Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 61–70 of 123

61

۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌۭ مُّجِيبٌۭ

And to Thamud [We sent] their brother Salih. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. He has produced you from the earth and settled you in it, so ask forgiveness of Him and then repent to Him. Indeed, my Lord is near and responsive."

﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ آنِفًا، وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى مَنعِ صَرْفِ (ثَمُودَ) ذَهابًا إلى القَبِيلَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِالصَّرْفِ عَلى إرادَةِ الحَيِّ ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلَقَكم مِنها فَإنَّها المادَّةُ الأُولى وآدَمُ الَّذِي هو أصْلُ البَشَرِ خُلِقَ مِنها، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ أنْشَأ أباكُمْ، وقِيلَ: (مِن) بِمَعْنى فِي، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والمُرادُ الحَصْرُ كَما يُفْهِمُهُ كَلامُ بَعْضِ الأجِلَّةِ، كَأنَّ القَوْمَ لِعَدَمِ أدائِهِمْ حَقَّهُ سُبْحانَهُ قَدِ اعْتَقَدُوا أنَّ الفاعِلَ لِذَلِكَ غَيْرُهُ تَعالى، أوْ هو مَعَ غَيْرِهِ فَخُوطِبُوا عَلى وجْهِ قَصْرِ القَلْبِ أوْ قَصْرِ الإفْرادِ بِذَلِكَ، واحْتِمالِ أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أحَدَ الأمْرَيْنِ حَقِيقَةً لا تَنْزِيلًا يَسْتَدْعِي القَوْلَ بِأنَّهم كانُوا طَبِيعِيَّةً أوْ ثَنَوِيَّةً وإلّا فالوَثَنِيَّةُ -وإنْ عَبَدُوا مَعَهُ سُبْحانَهُ غَيْرَهُ- لا يَعْتَقِدُونَ خالِقِيَّةَ غَيْرِهِ لَهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وأخْذُ الحَصْرِ عَلى ما قِيلَ: مِن تَقْدِيمِ الفاعِلِ المَعْنَوِيِّ، وقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَفادٌ مِنَ السِّياقِ لِأنَّهُ لَمّا حَصَرَ الإلَهِيَّةَ فِيهِ تَعالى اقْتَضى حَصْرَ الخالِقِيَّةِ أيْضًا، فَبَيانُ ما خُلِقُوا مِنهُ بَعْدَ بَيانِ أنَّهُ الخالِقُ لا غَيْرُهُ يَقْتَضِي هَذا فَتَدَبَّرْ، والظّاهِرُ أنَّ مَن يَقُولُ بِالحَصْرِ هُنا يَقُولُ بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ لِمَكانِ العَطْفِ وكَوْنِهِ مَعْطُوفًا بَعْدَ اعْتِبارِ التَّقْدِيمِ فَلا يَنْسَحِبُ عَلى ما بَعْدَهُ مِمّا لا فائِدَةَ في التِزامِهِ، أيْ وهو الَّذِي جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، فالِاسْتِفْعالُ بِمَعْنى الإفْعالِ، يُقالُ: أعْمَرْتُهُ الأرْضَ واسْتَعْمَرْتُهُ إذا جَعَلْتَهُ عامِرَها وفَوَّضْتَ إلَيْهِ عِمارَتَها، وإلى هَذا ذَهَبَ الرّاغِبُ، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المَعْنى أمَرَكم بِعِمارَةِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن بِناءِ مَساكِنَ وحَفْرِ أنْهارٍ وغَرْسِ أشْجارٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالسِّينُ لِلطَّلَبِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الكَيا، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ عِمارَةَ الأرْضِ واجِبَةٌ لِهَذا الطَّلَبِ، وقَسَّمَها في الكَشّافِ إلى واجِبٍ كَعِمارَةِ القَناطِرِ اللّازِمَةِ والمَسْجِدِ الجامِعِ، ومَندُوبٍ كَعِمارَةِ المَساجِدِ، ومُباحٍ كَعِمارَةِ المَنازِلِ، وحَرامٍ كَعِمارَةِ الخاناتِ، وما يُبْنى لِلْمُباهاةِ أوْ مِن مالٍ حَرامٍ كَأبْنِيَةِ كَثِيرٍ مِنَ الظَّلَمَةِ، واعْتُرِضَ عَلى ألْكَيا بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ طَلَبُ حَقِيقَةٍ ولَكِنْ نَزَلَ جَعْلُهم مُحْتاجِينَ لِذَلِكَ -وإقْدارُهم عَلَيْهِ وإلْهامُهم كَيْفَ يَعْمُرُونَ- مَنزِلَةَ الطَّلَبِ، وقالَ الضَّحّاكُ: المَعْنى عَمَرَكم فِيها واسْتَبْقاكم وكانَ أحَدُهم يُعَمَّرُ طَوِيلًا حَتّى أنَّ مِنهم مَن يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ، والمَشْهُورُ أنَّ الفِعْلَ مِنَ العُمْرِ وهو مُدَّةُ الحَياةِ بِالتَّشْدِيدِ ومِنَ العِمارَةِ نَقِيضِ الخَرابِ بِالتَّخْفِيفِ، فَفي أخْذِ ذَلِكَ مِنَ العُمْرِ تَجَوُّزٌ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ اسْتَعْمَرَ مِنَ العُمْرى بِضَمٍّ فَسُكُونٍ مَقْصُورٌ، وهي -كَما قالَ الرّاغِبُ- في العَطِيَّةِ أنْ تَجْعَلَ لَهُ شَيْئًا مُدَّةَ عُمُرِكَ أوْ عُمُرِهِ، والمَعْنى أعْمَرَكم فِيها ورَبّاكم أيْ أعْطاكم ذَلِكَ ما دُمْتُمْ أحْياءً، ثُمَّ هو سُبْحانَهُ وارِثُها مِنكُمْ، أوِ المَعْنى جَعَلَكم مُعَمِّرِينَ دِيارَكم فِيها لِأنَّ …

