Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 1–10 of 123

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ

Alif, Lam, Ra. [This is] a Book whose verses are perfected and then presented in detail from [one who is] Wise and Acquainted.

سُورَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكِّيَّةٌ

11 – كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ النَّحّاسِ في تارِيخِهِ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ولَمْ يَسْتَثْنِيا مِنها شَيْئًا وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُمْهُورُ واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها ثَلاثَ آياتٍ ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ﴾

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾

﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ ورُوِيَ اسْتِثْناءُ الثّالِثَةِ عَنْ قَتادَةَ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: ودَلِيلُهُ ما صَحَّ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في حَقِّ أبِي اليُسْرِ وهي كَما قالَ الدّانِي في كِتابِ العَدَدِ مِائَةٌ وإحْدى وعِشْرُونَ آيَةً في المَدَنِيِّ الأخِيرِ واثْنَتانِ في المَدَنِيِّ الأوَّلِ وثَلاثٌ في الكُوفِيِّ ووَجْهُ اتِّصالِها بِسُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ذُكِرَ في سُورَةِ يُونُسَ قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مُخْتَصَرَةً جِدًّا مُجْمَلَةً فَشُرِحَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ وبُسِّطَتْ فِيها ما لَمْ تُبَسَّطْ في غَيْرِها مِنَ السُّوَرِ ولا سُورَةِ الأعْرافِ عَلى طُولِها ولا سُورَةِ (إنّا أرْسَلْنا نُوحًا) الَّتِي أُفْرِدَتْ لِقِصَّتِهِ فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ شَرْحًا لِما أُجْمِلَ في تِلْكَ السُّورَةِ وبَسْطًا لَهُ ثُمَّ إنَّ مَطْلَعَها شَدِيدُ الِارْتِباطِ بِمَطْلَعِ تِلْكَ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى هُنا: ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ هُناكَ: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ بَلْ بَيْنَ مَطْلَعِ هَذِهِ وخِتامِ تِلْكَ شِدَّةُ ارْتِباطٍ أيْضًا حَيْثُ خُتِمَتْ بِنَفْيِ الشِّرْكِ واتِّباعِ الوَحْيِ وافْتُتِحَتْ هَذِهِ بِبَيانِ الوَحْيِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الشِّرْكِ ووَرَدَ في فَضْلِها ما ورَدَ فَقَدْ أخْرَجَ الدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وغَيْرُهم عَنْ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اقْرَأُوا هُودًا يَوْمَ الجُمُعَةِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ قالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ والمُرْسَلاتُ وعَمَّ يَتَساءَلُونَ وإذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ يَزِيدَ الرَّقاشِيِّ عَنْ أنَسٍ «عَنِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أسْرَعَ إلَيْكَ الشَّيْبُ قالَ: أجَلْ شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ وأخَواتُها الواقِعَةُ والقارِعَةُ والحاقَّةُ وإذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وسَألَ سائِلٌ»

وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أيْضًا «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أسْرَعَ إلَيْكَ الشَّيْبُ يا رَسُولَ اللَّهِ» فَأجابَهُ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ مِنَ الأخَواتِ الواقِعَةَ وعَمَّ وإذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وفي رِوايَةٍ أُخْرى «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ شِبْتَ فَقالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ والواقِعَةُ» إلى

صفحة 203

آخِرِ ما في خَبَرِ عُمْرَ وفي بَعْضِها الِاقْتِصارُ عَلى (شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها) وفي بَعْضٍ آخَرَ بِزِيادَةٍ (وما فُعِلَ بِالأُمَمِ مِن قَبْلِي) وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما …

2

أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۚ إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ

[Through a messenger, saying], "Do not worship except Allah. Indeed, I am to you from Him a warner and a bringer of good tidings,"

﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِلْفِعْلَيْنِ السّابِقَيْنِ عَلى جَعْلِ أنَّ مَصْدَرِيَّةً وتَقْدِيرُ اللّامِ مَعَها كَأنَّهُ قِيلَ: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ لِئَلّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ أيْ لِتَتْرُكُوا عِبادَةَ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَتَمَحَّضُوا لِعِبادَتِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّ الإحْكامَ والتَّفْصِيلَ مِمّا يَدْعُوهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ الطّاعاتِ قاطِبَةً

