وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌۭ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَٰهَا بِإِسْحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَٰقَ يَعْقُوبَ
And his Wife was standing, and she smiled. Then We gave her good tidings of Isaac and after Isaac, Jacob.
﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ وهي قائِمَةٌ، فَفِيهِ الإضْمارُ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ذِكْرٍ، وكَأنَّ ذَلِكَ إنْ صَحَّ لِلتَّعْوِيلِ عَلى انْفِهامِ المَرْجِعِ مِن سِياقِ الكَلامِ، والجُمْلَةُ إمّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (قالُوا) وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ مِنَ الضَّحِكِ المَعْرُوفِ، والمُرادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ عِنْدَ الكَثِيرِ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ سُرُورًا بِزَوالِ الخَوْفِ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والنِّساءُ لا يَمْلِكْنَ أنْفُسَهُنَّ كالرِّجالِ إذا غَلَبَ عَلَيْهِنَّ الفَرَحُ، وقِيلَ: كانَ سُرُورًا بِهَلاكِ أهْلِ الفَسادِ، وقِيلَ: بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ ضَحِكَها كانَ سُرُورًا بِصِدْقِ ظَنِّها لِأنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ: اضْمُمْ إلَيْكَ لُوطًا فَإنِّي أرى العَذابَ سَيَنْزِلُ بِقَوْمِهِ، وكانَ لُوطٌ ابْنَ أخِيهِ، وقِيلَ: ابْنُ خالَتِهِ وقِيلَ: كانَ أخا سارَّةَ وقَدْ مَرَّ آنِفًا أنَّها بِنْتُ عَمِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها ضَحِكَتْ مِن شِدَّةِ خَوْفِ إبْراهِيمَ وهو في أهْلِهِ وغِلْمانِهِ، والَّذِينَ جاءُوهُ ثَلاثَةٌ وهي تَعْهَدُهُ يَغْلِبُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: المِائَةُ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ ذَلِكَ مِن غَفْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ وقُرْبِ العَذابِ مِنهُمْ، وقالَ السُّدِّيُّ: ضَحِكَتْ مِن إمْساكِ الأضْيافِ عَنِ الأكْلِ وقالَتْ: عَجَبًا لِأضْيافِنا نَخْدِمُهم بِأنْفُسِنا وهم لا يَأْكُلُونَ طَعامَنا، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها ضَحِكَتْ مِنَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ، وفي الكَلامِ عَلى ذَلِكَ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وقِيلَ: (ضَحِكَتْ) مِنَ المُعْجِزِ الَّذِي تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة 98
ولَعَلَّ الأظْهَرَ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا عَنِ البَعْضِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ بِالضَّحِكِ التَّبَسُّمُ ويُسْتَعْمَلُ في السُّرُورِ المُجَرَّدِ نَحْوَ مُسْفِرَةٍ ضاحِكَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: رَوْضَةٌ تَضْحَكُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ. وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ (ضَحِكَتْ) بِمَعْنى حاضَتْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ، وقَوْلُهُمْ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ بِهَذا المَعْنى أيْضًا، وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو عُبَيْدٍ، والفَرّاءُ مَجِيءُ ضَحِكٍ بِمَعْنى حاضَ، وأثْبَتَ ذَلِكَ جُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ، وأنْشَدُوا لَهُ قَوْلَهُ:
(وضَحِكَ) الأرانِبُ فَوْقَ الصَّفا كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللُّقا
وقَوْلَهُ:
وعَهْدِي بِسَلْمى (ضاحِكًا) في لُبابَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَعُدْ حَقًّا ثَدْيُها أنْ تَحْلُما
وقَوْلَهُ:
إنِّي لَآتِي العُرْسَ عِنْدَ طَهُورِها ∗∗∗ وأهْجُرُها يَوْمًا إذا تَكُ (ضاحِكًا)
والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، نَعَمْ قالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّهُ يُبْعِدُ الحَمْلَ عَلى ذَلِكَ هُنا قَوْلُها: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ إلَخْ.. فَإنَّهُ لَوْ كانَ الحَيْضُ قَبْلَ البِشارَةِ لَما تَعَجَّبَتْ إذْ لا عَجَبَ في حَمْلِ مَن تَحِيضُ، والحَيْضُ في العادَةِ مِعْيارٌ عَلى إمْكانِ الحَمْلِ، ودُفِعَ بِأنَّ الحَيْضَ في غَيْرِ أوانِهِ مُؤَكِّدٌ لِلتَّعَجُّبِ أيْضًا، ولِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَظُنَّ أنَّ دَمَها لَيْسَ بِحَيْضٍ بَلِ اسْتِحاضَةٍ فَلِذا تَعَجَّبَتْ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ الأعْرابِيُّ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ (فَضَحَكَتْ) بِفَتْحِ الحاءِ، وزَعَمَ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وأنَّ (ضَحِكَ) بِالكَسْرِ هو المَعْرُوفُ، ومَصْدَرُهُ ضَحْكًا وضِحْكًا …