62

قَالُوا۟ يَٰصَٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّۭا قَبْلَ هَٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ

They said, "O Salih, you were among us a man of promise before this. Do you forbid us to worship what our fathers worshipped? And indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا﴾ أيْ فِيما بَيْنَنا ﴿مَرْجُوًّا﴾ فاضِلًا خَيْرًا نُقَدِّمُكَ عَلى جَمِيعِنا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَشُورًا نَأْمُلُ مِنكَ أنْ تَكُونَ سَيِّدًا سادًّا مَسَدَّ الأكابِرِ، وقالَ كَعْبٌ: كانُوا يَرْجُونَهُ لِلْمُلْكِ بَعْدَ مَلِكِهِمْ لِأنَّهُ كانَ ذا حَسَبٍ وثَرْوَةٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ إذْ كانَ يُبْغِضُ أصْنامَهم ويَعْدِلُ عَنْ دِينِهِمْ ﴿قَبْلَ هَذا﴾ أيِ الَّذِي باشَرْتُهُ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الآلِهَةِ، فَلَمّا سَمِعْنا مِنكَ ما سَمِعْناهُ انْقَطَعَ عَنْكَ رَجاؤُنا، وقِيلَ: كانُوا يَرْجُونَ دُخُولَهُ في دِينِهِمْ بَعْدَ دَعْواهُ إلى الحَقِّ ثُمَّ انْقَطَعَ رَجاؤُهم -فَقَبْلَ هَذا- قَبْلَ هَذا الوَقْتِ لا قَبْلَ الَّذِي باشَرَهُ مِنَ الدَّعْوَةِ، وحَكى النَّقّاشُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ (مَرْجُوًّا) بِمَعْنى حَقِيرًا وكَأنَّهُ فَسَّرَهُ أوَّلًا بِمُؤَخَّرًا غَيْرَ مُعْتَنًى بِهِ ولا مُهْتَمٍّ بِشَأْنِهِ، ثُمَّ أرادَ مِنهُ ذَلِكَ وإلّا –فَمَرْجُوًّا- بِمَعْنى حَقِيرٍ لَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ، وجاءَ قَوْلُهُمْ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ عَلى جِهَةِ التَّوَعُّدِ والِاسْتِبْشاعِ لِتِلْكَ المَقالَةِ مِنهُ، والتَّعْبِيرُ –بِيَعْبُدُ- لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ (مَرْجُؤًا) بِالمَدِّ والهَمْزِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الآلِهَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ ﴿مُرِيبٍ﴾ اسْمُ فاعِلٍ مِن أرابَهُ المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ إذا أوْقَعَهُ في الرِّيبَةِ وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ بِاليَقِينِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ اللّازِمِ إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والإسْنادُ عَلى الوَجْهَيْنِ مَجازِيٌّ إلّا أنَّ بَيْنَهُما -كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ- فَرْقًا، وهو أنَّ الأوَّلَ مَنقُولٌ مِنَ الأعْيانِ إلى المَعْنى، والثّانِي مَنقُولٌ مِن صاحِبِ الشَّكِّ إلى الشَّكِّ كَما تَقُولُ: شِعْرُ شاعِرٍ، فَعَلى الأوَّلِ هو مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ لِأنَّ وُجُودَ الشَّكِّ سَبَبٌ لِتَشْكِيكِ المُشَكِّكِ ولَوْلاهُ لَما قَدَرَ عَلى التَّشْكِيكِ، والتَّنْوِينُ في (مُرِيبٍ) وفي (شَكٍّ) لِلتَّفْخِيمِ، (وإنَّنا) بِثَلاثِ نُوناتٍ، ويُقالُ: إنّا بِنُونَيْنِ وهُما لُغَتانِ لِقُرَيْشٍ.

قالَ الفَرّاءُ: مَن قالَ: إنَّنا أخْرَجَ الحَرْفَ عَلى أصْلِهِ لِأنَّ كِنايَةَ المُتَكَلِّمِينَ –نا- فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ، ومَن قالَ: إنّا اسْتَثْقَلَ اجْتِماعَها فَأسْقَطَ الثّالِثَةَ وأبْقى الأُولَيَيْنِ.

واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ المَحْذُوفَ النُّونُ الثّانِيَةُ لا الثّالِثَةُ لِأنَّ في حَذْفِها إجْحافًا بِالكَلِمَةِ إذْ لا يَبْقى مِنها إلّا حَرْفٌ واحِدٌ ساكِنٌ دُونَ حَذْفِ الثّانِيَةِ لِظُهُورِ بَقاءِ حَرْفَيْنِ بَعْدَهُ عَلى أنَّهُ قَدْ عَهِدَ حَذْفَ النُّونِ الثّانِيَةِ مِن إنَّ مَعَ غَيْرِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِينَ، ولَمْ يُعْهَدْ حَذْفُ نُونِ -نا- ولا رَيْبَ في أنَّ ارْتِكابَ المَعْهُودِ أوْلى مِنِ ارْتِكابِ غَيْرِ المَعْهُودِ.

63

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةًۭ فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍۢ

He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord and He has given me mercy from Himself, who would protect me from Allah if I disobeyed Him? So you would not increase me except in loss.

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ﴾ أخْبِرُونِي ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ وبَصِيرَةٍ ﴿مِن رَبِّي﴾ مالِكِي ومُتَوَلِّي أُمُورِي ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ مِن قَبْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿رَحْمَةً﴾ نُبُوَّةً، وهَذا مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ، والِاسْتِدْراجُ

صفحة 90

إذْ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَكٌّ فِيما في حَيِّزِ إنَّ، وأصْلُ وضْعِها أنَّها لِشَكِّ المُتَكَلِّمِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِهِ، فَفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ والنُّصْرَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في لازِمِ مَعْناها أوْ أنَّ الفِعْلَ مُضَمَّنٌ مَعْنى المَنعِ، ولِذا تَعَدّى -بِمَن -والعُدُولُ إلى الإظْهارِ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ النَّصْرِ عَلى ما سَبَقَ مِن كَوْنِهِ عَلى بَيِّنَةٍ وإيتاءِ الرَّحْمَةِ عَلى تَقْدِيرِ العِصْيانِ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ أيْ في المُساهَلَةِ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والمَنعِ عَنِ الشِّرْكِ بِهِ تَعالى والمُجاراةِ مَعَكم فِيما تَشْتَهُونَ، فَإنَّ العِصْيانَ مِمَّنْ ذَلِكَ شَأْنُهُ أبْعَدُ والمُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ ألْزَمُ وإنْكارَ نُصْرَتِهِ أدْخَلُ.

﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ إذَنْ بِاسْتِتْباعِكم إيّايَ أيْ لا تُفِيدُونَنِي إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أصْلُ الخُسْرانِ حَتّى يَزِيدُوهُ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أيْ غَيْرَ أنْ تَجْعَلُونِي خاسِرًا بِإبْطالِ أعْمالِي وتَعْرِيضِي لِسُخْطِ اللَّهِ تَعالى، أوْ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِما تَقُولُونَ غَيْرَ أنْ أنْسِبَكم إلى الخُسْرانِ، وأقُولُ لَكُمْ: إنَّكم لَخاسِرُونَ لا أنْ أتْبَعَكم.

ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ بْنِ الفَضْلِ، فالفاعِلُ عَلى الأوَّلِ هم والمَفْعُولُ صالِحٌ، وعَلى الثّانِي بِالعَكْسِ والتَّفْعِيلُ كَثِيرًا ما يَكُونُ لِلنِّسْبَةِ كَفَسَقَتِهِ وفَجَرَتِهِ، والزِّيادَةُ عَلى مَعْناها والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الزِّيادَةِ عَلى انْتِفاءِ النّاصِرِ المَفْهُومِ مِن إنْكارِهِ عَلى تَقْدِيرِ العِصْيانِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَنْفِيهِ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وإيتائِهِ النُّبُوَّةَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المَعْنى ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ﴾ مُضارَّةٍ في خُسْرانِكُمْ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ بِاحْتِجاجِكم بِعِبادَةِ آبائِكم إلّا خَسارًا، وأضافَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهم أعْطَوْهُ ذَلِكَ وكانَ قَدْ سَألَهُمُ الإيمانَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى فَما تُعْطُونِي فِيما أقْتَضِيهِ مِنكم مِنَ الإيمانِ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ لِأنْفُسِكُمْ، وأضافَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُقْتَضٍ لِأقْوالِهِمْ مُوكَلٌ بِأيْمانِهِمْ كَما تَقُولُ لِمَن تُوصِيهِ: أنا أُرِيدُ بِكَ خَيْرًا وأنْتَ تُرِيدُ بِي سُوءًا، وكانَ الوَجْهُ البَيِّنُ أنْ تَقُولَ: وأنْتَ تُرِيدُ شَرًّا لَكِنْ مِن حَيْثُ كَنْتَ مُرِيدَ خَيْرٍ ومُقْتَضى ذَلِكَ حَسَنٌ أنْ تُضِيفَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِكَ، وقِيلَ: المَعْنى فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرِي إيّاكم حَيْثُ إنَّكم كُلَّما ازْدَدْتُمْ تَكْذِيبًا إيّايَ ازْدادَتْ خَسارَتُكُمْ، وهي أقْوالٌ كَما تَرى

64

وَيَٰقَوْمِ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةًۭ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍۢ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌۭ قَرِيبٌۭ

And O my people, this is the she-camel of Allah - [she is] to you a sign. So let her feed upon Allah 's earth and do not touch her with harm, or you will be taken by an impending punishment."

﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها مُفارِقَةٌ لِسائِرِ ما يُجانِسُها خُلُقًا وخَلْقًا ﴿لَكم آيَةً﴾ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِي في دَعْوى النُّبُوَّةِ، وهي حالٌ مِن ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ والعامِلُ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ.

وقِيلَ: مَعْنى التَّنْبِيهِ، والظّاهِرُ أنَّها حالٌ مُؤَسِّسَةٌ، وجَوَّزَ فِيها أنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً كَهَذا أبُوكَ عَطُوفًا لِدَلالَةِ الإضافَةِ عَلى أنَّها آيَةٌ، و(لَكُمْ) كَما في البَحْرِ، وغَيْرِهِ، حالٌ مِنها فَقُدِّمَتْ عَلَيْها لِتَنْكِيرِها ولَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَتْ صِفَةً لَها، واعْتُرِضَ بِأنَّ مَجِيءَ الحالِ مِنَ الحالِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ؛ لِأنَّ الحالَ تُبَيِّنُ هَيْئَةَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ ولَيْسَتِ الحالُ شَيْئًا مِنهُما، وأُجِيبَ بِأنَّها في مَعْنى المَفْعُولِ لِلْإشارَةِ لِأنَّها مُتَّحِدَةٌ مَعَ المُشارِ إلَيْهِ الَّذِي هو مَفْعُولٌ في المَعْنى ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وقِيلَ: الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الحالَ صِفَةٌ في المَعْنى لَكِنْ لَمْ يُعْرِبُوها صِفَةً لِأمْرٍ تَواضَعَ النَّحْوِيُّونَ عَلَيْهِ مِن مَنعِ تَقَدُّمِ ما يُسَمُّونَهُ تابِعًا عَلى المَتْبُوعِ، فَحَدِيثُ -إنَّ الحالَ تُبَيِّنُ الهَيْئَةَ- مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ هَذِهِ الحالِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا ونَحْوَهُ لا يَحْسِمُ مادَّةَ الِاعْتِراضِ لِأنَّ المُعْتَرِضَ نَفى قَوْلَ أحَدٍ مِنَ النُّحاةِ بِمَجِيءِ الحالِ مِنَ الحالِ، وبِما ذَكَرَ لا يُثْبِتُ القَوْلَ وهو ظاهِرٌ، نَعَمْ قَدْ يُقالُ: إنَّ اقْتِصارَ أبِي حَيّانَ، والزَّمَخْشَرِيِّ

صفحة 91

-وهُما مَن تَعَلَّمَ في العَرَبِيَّةِ- عَلى هَذا النَّحْوِ مِنَ الإعْرابِ كافٍ في الغَرَضِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وأرادَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالتَّعَلُّقِ في كَلامِهِ التَّعَلُّقَ المَعْنَوِيَّ لا النَّحْوِيَّ فَلا تَناقُضَ فِيهِ عَلى أنَّهُ بَحْثٌ لا يَضُرُّ.

وقِيلَ: (لَكُمْ) حالٌ مِن (ناقَةٌ) و(آيَةً) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ فَهي مُتَداخِلَةٌ، ومَعْنى كَوْنِ النّاقَةِ لِلْمُخاطَبِينَ أنَّها نافِعَةٌ لَهم ومُخْتَصَّةٌ بِهِمْ هي ومَنافِعُها فَلا يَرُدُّ أنَّهُ لا اخْتِصاصَ لِذاتِ النّاقَةِ بِهِمْ، وإنَّما المُخْتَصُّ كَوْنُها آيَةً لَهُمْ، وقِيلَ: (لَكُمْ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (آيَةً) لِأنَّها بِمَعْنى المُشْتَقِّ، والأظْهَرُ كَوْنُ (لَكُمْ) بَيانُ مَن هي (آيَةٌ) لَهُ، وجَوَّزَ كَوْنَ (ناقَةُ) بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، و(لَكُمْ) خَبَرُهُ، و(آيَةً) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ ﴿فَذَرُوها﴾ دَعُوها ﴿تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ فَلَيْسَ عَلَيْكم مُؤْنَتُها والفِعْلُ مَجْزُومٌ لِوُقُوعِهِ في جَوابِ الطَّلَبِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أوْ عَلى الحالِ -كَما في البَحْرِ-والمُتَبادَرُ مِنَ الأكْلِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ لَكِنْ قِيلَ: في الآيَةِ اكْتِفاءً أيْ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، وجَوَّزُ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنِ التَّغَذِّي مُطْلَقًا، والمَقامُ قَرِينَةٌ لِذَلِكَ.

﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ أيْ بِشَيْءٍ مِنهُ فَضْلًا عَنِ العُقْرِ والقَتْلِ، والنَّهْيُ هُنا عَلى حَدِّ النَّهْيِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ إلَخْ..

﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾ لِذَلِكَ ﴿عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ عاجِلٌ لا يَسْتَأْخِرُ عَنْ مَسِّكم إيّاها بِسُوءٍ إلّا يَسِيرًا وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَقَعُ عَلَيْكُمْ، وقِيلَ: أرادَ مِن وصْفِهِ بِالقُرْبِ كَوْنَهُ في الدُّنْيا، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ وكانَ الإخْبارُ عَنْ وحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى

65

فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍۢ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍۢ

But they hamstrung her, so he said, "Enjoy yourselves in your homes for three days. That is a promise not to be denied."

﴿فَعَقَرُوها﴾ أيْ فَخالَفُوا ما أُمِرُوا بِهِ فَعَقَرُوها، والعُقْرُ قِيلَ: قَطْعُ عُضْوٍ يُؤَثِّرُ في النَّفْسِ.

وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: عَقَرْتُ البَعِيرَ إذا نَحَرْتَهُ، ويَجِيءُ بِمَعْنى الجُرْحِ أيْضًا -كَما في القامُوسِ- وأسْنَدَ العُقْرَ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّ الفاعِلَ واحِدٌ مِنهم وهو قَدّارٌ –كَهَمّامٍ- في قَوْلٍ، ويُقالُ لَهُ: أحْمَرُ ثَمُودَ وبِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ في الشُّؤْمِ لِرِضاهم بِفِعْلِهِ، وقَدْ جاءَ أنَّهُمُ اقْتَسَمُوا لَحْمَها جَمِيعًا (فَقالَ) لَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿تَمَتَّعُوا﴾ عِيشُوا.

﴿فِي دارِكُمْ﴾ أيْ بَلَدِكُمْ، وتُسَمّى البِلادُ الدِّيارَ لِأنَّها يُدارُ فِيها أيْ يَتَصَرَّفُ، يُقالُ: دِيارُ بَكْرٍ لِبِلادِهِمْ، وتَقُولُ العَرَبُ الَّذِينَ حَوالَيْ مَكَّةَ: نَحْنُ مِن عَرَبِ الدّارِ يُرِيدُونَ مِن عَرَبِ البَلَدِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو جَمْعُ دارَةَ كَساحَةٍ وساحٍ وسُوحٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ يَمْدَحُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُدْعانَ:

لَهُ داعٍ بِمَكَّةَ مُشْمَعِلُّ وآخَرُ فَوْقَ دارَتِهِ يُنادِي

ويُمْكِنُ أنْ يُسَمّى جَمِيعُ مَسْكَنِ الحَيِّ دارًا وتُطْلَقُ الدّارُ عَلى الدُّنْيا أيْضًا، وبِذَلِكَ فَسَّرَها بَعْضُهم هُنا، وفَسَّرَ الطَّبَرْسِيُّ التَّمَتُّعَ بِالتَّلَذُّذِ أيْ تَلَذَّذُوا بِما تُرِيدُونَ ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ ثُمَّ يَأْخُذُكُمُ العَذابُ، قِيلَ: إنَّهم لَمّا عَقَرُوا النّاقَةَ صَعِدَ فَصِيلُها الجَبَلَ ورَغا ثَلاثَ رَغَواتٍ فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أجَلُ يَوْمٍ، وابْتِداءُ الأيّامِ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ الأرْبِعاءُ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُمْ: تُصْبِحُ وُجُوهُكم غَدًا مُصْفَرَّةً، وبَعْدَ غَدٍ مُحْمَرَّةً واليَوْمَ الثّالِثَ مُسْوَدَّةً يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ فَكانَ كَما قالَ: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالتَّمَتُّعِ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن نُزُولِ العَذابِ عَقِيبَها وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّفْخِيمِ ﴿وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَحُذِفَ الجارُّ وصارَ المَجْرُورُ مَفْعُولًا عَلى التَّوَسُّعِ لِأنَّ الضَّمِيرَ لا يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والجارُّ لا يَعْمَلُ بَعْدَ حَذْفِهِ، ويُسَمُّونَ هَذا الحَذْفَ والإيصالَ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ ويَكُونُ في الِاسْمِ –كَمُشْتَرِكٍ- وفي الفِعْلِ كَقَوْلِهِ:

صفحة 92

ويَوْمٌ شَهِدْناهُ سَلِيمًا وعامِرًا قَلِيلٌ سِوى طَعْنِ النِّهالِ نَوافِلُهُ

أوْ ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ عَلى المَجازِ كَأنَّ الواعِدَ قالَ لَهُ: أفِي بِكَ فَإنْ وفى بِهِ صَدَّقَهُ وإلّا كَذَّبَهُ، فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، وقِيلَ: مَجازٌ مُرْسَلٌ بِجَعْلِ ﴿مَكْذُوبٍ﴾ بِمَعْنى باطِلٍ ومُخْتَلِفٍ، أوْ وعْدٌ غَيْرُ كَذِبٍ عَلى أنَّ ﴿مَكْذُوبٍ﴾ مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ مَفْعُولٍ كَمَجْلُودٍ ومَعْقُولٍ بِمَعْنى عَقْلٍ وجَلْدٍ فَإنَّهُ سُمِعَ مِنهم ذَلِكَ لَكِنَّهُ نادِرٌ، ولا يَخْفى ما في تَسْمِيَةِ ذَلِكَ وعْدًا مِنَ المُبالَغَةِ في التَّهَكُّمِ.

