Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 71–80 of 123

71

وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌۭ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَٰهَا بِإِسْحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَٰقَ يَعْقُوبَ

And his Wife was standing, and she smiled. Then We gave her good tidings of Isaac and after Isaac, Jacob.

﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ وهي قائِمَةٌ، فَفِيهِ الإضْمارُ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ذِكْرٍ، وكَأنَّ ذَلِكَ إنْ صَحَّ لِلتَّعْوِيلِ عَلى انْفِهامِ المَرْجِعِ مِن سِياقِ الكَلامِ، والجُمْلَةُ إمّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (قالُوا) وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ مِنَ الضَّحِكِ المَعْرُوفِ، والمُرادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ عِنْدَ الكَثِيرِ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ سُرُورًا بِزَوالِ الخَوْفِ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والنِّساءُ لا يَمْلِكْنَ أنْفُسَهُنَّ كالرِّجالِ إذا غَلَبَ عَلَيْهِنَّ الفَرَحُ، وقِيلَ: كانَ سُرُورًا بِهَلاكِ أهْلِ الفَسادِ، وقِيلَ: بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ ضَحِكَها كانَ سُرُورًا بِصِدْقِ ظَنِّها لِأنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ: اضْمُمْ إلَيْكَ لُوطًا فَإنِّي أرى العَذابَ سَيَنْزِلُ بِقَوْمِهِ، وكانَ لُوطٌ ابْنَ أخِيهِ، وقِيلَ: ابْنُ خالَتِهِ وقِيلَ: كانَ أخا سارَّةَ وقَدْ مَرَّ آنِفًا أنَّها بِنْتُ عَمِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها ضَحِكَتْ مِن شِدَّةِ خَوْفِ إبْراهِيمَ وهو في أهْلِهِ وغِلْمانِهِ، والَّذِينَ جاءُوهُ ثَلاثَةٌ وهي تَعْهَدُهُ يَغْلِبُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: المِائَةُ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ ذَلِكَ مِن غَفْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ وقُرْبِ العَذابِ مِنهُمْ، وقالَ السُّدِّيُّ: ضَحِكَتْ مِن إمْساكِ الأضْيافِ عَنِ الأكْلِ وقالَتْ: عَجَبًا لِأضْيافِنا نَخْدِمُهم بِأنْفُسِنا وهم لا يَأْكُلُونَ طَعامَنا، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها ضَحِكَتْ مِنَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ، وفي الكَلامِ عَلى ذَلِكَ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وقِيلَ: (ضَحِكَتْ) مِنَ المُعْجِزِ الَّذِي تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ

صفحة 98

ولَعَلَّ الأظْهَرَ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا عَنِ البَعْضِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ بِالضَّحِكِ التَّبَسُّمُ ويُسْتَعْمَلُ في السُّرُورِ المُجَرَّدِ نَحْوَ مُسْفِرَةٍ ضاحِكَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: رَوْضَةٌ تَضْحَكُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ. وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ (ضَحِكَتْ) بِمَعْنى حاضَتْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ، وقَوْلُهُمْ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ بِهَذا المَعْنى أيْضًا، وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو عُبَيْدٍ، والفَرّاءُ مَجِيءُ ضَحِكٍ بِمَعْنى حاضَ، وأثْبَتَ ذَلِكَ جُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ، وأنْشَدُوا لَهُ قَوْلَهُ:

(وضَحِكَ) الأرانِبُ فَوْقَ الصَّفا كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللُّقا

وقَوْلَهُ:

وعَهْدِي بِسَلْمى (ضاحِكًا) في لُبابَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَعُدْ حَقًّا ثَدْيُها أنْ تَحْلُما

وقَوْلَهُ:

إنِّي لَآتِي العُرْسَ عِنْدَ طَهُورِها ∗∗∗ وأهْجُرُها يَوْمًا إذا تَكُ (ضاحِكًا)

والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، نَعَمْ قالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّهُ يُبْعِدُ الحَمْلَ عَلى ذَلِكَ هُنا قَوْلُها: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ إلَخْ.. فَإنَّهُ لَوْ كانَ الحَيْضُ قَبْلَ البِشارَةِ لَما تَعَجَّبَتْ إذْ لا عَجَبَ في حَمْلِ مَن تَحِيضُ، والحَيْضُ في العادَةِ مِعْيارٌ عَلى إمْكانِ الحَمْلِ، ودُفِعَ بِأنَّ الحَيْضَ في غَيْرِ أوانِهِ مُؤَكِّدٌ لِلتَّعَجُّبِ أيْضًا، ولِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَظُنَّ أنَّ دَمَها لَيْسَ بِحَيْضٍ بَلِ اسْتِحاضَةٍ فَلِذا تَعَجَّبَتْ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ الأعْرابِيُّ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ (فَضَحَكَتْ) بِفَتْحِ الحاءِ، وزَعَمَ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وأنَّ (ضَحِكَ) بِالكَسْرِ هو المَعْرُوفُ، ومَصْدَرُهُ ضَحْكًا وضِحْكًا …

72

قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌۭ وَهَٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌۭ

She said, "Woe to me! Shall I give birth while I am an old woman and this, my husband, is an old man? Indeed, this is an amazing thing!"