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِما في التَّفْصِيلِ مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فُصِّلَ وقالَ: لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ أوْ أُمِرَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ وقِيلَ: إنَّ هَذا كَلامٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهِ اتِّصالًا لَفْظِيًّا بَلْ هو ابْتِداءُ كَلامٍ قُصِدَ بِهِ الإغْراءُ عَلى التَّوْحِيدِ عَلى لِسانِهِ ﷺ و(أنْ) وما بَعْدَها في حَيِّزِ المَفْعُولِ بِهِ لِمُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: الزَمُوا تَرْكَ عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ ما قَبْلُ أيْضًا مَفْعُولًا بِهِ بِتَقْدِيرِ قُلْ أوَّلَ الكَلامِ خِلافُ الظّاهِرِ ومِثْلُهُ احْتِمالُ كَوْنِ (أنَّ) والفِعْلِ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَحْسُنُ أوْ لا يَجُوزُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ 2﴾ ضَمِيرُ الغائِبِ المَجْرُورِ لِلَّهِ تَعالى ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في الأصْلِ صِفَةُ النَّكِرَةِ فَلَمّا قُدِّمَ عَلَيْها صارَ حالًا كَما هو المَعْرُوفُ في أمْثالِهِ أيْ إنِّي لَكم مِن جِهَتِهِ تَعالى نَذِيرٌ أُنْذِرُكم عَذابَهُ إنْ لَمْ تَتْرُكُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وبَشِيرٌ

صفحة 207

أُبَشِّرُكم ثَوابَهُ إنْ آمَنتُمْ وتَمَحَضْتُمْ في عِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وجُوِّزَ كَوْنَ (مِن) صِلَةَ النَّذِيرِ والضَّمِيرُ إمّا لَهُ تَعالى أيْضًا والمَعْنى حِينَئِذٍ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ نَذِيرٌ مِن أجْلِ عَذابِهِ وإمّا لِلْكِتابِ عَلى مَعْنى إنِّي لَكم نَذِيرٌ مِن مُخالَفَتِهِ وبَشِيرٌ لِمَن آمَنَ بِهِ

3

وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ كَبِيرٍ

And [saying], "Seek forgiveness of your Lord and repent to Him, [and] He will let you enjoy a good provision for a specified term and give every doer of favor his favor. But if you turn away, then indeed, I fear for you the punishment of a great Day.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ سَواءٌ كانَ نَهْيًا أوْ نَفْيًا وفي (أنْ) الِاحْتِمالانِ السّابِقانِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الحَقَّ أنَّ (أنْ) المَصْدَرِيَّةَ تُوصَلُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ كَما تُوصَلُ بِغَيْرِهِما وفي تَوْسِيطِ جُمْلَةِ ﴿إنِّي لَكُمْ﴾ إلَخْ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ ما لا يَخْفى مِنَ الإشارَةِ إلى عُلُوِّ شَأْنِ التَّوْحِيدِ ورِفْعَةِ قَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ - وقَدْ رُوعِيَ في تَقْدِيمِ الإنْذارِ عَلى التَّبْشِيرِ ما رُوعِيَ في الخِطابِ مِن تَقْدِيمِ النَّفْيِ عَلى الإثْباتِ والتَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ لِتَتَجاوَبَ الأطْرافُ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ تَلْقِينٌ لِلْمُخاطِبِينَ وإرْشادٌ لَهم إلى طَرِيقِ الِابْتِهالِ في السُّؤالِ وتَرْشِيحٌ لِما يُذْكَرُ مِنَ التَّمْتِيعِ وإيتاءِ الفَضْلِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿اسْتَغْفِرُوا﴾ واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ تَوْسِيطِ ثُمَّ بَيْنَهُما مَعَ أنَّ الِاسْتِغْفارَ بِمَعْنى التَّوْبَةِ في العُرْفِ فَقالَ الجِبائِيُّ: إنَّ المُرادَ بِالِاسْتِغْفارِ هُنا التَّوْبَةُ عَمّا وقَعَ مِنَ الذُّنُوبِ وبِالتَّوْبَةِ الِاسْتِغْفارُ عَمّا يَقَعُ مِنها بَعْدَ وُقُوعِهِ أيِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم مِن ذُنُوبِكُمُ الَّتِي فَعَلْتُمُوها ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ مِن ذُنُوبٍ تَفْعَلُونَها فَكَلِمَةُ ﴿ثُمَّ﴾ عَلى ظاهِرِها مِنَ التَّراخِي في الزَّمانِ وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ ﴿ثُمَّ﴾ بِمَعْنى الواوِ كَما في قَوْلِهِ:

