والمُرادُ لَمّا حانَ وُقُوعُهُ ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ الوَقْتِ مَعَ دَلالَةِ لَمّا عَلَيْهِ.

وقِيلَ: إنَّهُ يُقَدَّرُ عَلى الثّانِي أيْ جاءَ وقْتُ أمْرِنا لِأنَّ الأمْرَ نَفْسَهُ ورَدَ قَبْلَهُ، ونَحْنُ في غِنًى عَنِ ادِّعاءِ تَكْرارِهِ، ورَجَحَ تَفْسِيرُ الأمْرِ بِما هو واحِدُ الأوامِرِ -أعْنِي ضِدَّ النَّهْيِ- بِأنَّهُ الأصْلُ فِيهِ لِأنَّهُ مَصْدَرُ أمَرَهُ، وأمّا كَوْنُهُ بِمَعْنى العَذابِ فَيُخْرِجُهُ عَنِ المَصْدَرِيَّةِ الأصْلِيَّةِ وعَنْ مَعْناهُ المَشْهُورِ الشّائِعِ، وبِجَعْلِ التَّعْذِيبِ مُسَبَّبًا عَنْهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ فَإنَّهُ جَوابُ (لَمّا) والتَّعْذِيبُ نَفْسُ إيقاعِ العَذابِ فَلا يَحْسُنُ جَعْلُهُ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ بَلِ العَكْسُ أوْلى إلّا أنْ يُؤَوَّلَ المَجِيءُ بِإرادَتِهِ، وضَمِيرُ (عالِيها –و- سافِلَها) لِمَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ المَعْلُومَةِ مِنَ السِّياقِ وهي المُؤْتَفِكاتُ، وهي خَمْسُ مَدائِنَ: مَيْعَةُ وصَعْرَهُ، وعَصْرَهُ. ودُوما وسَدُومُ.

وقِيلَ: سَبْعٌ أعْظَمُها سَدُومُ، وهي القَرْيَةُ الَّتِي كانَ فِيها لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ فِيها عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أرْبَعَةُ آلافِ ألْفِ إنْسانٍ أوْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذا العَدَدَ إنَّما كانَ في المَدائِنِ كُلِّها، وقِيلَ: إنَّ ما كانَ في المَدائِنِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

صفحة 113

ونُصِبَ ( عالِيَها ) و( سافِلَها ) عَلى أنَّهُما مَفْعُولانِ لِلْجَعْلِ، والمُرادُ قَلَبْناها عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ وهو جَعْلُ العالِي سافِلًا، وإنَّما قُلِبَتْ كَذَلِكَ ولَمْ يَعْكِسْ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَفْظِيعًا لِلْخَطْبِ لِأنَّ جَعْلَ عالِيها الَّذِي هو مَقَرُّهم ومَسْكَنُهم سافِلَها أشَقُّ مِن جَعْلِ سافِلِها عالِيَها وإنْ كانَ مُسْتَلْزِمًا لَهُ، ورُوِيَ أنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ سَرى بِمَن مَعَهُ قَبْلَ الفَجْرِ وطَوى اللَّهُ تَعالى لَهُ الأرْضَ حَتّى وصَلَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ اقْتَلَعَ المَدائِنَ بِيَدِهِ، وفي رِوايَةٍ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَ المَدائِنِ فَرَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ صِياحَ الدِّيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ ثُمَّ قَلَبَها، وما أعْظَمَ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى في هَذا القَلْبِ الَّذِي هو أشْبَهُ شَيْءٍ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِن إتْيانِ الإعْجازِ والإعْراضِ عَمّا تَقْتَضِيهِ الطِّباعُ السَّلِيمَةُ! ولا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ الكَلامُ كِنايَةً عَنْ إنْزالِ أمْرٍ عَظِيمٍ فِيها كَما يَقُولُ القائِلُ: اليَوْمَ قْلِبَتِ الدُّنْيا عَلى فُلانٍ لِما فِيهِ مِنَ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ والِانْحِرافِ عَمّا نَطَقَتْ بِهِ الآثارُ مِن غَيْرِ داعٍ سِوى اسْتِبْعادِ مِثْلِ ذَلِكَ، وما ذَلِكَ بِبَعِيدٍ، وإسْنادُ الجَعْلِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى بِاعْتِبارِ أنَّهُ المُسَبِّبُ، فَهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ وإنْ كانَ سُبْحانَهُ هو الفاعِلَ الحَقِيقِيَّ، والنُّكْتَةُ في ذَلِكَ تَعْظِيمُ الأمْرِ وتَهْوِيلُهُ، فَإنَّ ما يَتَوَلّاهُ العَظِيمُ مِنَ الأُمُورِ فَهو عَظِيمٌ، ويُقَوِّي ذَلِكَ ضَمِيرُ العَظَمَةِ أيْضًا وعَلى هَذا الطَّرْزِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ أيْ عَلى المَدائِنِ أوْ شُذّاذِ أهْلِها ﴿حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ وكانَ ذَلِكَ زِيادَةً في تَفْظِيعِ حالِهِمْ أوْ قَطْعًا لِشَأْفَتِهِمْ …

83

مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٍۢ

Marked from your Lord. And Allah 's punishment is not from the wrongdoers [very] far.