﴿قالَتْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّ سائِلًا سَألَ ما فَعَلَتْ حِينَ بُشِّرَتْ؟ فَقِيلَ: قالَتْ: ﴿يا ويْلَتى﴾ مِنَ الوَيْلِ وأصْلُهُ الخِزْيُ، ويُسْتَعْمَلُ في كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، والمُرادُ هُنا التَّعَجُّبُ وقَدْ كَثُرَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يَتَعَجَّبْنَ مِنهُ، والظّاهِرُ أنَّ الألِفَ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، ولِذا أمالَها أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ، وبِهَذا يَلْغُزُ فَيُقالُ: ما ألِفٌ هي ضَمِيرُ مُفْرَدٍ مُتَكَلِّمٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ (يا ويْلَتِي) بِالياءِ عَلى الأصْلِ، وقِيلَ: إنَّها ألِفُ النُّدْبَةِ ولِذا يُلْحِقُونَها الهاءَ فَيَقُولُونَ: يا ويْلَتاهُ ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ ابْنَةُ تِسْعِينَ سَنَةً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، أوْ تِسْعٍ وتِسْعِينَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.

صفحة 100

﴿وهَذا﴾ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ ﴿بَعْلِي﴾ أيْ زَوْجِي، وأصْلُ البَعْلِ القائِمُ بِالأمْرِ فَأُطْلِقَ عَلى الزَّوْجِ لِأنَّهُ يَقُومُ بِأمْرِ الزَّوْجَةِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو الذَّكَرُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ وجَمْعُهُ بُعُولَةٌ نَحْوَ فَحْلٍ وفُحُولَةٍ، ولِما تَصَوَّرُوا مِنَ الرَّجُلِ اسْتِعْلاءً عَلى المَرْأةِ فَجُعِلَ سائِسَها والقائِمَ عَلَيْها؛ وسُمِّيَ بِهِ شِبْهُ كَلِّ مُسْتَعْلٍ عَلى غَيْرِهِ بِهِ فَسُمِّيَ بِاسْمِهِ، ومِن هُنا سَمّى العَرَبُ مَعْبُودَهُمُ الَّذِي يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى بَعْلًا لِاعْتِقادِهِمْ ذَلِكَ فِيهِ ﴿شَيْخًا﴾ ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ أوْ مِائَةٍ وعِشْرِينَ، وهو مِن شاخَ يَشِيخُ، وقَدْ يُقالُ: لِلْأُنْثى شَيْخَةٌ كَما قالَ:

وتَضْحَكُ مِنِّي (شَيْخَةٌ) عَبْشَمِيَّةٌ.

ويُجْمَعُ عَلى أشْياخٍ وشُيُوخٍ وشِيخانٍ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، والعامِلُ فِيهِ ما في هَذا مِن مَعْنى الإشارَةِ أوِ التَّنْبِيهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومِثْلُ هَذِهِ الحالِ مِن لَطِيفِ النَّحْوِ وغامِضِهِ إذْ لا تَجُوزُ إلّا حَيْثُ يُعْرَفُ الخَبَرُ، فَفي قَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ قائِمًا لا يُقالُ إلّا لِمَن يَعْرِفُهُ فَيُفِيدُهُ قِيامُهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ زَيْدًا عِنْدَ عَدَمِ القِيامِ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ فَهُنا بَعْلِتَّيُهُ مَعْرُوفَةٌ، والمَقْصُودُ بَيانُ شَيْخُوخَتِهِ وإلّا لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ بَعْلُها قَبْلَ الشَّيْخُوخَةِ قالَهُ الطِّيبِيُّ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّهُ إنَّما يَتَوَجَّهُ إذا لَمْ تَكُنِ الحالُ لازِمَةً غَيْرَ مُنْفَكَّةٍ، أمّا في نَحْوِ هَذا أبُوكَ عَطُوفًا فَلا يَلْزَمُ المَحْذُورُ، والحالُ هَهُنا مُبَيِّنَةٌ هَيْئَةَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ لِأنَّ العامِلَ فِيها ما أُشِيرَ إلَيْهِ، وبِذَلِكَ التَّأْوِيلِ يَتَّحِدُ عامِلُ الحالِ وذِيها، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ هَذا يَعْمَلُ عَمَلَ كانَ و(شَيْخًا) خَبَرُهُ وسُمُّوهُ تَقْرِيبًا.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ -وهُوَ في مُصْحَفِهِ- والأعْمَشُ –شَيْخٌ- بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أيْ هو شَيْخٌ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وفي البَحْرِ إنَّ الكَلامَ عَلى هَذا كَقَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، أوْ هو الخَبَرُ، و(بَعْلِي) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، أوْ بَيانٌ لَهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (بَعْلِي) الخَبَرَ، و–شَيْخٌ- تابِعًا لَهُ، وكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ وقَعَتْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (أألِدُ) لِتَقْرِيرِ ما فِيهِ مِن الِاسْتِبْعادِ وتَعْلِيلُهُ أيْ أألِدُ وكِلانا عَلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لِذَلِكَ، وإنَّما قَدَّمَتْ بَيانَ حالِها عَلى بَيانِ حالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ مُبايَنَةَ حالِها لِما ذُكِرَ مِنَ الوِلادَةِ أكْثَرُ، إذْ رُبَّما يُولَدُ لِلشُّيُوخِ مِنَ …

73

قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌۭ مَّجِيدٌۭ

They said, "Are you amazed at the decree of Allah? May the mercy of Allah and His blessings be upon you, people of the house. Indeed, He is Praiseworthy and Honorable."

﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيْ قُدْرَتِهُ وحِكْمَتِهِ، أوْ تَكْوِينِهِ وشَأْنِهِ سُبْحانَهُ، أنْكَرُوا عَلَيْها تَعَجُّبَها لِأنَّها كانَتْ ناشِئَةً في بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَهْبِطِ الوَحْيِ ومَحَلِّ الخَوارِقِ فَكانَ حَقُّها أنْ تَتَوَقَّرَ ولا يَزْدَهِيها ما يَزْدَهِي سائِرَ النِّساءِ مِن أمْثالِ هَذِهِ الخَوارِقِ مِن ألْطافِ اللَّهِ سُبْحانَهُ الخَفِيَّةِ ولَطائِفِ صُنْعِهِ الفائِضَةِ عَلى كُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَعَلَّقُ بِإفاضَتِهِ عَلى مَشِيئَتُهُ تَعالى الأزَلِيَّةُ لا سِيَّما أهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ الَّذِينَ هم هم وأنْ تُسَبِّحَ اللَّهَ تَعالى وتُمَجِّدَهُ وتَحْمَدَهُ، وإلى ذَلِكَ أشارُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ﴾ المُسْتَتْبَعَةُ كُلَّ خَيْرٍ

صفحة 101

ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ تَشْرِيفِها والإيماءِ إلى عَظَمَتِها ﴿وبَرَكاتُهُ﴾ أيْ خَيْراتُهُ التّامَّةُ المُتَكاثِرَةُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هِبَةُ الأوْلادِ، وقِيلَ: الرَّحْمَةُ النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنهم وكُلُّهم مِن ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ وقِيلَ: رَحْمَتُهُ تَحِيَّتُهُ، وبَرَكاتُهُ فَواضِلُ خَيْرِهِ بِالخَلَّةِ والإمامَةِ.

﴿عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوْ الِاخْتِصاصِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُعْرِبِينَ، قالَ أبُو حَيّانَ: وبَيْنَهُما فَرْقٌ ولِذَلِكَ جَعَلَهُما سِيبَوَيْهِ في بابَيْنِ وهو أنَّ المَنصُوبَ عَلى المَدْحِ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ المَدْحَ كَما أنَّ المَنصُوبَ عَلى الذَّمِّ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ الذَّمَّ، والمَنصُوبُ عَلى الِاخْتِصاصِ يُقْصَدُ بِهِ المَدْحُ، أوِ الذَّمُّ لَكِنَّ لَفْظَهُ لا يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ ذَلِكَ كَقَوْلِ رُؤْبَةَ: بِنا تَمِيمًا يَكْشِفُ الضَّبابَ.

انْتَهى، وفي الهَمْعِ أنَّ النَّصْبَ في الِاخْتِصاصِ بِفِعْلٍ واجِبِ الإضْمارِ وقَدَّرَهُ سِيبَوَيْهِ بِأعْنِي ويَخْتَصُّ بِأيِ الواقِعَةِ بَعْدَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ كَأنا أفْعَلُ كَذا أيُّها الرَّجُلُ، وكاللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ، وحُكْمُها في هَذا البابِ -إلّا عِنْدَ السِّيرافِيِّ والأخْفَشِ- حُكْمُها في بابِ النِّداءِ ويَقُومُ مَقامَها في الأكْثَرِ كَما -قالَ سِيبَوَيْهِ- بَنُو نَحْوَ قَوْلِهِ. نَحْنُ بَنِي ضَبَّةَ أصْحابُ الجَمَلِ. ومِنهُ قَوْلُهُ:

نَحْنُ بَناتُ طارِقٍ نَمْشِي عَلى النَّمارِقِ

ومَعْشَرُ كَقَوْلِهِ:

لَنا مَعْشَرَ الأنْصارِ مَجْدٌ مُؤَثَّلٌ ∗∗∗ بِإرْضائِنا خَيْرَ البَرِيَّةِ أحَمَدا