بِهَزٍّ كَهَزِّ الرُّدَيْنِيِّ جَرى في الأنابِيبِ ثُمَّ اضْطَرَبَ

والعَطْفُ تَفْسِيرِيٌّ وقِيلَ لا نُسَلِّمُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ هو التَّوْبَةُ بَلْ هو تَرْكُ المَعْصِيَةِ والتَّوْبَةُ هي الرُّجُوعُ إلى الطّاعَةِ ولَئِنْ سُلِّمَ أنَّهُما بِمَعْنى - فَثُمَّ - لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ، والمُرادُ بِالتَّوْبَةِ الإخْلاصُ فِيها والِاسْتِمْرارُ عَلَيْها وإلى هَذا ذَهَبَ صاحِبُ الفَرائِدِ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الِاسْتِغْفارُ هو التَّوْبَةُ إلّا أنَّ المُرادَ بِالتَّوْبَةِ في جانِبِ المَعْطُوفِ التَّوَصُّلُ إلى المَطْلُوبِ مَجازًا مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ و﴿ثُمَّ﴾ عَلى ظاهِرِها وهي قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أصْلَ مَعْنى الِاسْتِغْفارِ طَلَبُ الغَفْرِ أيِ السَّتْرِ ومَعْنى التَّوْبَةِ الرُّجُوعُ ويُطْلَقُ الأوَّلُ عَلى طَلَبِ سَتْرِ الذَّنْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والعَفْوِ عَنْهُ والثّانِي عَلى النَّدَمِ عَلَيْهِ مَعَ العَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ فَلا اتِّحادَ بَيْنَهُما بَلْ ولا تَلازُمَ عَقْلًا لَكِنِ اشْتُرِطَ شَرْعًا لِصِحَّةِ ذَلِكَ الطَّلَبِ وقَبُولِهِ النَّدَمُ عَلى الذَّنْبِ مَعَ العَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلَيْهِ وجاءَ أيْضًا اسْتِعْمالُ الأوَّلِ في الثّانِي والِاحْتِياجُ إلى تَوْجِيهِ العَطْفِ عَلى هَذا ظاهِرٌ، وأمّا عَلى ذاكَ فَلِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ المَأْمُورِ بِهِ الِاسْتِغْفارُ المَسْبُوقُ بِالتَّوْبَةِ بِمَعْنى النَّدَمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم بَعْدَ التَّوْبَةِ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ ولا شُبْهَةَ في ظُهُورِ احْتِياجِهِ إلى التَّوْجِيهِ حِينَئِذٍ والقَلْبُ يَمِيلُ فِيهِ إلى حَمْلِ الأمْرِ الثّانِي عَلى الإخْلاصِ في التَّوْبَةِ والِاسْتِمْرارِ عَلَيْها والتَّراخِي عَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رُتْبِيًّا وأنْ يَكُونَ زَمانِيًّا كَما لا يَخْفى ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾ مَجْزُومٌ بِالطَّلَبِ ونُصِبَ ﴿مَتاعًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ …

4

إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

To Allah is your return, and He is over all things competent."

﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ وكانَ قِياسُهُ فَتْحَ الجِيمِ لِأنَّهُ مِن بابِ ضَرَبَ وقِياسُ مَصْدَرِهِ المِيمِيِّ ذَلِكَ كَما عُلِمَ مِن مَحَلِّهِ أيْ إلَيْهِ تَعالى رُجُوعُكم بِالمَوْتِ ثُمَّ البَعْثِ لِلْجَزاءِ في مِثْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ لا إلى غَيْرِهِ جَمِيعًا لا يَتَخَلَّفُ مِنكم أحَدٌ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 4﴾ .

صفحة 209

فَيَنْدَرِجُ في تِلْكَ الكُلِّيَّةِ قُدْرَتُهُ سُبْحانَهُ عَلى إماتَتِكم ثُمَّ بَعْثِكم وجَزائِكم فَيُعَذِّبُكم بِأفانِينِ العَذابِ وهَذا تَقْرِيرٌ وتَأْكِيدٌ لِما سَلَفَ مِن ذِكْرِ اليَوْمِ وتَعْلِيلٌ لِلْخَوْفِ