66

فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَٰلِحًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ

So when Our command came, We saved Salih and those who believed with him, by mercy from Us, and [saved them] from the disgrace of that day. Indeed, it is your Lord who is the Powerful, the Exalted in Might.

﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا أوْ أمَرْنا بِنُزُولِهِ، وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْوِيلِ ﴿نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَجَّيْنا أوْ بِآمَنُوا ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ أيْ بِسَبَبِها أوْ مُلْتَبِسِينَ بِها، وفي التَّنْوِينِ والوَصْفِ نَوْعانِ مِنَ التَّعْظِيمِ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ نَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ وهو الهَلاكُ بِالصَّيْحَةِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ عَلى مَعْنى إنّا نَجَّيْناهُمْ، وكانَتْ تِلْكَ التَّنْجِيَةُ مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ ونَجَّيْناهم مِن ذُلِّ وفَضِيحَةِ يَوْمِ القِيامَةِ أيْ مِن عَذابِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ هُودٍ سَواءً بِسَواءٍ.

وتَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ هَذا بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إذْ لَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ ذُكِرَ فِيها يَوْمُ القِيامَةِ لِيَكُونَ التَّنْوِينُ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ، والمَذْكُورُ إنَّما هو جاءَ أمْرُنا فَلْيُقَدَّرْ يَوْمَ إذْ جاءَ أمْرُنا وهو جَيِّدٌ، والدَّفْعُ بِأنَّ القَرِينَةَ قَدْ تَكُونُ غَيْرَ لَفْظِيَّةٍ كَما هُنا فِيهِ نَظَرٌ، وقِيلَ: القَرِينَةُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ فِيما مَرَّ: ( عَذابُ غَلِيظٍ ) وفِيهِ ما فِيهِ، وقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ فَيَتَعَلَّقُ (مِن) بِنَجَّيْنا المَذْكُورِ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِأنَّ الواوَ لا تُزادُ عِنْدَهم فَيُوجِبُونَ هُنا التَّعَلُّقَ بِمَحْذُوفٍ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وأبانَ (ومِن خِزْيٍ) بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ (يَوْمَئِذٍ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَعْمُولًا لِخِزْيٍ، وعَنْ نافِعٍ والكِسائِيِّ أنَّهُما قَرَآ بِالإضافَةِ وفَتَحِ –يَوْمَ- لِأنَّهُ مُضافٌ إلى إذْ وهو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، وهَذا كَما فُتِحَ حِينَ في قَوْلِ النّابِغَةِ:

عَلى (حِينَ) عاتَبْتَ المَشِيبَ عَلى الصِّبا فَقُلْتَ: ألَمّا أصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ

﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿هُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ أيِ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ والغالِبُ عَلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ ويَنْدَرِجُ في ذَلِكَ الإنْجاءُ والإهْلاكُ في ذَلِكَ اليَوْمِ،

67

وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَٰرِهِمْ جَٰثِمِينَ

And the shriek seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone

﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قَوْمُ صالِحٍ، وعَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الظّاهِرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وإشْعارًا بِعِلْيَتِهِ لِنُزُولِ العَذابِ بِهِمْ ﴿الصَّيْحَةُ﴾ أيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ أوْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فِيها كُلُّ صاعِقَةٍ وصَوْتٍ مُفْزِعٍ، وهي عَلى ما في البَحْرِ فَعْلَةٌ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الصِّياحِ، يُقالُ: صاحَ يَصِيحُ إذا صَوَّتَ بِقُوَّةٍ، وأصْلُ ذَلِكَ -كَما قالَ الرّاغِبُ- تَشْقِيقُ الصَّوْتِ مِن قَوْلِهِمْ: إنْصاحَ الخَشَبُ أوِ الثَّوْبُ إذا انْشَقَّ فَسُمِعَ مِنهُ صَوْتٌ، وصَيْحُ الثَّوْبِ كَذَلِكَ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِالصَّيْحَةِ عَنِ الفَزَعِ، وفي الأعْرافِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قِيلَ: ولَعَلَّها وقَعَتْ عَقِيبَ الصَّيْحَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِتَمَوُّجِ الهَواءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مِنّا في ذَلِكَ ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ﴾ أيْ مَنازِلِهِمْ ومَساكِنِهِمْ، وقِيلَ: بِلادِهِمْ ﴿جاثِمِينَ﴾ هامِدِينَ مَوْتى لا يَتَحَرَّكُونَ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ مَعْنًى وإعْرابًا

68

كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّثَمُودَ

As if they had never prospered therein. Unquestionably, Thamud denied their Lord; then, away with Thamud.

﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا ﴿فِيها﴾ أيْ في دِيارِهِمْ، والجُمْلَةُ قِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ أيْ أصْبَحُوا ( جاثِمِينَ ) مُماثِلِينَ لِمَن لَمْ يُوجَدْ ولَمْ يَقُمْ في مَقامٍ قَطُّ ﴿ألا إنَّ ثَمُودا﴾ وُضِعَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ البَيانِ، ومَنَعَهُ مِنَ الصَّرْفِ حَفْصٌ وحَمْزَةُ نَظَرًا إلى القَبِيلَةِ، وصَرَفَهُ أكْثَرُ السَّبْعَةِ نَظَرًا إلى الحَيِّ كَما قَدَّمْنا آنِفًا، وقِيلَ: نَظَرًا إلى الأبِ الأكْبَرِ يَعْنِي يَكُونُ المُرادُ بِهِ الأبَ الأوَّلَ وهو مَصْرُوفٌ

صفحة 93

وحِينَئِذٍ يُقَدَّرُ مُضافٌ كَنَسْلٍ وأوْلادٍ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: المُرادُ إنَّهُ صُرِفَ نَظَرًا لِأوَّلِ وضْعِهِ وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ هُنا القَبِيلَةَ ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ صَرَّحَ بِكُفْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا مِمّا سَبَقَ مِن أحْوالِهِمْ تَقْبِيحًا لِحالِهِمْ وتَعْلِيلًا لِاسْتِحْقاقِهِمُ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ بِالبُعْدِ والهَلاكِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ وقَرَأ الكِسائِيُّ لا غَيْرَ بِالتَّنْوِينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في شَرْحِ قِصَّتِهِمْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ

69

وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَٰمًۭا ۖ قَالَ سَلَٰمٌۭ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍۢ

And certainly did Our messengers come to Abraham with good tidings; they said, "Peace." He said, "Peace," and did not delay in bringing [them] a roasted calf.

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا.

وقالَ السُّدِّيُّ: أحَدَ عَشَرَ عَلى صُورَةِ الغِلْمانِ في غايَةِ الحُسْنِ والبَهْجَةِ، وحَكى صاحِبُ الفَيْنانِ أنَّهم عَشَرَةٌ مِنهم جِبْرِيلُ، وقالَ الضَّحّاكُ: تِسْعَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ثَمانِيَةٌ، وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّهم أرْبَعَةٌ ولَمْ يُسَمِّهِمْ.

وجاءَ في رِوايَةٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهم جِبْرِيلُ، وإسْرافِيلُ. ومِيكائِيلُ، ورَفائِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهم ثَلاثَةٌ الأوَّلُونَ فَقَطْ، وقالَ مُقاتِلٌ: جِبْرائِيلُ. ومِيكائِيلُ. ومَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، واخْتارَ بَعْضُهم الِاقْتِصارَ عَلى القَوْلِ بِأنَّهم ثَلاثَةٌ لِأنَّ ذَلِكَ أقَلُّ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجَمْعُ ولَيْسَ هُناكَ ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في الزّائِدِ، وإنَّما أُسْنِدَ إلَيْهِمُ المَجِيءُ دُونَ الإرْسالِ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُرْسَلِينَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ إلى قَوْمِ لُوطٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وإنَّما جاءُوهُ لِداعِيَةِ البُشْرى، قِيلَ: ولَمّا كانَ المَقْصُودُ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ذِكْرَ صَنِيعِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَعَ الرُّسُلِ المُرْسَلَةِ إلَيْهِمْ ولُحُوقَ العَذابِ بِهِمْ ولَمْ يَكُنْ جَمِيعُ قَوْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن لَحِقَ بِهِمُ العَذابُ، بَلْ إنَّما لَحِقَ بِقَوْمِ لُوطٍ مِنهم خاصَّةً غَيْرَ الأُسْلُوبِ المُطَّرِدِ فِيما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( وإلى عادٍ أخُاهم هُودًا )، ( وإلى ثَمُودَ أخُاهم صالِحًا ) ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ حَيْثُ قِيلَ: ( وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا ) والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: (بِالبُشْرى) لِلْمُلابَسَةِ أيْ مُلْتَبِسِينَ بِالبُشْرى، والمُرادُ بِها قِيلَ: مُطْلَقُ البِشارَةِ المُنْتَظِمَةِ بِالبِشارَةِ بِالوَلَدِ مِن سارَّةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولِلْبِشارَةِ بِعَدَمِ لُحُوقِ الضَّرَرِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ لِظُهُورِ تَفَرُّعِ المُجادَلَةِ عَلى مَجِيئِها، وكانَتِ البِشارَةُ الأُولى عَلى ما قِيلَ: مِن مِيكائِيلَ. والثّانِيَةُ مِن إسْرافِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ بِها البِشارَةُ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ هَلاكَ الظَّلَمَةِ مِن أجَلِّ ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَأْباهُ مُجادَلَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في شَأْنِهِمْ، واسْتَظْهَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّها البِشارَةُ بِالوَلَدِ، وهي المُرادَةُ بِالبُشْرى فِيما سَيَأْتِي، وسِرُّ تَفَرُّعِ المُجادَلَةِ عَلَيْها سَيُذْكَرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَلَّلَ في الكَشْفِ اسْتِظْهارَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِالإطْلاقِ، ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في الذّارِياتِ: ﴿وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ﴾ إلَخْ، وإنْ كانَ يُحْتَمَلُ أنَّ ثَمَّةَ بِشارَتَيْنِ فَيُحْمَلُ في كُلِّ مَوْضِعٍ عَلى واحِدَةٍ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ انْتَهى، ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَظِنَّةً لِسُؤالِ السّامِعِ بِأنَّهم ما قالُوا: أُجِيبَ بِأنَّهم ﴿قالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا أوْ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ سَلامًا فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ …

70

فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةًۭ ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍۢ

But when he saw their hands not reaching for it, he distrusted them and felt from them apprehension. They said, "Fear not. We have been sent to the people of Lot."

﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ أنَّهم لا يَمُدُّونَ إلَيْهِ أيْدِيَهم ويَلْزَمُهُ أنَّهم لا يَأْكُلُونَ، وقِيلَ: (لا) كِنايَةٌ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَنْكُتُونَ اللَّحْمَ بِقِداحٍ في أيْدِيهِمْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ هَذِهِ الرِّوايَةِ شَيْءٌ إذْ هَذا النَّكْتُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالعَبَثِ، والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَجِلُّونَ عَنْ مِثْلِهِ، و(رَأى) قِيلَ: عِلْمِيَّةٌ فَجُمْلَةُ ﴿لا تَصِلُ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ، والظّاهِرُ أنَّها بَصَرِيَّةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مِن أدَبِ الضِّيافَةِ النَّظَرَ إلى الضَّيْفِ هَلْ يَأْكُلُ أوْ لا، لَكِنْ ذَكَرُوا أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِتَلَفُّتٍ ومُسارَقَةٍ لا بِتَحْدِيدِ النَّظَرِ

صفحة 95

لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَجْعَلُ الضَّيْفَ مُقَصِّرًا في الأكْلِ أيْ لِما شاهَدَ مِنهم ذَلِكَ ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أيْ نَفَرَهم ﴿وأوْجَسَ﴾ أيِ اسْتَشْعَرَ وأدْرَكَ، وقِيلَ: أضْمَرَ (مِنهُمْ) أيْ مِن جِهَتِهِمْ (خِيفَةً) أيْ خَوْفًا، وأصْلُها الحالَةُ الَّتِي عَلَيْها الإنْسانُ مِنَ الخَوْفِ، ولَعَلَّ اخْتِيارَها بِالذِّكْرِ لِلْمُبالَغَةِ حَيْثُ تَفَرَّسَ لِذَلِكَ مَعَ جَهالَتِهِ لَهم مِن قَبْلُ وعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ مِن أيِّ النّاسِ يَكُونُونَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما في الذّارِياتِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ حِكايَةً عَنْهُ: ﴿قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أنَّهم مَلائِكَةٌ، وظَنَّ أنَّهم أُرْسِلُوا لِعَذابِ قَوْمِهِ لِأمْرٍ أنْكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (قالُوا) حِينَ رَأوْا أثَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ أعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، أوْ بَعْدَ أنْ قالَ لَهم ما في الحِجْرِ ﴿إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ مِنهُ أنَّ هُناكَ قَوْلًا بِالفِعْلِ لا بِالقُوَّةِ كَما هو احْتِمالٌ فِيهِ عَلى ما سَتَراهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم مَلائِكَةٌ يُوجِبُ الخَوْفَ لِأنَّهم لا يَنْزِلُونَ إلّا بِعَذابٍ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِلْمَلائِكَةِ مُطْلَقًا ما لَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِهِمْ مِن الِاطِّلاعِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ وفي الصَّحِيحِ: «قالَتِ المَلائِكَةُ: رَبِّ عَبْدُكَ هَذا يُرِيدُ أنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً» الحَدِيثَ، وهو قَوْلٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ يَعْلَمُونَ الأُمُورَ القَلْبِيَّةَ.

وفِي الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ما هو صَرِيحٌ بِخِلافِهِ، والآيَةُ والخَبَرُ المَذْكُورانِ لا يَصْلُحانِ دَلِيلًا لِهَذا المَطْلَبِ، وإسْنادُ القَوْلِ إلَيْهِمْ ظاهِرٌ في أنَّ الجَمِيعَ قالُوا ( لا تَخَفْ ) ويَحْتَمِلُ أنَّ القائِلَ بَعْضُهُمْ، وكَثِيرًا ما يُسْنَدُ فِعْلُ البَعْضِ إلى الكُلِّ في أمْثالِ ذَلِكَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ كَما أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَذَلِكَ فَإنَّ إرْسالَهم إلى قَوْمٍ آخَرِينَ يُوجِبُ أمْنَهُ مِنَ الخَوْفِ أيْ (أرْسَلْنا) بِالعَذابِ ﴿إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ خاصَّةً، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أحَسَّ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا﴾ فَإنَّهُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ إنَّما يُقالُ لِمَن عَرَفَهم ولَمْ يَعْرِفْ فِيمَ أُرْسِلُوا فَخافَ، وأنَّ الإنْكارَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِنَكْرِهِمْ غَيْرَ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما في الذّارِياتِ …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.