وفِي الحَدِيثِ: «نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» وآلْ، وأهْلُ، وأبُو عَمْرٍو لا يَنْصِبُ غَيْرَهُما ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَلَّ كَوْنُ ذَلِكَ عَلَمًا كَما في بَيْتِ رُؤْبَةَ السّابِقِ في كَلامِ أبِي حَيّانَ، ولا يَكُونُ اسْمَ إشارَةٍ ولا غَيْرَهُ، ولا نَكِرَةً البَتَّةَ، ولا يَجُوزُ تَقْدِيمُ اسْمِ الِاخْتِصاصِ عَلى الضَّمِيرِ، وقَلَّ وُقُوعُ الِاخْتِصاصِ بَعْدَ ضَمِيرِ المُخاطَبِ كَسُبْحانَكَ اللَّهَ العَظِيمَ، وبَعْدَ لَفْظِ غائِبٍ في تَأْوِيلِ المُتَكَلِّمِ أوِ المُخاطَبِ نَحْوَ عَلى المَضارِبِ الوَضْعِيَّةِ أيُّها البائِعُ، فالمَضارِبُ لَفْظُ غَيْبَةٍ لِأنَّهُ ظاهِرٌ لَكِنَّهُ في مَعْنى عَلى أوْ عَلَيْكَ، ومَنَعَ ذَلِكَ الصَّفّارُ البَتَّةَ لِأنَّ الِاخْتِصاصَ شِبْهُ النِّداءِ فَكَما لا يُنادى الغائِبُ فَكَذَلِكَ لا يَكُونُ فِيهِ الِاخْتِصاصُ انْتَهى، مَعَ أدْنى زِيادَةٍ وتَغْيِيرٍ، ومِنهُ يُعْلَمُ بَعْضُ ما في كَلامِ أبِي حَيّانَ وأنَّ حَمْلَ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ مِنِ …

74

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ

And when the fright had left Abraham and the good tidings had reached him, he began to argue with Us concerning the people of Lot.

﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيِ الخَوْفُ والفَزَعُ، قالَ الشّاعِرُ:

إذا أخَذَتْها هِزَّةُ (الرَّوْعِ) أمْسَكَتْ بِمَنكِبِ مِقْدامٍ عَلى الهَوْلِ أرْوَعا

والفِعْلُ راعَ، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ:

(ما راعَنِي) إلّا حُمُولَةُ أهْلِها ∗∗∗ وسَطَ الدِّيارِ تَسُفُّ حَبَّ الخَمْخَمِ

والرُّوعُ بِضَمِّ الرّاءِ النَّفْسُ وهي مَحَلُّ الرَّوْعِ، والفاءُ لِرَبْطِ بَعْضِ أحْوالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَعْضِ غِبِّ انْفِصالِها بِما لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مِن كُلِّ وجْهٍ بَلْ لَهُ مَدْخَلٌ في السِّياقِ والسِّباقِ، وتَأخَّرَ الفاعِلُ مِنَ الظَّرْفِ لِكَوْنِهِ مَصَبَّ الفائِدَةِ، والمَعْنى لَما زالَ عَنْهُ ما كانَ أوْجَسَهُ مِنهم مِنَ الخِيفَةِ واطْمَأنَّتْ نَفْسُهُ بِالوُقُوفِ عَلى جَلِيَّةِ أمْرِهِمْ، ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ يُجادِلُ رُسُلَنا في حالِهِمْ وشَأْنِهِمْ، فَفِيهِ مَجازٌ في الإسْنادِ، وكانَتْ مُجادَلَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم ما قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ:

صفحة 103

﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا﴾ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ مُجادَلَةٌ وعُدَّ ذَلِكَ مُجادَلَةً لِأنَّ مَآلَهُ عَلى ما قِيلَ: كَيْفَ تَهْلَكُ قَرْيَةٌ فِيها مَن هو مُؤْمِنٌ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْعَذابِ؟ ولِذا أجابُوهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ﴾ وهَذا القَدْرُ مِنَ القَوْلِ هو المُتَيَقِّنُ.

وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما قالُوا، قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَها؟ قالُوا: لا، قالَ: فَثَلاثُونَ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَعِشْرُونَ، قالُوا: لا، قالَ: فَإنْ كانَ فِيهِمْ عَشْرَةٌ أوْ خَمْسَةٌ -شَكَّ الرّاوِي-؟ قالُوا: لا، قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها رَجُلٌ واحِدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَها؟ قالُوا: لا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ فَأجابُوهُ بِما أجابُوهُ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عِدَّةَ رِواياتٍ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِها، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ المُجادَلَةَ بِطَلَبِ الشَّفاعَةِ، وقِيلَ: هي سُؤالُهُ عَنِ العَذابِ هَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ أمْ عَلى سَبِيلِ الإخافَةِ لِيَرْجِعُوا إلى الطّاعَةِ؟ وأيًّا ما كانَ –فَيُجادِلُنا- جَوابُ –لَمّا- وكانَ الظّاهِرُ جادَلَنا إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ واسْتِحْضارِ صُورَتِها، وقِيلَ: إنَّ - لَمّا- كَلَوْ تَقْلِبُ المُضارِعَ ماضِيًا كَما أنَّ –أنْ- تَقْلِبُ الماضِيَ مُسْتَقْبَلًا، وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِهِ أيْ أخَذَ أوْ أقْبَلَ مُجادِلًا لَنا، وآثَرَ هَذا الوَجْهَ الزَّجّاجُ ولَكِنَّهُ جَعَلَهُ مَعَ حِكايَةِ الحالِ وجْهًا واحِدًا لِأنَّهُ قالَ: ولَمْ يَذْكُرْ في الكَلامِ أخَذَ لِأنَّ الكَلامَ إذا أُرِيدَ بِهِ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ قُدِّرَ فِيهِ أخَذَ وأقْبَلَ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: قامَ زَيْدٌ دَلَّ عَلى فِعْلٍ ماضٍ، وإذا قُلْتَ: أخَذَ زَيْدٌ يَقُومُ دَلَّ عَلى حالٍ مُمْتَدَّةٍ مِن أجْلِها ذُكِرَ أخَذَ وأقْبَلَ، وصَنِيعُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما وجْهانِ، وتَحْقِيقُهُ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّهُ إذا أُرِيدَ اسْتِمْرارُ الماضِي فَهو كَما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وإنْ أُرِيدَ التَّصْوِيرُ المُجَرَّدُ فَلا، وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ.