5

أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Unquestionably, they the disbelievers turn away their breasts to hide themselves from Him. Unquestionably, [even] when they cover themselves in their clothing, Allah knows what they conceal and what they declare. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ كَأنَّهُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ وذَلِكَ أنَّهُ لَما ألْقى إلَيْهِمْ ما ألْقى وسِيقَ إلَيْهِمْ ما سِيقَ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ وقَعَ في ذِهْنِ السّامِعِ أنَّهم بَعْدَما سَمِعُوا مِثْلَ هَذا المَقالِ الَّذِي تَخِرُّ لَهُ صُمُّ الجِبالِ هَلْ قابَلُوهُ بِالإقْبالِ أمْ تَمادَوْا فِيما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإعْراضِ والضَّلالِ فَقِيلَ مُصَدَّرًا بِكَلِمَةِ التَّنْبِيهِ إشْعارًا بِأنَّ ما بَعْدَها مِن هَناتِهِمْ أمْرٌ يَنْبَغِي أنْ يُفْهَمَ ويُتَعَجَّبَ مِنهُ (ألا إنَّهُمْ) إلَخْ فَضَمِيرُ (إنَّهُمْ) لِلْمُشْرِكِينَ المُخاطَبِينَ فِيما تَقَدَّمَ و(يَثْنُونَ) بِفَتْحِ الياءِ مُضارِعُ ثَنى الشَّيْءَ إذا لَواهُ وعَطَفَهُ ومِنهُ عَلى ما قِيلَ الِاثْنانِ لِعَطْفِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ والثَّناءُ لِعَطْفِ المَناقِبِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ وكَذا الِاسْتِثْناءُ لِلْعَطْفِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ بِالإخْراجِ وأصْلُهُ يَثْنِيُونَ فَأُعِلَّ الإعْلالَ المَعْرُوفَ في نَحْوِ يَرْمُونَ وفي المُرادِ مِنهُ احْتِمالاتٌ مِنها أنَّ الثَّنْيَ كِنايَةٌ أوْ مَجازٌ عَنِ الإعْراضِ عَنِ الحَقِّ لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى شَيْءٍ واجَهَهُ بِصَدْرِهِ ومَن أعْرَضَ صَرَفَهُ عَنْهُ أيْ أنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم عَنِ الحَقِّ ويَتَحَرَّفُونَ عَنْهُ والمُرادُ اسْتِمْرارُهم عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ (فَإنْ تَوَلَّوْا) إلَخْ ومِنها أنَّهُ مَجازٌ عَنِ الإخْفاءِ لِأنَّ ما يُجْعَلُ داخِلَ الصَّدْرِ فَهو خَفِيٌّ أيْ أنَّهم يُضْمِرُونَ الكُفْرَ والتَّوَلِّيَ عَنِ الحَقِّ وعَداوَةَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومِنها أنَّهُ باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ والمَعْنى أنَّهم إذا رَأوُا النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَعَلُوا ذَلِكَ ووَلَّوْهُ ظُهُورَهم والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ مُتَعَلِّقَةٌ - بِيَثْنُونَ - عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ وكَأنَّ بَعْضَهم رَأى عَدَمَ صِحَّةِ التَّعَلُّقِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ لَمّا أنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الحَقِّ لا يَصْلُحُ تَعْلِيلُهُ بِالِاسْتِخْفاءِ لِعَدَمِ السَّبَبِيَّةِ فَقَدَّرَ لِذَلِكَ مُتَعَلِّقًا فِعْلَ الإرادَةِ عَلى أنَّهُ حالٌ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ ويُرِيدُونَ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا يُطْلِعُ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ عَلى أغْراضِهِمْ وجَعَلَهُ في قَوْدِ المَعْنى إلَيْهِ مِن قَبِيلِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ أيْ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ انْسِياقَ الذِّهْنِ إلى تَوْسِيطِ الإرادَةِ بَيْنَ ثَنْيِ الصُّدُورِ والِاسْتِخْفاءِ لَيْسَ بِمَثابَةِ انْسِياقِهِ إلى تَوْسِيطِ الضَّرْبِ بَيْنَ الأمْرِ والِانْفِلاقِ كَما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ القَسْطَلانِيُّ وغَيْرُهُ وقِيلَ إنَّهُ لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ في الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِأنَّ انْحِرافَهم عَنِ الحَقِّ بِقُلُوبِهِمْ وعَطْفَ صُدُورِهِمْ عَلى الكُفْرِ والتَّوَلِّيَ وعَداوَةَ النَّبِيِّ ﷺ - وعَدَمَ إظْهارِهِمْ ذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِخْفاءِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِجَهْلِهِمْ بِما لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الثّالِثِ فالظّاهِرُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ إلّا أنْ يُعادَ الضَّمِيرُ مِنهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ - وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ عَلى ما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَعْضِ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا إذا لَقِيَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ - تَطامَنُوا وثَنَوْا …

6

۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّۭ فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ

And there is no creature on earth but that upon Allah is its provision, and He knows its place of dwelling and place of storage. All is in a clear register.

صفحة 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ الدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ ذِي رُوحٍ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى عاقِلًا أوْ غَيْرَهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّبِيبِ وهو في الأصْلِ المَشْيُ الخَفِيفُ ومِنهُ قَوْلُهُ:

زَعَمَتْنِي شَيْخًا ولَسْتُ بِشَيْخٍ إنَّما الشَّيْخُ مَن يَدِبُّ دَبِيبًا

واخْتُصَّتْ في العُرْفِ بِذَواتِ القَوائِمِ الأرْبَعِ وقَدْ تُخَصُّ بِالفَرَسِ، والمُرادُ بِها هُنا المَعْنى اللُّغَوِيُّ بِاتِّفاقِ المُفَسِّرِينَ أيْ: وما مِن حَيَوانٍ يَدِبُّ عَلى الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى غِذاؤُهُ ومَعاشُهُ، والمُرادُ أنَّ ذَلِكَ كالواجِبِ عَلَيْهِ تَعالى إذْ لا وُجُوبَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ كَما بَيَّنَ في الكَلامِ، فَكَلِمَةُ (عَلى) المُسْتَعْمَلَةُ لِلْوُجُوبِ مُسْتَعارَةٌ اسْتِعارَةَ تَبَعِيَّةٍ لِما يُشْبِهُهُ ويَكُونُ مِنَ المَجازِ بِمَرْتَبَتَيْنِ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّ الرِّزْقَ واجِبٌ بِحَسَبِ الوَعْدِ والفَضْلِ والإحْسانِ عَلى مَعْنى أنَّهُ باقٍ عَلى تَفَضُّلِهِ لَكِنْ لَمّا وعَدَهُ سُبْحانَهُ وهو جَلَّ شَأْنُهُ لا يُخِلُّ بِما وعَدَ صَوَّرَهُ بِصُورَةِ الوُجُوبِ لِفائِدَتَيْنِ: التَّحْقِيقُ لِوُصُولِهِ. وحَمْلُ العِبادِ عَلى التَّوَكُّلِ فِيهِ، ولا يَمْنَعُ مِنَ التَّوَكُّلِ مُباشَرَةَ الأسْبابِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ المُسَبِّبُ لَها، فَفي الخَبَرِ «اعْقِلْ وتَوَكَّلْ» وجاءَ «لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها وأجَلَها فاتَّقُوا اللَّهَ تَعالى وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ» ولا يَنْبَغِي أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ الرِّزْقُ بِدُونِ مُباشَرَةِ سَبَبٍ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَرْزُقُ الكَثِيرَ مِن دُونِ مُباشَرَةِ سَبَبٍ أصْلًا، وفي بَعْضِ الآثارِ «إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِأحْوالِ أهْلِهِ فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ صَخْرَةً فَضَرَبَ فانْشَقَّتِ الصَّخْرَةُ وخَرَجَتْ صَخْرَةٌ ثانِيَةٌ فَضَرَبَها فَخَرَجَتْ ثالِثَةٌ فَضَرَبَها فانْشَقَّتْ عَنْ دُودَةٍ كالذَّرَّةِ وفي فَمِها شَيْءٌ يَجْرِي مَجْرى الغِذاءِ لَها وسَمِعَها تَقُولُ: سُبْحانَ مَن يَرانِي ويَسْمَعُ كَلامِي ويَعْرِفُ مَكانِي ويَذْكُرُنِي ولا يَنْسانِي» وما أحْسَنَ قَوْلَ ابْنِ أُذَيْنَةَ:

لَقَدْ عَلِمَتْ وما الإشْرافُ مِن خُلُقِي ∗∗∗ إنَّ الَّذِي هو رِزْقِي سَوْفَ يَأْتِينِي

أسْعى إلَيْهِ فَيُعْيِينِي تَطَلُّبُهُ ∗∗∗ ولَوْ أقَمْتُ أتانِي لا يُعْنِينِي

وقَدْ صَدَّقَهُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ يَوْمَ وفَدَ عَلى هِشامٍ فَقَرَعَهُ بِقَوْلِهِ هَذا فَرَجَعَ إلى المَدِينَةِ فَنَدِمَ هِشامٌ عَلى ذَلِكَ وأرْسَلَ بِجائِزَتِهِ إلَيْهِ، ويَقْرُبُ مِن قِصَّتِهِ قِصَّةُ الثَّقَفِيِّ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرٍ خالِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهي مَشْهُورَةٌ حَكاها ابْنُ أبِي الدُّنْيا ونَقَلَها غَيْرُ واحِدٍ، وقَدْ ألْغى أمْرَ الأسْبابِ جِدًّا مَن قالَ:

مَثَلُ الرِّزْقِ الَّذِي تَطْلُبُهُ ∗∗∗ مَثَلُ الظِّلِّ الَّذِي يَمْشِي مَعَكَ

أنْتَ لا تُدْرِكُهُ مُتْبَعًا ∗∗∗ وإذا ولَيْتَ عَنْهُ تَبِعَكَ

صفحة 3

وبِالجُمَلَةِ يَنْبَغِي الوُثُوقُ بِاللَّهِ تَعالى ورَبَطُ القَلْبِ بِهِ سُبْحانَهُ فَما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ (واحْتَجَّ أهْلُ السُّنَّةِ) بِالآيَةِ عَلى أنَّ الحَرامَ رِزْقٌ وإلّا فَمَن لَمْ يَأْكُلْ طُولَ عُمُرِهِ إلّا مِنَ الحَرامِ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ مَرْزُوقًا، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا مُجَرَّدٌ فَرْضٍ إذْ لا أقَلَّ مِنَ التَّغَذِّي بِلَبَنِ الأُمِّ مَثَلًا وهو …

7

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

And it is He who created the heavens and the earth in six days - and His Throne had been upon water - that He might test you as to which of you is best in deed. But if you say, "Indeed, you are resurrected after death," those who disbelieve will surely say, "This is not but obvious magic."

ثُمَّ أتى سُبْحانَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ مِن قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ تَقْرِيرًا لِلتَّوْحِيدِ لِأنَّ مَن شَمِلَ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ هو الَّذِي

