Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 51–60 of 123

51

يَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

O my people, I do not ask you for it any reward. My reward is only from the one who created me. Then will you not reason?

﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ خاطَبَ بِهِ كُلُّ رَسُولٍ قَوْمَهُ إزاحَةً لِما عَسى أنْ يَتَوَهَّمُوهُ وتَمْحِيضًا لِلنَّصِيحَةِ فَإنَّها ما دامَتْ مَشُوبَةً بِالمَطامِعِ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّأْثِيرِ، وإيرادُ المَوْصُولِ لِلتَّفْخِيمِ، وجَعْلُ الصِّلَةِ فِعْلَ الفَطْرِ الَّذِي هو الإيجادُ والإبْداعُ لِكَوْنِهِ أبْعَدَ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ نِسْبَتَهُ إلى شُرَكائِهِمْ ( ولَئِنْ سَألْتهمْ مِن خَلْق السَّماوات والأرْض لِيَقُولُنَّ اللَّهُ ) مَعَ كَوْنِهِ أقْدَمَ النِّعَمِ الفائِضَةِ مِن جَنابِ اللَّهِ تَعالى المُسْتَوْجِبَةِ لِلشُّكْرِ الَّذِي لا يَتَأتّى إلّا بِالجَرَيانِ عَلى مُوجَبِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ الغالِبِ مُعْرِضًا عَنِ المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأجْرُ، ولَعَلَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غَنِيٌّ عَنْ أجْرِهِمُ الَّذِي إنَّما يَرْغَبُ فِيهِ لِلِاسْتِعانَةِ بِهِ عَلى تَدْبِيرِ الحالِ وقِوامِ العَيْشِ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي أوْجَدَهُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ وتَكَفَّلَ َلَهُ بِالرِّزْقِ كَما تَكَفَّلَ لِسائِرِ مَن أوْجَدَهُ مِنَ الحَيَواناتِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ أتَغْفُلُونَ عَنْ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ نَصِيحَةَ مَن لا يَطْلُبُ عَلَيْها أجْرًا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ فَتَنْقادُونَ لِما يَدْعُوكم إلَيْهِ؛ أوْ تَجْهَلُونَ كُلَّ شَيْءٍ فَلا تَعْقِلُونَ شَيْئًا أصْلًا، فَإنَّ الأمْرَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْفى عَلى أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ.

52

وَيَٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ

And O my people, ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. He will send [rain from] the sky upon you in showers and increase you in strength [added] to your strength. And do not turn away, [being] criminals."

﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلَيْهِ تَعالى بِالطّاعَةِ أوْ تُوبُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ وأخْلِصُوا التَّوْبَةَ واسْتَقِيمُوا عَلَيْها، وقِيلَ: الِاسْتِغْفارُ كِنايَةٌ عَنِ الإيمانِ لِأنَّهُ مِن رَوادِفِهِ، وحَيْثُ إنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لا يَسْتَدْعِي الكُفْرَ بِغَيْرِهِ لُغَةً قِيلَ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: آمِنُوا بِهِ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ تَعالى مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ، وتَعَقَّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( اعْبُدُوا اللَّهَ ) دَلَّ عَلى اخْتِصاصِهِ تَعالى بِالعِبادَةِ فَلَوْ حُمِلَ ( اسْتَغْفِرُوا ) عَلى ما ذُكِرَ لَمْ يَفْدِ فائِدَةً زائِدَةً سِوى ما عُلِّقَ عَلَيْهِ، وقَدْ كانَ يُمْكِنُ تَعْلِيقُهُ بِالأوَّلِ، والحَمْلُ عَلى غَيْرِ الظّاهِرِ مَعَ قِلَّةِ الفائِدَةِ مِمّا يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنْهُ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى المُعْجِزِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ التَّوْبَةُ عَنِ الشِّرْكِ وبِالتَّوْبَةِ التَّوْبَةُ عَمّا صَدَرَ مِنهم

صفحة 81

غَيْرَ الشِّرْكِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ الإيمانَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ طَلَبُ المَغْفِرَةِ بِالإيمانِ، وبِالثّانِي التَّوَسُّلُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالتَّوْبَةِ عَنِ الشِّرْكِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ التَّوَسُّلَ المَذْكُورَ لا يَنْفَكُّ عَنْ طَلَبِ المَغْفِرَةِ بِالإيمانِ لِأنَّهُ مِن لَوازِمِهِ فَلا يَكُونُ بَعْدَهُ كَما تُؤْذِنُ بِهِ (ثُمَّ) -وقِيلَ: وقِيلَ وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ في ذَلِكَ أوَّلَ السُّورَةِ.

و﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أيِ المَطَرَ كَما في قَوْلِهِ:

إذا (نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا

﴿عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ كَثِيرَ الدَّرِّ مُتَتابِعَهُ مِن غَيْرِ إضْرارٍ فَمِفْعالٌ لِلْمُبالَغَةِ كَمِعْطارٍ ومِقْدامٍ.

﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ أيْ عِزًّا مَضْمُومًا إلى عِزِّكم أوْ مَعَ عِزِّكُمْ، ويَرْجِعُ هَذا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ لِأنَّ العِزَّ الدُّنْيَوِيَّ بِذَلِكَ، وعَنِ الضَّحّاكِ تَفْسِيرُ –القُوَّةِ- بِالخِصْبِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ تَفْسِيرُها بِوَلَدِ الوَلَدِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها قُوَّةُ الجِسْمِ، ورَغَّبَهم عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَثْرَةِ المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُرُوعِ وبَساتِينَ وعِماراتٍ، وقِيلَ: حَبَسَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَطْرَ وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ ثَلاثَ سِنِينَ فَوَعَدَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ كَثْرَةَ الأمْطارِ وتَضاعُفَ القُوَّةِ بِالتَّناسُلِ، وقِيلَ: القُوَّةُ الأُولى في الإيمانِ، والثّانِيَةُ في الأبْدانِ، أيْ يَزِدْكم قُوَّةً في إيمانِكم إلى قُوَّةِ أبْدانِكم ﴿ولا تَتَوَلَّوْا﴾ أيْ لا تُعْرِضُوا عَمّا دَعَوْتُكم إلَيْهِ ﴿مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإجْرامِ، وقِيلَ: مُجْرِمِينَ بِالتَّوَلِّي وهو تُكَلُّفٌ.

53

قَالُوا۟ يَٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍۢ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ

They said, "O Hud, you have not brought us clear evidence, and we are not ones to leave our gods on your say-so. Nor are we believers in you.

﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وإنَّما قالُوهُ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ أوْ لِشِدَّةِ عَماهم عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ نَظَرِهِمْ في الآياتِ فاعْتَقَدُوا أنَّ ما هو آيَةٌ لَيْسَ بِآيَةٍ وإلّا فَهو وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جاءُوا بِالبَيِّناتِ الظّاهِرَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا بَعْضَها، فَفي الخَبَرِ: ”ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ“ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ أيْ بِتارِكِي عِبادَتِها ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ أيْ بِسَبَبِ قَوْلِكَ المُجَرَّدِ عَنِ البَيِّنَةِ –فَعَنْ- لِلتَّعْلِيلِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ وغَيْرِهِ، فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ ﴿بِتارِكِي).﴾

وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ أيْ صادِرِينَ، وهو مِنَ الصَّدْرِ مُقابِلِ الوَرْدِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ عَنِ الماءِ، وقَدْ شاعَ في كَلامِهِمُ اسْتِعْمالُ الصَّدْرِ والوَرْدِ كِنايَةً عَنِ العَمَلِ والتَّصَرُّفِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:

ما أمَسَّ الزَّمانِ حاجًا إلى مَن يَتَوَلّى الإيرادَ والإصْدارا

أيْ يَتَصَرَّفُ في الأُمُورِ بِصائِبِ رَأْيِهِ، وقَدْ يُكْتَفى بِالصَّدْرِ في ذَلِكَ لِاسْتِلْزامِهِ لِلْوَرْدِ فَيَقُولُونَ: لا يَصْدِرُ إلّا عَنْ رَأْيِهِ، والمَعْنى هُنا حِينَئِذٍ ما نَحْنُ ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ عامِلِينَ بِقَوْلِكَ، والنَّفْيُ فِيهِ راجِعٌ إلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ جَمِيعًا لِأنَّهم لا يَتْرُكُونَ آلِهَتَهم ولا يَعْمَلُونَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّ صادِرِينَ بِمَعْنى مُعْرِضِينَ وهو قَيْدٌ لِلنَّفْيِ، والمَعْنى انْتَفى تَرْكُنا عِبادَةَ آلِهَتِنا مُعْرِضِينَ ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ ويَكُونُ هَذا جَوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَوَلَّوْا)،﴾ وجَعَلَ بَعْضُهم إرادَةَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّضْمِينِ لا مِن بابِ تَقْدِيرِ المُتَعَلِّقِ بِقَرِينَةِ (عَنْ) وجَعَلَهُ كِنايَةً كَما عَلِمْتَ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ ظاهِرٌ في هَذا كَما يَكْشِفُ عَنْهُ كَلامُ الكَشْفِ ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ فِيما جِئْتَ بِهِ أوْ في كُلِّ ما تَأْتِي وتَذَرُ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ ذَلِكَ وقَدْ بالَغُوا في الإباءِ عَنِ الإجابَةِ فَأنْكَرُوا الدَّلِيلَ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ

صفحة 82

ثُمَّ قالُوا مُؤَكِّدِينَ لِذَلِكَ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي﴾ إلَخْ، ثُمَّ كَرَّرُوا ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ زِيادَةِ الباءِ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ المُفِيدِ لِلتَّقْوى دَلالَةٌ عَلى أنَّهم لا يُرْجى مِنهم ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وفي ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الإقْناطِ ما فِيهِ

54

إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍۢ ۗ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

We only say that some of our gods have possessed you with evil." He said, "Indeed, I call Allah to witness, and witness [yourselves] that I am free from whatever you associate with Allah

﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ﴾ أيْ أصابَكَ مِن عَراهُ يَعْرُوهُ، وأصْلُهُ مِنِ اعْتَراهُ بِمَعْنى قَصَدَ عُراهُ أيْ مَحَلَّهُ وناحِيَتَهُ ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ أرادُوا بِهِ -قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى- الجُنُونَ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ والتَّنْكِيرُ فِيهِ قِيلَ: لِلتَّقْلِيلِ كَأنَّهم لَمْ يُبالِغُوا في العُتُوِّ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلى بَعْضِ آلِهَتِهِمْ دُونَ كُلِّها، وقِيلَ: لِلتَّكْثِيرِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما قالَهُ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ أُصِيبَ بِكَثِيرِ سُوءٍ مُبالَغَةً في خُرُوجِهِ عَنْ قانُونِ العَقْلِ، وذَكَرَ البَعْضُ تَعْظِيمًا لِأمْرِ آلِهَتِهِمْ وأنَّ البَعْضَ مِنها لَهُ مِنَ التَّأْثِيرِ ما لَهُ، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ وإلّا لَغْوٌ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ، وأصْلُهُ أنْ نَقُولَ قَوْلًا إلّا قَوْلَنا هَذا فَحُذِفَ المُسْتَثْنى مِنهُ وحُذِفَ القَوْلُ المُسْتَثْنى وأُقِيمَ مَقُولُهُ مَقامَهُ، أوِ (اعْتَراكَ) هو المُسْتَثْنى لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ لَفْظُهُ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ بَعْدَ (إلّا) ولَيْسَ مِمّا اسْتُثْنِيَ فِيهِ الجُمْلَةُ، ومَعْنى هَذا أنَّهُ أفْسَدَ عَقْلَكَ بَعْضُ آلِهَتِنا لِسَبِّكَ إيّاها وصَدِّكَ عَنْ عِبادَتِها وحَطِّكَ لَها عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ بِما مَرَّ مِن قَوْلِكَ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ وغَرَضُهم مِن هَذا عَلى ما قِيلَ: بَيانُ سَبَبِ ما صَدَرَ عَنْ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما ذَكَرُوا مِن عَدَمِ التِفاتِهِمْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو مُقَرِّرٌ لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي﴾ إلَخْ..

﴿وما نَحْنُ لَكَ﴾ إلَخْ، فَإنَّ اعْتِقادَهم بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالُوا -وحاشاهُ عَنْ ذَلِكَ- يُوجِبُ عَدَمَ الِاعْتِدادِ بِقَوْلِهِ، وعَدَّهُ مِن قَبِيلِ الخُرافاتِ فَضْلًا عَنِ التَّصْدِيقِ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، يَعْنُونَ أنّا لا نَعْتَقِدُ كَلامَكَ إلّا ما لا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ مِنَ الهَذَياناتِ الصّادِرَةِ عَنِ المَجانِينِ فَكَيْفَ نُؤْمِنُ بِهِ ونَعْمَلُ بِمُوجَبِهِ؟! ولَقَدْ سَلَكُوا طَرِيقَ المُخالَفَةِ والعِنادِ إلى سَبِيلِ التَّرَقِّي مِنَ السَّيِّئِ إلى الأسْوَأِ، حَيْثُ أخْبَرُوا أوَّلًا عَنْ عَدَمِ مَجِيئِهِ بِالبَيِّنَةِ مَعَ احْتِمالِ كَوْنِ ما جاءَ بِهِ حُجَّةً في نَفْسِهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى المُرادِ، وثانِيًا عَنْ تَرْكِ الِامْتِثالِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ مَعَ إمْكانِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ بِتَصْدِيقِهِمْ لَهُ في كَلامِهِ، ثُمَّ نَفَوْا عَنْهُ تَصْدِيقَهم لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مَعَ كَوْنِ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ، ثُمَّ نَفَوْا عَنْهُ تِلْكَ المَرْتَبَةَ أيْضًا حَيْثُ قالُوا ما قالُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ، انْتَهى.

ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ، ولَعَلَّ الإتْيانَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ غَيْرِ مُقْتَرِنَةٍ بِالعاطِفِ كالجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ يُؤَيِّدُ كَوْنَها لَيْسَتْ مَسُوقَةً لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَهُما، نَعَمْ تَضْمَنُها لِتَقْرِيرِ ما تَقَدَّمَ مِمّا لا يَكادُ يُنْكَرُ فَتَدَبَّرْ.

﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِمّا أنْتُمْ تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا وهو سُبْحانَهُ لَمْ يَجْعَلْهُ شَرِيكًا ولَمْ يُنْزِلْ بِهِ سُلْطانًا -فَما مَوْصُولَةٌ و﴿مِن دُونِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ –بِتُشْرِكُونَ- لا حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ تُشْرِكُونَ مُجاوِزِينَ اللَّهَ …

55

مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًۭا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ

Other than Him. So plot against me all together; then do not give me respite.

﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ﴾ أيْ أصابَكَ مِن عَراهُ يَعْرُوهُ، وأصْلُهُ مِنِ اعْتَراهُ بِمَعْنى قَصَدَ عُراهُ أيْ مَحَلَّهُ وناحِيَتَهُ ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ أرادُوا بِهِ -قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى- الجُنُونَ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ والتَّنْكِيرُ فِيهِ قِيلَ: لِلتَّقْلِيلِ كَأنَّهم لَمْ يُبالِغُوا في العُتُوِّ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلى بَعْضِ آلِهَتِهِمْ دُونَ كُلِّها، وقِيلَ: لِلتَّكْثِيرِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما قالَهُ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ أُصِيبَ بِكَثِيرِ سُوءٍ مُبالَغَةً في خُرُوجِهِ عَنْ قانُونِ العَقْلِ، وذَكَرَ البَعْضُ تَعْظِيمًا لِأمْرِ آلِهَتِهِمْ وأنَّ البَعْضَ مِنها لَهُ مِنَ التَّأْثِيرِ ما لَهُ، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ وإلّا لَغْوٌ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ، وأصْلُهُ أنْ نَقُولَ قَوْلًا إلّا قَوْلَنا هَذا فَحُذِفَ المُسْتَثْنى مِنهُ وحُذِفَ القَوْلُ المُسْتَثْنى وأُقِيمَ مَقُولُهُ مَقامَهُ، أوِ (اعْتَراكَ) هو المُسْتَثْنى لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ لَفْظُهُ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ بَعْدَ (إلّا) ولَيْسَ مِمّا اسْتُثْنِيَ فِيهِ الجُمْلَةُ، ومَعْنى هَذا أنَّهُ أفْسَدَ عَقْلَكَ بَعْضُ آلِهَتِنا لِسَبِّكَ إيّاها وصَدِّكَ عَنْ عِبادَتِها وحَطِّكَ لَها عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ بِما مَرَّ مِن قَوْلِكَ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ وغَرَضُهم مِن هَذا عَلى ما قِيلَ: بَيانُ سَبَبِ ما صَدَرَ عَنْ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما ذَكَرُوا مِن عَدَمِ التِفاتِهِمْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو مُقَرِّرٌ لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي﴾ إلَخْ..

﴿وما نَحْنُ لَكَ﴾ إلَخْ، فَإنَّ اعْتِقادَهم بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالُوا -وحاشاهُ عَنْ ذَلِكَ- يُوجِبُ عَدَمَ الِاعْتِدادِ بِقَوْلِهِ، وعَدَّهُ مِن قَبِيلِ الخُرافاتِ فَضْلًا عَنِ التَّصْدِيقِ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، يَعْنُونَ أنّا لا نَعْتَقِدُ كَلامَكَ إلّا ما لا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ مِنَ الهَذَياناتِ الصّادِرَةِ عَنِ المَجانِينِ فَكَيْفَ نُؤْمِنُ بِهِ ونَعْمَلُ بِمُوجَبِهِ؟! ولَقَدْ سَلَكُوا طَرِيقَ المُخالَفَةِ والعِنادِ إلى سَبِيلِ التَّرَقِّي مِنَ السَّيِّئِ إلى الأسْوَأِ، حَيْثُ أخْبَرُوا أوَّلًا عَنْ عَدَمِ مَجِيئِهِ بِالبَيِّنَةِ مَعَ احْتِمالِ كَوْنِ ما جاءَ بِهِ حُجَّةً في نَفْسِهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى المُرادِ، وثانِيًا عَنْ تَرْكِ الِامْتِثالِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ مَعَ إمْكانِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ بِتَصْدِيقِهِمْ لَهُ في كَلامِهِ، ثُمَّ نَفَوْا عَنْهُ تَصْدِيقَهم لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مَعَ كَوْنِ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ، ثُمَّ نَفَوْا عَنْهُ تِلْكَ المَرْتَبَةَ أيْضًا حَيْثُ قالُوا ما قالُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ، انْتَهى.

ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ، ولَعَلَّ الإتْيانَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ غَيْرِ مُقْتَرِنَةٍ بِالعاطِفِ كالجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ يُؤَيِّدُ كَوْنَها لَيْسَتْ مَسُوقَةً لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَهُما، نَعَمْ تَضْمَنُها لِتَقْرِيرِ ما تَقَدَّمَ مِمّا لا يَكادُ يُنْكَرُ فَتَدَبَّرْ.

﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِمّا أنْتُمْ تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا وهو سُبْحانَهُ لَمْ يَجْعَلْهُ شَرِيكًا ولَمْ يُنْزِلْ بِهِ سُلْطانًا -فَما مَوْصُولَةٌ و﴿مِن دُونِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ –بِتُشْرِكُونَ- لا حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ تُشْرِكُونَ مُجاوِزِينَ اللَّهَ …

56

إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

Indeed, I have relied upon Allah, my Lord and your Lord. There is no creature but that He holds its forelock. Indeed, my Lord is on a path [that is] straight."

﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ وفِيهِ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ ضُرِّهِمْ بِطْرِيقٍ بُرْهانِيٍّ يَعْنِي أنَّكم وإنْ لَمْ تُبْقُوا في القَوْسِ مَنزِعًا وبَذَلْتُمْ مُضادَّتَيْ مَجْهُودِكم لا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا تُرِيدُونَ بِي، فَإنِّي مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى واثِقٌ بِكَلاءَتِهِ وهو مالِكِي ومالِكُكم لا يَصْدُرُ عَنْكم شَيْءٌ ولا يُصِيبُنِي أمْرٌ إلّا بِإرادَتِهِ، وجِيءَ بِلَفْظِ الماضِي لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الإنْشاءِ المُناسِبِ لِلْمَقامِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَرْهَنَ عَلى عَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى ضُرِّهِ مَعَ تَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ إلّا هو مالِكٌ لَها قادِرٌ عَلَيْها يَصْرِفُها كَيْفَ يَشاءُ غَيْرَ مُسْتَعْصِيَةٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، والنّاصِيَةُ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ وتُطْلَقُ عَلى الشَّعَرِ النّابِتِ عَلَيْها، واسْتِعْمالُ الأخْذِ بِالنّاصِيَةِ في القُدْرَةِ والتَّسَلُّطِ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ، وفي البَحْرِ أنَّهُ صارَ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ الأسِيرَ المَمْنُونَ عَلَيْهِ عَلامَةً عَلى أنَّهُ قَدْ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُنْدَرِجٌ في البُرْهانِ وهو تَمْثِيلٌ واسْتِعارَةٌ لِأنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى أُمُورِ العِبادِ مُجازٍ لَهم بِالثَّوابِ والعِقابِ كافٍ لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ كَمَن وقَفَ عَلى الجادَّةِ فَحَفِظَها ودَفَعَ ضَرَرَ السّابِلَةِ بِها، وهو كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ وقِيلَ: مَعْناهُ إنَّ مَصِيرَكم

صفحة 84

إلَيْهِ تَعالى لِلْجَزاءِ وفَصْلِ القَضاءِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، وفي الكَشْفِ إنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ﴾ الآيَةَ مِنَ اللَّطائِفِ ما يَبْهَرُكَ تَأمُّلُهُ مِن حُسْنِ التَّعْلِيلِ، وما يُعْطِيهِ أنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ لَمْ يُبالِ بِهَوْلِ ما نالَهُ ثُمَّ التَّدَرُّجُ إلى تَعْكِيسِ التَّخْوِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ فَكَيْفَ يُصابُ مَن لَزِمَ سُدَّةَ العُبُودِيَّةِ ويَنْجُو مَن تَوَلّى ما يُعْطِيهِ مِن وُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ إذا كانَ كَذَلِكَ وتَرْشِيحُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ﴾ إلى تَمامِ التَّمْثِيلِ، فَإنَّهُ في الِاقْتِدارِ عَلى المُعْرِضِ أظْهَرُ مِنهُ في الرَّأْفَةِ عَلى المُقْبِلِ خِلافَ الصِّفَةِ الأُولى، وما فِيهِ مِن تَصْوِيرِ رُبُوبِيَّتِهِ واقْتِدارِهِ تَعالى وتَصْوِيرِ ذُلِّ المَعْبُودِينَ بَيْنَ يَدَيْ قَهْرِهِ أيّامّا كانَ، والخَتْمُ بِما يُفِيدُ الغَرَضَيْنِ عَلى القَطْعِ كِفايَةُ مَن إيّاهُ تَوَلّى وخِزايَةُ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ وتَوَلّى بِناءً عَلى أنَّ مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى الحَقِّ والعَدْلِ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ مُعْتَصِمٌ ولا يَفُوتُهُ ظالِمٌ، وفي قَوْلِهِ: (رَبِّي) مِن غَيْرِ إعادَةِ (ورَبُّكُمْ) كَما في الأوَّلِ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ بَعْدَ اخْتِصارِ المَعْنى عَنِ الحَشْوِ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى زِيادَةِ اخْتِصاصِهِ بِهِ، وأنَّهُ رَبُّ الكُلِّ اسْتِحْقاقًا ورَبُّهُ دُونَهم تَشْرِيفًا وإرْفاقًا

57

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌۭ

But if they turn away, [say], "I have already conveyed that with which I was sent to you. My Lord will give succession to a people other than you, and you will not harm Him at all. Indeed my Lord is, over all things, Guardian."