والجُمْلَةُ …

75

إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌۭ مُّنِيبٌۭ

Indeed, Abraham was forbearing, grieving and [frequently] returning [to Allah].

﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ غَيْرُ عَجُولٍ عَلى الِانْتِقامِ إلى المُسِيءِ إلَيْهِ ﴿أوّاهٌ﴾ كَثِيرُ التَّأوُّهِ مِنَ الذُّنُوبِ والتَّأسُّفِ عَلى النّاسِ ﴿مُنِيبٌ﴾ راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى، والمَقْصُودُ مِن وصْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ المُنْبِئَةِ عَنِ الشَّفَقَةِ ورِقَّةِ القَلْبِ بَيانُ ما حَمَلَهُ عَلى ما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ المُجادَلَةِ، وحَمْلُ الحِلْمِ عَلى عَدَمِ العَجَلَةِ والتَّأنِّي في الشَّيْءِ مُطْلَقًا، وجُعِلَ المَقْصُودُ مِنَ الوَصْفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ بَيانَ ما حَمَلَهُ عَلى المُجادَلَةِ وإيقاعِها بَعْدَ أنْ تَحَقَّقَ ذَهابُ الرَّوْعِ ومَجِيءُ البُشْرى لا يَخْفى حالُهُ.

76

يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍۢ

[The angels said], "O Abraham, give up this [plea]. Indeed, the command of your Lord has come, and indeed, there will reach them a punishment that cannot be repelled."

﴿يا إبْراهِيمُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ لِيَرْتَبِطَ بِما قَبِلَ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ أوْ قُلْنا ( يا إبْراهِيمُ).

﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجِدالِ ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ أيْ قَدَرُهُ تَعالى المَقْضِيُّ بِعَذابِهِمْ، وقَدْ يُفَسَّرُ بِالعَذابِ، ويُرادُ بِالمَجِيءِ المُشارَفَةُ فَلا يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أيْ لا بِجِدالٍ ولا بِدُعاءٍ ولا بِغَيْرِهِما إذْ حاصِلُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ شارِفُهم ثُمَّ وقَعَ بِهِمْ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ المُشارَفَةِ، والتَّكْرارُ مَدْفُوعٌ بِأنَّ ذاكَ تَوْطِئَةٌ لِذِكْرِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَرْدُودٍ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ هَرَمٍ –وإنَّهم أتاهُمْ- بِلَفْظِ الماضِي، و(عَذابٌ) فاعِلٌ بِهِ، وعَبَّرَ بِالماضِي لِتَحْقِيقِ الوُقُوعِ

77

وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًۭا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًۭا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌۭ

And when Our messengers, [the angels], came to Lot, he was anguished for them and felt for them great discomfort and said, "This is a trying day."

﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: انْطَلِقُوا مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ القَرْيَتَيْنِ أرْبَعَةُ فَراسِخَ ودَخَلُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ غِلْمانٍ مُرْدٍ حِسانِ الوُجُوهِ فَلِذَلِكَ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ أحْدَثَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَجِيئُهُمُ المَساءَةَ لِظَنِّهِ أنَّهم أُناسٌ فَخافَ أنْ يَقْصِدَهم قَوْمُهُ ويَعْجِزَ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ، وقِيلَ: كانَ بَيْنَ القَرْيَتَيْنِ ثَمانِيَةُ أمْيالٍ فَأتَوْها عِشاءً، وقِيلَ نِصْفَ النَّهارِ ووَجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ.