صفحة 4

يَكُونُ إلَهًا لا غَيْرُهُ مِمّا لا يَعْلَمُ ولا يَقْدِرُ عَلى ضَرٍّ ونَفْعٍ وتَأْكِيدًا لِما سَبَقَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ لِأنَّ العالِمَ القادِرَ يُرْجى ويُخْشى، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ ) وما بَعْدَها تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وفِيهِ بُعْدٌ، وكَأنَّ المُرادَ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ إلَخْ.. خَلْقُهُما وما فِيهِما، أوْ تُجْعَلُ السَّماواتُ مَجازًا عَنِ العُلْوِيّاتِ فَتَشْمَلُها وما فِيها، وتَجْعَلُ الأرْضَ مَجازًا بِمَعْنى السُّفْلِيّاتِ فَتَشْمَلُها وما فِيها مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، واحْتِيجَ لِذَلِكَ لِاقْتِضاءِ المَقامِ إيّاهُ وإلّا فَخَلْقُهُما في تِلْكَ المُدَّةِ لا يُنافِي خَلْقَ غَيْرِهِما فِيها، والمُرادُ بِاليَوْمِ الوَقْتُ مُطْلَقًا لا المُتَعارَفُ إذْ لا يَتَصَوَّرُ ذَلِكَ حِينَ لا شَمْسَ ولا أرْضَ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ مُدَّةُ زَمانِ دَوْرِ المُحَدَّدِ المُسَمّى بِالعَرْشِ دَوْرَةً تامَّةً، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ، وقَدْ عُلِمَتْ حالُهُ فِيما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.

وفِي عَدَمِ خَلْقِهِما دُفْعَةً كَما عَلِمْتَ دَلِيلٌ -كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ قادِرًا مُخْتارًا مَعَ ما فِيهِ مِن الِاعْتِبارِ لِلنُّظّارِ والحَثِّ عَلى التَّأنِّي في الأُمُورِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما قِيلَ في وجْهِ تَخْصِيصِ هَذا العَدَدِ دُونَ الزّائِدِ عَلَيْهِ كالسَّبْعَةِ أوِ النّاقِصِ عَنْهُ كالخَمْسَةِ لِلْخَلْقِ، ولَعَلَّنا نُحَقِّقُ ذَلِكَ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ في السَّماواتِ لِاخْتِلافِها بِالأصْلِ والذّاتِ دُونَ الأرْضِ، وإنْ قِيلَ: إنَّها مِثْلُ السَّماءِ في كَوْنِها سَبْعًا طِباقًا بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ وأرْضٍ مَسافَةٌ وفِيها مَخْلُوقاتٌ، وبِذَلِكَ فُسِّرَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ والكَثِيرُ عَلى أنَّ الأرْضَ كُرَةٌ واحِدَةٌ مُنْقَسِمَةٌ إلى سَبْعَةِ أقالِيمَ وحَمَلُوا الآيَةَ عَلى ذَلِكَ.

﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (خَلَقَ) مَعَ ضَمِيرِهِ المُسْتَتِرِ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ بِتَقْدِيرِ قَدْ عَلى ما هو المَشْهُورُ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ الماضَوِيَّةِ مِنِ اشْتِراطِ قَدْ ظاهِرَةً أوْ مُقَدَّرَةً، والمُضِيُّ المُسْتَفادُ -مِن كانَ- بِالنِّسْبَةِ لِلْحُكْمِ لا لِلتَّكَلُّمِ أيْ كانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ قَبْلَ خَلْقِهِما وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ مُجاهِدٍ، وبِهِ صَرَّحَ القاضِي البَيْضاوِيُّ، ثُمَّ قالَ: لَمْ يَكُنْ حائِلٌ بَيْنَهُما أيِ العَرْشِ والماءِ لا أنَّهُ كانَ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِ الماءِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى إمْكانِ الخَلاءِ وأنَّ الماءَ أوَّلُ حادِثٍ بَعْدَ العَرْشِ مِن أجْرامِ هَذا العالَمِ، انْتَهى، وكَذا صَرَّحَ بِهِ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ لَكِنَّهُ قالَ: لَيْسَ تَحْتَهُ -يَعْنِي العَرْشَ- شَيْءٌ غَيْرُهُ أيِ الماءُ سَواءً كانَ بَيْنَهُما فُرْجَةً، أوْ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِهِ كَما ورَدَ في الأثَرِ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى إمْكانِ الخَلاءِ كَيْفَ لا ولَوْ دَلَّ لَدَلَّ عَلى وُجُودِهِ لا عَلى إمْكانِهِ فَقَطْ ولا عَلى كَوْنِ الماءِ أوَّلَ ما حَدَثَ في العالَمِ بَعْدَ العَرْشِ وإنَّما يَدُلُّ عَلى …

8

وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍۢ مَّعْدُودَةٍۢ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And if We hold back from them the punishment for a limited time, they will surely say, "What detains it?" Unquestionably, on the Day it comes to them, it will not be averted from them, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ﴾ أيِ المُتَرَتِّبَ عَلى بَعْثِهِمْ أوِ المَوْعُودَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ وقِيلَ: عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قَتَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ المُسْتَهْزِئِينَ وهم خَمْسَةُ نَفَرٍ أُهْلِكُوا قَبْلَ بَدْرٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ العَذابُ الشّامِلُ لِلْكَفَرَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ قالَ ناسٌ: إنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ فَتَناهَوْا فَتَناهى القَوْمُ قَلِيلًا ثُمَّ عادُوا إلى أعْمالِهِمْ أعْمالِ السُّوءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، فَقالَ أُناسٌ مِن أهْلِ الضَّلالَةِ: هَذا أمْرُ اللَّهِ تَعالى قَدْ أتى فَتَناهى القَوْمُ ثُمَّ عادُوا إلى عَكْرِهِمْ عَكْرِ السُّوءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ أيْ طائِفَةٍ مِنَ الأيّامِ قَلِيلَةٍ لِأنَّ ما يَحْصُرُهُ العَدُّ قَلِيلٌ.

وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأُمَّةِ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ أيْ: ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى جَماعَةٍ يَتَعارَفُونَ ولا يَكُونُ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ، ونُقِلَ هَذا عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسى، وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المَعْنى إلى أُمَّةٍ بَعْدَ هَؤُلاءِ نُكَلِّفُهم فَيَعْصُونَ فَتَقْتَضِي الحِكْمَةُ إهْلاكَهم وإقامَةَ القِيامَةِ، ورَوى الإمامِيَّةُ -وهم بَيْتُ الكَذِبِ- عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِالأُمَّةِ المَعْدُودَةِ أصْحابُ المَهْدِيِّ في آخِرِ الزَّمانِ، وهم ثَلَثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا كَعِدَّةِ أهْلِ بَدْرٍ.

﴿لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُهُ مِنَ المَجِيءِ فَكَأنَّهُ يُرِيدُهُ ويَمْنَعُهُ مانِعٌ، وكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْجالِ وهو كِنايَةٌ عَنْ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ؛ لِأنَّهم لَوْ صَدَّقُوا بِهِ لَمْ يَسْتَعْجِلُوهُ، ولَيْسَ غَرَضُهم الِاعْتِرافَ بِمَجِيئِهِ والِاسْتِفْسارَ عَنْ حابِسِهِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ ما بَعْدُ.

﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ ذَلِكَ العَذابُ الأُخْرَوِيُّ أوِ الدُّنْيَوِيُّ ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ أيْ أنَّهُ لا يَرْفَعُهُ رافِعٌ أبَدًا أوْ لا يَدْفَعُهُ عَنْهم دافِعٌ بَلْ هو واقِعٌ بِهِمْ والظّاهِرُ أنَّ (يَوْمَ) مَنصُوبٌ –بِ مَصْرُوفًا- الواقِعُ خَبَرَ لَيْسَ، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ خَبَرِها عَلَيْها كَما يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلى اسْمِها بِلا خِلافٍ مُعْتَدٍّ بِهِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِتَقْدِيمِ العامِلِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وإلّا لَزِمَ مَزِيَّةُ الفَرْعِ عَلى أصْلِهِ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والمُبَرَّدُ إلى عَدَمِ الجَوازِ وادَّعَوْا أنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ حُجَّةً لِأنَّ القاعِدَةَ المُشارَ إلَيْها غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ ألا تَرى قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ كَيْفَ تَقَدَّمَ مَعْمُولُ الفِعْلِ مَعَ امْتِناعِ تَقْدِيمِهِ لِأنَّ الفِعْلَ لا يَلِي أمّا، وجاءَ عَنِ الحِجازِيِّينَ أنَّهم يَقُولُونَ ما اليَوْمَ زَيْدٌ ذاهِبًا مَعَ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ خَبَرِ ما اتِّفاقًا، وأيْضًا المَعْمُولُ فِيها ظَرْفٌ والأمْرُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلى

صفحة 15

التَّسامُحِ مَعَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ ألّا يُصْرَفَ عَنْهُمُ العَذابُ أوْ يُلازِمَهم …

9

وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ ثُمَّ نَزَعْنَٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌۭ كَفُورٌۭ

And if We give man a taste of mercy from Us and then We withdraw it from him, indeed, he is despairing and ungrateful.

﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ أيْ أعْطَيْناهُ نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ، وأمْنٍ وجِدَّةٍ، وغَيْرِها وأوْصَلْناها إلَيْهِ بِحَيْثُ يَجِدُ لَذَّتَها، فالإذاقَةُ مَجازٌ عَنْ هَذا الإعْطاءِ ﴿ثُمَّ نَزَعْناها﴾ أيْ سَلَبْنا تِلْكَ الرَّحْمَةَ ﴿مِنهُ﴾ صِلَةُ النَّزْعِ، والتَّعْبِيرُ بِهِ لِلْإشْعارِ بِشِدَّةِ تَعَلُّقِهِ بِها وحِرْصِهِ عَلَيْهِ ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ شَدِيدُ اليَأْسِ كَثِيرُهُ قَطُوعٌ رَجاءَهُ مِن عَوْدِ مِثْلِ تِلْكَ النِّعْمَةِ عاجِلًا أوْ آجِلًا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِعَدَمِ صَبْرِهِ وتَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وثِقَتِهِ بِهِ.