﴿مُسَوَّمَةً﴾ أيْ عَلَيْها سِيما يُعْلَمُ بِها أنَّها لَيْسَتْ مِن حِجارَةِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقِيلَ: مُعَلَّمَةٌ بِبَياضٍ وحُمْرَةٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ بَعْضُها أسْوَدَ فِيهِ نُقْطَةٌ بَيْضاءُ وبَعْضُها أبْيَضُ فِيهِ نُقْطَةٌ سَوْداءُ.

وعَنِ الرَّبِيعِ أنَّها كانَتْ مُعَلَّمَةً بِاسْمِ مَن يُرْمى بِها، وكانَ بَعْضُها كَما قِيلَ: مِثْلَ رُءُوسِ الإبِلِ وبَعْضُها مِثْلَ مَبارِكِها وبَعْضُها مِثْلَ قَبْضَةِ الرَّجُلِ ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ في خَزائِنِهِ الَّتِي لا يَمْلِكُها غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ولا يَتَصَرَّفُ بِها سِواهُ عَزَّ وجَلَّ، والظَّرْفُ قِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُسَوَّمَةٍ أوْ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةٍ لَهُ والمَرْوِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ

صفحة 114

أنَّ المَعْنى أنَّها جاءَتْ مِن عِنْدِ رَبِّكَ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الهُذَلِيِّ أنَّها مُعَدَّةٌ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُرادُ ألْزَمَ هَذا التَّسْوِيمَ لِلْحِجارَةِ عِنْدَهُ تَعالى إيذانًا بِقُدْرَتِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ فَلْيُفْهَمْ.

﴿وما هِيَ﴾ أيِ الحِجارَةُ المَوْصُوفَةُ بِما ذُكِرَ ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مِن 4 كُلِّ ظالِمٍ بِبَعِيدٍ.

- فَإنَّهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ مُسْتَحِقُّونَ لَها وفِيهِ وعِيدٌ لِأهْلِ الظُّلْمِ كافَّةً، ورُوِيَ هَذا عَنِ الرَّبِيعِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ مِنَ الظّالِمِينَ ظالِمُو هَذِهِ الأُمَّةِ، وجاءَ في خَبَرٍ ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ وقالَ فِيهِ العِراقِيُّ: لَمْ أقِفْ لَهُ عَلى إسْنادٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَألَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: يَعْنِي ظالِمِي أُمَّتِكَ ما مِن ظالِمٍ مِنهم إلّا وهو بِعُرْضِ حَجَرٍ يَسْقُطُ عَلَيْهِ مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالظّالِمِينَ قَوْمُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى لَمْ تَكُنِ الحِجارَةُ لِتُخْطِئَهم.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى وما عُقُوبَتُهم مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَهم بِبَعِيدٍ، وظاهِرُهُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلْعُقُوبَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ و َ(الظّالِمِينَ) مَن يُشْبِهُهم مِنَ النّاسِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ مُرادَهُ بَيانُ حاصِلِ المَعْنى لا مُرَجَّحُ الضَّمِيرِ.

وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ الظّاهِرَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (هِيَ) لِلْقُرى الَّتِي جُعِلَ عالِيها سافِلَها والمُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ ظالِمُو مَكَّةَ، وقَدْ كانَتْ قَرِيبَةً إلَيْهِمْ يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ إلى الشّامِ، وتَذْكِيرُ البَعِيدِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَلى تَأْوِيلِ الحِجارَةِ بِالحَجَرِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ، أوْ إجْرائِهِ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ أيْ بِشَيْءٍ بَعِيدٍ أوْ بِمَكانٍ بَعِيدٍ فَإنَّها وإنْ كانَتْ في السَّماءِ وهي في غايَةِ البُعْدِ في الأرْضِ إلّا أنَّها هَوَتْ مِنها فَهي أسْرَعُ شَيْءٍ لُحُوقًا بِهِمْ فَكَأنَّها بِمَكانٍ قَرِيبٍ مِنهُمْ، أوْ لِأنَّهُ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ كالزَّفِيرِ والصَّهِيلِ، والمَصادِرُ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ

84

۞ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍۢ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ مُّحِيطٍۢ

And to Madyan [We sent] their brother Shu'ayb. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. And do not decrease from the measure and the scale. Indeed, I see you in prosperity, but indeed, I fear for you the punishment of an all-encompassing Day.

﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ أيْ أوْلادِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحُذِفَ المُضافُ أوْ جُعِلَ اسْمًا بِالغَلَبَةِ لِلْقَبِيلَةِ وكَثِيرًا ما تُسَمّى القَبِيلَةُ بِاسْمِ أبِيهِمْ كَمُضَرَ وتَمِيمٍ، ولَعَلَّ هَذا أوْلى، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِمَدْيَنَ المَدِينَةُ الَّتِي بَناها مَدْيَنُ فَسُمِّيَتْ بِهِ فَيُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مُضافٌ أيْ وإلى أهْلِ مَدْيَنَ ﴿أخاهُمْ﴾ نَسِيبَهم ﴿شُعَيْبًا﴾ قَدْ مَرَّ ما قِيلَ في نَسَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ أيْ وأرْسَلْنا إلى مَدْيَنَ شُعَيْبًا.

﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ أمْرٌ بِالتَّوْحِيدِ عَلى وجْهٍ أكِيدٍ، ولَمّا كانَ مِلاكَ الأمْرِ قَدَّمَهُ عَلى النَّهْيِ عَمّا اعْتادُوهُ مِنَ البَخْسِ المُنافِي لِلْعَدْلِ المُخِلِّ بِحِكْمَةِ التَّعارُضِ وإيصالِ الحُقُوقِ لِأصْحابِها بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ قِيلَ: أيْ لا تَنْقُصُوا النّاسَ مِنَ المِكْيالِ والمِيزانِ يَعْنِي مِمّا يُكالُ ويُوزَنُ عَلى ذِكْرِ المَحَلِّ وإرادَةِ الحالِ، واسْتَظْهَرَ أنَّ المُرادَ لا تَنْقُصُوا حَجْمَ المِكْيالِ عَنِ المَعْهُودِ وكَذا الصَّنَجاتُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الأعْرافِ الكَيْلُ بَدَلُ المِكْيالِ فَتَذَكَّرْ وتَأمَّلْ، ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ أيْ مُلْتَبِسِينَ بِثَرْوَةٍ واسِعَةٍ تُغْنِيكم عَنْ ذَلِكَ أوْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَقُّها أنْ تُقابَلَ بِغَيْرِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِأنْ تَتَفَضَّلُوا عَلى النّاسِ شُكْرًا عَلَيْها، فَإنَّ أجَلَّ شُكْرِ النِّعَمِ الإحْسانُ والتَّفَضُّلُ عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى أوْ أراكم بِخَيْرٍ وغِنًى فَلا تُزِيلُوهُ بِما تَأْتُونَهُ مِنَ الشَّرِّ، وعَلى كُلِّ حالٍ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وعَقَّبَ بِعِلَّةٍ أُخْرى أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ .

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ والنَّهْيِ جَمِيعًا، وفُسِّرَ المُحِيطُ بِما لا يَشِذُّ مِنهُ أحَدٌ مِنهم وفَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالمُهْلِكِ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى:

صفحة 115

﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، وادَّعى أنْ يُصَفُ اليَوْمُ بِالإحاطَةِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ لِأنَّ اليَوْمَ زَمانٌ يَشْتَمِلُ عَلى الحَوادِثِ فَإذا أحاطَ بِعَذابِهِ فَقَدِ اجْتَمَعَ لِلْمُعَذَّبِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنهُ كَما إذا أحاطَ بِنَعِيمِهِ يَعْنِي أنَّ اليَوْمَ لِما كانَ زَمانًا مُشْتَمِلًا عَلى الحَوادِثِ الكائِنَةِ فِيهِ عَذابًا أوْ غَيْرَهُ، فَإذا أحاطَ بِالمُعَذَّبِ مُلْتَبِسًا بِعَذابِهِ لِأنَّهُ حادِثَةٌ فَقَدِ اجْتَمَعَ لِلْمُعَذَّبِ الأمْرُ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ اليَوْمُ وهو العَذابُ كَما إذا أحاطَ مُلْتَبِسًا بِنَعِيمِهِ.

والحاصِلُ أنَّ إحاطَةَ اليَوْمِ تَدُلُّ عَلى إحاطَةِ كُلِّ ما فِيهِ مِنَ العَذابِ، وأمّا إحاطَةُ العَذابِ عَلى قَوْمٍ فَقَدْ يَكُونُ بِأنْ يُصِيبَ كُلُّ فَرْدٍ مِنهم فَرْدًا مِن أفْرادِ العَذابِ، وأمّا فِيما نَحْنُ فِيهِ فَيَدُلُّ عَلى إحاطَةِ أنْواعِ العَذابِ المُشْتَمِلِ عَلَيْها اليَوْمُ بِكُلِّ فَرْدٍ، ولا شَكَّ في أبْلَغِيَّةِ هَذا كَذا في الكَشْفِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في بَيانِ الأبْلَغِيَّةِ: إنَّ اليَوْمَ زَمانٌ لِجَمِيعِ الحَوادِثِ فَيَوْمُ العَذابِ زَمانُ جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ الواقِعَةِ فِيهِ، فَإذا كانَ مُحِيطًا بِالمُعَذَّبِ فَقَدِ اجْتَمَعَ أنْواعُ العَذابِ لَهُ وهَذا كَقَوْلِهِ:

إنَّ المُرُوءَةَ …

85

وَيَٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

And O my people, give full measure and weight in justice and do not deprive the people of their due and do not commit abuse on the earth, spreading corruption.

﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أيْ أتِمُّوهُما، وفائِدَةُ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ مَعَ أنَّ الِانْتِهاءَ المَطْلُوبَ مِنَ النَّهْيِ السّابِقِ لا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الإتْمامِ فَيَكُونُ مَطْلُوبًا تَبَعًا، وهَذا مُسَلَّمٌ عَلى المَذاهِبِ جَعْلُ النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ عَيْنَ الأمْرِ بِالضِّدِّ أوْ مُسْتَلْزِمًا لَهُ تَضَمُّنًا أوِ التِزامًا؛ لِأنَّ الخِلافَ في مُقْتَضى اللَّفْظِ لا أنَّ التَّحْرِيمَ أوِ الوُجُوبَ يَنْفَكُّ عَنْ مُقابَلَةِ الضِّدِّ غَيْرُ واحِدَةِ النَّعْيِ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ القَبِيحِ وهو النَّقْضُ مُبالَغَةً في الكَفِّ، ثُمَّ الأمْرُ بِالضِّدِّ مُبالَغَةً في التَّرْغِيبِ وإشْعارًا بِأنَّهُ مَطْلُوبٌ أصالَةً وتَبَعًا مَعَ الإشْعارِ بِتَبَعِيَّةِ الكَفِّ عَكْسًا وتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ ثُمَّ إدْماجُ أنَّ المَطْلُوبَ مِنَ الإتْمامِ العَدْلُ ولِهَذا قَدْ يَكُونُ الفَضْلُ مُحَرَّمًا كَما في الرِّبَوِيّاتِ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وظاهِرُهُ حَمْلُ المِكْيالِ والمِيزانِ عَلى ما يُكالُ ويُوزَنُ وحَمَلَهُما بَعْضُهم في المَوْضِعَيْنِ عَلى الآيَتَيْنِ المَعْرُوفَتَيْنِ وفَسَّرَ القِسْطُ بِما ذَكَرْنا ثُمَّ قالَ: إنَّ الزِّيادَةَ في الكَيْلِ والوَزْنِ وإنْ كانَتْ تَفَضُّلًا مَندُوبًا إلَيْهِ لَكِنَّها في الآلَةِ مَحْظُورَةٌ كالنَّقْصِ، فَلَعَلَّ الزّائِدَ لِلِاسْتِعْمالِ عِنْدَ الِاكْتِيالِ والنّاقِصَ لِلِاسْتِعْمالِ عِنْدَ الكَيْلِ.

وفائِدَةُ الأمْرِ بِتَسْوِيَةِ الآلَتَيْنِ وتَعْدِيلِهِما بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ نَقْصِهِما المُبالَغَةُ في الحَمْلِ عَلى الإيفاءِ والمَنعِ والبَخْسِ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لا يَكْفِيهِمْ مُجَرَّدُ الكَفِّ عَنِ النَّقْصِ والبَخْسِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إصْلاحُ ما أفْسَدُوهُ وجَعَلُوهُ مِعْيارًا

صفحة 116

لِظُلْمِهِمْ وقانُونًا لِعُدْوانِهِمْ وفِيهِ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى المُتَبادَرِ مِنهُ، فَإنَّ الحَمْلَ عَلى المَعْنى الآخَرِ مَجازٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وادَّعى الفاضِلُ الجَلْبِيُّ أنَّ هَذا الأمْرَ بَعْدَ النَّهْيِ السّابِقِ لَيْسَ مِن بابِ التَّكْرارِ في شَيْءٍ فَقالَ: إنَّ النَّهْيَ قَدْ كانَ عَنْ نَقْصِ حَجْمِ المِكْيالِ وصَنَجاتِ المِيزانِ، والأمْرُ بِإيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ حَقَّهُما بِأنْ لا يَنْقُصَ في الكَيْلِ والوَزْنِ، وهَذا الأمْرُ بَعْدَ مُساواةِ المِكْيالِ والمِيزانِ لِلْمَعْهُودِ فَلا تَكْرارَ كَيْفَ ولَوْ كانَ تَكْرِيرًا لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ الواوِ لِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ انْتَهى.

وتَعَقَّبَ بِأنَّ حَمْلَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ وقَدْ تَكَرَّرا في أحَدِ المَوْضِعَيْنِ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ، وأنَّ في التَّكْرارِ مِنَ الفَوائِدِ ما جَعَلَهُ أقْوى مِنَ التَّأْسِيسِ فَلا يَنْبَغِي الهَرَبُ مِنهُ، وأمّا العَطْفُ فَلِأنَّ اخْتِلافَ المَقاصِدِ في ذَيْنَكِ المُتَعاطِفَيْنِ جَعَلَهُما كالمُتَغايِرَيْنِ فَحَسُنَ لِذَلِكَ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ أهْلُ المَعانِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ انْتَهى.

وفِي وُرُودِ ما تَعَقَّبُ بِهِ أوَّلًا تَأمُّلٌ فَتَأمَّلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ فَإنَّهُ يَشْمَلُ الجَوْدَةَ والرَّداءَةَ وغَيْرَ المَكِيلِ والمَوْزُونِ أيْضًا، فَهو تَذْيِيلٌ وتَتْمِيمٌ لِما تَقَدَّمَ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ .

فَإنَّ …

86

بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ

What remains [lawful] from Allah is best for you, if you would be believers. But I am not a guardian over you."

﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما أبْقاهُ سُبْحانَهُ مِنَ الحَلالِ بَعْدَ الإيفاءِ خَيْرٌ لَكم مِمّا تَجْمَعُونَ بِالبَخْسِ، فَإنَّ ذَلِكَ هَباءٌ مَنثُورٌ بَلْ هو مَحْضٌ وإنْ زَعَمْتُمْ أنَّهُ خَيْرٌ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِشَرْطِ أنْ تُؤْمِنُوا إذْ مَعَ الكُفْرِ لا خَيْرَ في شَيْءٍ أصْلًا، أوْ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِي في مَقالَتِي لَكُمْ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ فَسَّرَ البَقِيَّةَ بِالرِّزْقِ.

وقالَ الرَّبِيعُ هي وصِيَّتُهُ تَعالى، وقالَ مُقاتِلٌ: ثَوابُهُ في الآخِرَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: مُراقَبَتُهُ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ قَتادَةُ: ذَخِيرَتُهُ، وقالَ الحَسَنُ: فَرائِضُهُ سُبْحانَهُ.

وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ كُلَّ هَذا لا يُعْطِيهِ لَفْظَ الآيَةِ، وإنَّما مَعْناهُ الإبْقاءُ وهو مَأْخُوذٌ مِمّا رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: المَعْنى إبْقاءُ اللَّهِ تَعالى النَّعِيمَ عَلَيْكم خَيْرٌ لَكم مِمّا يَحْصُلُ مِنَ النَّقْصِ بِالتَّطْفِيفِ وأيًّا ما كانَ فَجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ وهو الصَّحِيحُ وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أهْلِ المَدِينَةِ (بَقِيَةُ)

صفحة 117

بِتَخْفِيفِ الياءِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي لُغَةٌ، قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ حَقَّ وصْفِ فِعْلِ اللّازِمِ أنْ يَكُونَ عَلى وزْنِ فاعِلٍ نَحْوَ شَجِيَتِ المَرْأةُ فَهي شَجِيَةٌ فَإذا شُدِّدَتِ الياءُ كانَ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ (تَقِيَّةُ اللَّهِ) بِالتّاءِ والمُرادُ تَقْواهُ سُبْحانَهُ ومُراقَبَتُهُ الصّارِفَةُ عَنِ المَعاصِي ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أحْفَظُكم مِنَ القَبائِحِ أوْ أحْفَظُ عَلَيْكم أعْمالَكم وأُجازِيكم بِها، وإنَّما أنا ناصِحٌ مُبَلِّغٌ وقَدْ أُعْذِرْتُ إذْ أنْذَرْتُ ولَمْ آلُ جُهْدًا، أوْ ما أنا بِحافِظٍ عَلَيْكم نِعَمَ اللَّهِ تَعالى لَوْ لَمْ تَتْرُكُوا سُوءَ صَنِيعِكم.

87

قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ

They said, "O Shu'ayb, does your prayer command you that we should leave what our fathers worship or not do with our wealth what we please? Indeed, you are the forbearing, the discerning!"

﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ مِنَ الأصْنامِ أجابُوا بِذَلِكَ أمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ المُتَضَمِّنَ لِنَهْيِهِمْ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ وغَرَضُهم مِنهُ إنْكارُ الوَحْيِ الآمِرِ لَكِنَّهم بالَغُوا في ذَلِكَ إلى حَيْثُ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ هُناكَ آمِرٌ مِنَ العَقْلِ، وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أحْكامِ الوَسْوَسَةِ والجُنُونِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ، وعَلى هَذا بَنَوُا اسْتِفْهامَهم وأخْرَجُوا كَلامَهم وقالُوا بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿أصَلاتُكَ﴾ الَّتِي هي مِن نَتائِجِ الوَسْوَسَةِ وأفاعِيلِ المَجانِينِ تَأْمُرُكَ بِأنْ نَتْرُكَ ما اسْتَمَرَّ عَلى عِبادَتِهِ آباؤُنا جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ مِنَ الأوْثانِ والتَّماثِيلِ، وإنَّما جَعَلُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورًا مَعَ أنَّ الصّادِرَ عَنْهُ إنَّما هو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الشَّرائِعِ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَأْمُرُهم مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ بَلْ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، وأنَّهُ كانَ يُعْلِمُهم بِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ، وتَخْصِيصُهم إسْنادَ الأمْرِ إلى الصَّلاةِ مِن بَيْنِ سائِرِ أحْكامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ، بَلْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الأحْنَفِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ صَلاةً وكانُوا إذا رَأوْهُ يُصَلِّي يَتَغامَزُونَ ويَتَضاحَكُونَ فَكانَتْ هي مِن بَيْنِ شَعائِرِ الدِّينِ ضُحْكَةً لَهُمْ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُصَلِّي ويَقُولُ لَهُمْ: إنَّ الصَّلاةَ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ، وهَذا الإسْنادُ حَقِيقِيٌّ لا مَجازِيٌّ، غايَةَ ما في البابِ أنَّهم قَصَدُوا الحَقِيقَةَ تَهَكُّمًا، واخْتِيارُ المُضارِعِ لِيَدُلَّ عَلى العُمُومِ بِحَسَبِ الزَّمانِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ نَتْرُكَ﴾ عَلى تَقْدِيرٍ بِتَكْلِيفِ أنْ نَتْرُكَ فَحُذِفَ المُضافُ وهو تَكْلِيفٌ فَدَخَلَ الجارُّ عَلى (أنْ) ثُمَّ حُذِفَ وحَذْفُهُ قَبْلَها مُطَّرِدٌ وعُرْفُ التَّخاطُبِ في مِثْلِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ أنَّ الشَّخْصَ لا يُكَلَّفُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ أصْلًا، وقِيلَ: لا تَقْدِيرَ والمَعْنى أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ بِما لَيْسَ في وُسْعِكَ وعُهْدَتِكَ مِن أفاعِيلِ غَيْرِكَ، وغَرَضُهم مِن ذَلِكَ التَّعْرِيضُ بِرَكاكَةِ رَأْيِهِ وحاشاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ والِاسْتِهْزاءُ بِهِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وتُعَقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ دُخُولُ الهَمْزَةِ عَلى دُونِ الأمْرِ ويَسْتَدْعِي أنْ يَصْدُرَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في أثْناءِ الدَّعْوَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أوْ يُوهِمُهُ وأنّى ذَلِكَ فَتَأمَّلْ، وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ (أصَلَواتُكَ) بِالجَمْعِ وأمْرُ الجَمْعِ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ سَهْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ أجابُوا بِهِ أمْرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإيفاءِ الحُقُوقِ ونَهْيَهُ عَنِ البَخْسِ والنَّقْصِ، وهو عَطْفٌ عَلى (ما) و(أوْ) بِمَعْنى الواوِ أيْ وأنْ نَتْرُكَ فِعْلَنا ما نَشاءُ في أمْوالِنا مِنَ التَّطْفِيفِ وغَيْرِهِ، ولا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى أنْ نَتْرُكَ لِاسْتِحالَةِ المَعْنى إذْ يَصِيرُ حِينَئِذٍ تَأْمُرُكَ بِفِعْلِنا في أمْوالِنا ما نَشاءُ مِنَ التَّطْفِيفِ وغَيْرِهِ، وهم مَنهِيُّونَ عَنْ ذَلِكَ لا …

88

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

He said, "O my people, have you considered: if I am upon clear evidence from my Lord and He has provided me with a good provision from Him...? And I do not intend to differ from you in that which I have forbidden you; I only intend reform as much as I am able. And my success is not but through Allah. Upon him I have relied, and to Him I return.

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ مِن رَبِّي ومالِكٌ أُمُورِي ورَزَقَنِي مِنهُ مِن لَدُنْهِ سُبْحانَهُ رِزْقًا حَسَنًا هو النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، والجَوابُ عَلَيْهِ مِن بابِ إرْخاءِ العِنانِ، والكَلامُ المُصَنَّفُ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: صَدَقْتُمْ فِيما قُلْتُمْ إنِّي لَمْ أزَلْ مُرْشِدًا لَكم حَلِيمًا فِيما بَيْنَكم لَكِنْ ما جِئْتُ بِهِ لَيْسَ غَيْرَ الإرْشادِ والنَّصِيحَةِ لَكُمُ، انْظُرُوا بِعَيْنِ الإنْصافِ وأنْتُمْ ألِبّاءٌ إنْ كُنْتُ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ ويَقِينٍ مِن رَبِّي وكُنْتُ نَبِيًّا عَلى الحَقِيقَةِ، أيَصِحُّ لِي وأنا مُرْشِدُكم والنّاصِحُ لَكم أنْ لا آمُرَكم بِتَرْكِ الأوْثانِ والكَفِّ عَنِ المَعاصِي، والأنْبِياءُ لا يُبْعَثُونَ إلّا لِذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أكَّدَ مَعْنى الإرْشادِ وأدْرَجَ مَعِيَّ الحِلْمِ فِيما سَيَأْتِي مِن كَلامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَذا قَرَّرَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ.

واخْتارَ شَيْخُ الإسْلامِ عَدَمَ كَوْنِهِ باقِيًا عَلى الظّاهِرِ لِما أنَّ مَقامَ الِاسْتِهْزاءِ آبٍ عَنْهُ، وذَكَرَ قَدَّسَ سِرَّهُ أنَّ المُرادَ بِالبَيِّنَةِ والرِّزْقِ الحَسَنِ النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ، وأنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُما بِذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُما مَعَ كَوْنِهِما بَيِّنَةَ رِزْقٍ حَسَنٍ كَيْفَ لا وذَلِكَ مَناطُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِأُمَّتِهِ، وأنَّ هَذا الكَلامَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدٌّ عَلى