وقِيلَ: وجَدُوا بِنْتًا لَهُ تَسْتَقِي ماءً مَن نَهْرِ سَدُومَ وهي أكْبَرُ مَحَلٍّ لِلْقَوْمِ فَسَألُوها الدَّلالَةَ عَلى مَن يَضِيفُهم ورَأتْ هَيْأتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ أبِيها فَقالَتْ لَهُمْ: مَكانَكم وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالُوا:

صفحة 105

إنّا نُرِيدُ أنْ تَضِيفَنا اللَّيْلَةَ، فَقالَ: أوَما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ؟ فَقالُوا: وما عَمَلُهُمْ؟ فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ تَعالى أنَّهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ، وقَدْ كانَ اللَّهُ تَعالى قالَ لِلْمَلائِكَةِ لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذِهِ واحِدَةٌ وتَكَرَّرَ القَوْلُ مِنهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهادَةَ فَتَمَّتِ الأرْبَعُ، ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ فَدَخَلُوا مَعَهُ مَنزِلَهُ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أيْ طاقَةً وجُهْدًا، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ ذَرَعَ البَعِيرُ بِيَدَيْهِ يَذْرَعُ في مَسِيرِهِ إذا سارَ مادًّا خَطْوَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الذِّراعِ وهي العُضْوُ المَعْرُوفُ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَوُضِعَ مَوْضِعَ الطّاقَةِ والجُهْدِ، وذَلِكَ أنَّ اليَدَ كَما تُجْعَلُ مَجازًا عَنِ القُوَّةِ فالذِّراعُ المَعْرُوفَةُ كَذَلِكَ، وفي الصِّحاحِ يُقالُ: ضِقْتُ بِالأمْرِ ذَرْعًا إذا لَمَّ تُطِقْهُ ولَمْ تَقْوَ عَلَيْهِ، وأصْلُ الذَّرْعِ بَسْطُ اليَدِ فَكَأنَّكَ تُرِيدُ مَدَدْتُ يَدِي إلَيْهِ فَلَمْ تَنَلْهُ، ورُبَّما قالُوا: ضِقْتُ بِهِ ذِراعًا، قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ ذِئْبًا:

وإنْ باتَ وحْشًا لَيْلَةً لَمْ يَضِقْ بِها (ذِراعًا) ولَمْ يُصْبِحْ لَها وهو خاشِعٌ

وفِي الكَشّافِ جَعَلَتِ العَرَبُ ضِيقَ الذِّراعُ والذَّرْعُ عِبارَةٌ عَنْ فَقْدِ الطّاقَةِ كَما قالُوا: رَحُبَ الذِّراعُ بِكَذا إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ، والأصْلُ فِيهِ أنَّ الرَّجُلَ إذا طالَتْ ذِراعُهُ نالَ ما لا يَنالُهُ القَصِيرُ الذِّراعِ فَضُرِبَ ذَلِكَ مَثَلًا في العَجْزِ والقُدْرَةِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ أيْ ضاقَ بِأمْرِهِمْ وحالِهِمْ ذَرْعُهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الذَّرْعُ كِنايَةً عَنِ الصَّدْرِ والقَلْبِ، وضِيقُهُ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الِانْقِباضِ لِلْعَجْزِ عَنْ مُدافَعَةِ المَكْرُوهِ والِاحْتِيالِ فِيهِ، وهو عَلى ما قِيلَ: كِنايَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى كِنايَةٍ أُخْرى مَشْهُورَةٍ؛ وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ لِأنَّ الحَقِيقَةَ غَيْرُ مُرادَةٍ هُنا، وأبْعَدَ بَعْضُهم في تَخْرِيجِ هَذا الكَلامِ فَخَرَّجَهُ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّ بَدَنَهُ ضاقَ قَدْرًا عَنِ احْتِمالِ ما وقَعَ ﴿وقالَ هَذا﴾ اليَوْمُ ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ شَدِيدٌ، وأصْلُهُ مِنَ العَصَبِ بِمَعْنى الشَّدِّ كَأنَّهُ لِشِدَّةِ شَرِّهِ عُصِبَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، قالَ الرّاجِزُ:

يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الأبْطالا ∗∗∗ عَصْبَ القُوى السِّلْمَ الطِّوالا

وفِي مَعْناهُ العَصَبْصَبْ …

78

وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌۭ

And his people came hastening to him, and before [this] they had been doing evil deeds. He said, "O my people, these are my daughters; they are purer for you. So fear Allah and do not disgrace me concerning my guests. Is there not among you a man of reason?"

﴿وجاءَهُ﴾ أيْ لُوطًا وهي في بَيْتِهِ مَعَ أضْيافِهِ ﴿قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ يَسْتَحِثُّونَ إلَيْهِ كَأنَّهُ يَحُثُّ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ يَحُثُّهم كَبِيرُهم ويَسُوقُهُمْ، أوِ الطَّمَعُ في الفاحِشَةِ، والعامَّةُ عَلى قِراءَتِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ جَماعَةٌ (يَهْرَعُونَ) بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِن هَرِعَ، وأصْلُهُ مِنَ الهَرَعِ وهو الدَّمُ الشَّدِيدُ السَّيَلانِ كَأنَّ بَعْضَهُ يَدْفَعُ بَعْضًا، وجاءَ أهْرَعَ القَوْمُ إذا أسْرَعُوا، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الإهْراعَ بِالمَشْيِ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والجَمْزِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَمّا في الآيَةِ، فَقالَ: المَعْنى يُقْبِلُونَ إلَيْهِ بِالغَضَبِ، ثُمَّ أنْشَدَ قَوْلَ مُهَلْهَلٍ:

فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أُسارى نَقُودُهم عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِيُسْرِعُونَ وهو بَيانٌ لِلْمُرادِ ويَسْتَقِيمُ عَلى القِراءَتَيْنِ، وجُمْلَةُ ( يُهْرَعُونَ ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن قَوْمِهِ أيْ جاءُوا مُهْرِعِينَ إلَيْهِ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا جاءَ لُوطٌ بِضَيْفِهِ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ أحَدٌ إلّا أهْلَ بَيْتِهِ فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ: إنَّ لُوطًا قَدْ أضافَ اللَّيْلَةَ فِئَةً ما رُؤِيَ مِثْلُهم جَمالًا فَحِينَئِذٍ جاءُوا يَهْرَعُونَ إلَيْهِ ﴿ومِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ وقْتِ مَجِيئِهِمْ، وقِيلَ: (مِن قَبْلُ) بَعْثِ لُوطٍ رَسُولًا إلَيْهِمْ ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ قِيلَ: المُرادُ سَيِّئَةُ إتْيانِ الذُّكُورِ إلّا أنَّها جُمِعَتْ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِها أوْ بِاعْتِبارِ فاعِلِيها.

وقِيلَ: المُرادُ ما يَعُمُّ ذَلِكَ، وإتْيانُ النِّساءِ في مَحاشِهِنَّ، والمُكاءُ والصَّفِيرُ، واللَّعِبُ بِالحَمامِ، والقُمارُ، والِاسْتِهْزاءُ

صفحة 106

بِالنّاسِ. وغَيْرُ ذَلِكَ، والمُرادُ مِن ذِكْرِ عَمَلِهِمُ السَّيِّئاتِ مِن قَبْلِ بَيانِ أنَّهُمُ اعْتادُوا المُنْكَرَ فَلَمْ يَسْتَحْيُوا فَلِذَلِكَ أسْرَعُوا لِطَلَبِ الفاحِشَةِ مِن ضُيُوفِهِ مُظْهِرِينَ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ، فالجُمْلَةُ مُعْتَرَضَةٌ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَها.

وقِيلَ: إنَّها بَيانٌ لِوَجْهِ ضِيقِ صَدْرِهِ لِما عَرَفَ مِن عادَتِهِمْ، وجَعَلَها شَيْخُ الإسْلامِ في مَوْضِعِ الحالِ كالَّتِي قَبْلَها أيْ جاءُوا مُسْرِعِينَ، والحالُ أنَّهم كانُوا مُنْهَمِكِينَ في عَمَلِ السَّيِّئاتِ.

﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَتَزَوَّجُوهُنَّ وكانُوا يَطْلُبُونَهُنَّ مِن قَبْلُ ولا يُجِيبُهم لِخُبْثِهِمْ وعَدَمِ كَفاءَتِهِمْ لا لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ تَزْوِيجِ المُؤْمِناتِ مِنَ الكُفّارِ فَإنَّهُ كانَ جائِزًا، وقَدْ زَوَّجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ لِأبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وابْنَتَهُ رُقَيَّةَ لِعُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ قَبْلَ الوَحْيِ -وكانا كافِرَيْنِ- إلّا أنَّ عُتْبَةَ لَمْ يَدْخُلْ بِها وفارَقَها بِطَلَبِ أبِيهِ حِينَ نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ فَتَزَوَّجَها عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأبُو العاصِ كانَ قَدْ دَخَلَ بِها لَكِنْ لَمّا أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ وفادى نَفْسَهُ أخَذَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ العَهْدَ عَلَيْهِ أنْ يَرُدَّها إذا عادَ فَأرْسَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ ورَجُلًا مِنَ الأنْصارِ في طَلَبِها فَجاءا بِها، ثُمَّ إنَّهُ أسْلَمَ وأتى المَدِينَةَ فَرَدَّها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِ بِنِكاحٍ جَدِيدٍ أوْ بِدُونِهِ عَلى الخِلافِ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ …

79

قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّۢ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ

They said, "You have already known that we have not concerning your daughters any claim, and indeed, you know what we want."

﴿قالُوا﴾ مُعْرِضِينَ عَمّا نَصَحَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى والنَّهْيِ عَنِ الإخْزاءِ عَنْ أوَّلِ كَلامِهِ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ أيْ حَقٍّ وهو واحِدُ الحُقُوقِ، وعَنَوْا بِهِ قَضاءَ الشَّهْوَةَ أيْ ما لَنا حاجَةٌ في بَناتِكِ، وقَدْ يُفَسَّرُ بِما يُخالِفُ الباطِلَ أيْ ما لَنا في بَناتِكَ نِكاحُ حَقٍّ لِأنَّكَ لا تَرى جَوازَ نِكاحِنا لِلْمُسْلِماتِ، وما هو إلّا عَرْضٌ سابِرِيٌّ كَذا قِيلَ، وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ كانَ مِن شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدَمُ حِلِّ نِكاحِ الكافِرِ المُسْلِمَةَ.