﴿كَفُورٌ﴾ كَثِيرُ الكُفْرانِ لِما سَلَفَ لِلَّهِ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ، وتَأْخِيرُ هَذا الوَصْفِ عَنْ وصْفِ يَأْسِهِمْ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ عَلى أنَّ اليَأْسَ مِن بابِ الكُفْرانِ لِلنِّعْمَةِ السّالِفَةِ أيْضًا

10

وَلَئِنْ أَذَقْنَٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌۭ فَخُورٌ

But if We give him a taste of favor after hardship has touched him, he will surely say, "Bad times have left me." Indeed, he is exultant and boastful -

﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ﴾ كَصِحَّةٍ وأمْنٍ وجِدَّةٍ ﴿بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ كَسَقَمٍ وخَوْفٍ وعَدَمٍ، وفي إسْنادِ الإذاقَةِ إلَيْهِ تَعالى دُونَ المَسِّ إشْعارٌ بِأنَّ إذاقَةَ النِّعْمَةِ مَقْصُودَةٌ بِالذّاتِ دُونَ مَسِّ الضُّرِّ بَلْ هو مَقْصُودٌ بِالعَرَضِ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ –مِن- في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (مِنهُ) لِلتَّعْلِيلِ أيْ نَزَعْناها مِن أجْلِ شُؤْمِهِ وسُوءِ صَنِيعِهِ وقُبْحِ فِعْلِهِ لِيَكُونَ مِنّا، و(مِنهُ) مُشِيرًا إلى هَذا المَعْنى ومُنْطَبِقًا عَلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنَ نَفْسِكَ﴾ ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ (مِنهُ) بِذَلِكَ خِلافَ الظّاهِرِ المُتَبادَرِ ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِبَيانِ تَحَوُّلِ النِّعْمَةِ إلى الشِّدَّةِ وبَيانِ العَكْسِ عَلى طَرْزٍ واحِدٍ بَلْ خُولِفَ التَّعْبِيرُ فِيهِما حَيْثُ بُدِئَ في الأوَّلِ بِإعْطاءِ النِّعْمَةِ وإيصالِ الرَّحْمَةِ ولَمْ يَبْدَأْ في الثّانِي بِإيصالِ الضُّرِّ عَلى نَمَطِهِ تَنْبِيهًا عَلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ عَلى الغَضَبِ واعْتِناءً بِشَأْنِها، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ مُلابَسَةِ الرَّحْمَةِ والنَّعْماءِ بِالذَّوْقِ المُؤْذِنِ عَلى ما قِيلَ بِلَذَّتِهِما وكَوْنِهِما مِمّا يُرْغَبُ فِيهِ وعَنْ مُلابَسَةِ الضَّرّاءِ بِالمَسِّ المُشْعِرِ بِكَوْنِها في أدْنى ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ المُلاقاةِ مِن مَراتِبِها مِنَ اللُّطْفِ ما لا يَخْفى، ولَعَلَّهُ يُقَوِّي عِظَمِ شَأْنِ الرَّحْمَةِ.

وذَكَرَ البَعْضُ أنَّ في لَفْظِ الإذاقَةِ والمَسَّ بِناءً عَلى أنَّ الذَّوْقَ ما يَخْتَبِرُ بِهِ الطُّعُومَ، والمَسُّ أوَّلُ الوُصُولِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما يَجِدُ الإنْسانُ في الدُّنْيا مِنَ المِنَحِ والمِحَنِ نَمُوذَجٌ لِما يَجِدُهُ في الآخِرَةِ، وأنَّهُ يَقَعُ في الكُفْرانِ والبَطَرِ بِأدْنى شَيْءٍ ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ أيِ المَصائِبُ الَّتِي تَسُوؤُنِي ولَنْ يَعْتَرِيَنِي بَعْدُ أمْثالُها ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ﴾

صفحة 16

بَطِرٌ بِالنِّعْمَةِ مُغْتَرٌّ بِها، وأصْلُهُ فارِحٌ إلّا أنَّهُ حُوِّلَ لِما تَرى لِلْمُبالَغَةِ، وفي البَحْرِ أنَّ فَعِلًا بِكَسْرِ العَيْنِ هو قِياسُ اسْمِ الفاعِلِ مِن فِعْلِ اللّازِمِ، وقُرِئَ (فَرُحَ) بِضَمِّ الرّاءِ كَما تَقُولُ: نَدُسَ، ونَطُسَ، وأكْثَرُ ما ورَدَ الفَرِحُ في القُرْآنِ لِلذَّمِّ، فَإذا قُصِدَ المَدْحُ قُيِّدَ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، ﴿فَخُورٌ﴾ مُتَعاظِمٌ عَلى النّاسِ بِما أُوتِيَ مِنَ النِّعَمِ مَشْغُولٌ بِذَلِكَ عَنِ القِيامِ بِحَقِّها، واللّامُ في (لَئِنْ) في الآياتِ الأرْبَعِ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ كَما في قَوْلِهِ:

لَئِنْ عادَ لِي عَبْدُ العَزِيزِ بِمِثْلِها وأمْكَنَنِي مِنها إذَنْ لا أقِيلُها

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.