صفحة 119

مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ المُتَضَمِّنَةِ زَعْمَ عَدَمِ اسْتِنادِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ إلى سَنَدٍ ثُمَّ قالَ: وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَحْوى الكَلامِ، أيْ أتَقُولُونَ والمَعْنى أنَّكم عَدَدْتُمْ ما صَدَرَ عَنِّي مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي مِن قَبِيلِ ما لا يَصِحُّ أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ عاقِلٌ وجَعَلْتُمُوهُ مِن أحْكامِ الوَسْوَسَةِ والجُنُونِ، واسْتَهْزَأْتُمْ بِي وبِأفْعالِي وقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ فَأخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ مِن جِهَةِ رَبِّي ومالِكِ أُمُورِي ثابِتًا عَلى النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها غايَةٌ لِلْكَمالِ ولا مَطْمَحَ لِطامِحٍ ورَزَقَنِي لِذَلِكَ رِزْقًا حَسَنًا أتَقُولُونَ في شَأْنِي وشَأْنِ أفْعالِي ما تَقُولُونَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ ولا شَرَّ وراءَهُ ! وادَّعى أنَّ هَذا هو الجَوابُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ السِّياقُ ويُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ.

وفَسَّرَ القاضِي الرِّزْقَ الحَسَنَ بِما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المالِ الحَلالِ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ مِنهُ تَعالى أنَّهُ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وبِإعانَتِهِ بِلا كَدٍّ في تَحْصِيلِهِ، وقُدِّرَ جَوابُ الشَّرْطِ فَهَلْ يَسَعُ مَعَ هَذا الإنْعامِ الجامِعِ لِلسَّعادَةِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ أنْ أخُونَ في وحْيِهِ وأُخالِفَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وذَكَرَ أنَّ هَذا الكَلامَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتِذارٌ عَمّا أنْكَرُوا عَلَيْهِ مِن تَغْيِيرِ المَأْلُوفِ والنَّهْيِ عَنْ دِينِ الآباءِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم ما قَدَّرَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ.

وزَعَمَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ ذَيْنَكَ التَّقْدِيرَيْنِ بِمَعْزِلٍ عَمّا يَسْتَدْعِيهِ السِّياقُ، وأنَّهُما إنَّما يُناسِبانِ إنْ حُمِلَ كَلامُهم عَلى الحَقِيقَةِ وأُرِيدَ بِالصَّلاةِ الدِّينَ حَسْبَما نُقِلَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ وعَطاءٍ، ويَكُونُ المُرادُ بِالرِّزْقِ الحَسَنِ عَلى ذَلِكَ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَلالِ فَقَطْ كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ، ويَكُونُ المَعْنى حِينَئِذٍ أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ …

89

وَيَٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَٰلِحٍۢ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍۢ مِّنكُم بِبَعِيدٍۢ

And O my people, let not [your] dissension from me cause you to be struck by that similar to what struck the people of Noah or the people of Hud or the people of Salih. And the people of Lot are not from you far away.

﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أيْ لا يَكْسِبَنَّكم شِقاقِي أيْ مُعاداتِي وأصْلُها أنَّ أحَدَ المُتَعادِيَيْنِ يَكُونُ في عُدْوَةٍ وشِقٍّ والآخَرُ في آخَرَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ السُّدِّيِّ وعَنِ الحَسَنِ: ضِرارِي، وعَنْ بَعْضٍ: فِراقِي، والكُلُّ مُتَقارِبٌ وهو فاعِلُ ( يَجْرِمَنَّكم ) والكافُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ مَفْعُولُهُ الثّانِي، وقَدْ جاءَ تَعَدِّي جَرَمَ إلى مَفْعُولَيْنِ كَما جاءَ تَعَدِّيها لِواحِدٍ، وهي مِثْلُ كَسَبَ في ذَلِكَ ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُهُ:

ولَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا

وإضافَةُ شِقاقِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ أيْ لا يَكْسِبَنَّكم شِقاقُكم إيّايَ أنْ يُصِيبَكم

صفحة 122

مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ مِنَ الغَرَقِ أوْ قَوْمَ هُودٍ مِنَ الرِّيحِ أوْ قَوْمَ صالِحٍ مِنَ الرَّجْفَةِ والصَّيْحَةِ، ونَهْيُ الشِّقاقِ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ نَهْيِهِمْ، وهو أبْلَغُ مِن تَوْجِيهِ النَّهْيِ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ إذا نُهِيَ وهو لا يَعْقِلُ عُلِمَ نَهْيُ المُشاقِّينَ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ (يُجْرِمَنَّكُمْ) بِضَمِّ الياءِ، وحُكِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وهو حِينَئِذٍ مِن أجْرَمْتُهُ ذَنْبًا إذا جَعَلْتَهُ جارِمًا لَهُ أيْ كاسِبًا، والهَمْزَةُ لِلنَّقْلِ مِن جَرَمَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، ونَظِيرُهُ في النَّقْلِ كَذَلِكَ كَسَبَ المالَ فَإنَّهُ يُقالُ فِيهِ أكْسَبَهُ المالَ، والقِراءَتانِ سَواءٌ في المَعْنى إلّا أنَّ المَشْهُورَةَ جارِيَةٌ عَلى ما هو الأكْثَرُ اسْتِعْمالًا في كَلامِ الفُصَحاءِ مِنَ العَرَبِ المَوْثُوقِ بِعَرَبِيَّتِهِمْ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ (مِثْلَ) بِالفَتْحِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ وخَرَّجَهُ جَمْعٌ عَلى أنَّ (مِثْلُ) فاعِلٌ أيْضًا إلّا أنَّهُ بُنِيَ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، وقَدْ جَوَّزَ فِيهِ وكَذا في غَيْرَ مَعَ ما وأنِ المُخَفَّفَةِ والمُشَدِّدَةِ ذَلِكَ كالظُّرُوفِ المُضافَةِ لِلْمَبْنِيِّ، وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُهُ:

ولَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ ∗∗∗ حَمامَةٌ في غُصُونِ ذاتِ أوْقالٍ

وبَعْضٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والفُتْحَةُ إعْرابٌ أيْ إصابَةٌ مِثْلُ إصابَةِ قَوْمِ نُوحٍ وفاعِلُ يُصِيبُكم ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلى العَذابِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ زَمانًا كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أوْ مَكانًا كَما رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ ومُرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّكم إنْ لَمْ تَعْتَبِرُوا بِمَن قَبْلُ لِقِدَمِ عَهْدٍ أوْ بُعْدِ مَكانٍ فاعْتَبِرُوا بِهَؤُلاءِ فَإنَّهم بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِنكم وكَأنَّهُ إنَّما غَيَّرَ أُسْلُوبَ التَّحْذِيرِ بِهِمْ واكْتَفى بِذِكْرِ قُرْبِهِمْ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ ما أصابَهم لِشُهْرَةِ كَوْنِهِ مَنظُومًا في سِمْطِ ما ذَكَرَ مِن دَواعِي الأُمَمِ المَرْقُومَةِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالبُعْدِ البُعْدُ المَعْنَوِيُّ أيْ لَيْسُوا بِبَعِيدٍ مِنكم في الكُفْرِ والمَساوِي فاحْذَرُوا أنْ يَحِلَّ بِكم ما أحَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ فَقالَ: فَإنْ تَكُونُوا قَوْمَ لُوطٍ بِعَيْنِهِمْ فَما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ، وإفْرَدُ بَعِيدٍ وتَذْكِيرُهُ مَعَ كَوْنِ المُخْبَرِ عَنْهُ وهو قَوْمٌ اسْمَ جَمْعٍ ومُؤَنَّثًا لَفْظًا عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ واسْتَدَلَّ لَهُ بِتَصْغِيرِهِ عَلى قَوِيمَةٍ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ …

90

وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌۭ وَدُودٌۭ

And ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. Indeed, my Lord is Merciful and Affectionate."

هَذا، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أنْذَرَهم سُوءَ عاقِبَةِ صَنِيعِهِمْ عَقَّبَهُ طَمَعًا في ارْوِعائِهِمْ عَمّا هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ بِالحَمْلِ عَلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ، فَقالَ: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِهِ ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ عَظِيمُ الرَّحْمَةِ فَيَرْحَمُ مَن يَطْلُبُ مِنهُ المَغْفِرَةَ ﴿ودُودٌ).﴾ أيْ كَثِيرُ الوِدِّ والمَحَبَّةِ فَيُحِبُّ مَن يَتُوبُ ويَرْجِعُ إلَيْهِ، والمَشْهُورُ جَعْلُ الوَدُودِ مَجازًا بِاعْتِبارِ الغايَةِ أيْ مُبالِغٌ في فِعْلِ ما يَفْعَلُ البَلِيغُ المَوَدَّةُ بِمَن يَوَدُّهُ مِنَ اللُّطْفِ والإحْسانِ

صفحة 123

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عِنْدَ مَن لَمْ يَشْتَرِطْ إمْكانَ المَعْنى الأصْلِيِّ، والدّاعِي لِارْتِكابِ المَجازِ أوِ الكِنايَةِ عَلى ما قِيلَ: إنَّ المَوَدَّةَ بِمَعْنى المَيْلِ القَلْبِيِّ وهو مِمّا لا يَصِحُّ وصْفُهُ تَعالى بِهِ، والسَّلَفِيُّ يَقُولُ: المَوَدَّةُ فِينا المَيْلُ المَذْكُورُ وفِيهِ سُبْحانَهُ وراءَ ذَلِكَ مِمّا يَلِيقُ بِجَلالِ ذاتِهِ جَلَّ جَلالُهُ، وقِيلَ: مَعْنى ودُودٌ مُتَحَبِّبٌ إلى عِبادِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: مَحْبُوبُ المُؤْمِنِينَ وتَفْسِيرُهُ هُنا بِما تَقَدَّمَ أوْلى والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ السّابِقِ ولَمْ يَعْتَبِرِ الأكْثَرُ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن نَحْوِ التَّوْزِيعِ، فَقالَ: عَظِيمُ الرَّحْمَةِ لِلتّائِبِينَ مُبالَغٌ في اللُّطْفِ والإحْسانِ بِهِمْ وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ.

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.