وقِيلَ: إنَّما نَفَوْا أنْ يَكُونَ لَهم حَقٌّ في بَناتِهِ لِأنَّهم كانُوا قَدْ خَطَبُوهُنَّ فَرَدَّهم وكانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ مَن رُدَّ في خِطْبَةِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أبَدًا، وقِيلَ: إنَّهم لَمّا اتَّخَذُوا إتْيانَ الذُّكُورِ مَذْهَبًا كانَ عِنْدَهم هو الحَقُّ وأنَّ نِكاحَ الإناثِ مِنَ الباطِلِ فَقالُوا ما قالُوا، وقِيلَ: قالُوا ذَلِكَ لِأنَّ عادَتَهم كانَتْ أنْ لا يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ مِنهم إلّا واحِدَةً وكانُوا

صفحة 108

كُلُّهم مُتَزَوِّجِينَ ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ أيْ مِن إتْيانِ الذُّكُورِ، والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَفْعُولٌ لِتَعْلَمَ، وهو بِمَعْنى تَعْرِفُ، وهي مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي نُرِيدُهُ، وقِيلَ: إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ فَلا حَذْفَ أيْ إرادَتِنا.

وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وقَعَتْ مَفْعُولًا –لِنُرِيدُ- وهي حِينَئِذٍ مُعَلَّقَةٌ –لِتَعْلَمَ- ولِما يَئِسَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنِ ارْعِوائِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ

80

قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍۢ شَدِيدٍۢ

He said, "If only I had against you some power or could take refuge in a strong support."

﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ أيْ لَوْ ثَبَتَ أنَّ لِي قُوَّةً مُلْتَبِسَةً بِكم بِالمُقاوَمَةِ عَلى دَفْعِكم بِنَفْسِي لَفَعَلْتُ –فَلَوْ- شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّمَنِّي، و(بِكُمْ) حالٌ مِن (قُوَّةٍ) كَما هو المَعْرُوفُ في صِفَةِ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَتْ عَلَيْها، وضَعْفُ تَعَلُّقِهِ بِها لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ في المَشْهُورِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ بِناءً عَلى ما عَلِمْتَ مِن مَعْناهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ المُبَرَّدِ، والمُضارِعُ واقِعٌ مَوْقِعَ الماضِي، واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، وقالَ الحَوْفِيُّ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ أوْ أنِّي آوِي، وجَوَّزَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، وكَذا جَوَّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، و–الرُّكْنُ- في الأصْلِ النّاحِيَةُ مِنَ البَيْتِ أوِ الجَبَلِ، ويُقالُ: رَكُنَ بِضَمِّ الكافِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ ويُجْمَعُ عَلى أرْكانٍ، وأرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ القَوِيَّ شَبَّهَهُ بِرُكْنِ الجَبَلِ في شِدَّتِهِ ومَنَعَتِهِ أيْ أوْ أنْضَمُّ إلى قَوِيٍّ أمْتَنِعُ بِهِ عَنْكم وأنْتَصِرُ بِهِ عَلَيْكُمْ، وقَدْ عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذا القَوْلَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بادِرَةً واسْتَغْرَبَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «رَحِمَ اللَّهُ تَعالى أخِي لُوطًا كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» يَعْنِي عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ اللَّهَ تَعالى فَإنَّهُ لا رُكْنَ أشَدَّ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ.

إذا كانَ غَيْرُ اللَّهِ لِلْمَرْءِ عُدَّةً أتَتْهُ الرَّزايا مِن وُجُوهِ الفَوائِدِ

وجاءَ أنَّهُ سُبْحانَهُ –لِهَذِهِ- الكَلِمَةِ لَمْ يَبْعَثْ بَعْدَ لُوطٍ نَبِيًّا إلّا في مَنَعَةٍ مِن عَشِيرَتِهِ، وفي البَحْرِ أنَّهُ يَجُوزُ -عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ- أنْ تَكُونَ (أوْ) بِمَعْنى بَلْ ويَكُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أضْرَبَ عَنِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وقالَ: بَلْ آوِي في حالِي مَعَكم إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ وكَنّى بِهِ عَنْ جَنابِ اللَّهِ تَعالى ولا يَخْفى أنَّهُ يَأْبى الحَمْلُ عَلى هَذِهِ الكِنايَةِ تَصْرِيحَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ بِما يُخالِفُها، وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ (آوِيَ) بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ بَعْدَ (أوْ) فَيُقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ عَطْفًا عَلى (قُوَّةً) ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ولَوْلا رِجالٌ مِن رِزامٍ أعِزَّةٌ وآلُ سَبِيعٍ أوْ أسُوؤُكَ عَلْقَمًا

أيْ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ أوْيًا، رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أغْلَقَ بابَهُ دُونَ أضْيافِهِ وأخَذَ يُجادِلُ قَوْمَهُ عَنْهم مِن وراءِ البابِ فَتَسَوَّرُوا الجِدارَ، فَلَمّا رَأتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما عَلى لُوطٍ مِنَ الكَرْبِ.

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.