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ تَتَوَلَّوْا فَهو مُضارِعٌ حُذِفَ مِنهُ إحْدى التّاءَيْنِ وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ لِاقْتِضاءِ أبْلَغْتُكم لَهُ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَهُ ماضِيًا، وفي الكَلامِ التِفاتٌ ولا يَظْهَرُ حُسْنُهُ ولِذا قَدَّرَ غَيْرَهُ مِمَّنْ جَعَلَهُ كَذَلِكَ فَقُلْ أبْلَغْتُكم لَكِنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ الأعْرَجِ وعِيسى الثَّقَفِيِّ (تُوَلُّوا) بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ مُضارِعُ ولّى، والمُرادُ فَإنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم فَلا يَصْلُحُ لِلشَّرْطِ، وجَوَّزَ أنْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ بِحَمْلِهِ عَلى التَّوَلِّي الواقِعِ بَعْدَما حَجَّهُمْ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِقَوْمِ هُودٍ والخِطابُ مَعَهُمْ، وهو مِن تَمامِ الجُمَلِ المَقُولَةِ قَبْلُ، وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: إنَّ الضَّمِيرَ لِكَفّارِ قُرَيْشٍ وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، وقَدِ انْتَقَلَ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ إلى الإخْبارِ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْهم عَنْ قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ وادْعُهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى لِئَلّا يُصِيبَهم كَما أصابَ قَوْمَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ فَقُلْ لَهم -قَدْ أبْلَغْتُكُمْ- إلَخْ وهو مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ كَما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ أيْ إنْ تَتَوَلَّوْا لَمْ أُعاتِبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ فَإنَّ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم قَدْ بَلَغَكم فَأبَيْتُمْ إلّا تَكْذِيبَ الرِّسالَةِ وعَداوَةَ الرَّسُولِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ إنْ تَتَوَلَّوْا فَما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمٍّ مِنكُمْ، فَإنَّهُ قَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَّبْلِيغِ وأنْتُمْ أصْحابُ الذَّنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ، وقِيلَ: إنَّهُ الجَزاءُ بِاعْتِبارٍ لازَمَ مَعْناهُ المُسْتَقْبَلَ بِاعْتِبارِ ظُهُورِهِ أيْ فَلا تَفْرِيطَ مِنِّي ولا عُذْرَ لَكُمْ، وقِيلَ: إنَّهُ جَزاءٌ بِاعْتِبارِ الإخْبارِ لِأنَّهُ كَما يُقْصَدُ تَرَتُّبُ المَعْنى يُقْصَدُ تَرَتُّبُ الإخْبارِ كَما في (وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) عَلى ما مَرَّ وكُلُّ ذَلِكَ لِما أنَّ الإبْلاغَ واقِعٌ قَبْلَ تَوَلِّيهِمْ، والجَزاءُ يَكُونُ مُسْتَقْبَلًا بِالنَّظَرِ إلى زَمانِ الشَّرْطِ.

وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ صِحَّةَ وُقُوعِهِ جَوابًا لِأنَّ في إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ تَضْمَنُ ما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَتَوَلَّوُا اسْتُؤْصِلْتُمْ بِالعَذابِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ، وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وهَذا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: اسْتِئْنافٌ بِالوَعِيدِ لَهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُهْلِكُهم ويَسْتَخْلِفُ قَوْمًا آخَرِينَ في دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وهو اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ عِنْدَ بَعْضٍ بِناءً عَلى جَوازِ تَصْدِيرِهِ بِالواوِ.

وقالَ الطِّيبِيُّ: المُرادُ بِهِ أنَّ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ بِداخِلَةٍ في الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ جَزاءً بَلْ تَكُونُ جُمْلَةً بِرَأْسِها مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ مِنَ العِبارَةِ، وعَلَيْهِ تَكُونُ مُرَتَّبَةً عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والمَعْنى أنَّهُ عَلى العَدْلِ يَنْتَقِمُ مِنكم ويُهْلِكُكُمْ، وقالَ الجَلْبِيُّ: لا مانِعَ عِنْدِي مِن حَمْلِهِ عَلى الِاسْتِئْنافِ

صفحة 85

البَيانِيِّ جَوابًا عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى التَّوَلِّي وهو …

58

وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَنَجَّيْنَٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ

And when Our command came, We saved Hud and those who believed with him, by mercy from Us; and We saved them from a harsh punishment.

﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ نَزَلَ عَذابُنا عَلى أنَّ الأمْرَ واحِدُ الأُمُورِ، قِيلَ: أوِ المَأْمُورُ بِهِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِذَلِكَ مُضافًا إلى ضَمِيرِ جَلَّ جَلالُهُ، وعَنْ نُزُولِهِ بِالمَجِيءِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأوامِرِ، أيْ: ووَرَدَ أمْرُنا بِالعَذابِ، والكَلامُ عَلى الحَقِيقَةِ إنْ أُرِيدَ أمْرُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَجازًا عَنِ الوُقُوعِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ قِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، وقِيلَ: ثَلاثَةُ آلافٍ، ولَعَلَّ الِانْتِصارَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا بِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ إذْ ذاكَ فَلا يُنافِي ما تَقَدَّمَ نَقْلُهُ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ وحْدَهُ، ولِذا عَدَّ مُواجَهَتَهُ لِلْجَمِّ الغَفِيرِ مُعْجِزَةً لَهُ ﷺ لَكِنْ لا بُدَّ لِهَذا مِن دَلِيلٍ كَدَعْوى انْفِرادِهِ عَنْهم حِينَ المُقاوَلَةِ؛ وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّهُ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ بِاعْتِبارِ حالَيْنِ وزَمانَيْنِ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ أنَّ ما كانَ مِنَ المُقاوَلَةِ إنَّما هو في ابْتِداءِ الدَّعْوَةِ ومَجِيءُ الأمْرِ كانَ بَعْدُ بِكَثِيرٍ وإيمانُ مَن آمَنَ كانَ في البَيْنِ فَتَرْتَفِعُ المُنافاةُ (بِرَحْمَةٍ) عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ (مِنّا) وهي الإيمانُ الَّذِي أنْعَمْنا بِهِ عَلَيْهِمْ.

ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ -ولِشَمِّ بَعْضِهِمْ مِنهُ رائِحَةَ الِاعْتِزالِ- لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، ولا بَأْسَ بِأنْ تُحْمَلَ الرَّحْمَةُ عَنِ الفَضْلِ فَيُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى إذْ لَهُ سُبْحانَهُ تَعْذِيبُ المُطِيعِ كَما أنَّ لَهُ جَلَّ وعَلا إثابَةُ العاصِي، والجارُّ والمَجْرُورُ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ –بِنَجَّيْنا- وهو الظّاهِرُ الَّذِي عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ مُتَعَلِّقًا –بِآمَنُوا- أيْ إنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى إذْ وفَّقَهم إلَيْهِ، ولَعَلَّ تَرْتِيبَ الإنْجاءِ عَلى النُّزُولِ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ مِن تَعْذِيبِ الكُفّارِ فَيَكُونُ قَدْ صَرَّحَ

صفحة 86

بِالإنْجاءِ اهْتِمامًا، ورَتَّبَ بِاعْتِبارِ الآخَرِ إشارَةً إلى أنَّهُ مَقْصُودٌ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ -لِما لِمُجَرَّدِ الحِينِ- ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ تَكْرِيرٌ لِأجْلِ بَيانِ ما نَجّاهم عَنْهُ وهي الرِّيحُ الَّتِي كانَتْ تَحْمِلُ الظَّعِينَةَ وتَهْدِمُ المَساكِنَ وتَدْخُلُ في أُنُوفِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ فَتُقَطِّعُهم إرْبًا إرْبًا، أوِ المُرادُ بِهَذا الإنْجاءِ مِن عَذابِ الآخِرَةِ وبِالأوَّلِ الإنْجاءِ مِن عَذابِ الدُّنْيا، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّهُ أوْفَقُ لِمُقْتَضى المَقامِ، وحاصِلُهُ أنَّ الأوَّلَ إخْبارُ بِأنَّ الإيمانَ الَّذِي وُفِّقُوا لَهُ صارَ سَبَبَ إنْجائِهِمْ. والثّانِي بِأنَّ ذَلِكَ الإنْجاءَ كانَ مِن عَذابٍ أيْ عَذابِ دَلالَةٍ عَلى كَمالِ الِامْتِنانِ وتَحْرِيضًا عَلى الإيمانِ ولَيْسَ مِن أُسْلُوبِ -أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ- في شَيْءٍ كَما ظَنَّهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ.

وقَدْ أوْرَدَ عَلى الثّانِي أنَّ إنْجاءَهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ لَيْسَ في وقْتِ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا ولا مُسَبِّبًا عَنْهُ إلّا أنْ يُجابَ بِأنَّهُ عَطْفٌ عَلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قِيلَ: ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ …

59

وَتِلْكَ عَادٌۭ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ

And that was 'Aad, who rejected the signs of their Lord and disobeyed His messengers and followed the order of every obstinate tyrant.

﴿وتِلْكَ عادٌ﴾ أنَّثَ اسْمَ الإشارَةِ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ عَلى ما قِيلَ، فالإشارَةُ إلى ما في الذِّهْنِ وصِيغَةُ البَعِيدِ لِتَحْقِيرِهِمْ أوْ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ البَعِيدِ لِعَدَمِهِمْ، أوِ الإشارَةُ إلى قُبُورِهِمْ ومَصارِعِهِمْ، وحِينَئِذٍ الإشارَةُ لِلْبَعِيدِ المَحْسُوسِ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ أوْ هو مِن مَجازِ الحَذْفِ، أيْ تِلْكَ قُبُورُ عادٍ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ أصْحابِ تِلْكَ عادٌ، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وكانَ المَقْصُودُ الحَثَّ عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ والِاتِّعاظِ بِأحْوالِهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ إلَخْ.. اسْتِئْنافٌ لِحِكايَةِ بَعْضِ قَبائِحِهِمْ، أيْ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمُ الَّتِي أيَّدَ بِها رَسُولَهُ الدّاعِيَ إلَيْهِ ودَلَّ بِها عَلى صِدْقِهِ وأنْكَرُوها فَقالُوا: ﴿يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ،﴾ أوْ أنْكَرُوا آياتِهِ سُبْحانَهُ في الآفاقِ والأنْفُسِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ تَعالى حَسْبَما قالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها الآياتُ الَّتِي أتى بِها هُودٌ، وغَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُلائِمُهُ جَمْعُ الرُّسُلِ الآتِي عَلى قَوْلٍ، وعُدِّيَ –جَحَدَ- بِالباءِ حَمْلًا لَهُ عَلى كَفَرَ لِأنَّهُ المُرادُ، أوْ بِتَضْمِينِهِ مَعْناهُ كَما أنَّ كَفَرَ يَجْرِي مَجْرى جَحَدَ فَيُعَدّى بِنَفْسِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ وقِيلَ: كَفَرَ كَشَكَرَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ، وظاهِرُ كَلامِ القامُوسِ أنَّ جَحَدَ كَذَلِكَ ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالرُّسُلِ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ والرُّسُلُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ مِن قَبْلِهِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرُ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ تَعالى لِلْأُمَمِ مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِناءً عَلى أنَّ عِصْيانَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا عِصْيانُ كُلِّ رَسُولٍ بِمَنزِلَةِ عِصْيانِ الرُّسُلِ جَمِيعِهِمْ لِأنَّ الجَمِيعَ مُتَّفِقُونَ عَلى التَّوْحِيدِ فَعِصْيانُ واحِدٍ عِصْيانٌ لِلْجَمِيعِ فِيهِ، أوْ عَلى أنَّ القَوْمَ أمَرَهم كُلُّ رَسُولٍ مِن قَبْلْ بِطاعَةِ الرُّسُلِ والإيمانِ بِهِمْ إنْ أدْرَكُوهم فَلَمْ يَمْتَثِلُوا ذَلِكَ الأمْرَ ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ﴾ مُتَعالٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هو الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ ويُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ

صفحة 87

﴿عَنِيدٍ﴾ أيْ طاغٍ مِن –عَنَدَ- بِتَثْلِيثِ النُّونِ –عَنْدًا- بِالإسْكانِ –وعَنَدًا- بِالتَّحْرِيكِ –وعُنُودًا- بِضَمِّ العَيْنِ إذا طَغا وجاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ، وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ بِالمُعْجَبِ بِما عِنْدَهُ، والجَوْهَرِيُّ بِمَن خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ وهو يَعْرِفُهُ، وكَذا عانَدَ، ويُطْلَقُ الأخِيرُ عَلى البَعِيرِ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، وجَمْعُهُ عُنَّدٌ كَراكِعٍ ورُكَّعٍ وجَمْعُ العَنِيدِ –عُنُدٌ- كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، والعُنُودُ قِيلَ: بِمَعْنى العَنِيدِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ، ولا يُقالُ: عَنِيدٌ، ويُجْمَعُ الأوَّلُ عَلى عَنَدَةٍ، والثّانِي عَلى عُنُدٍ، وآخَرُ أنَّ العُنُودَ العادِلُ عَنِ الطَّرِيقِ المَحْسُوسِ، والعَنِيدُ العادِلُ عَنِ الطَّرِيقِ في الحُكْمِ؛ وكِلاهُما مِن –عَنَدَ- وأصْلُ مَعْناهُ عَلى ما قِيلَ: اعْتَزَلَ في جانِبٍ لِأنَّ –العَنَدَ- …

60

وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ عَادًۭا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّعَادٍۢ قَوْمِ هُودٍۢ

And they were [therefore] followed in this world with a curse and [as well] on the Day of Resurrection. Unquestionably, 'Aad denied their Lord; then away with 'Aad, the people of Hud.

﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ أيْ إبْعادًا عَنِ الرَّحْمَةِ وعَنْ كُلِّ خَيْرٍ أيْ جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ لازِمَةً لَهُمْ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّبَعِيَّةِ لِلْمُبالَغَةِ فَكَأنَّها لا تُفارِقُهم وإنْ ذَهَبُوا كُلَّ مَذْهَبٍ بَلْ تَدُورُ مَعَهم حَسْبَما دارُوا، أوْ لِوُقُوعِهِ في صُحْبَةِ أتْباعِهِمْ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى التَّمْثِيلِ يَجْعَلُ اللَّعْنَةَ كَشَخْصٍ تَبِعَ آخَرَ لِيَدْفَعَهُ في هُوَّةٍ قُدّامَهُ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِعادٍ مُطْلَقًا كَما هو الظّاهِرُ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِلْمُتَّبِعِينَ لِلْجَبّارِينَ مِنهُمْ، وما حالُ قَوْمٍ قُدّامَهُمُ الجَبّارُونَ أهْلُ النّارِ وخَلْفَهُمُ اللَّعْنَةُ والبَوارُ، ويُعْلَمُ مِن لَعْنَةِ هَؤُلاءِ لَعْنَةُ غَيْرِهِمُ المَتْبُوعِينَ عَلى ما قِيلَ بِالطَّرِيقِ الأُولى ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ وأُتْبِعُوا يَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا لَعْنَةً وهي عَذابُ النّارِ المُخَلَّدِ حُذِفَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ ولِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ اللَّعْنَيْنِ نَوْعٌ بِرَأْسِهِ لَمْ يَجْتَمِعا في قَرْنٍ واحِدٍ بِأنْ يُقالَ: وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ لَعْنَةً، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ﴾ وعَبَّرَ -بِيَوْمِ القِيامَةِ- بَدَلَ الآخِرَةِ هُنا لِلتَّهْوِيلِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ.

﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيْ بِرَبِّهِمْ، أوْ كَفَرُوا نِعْمَتَهُ ولَمْ يَشْكُرُوها بِالإيمانِ، أوْ جَحَدُوهُ ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ مَعَ أنَّهم هالِكُونَ أيَّ هَلاكٍ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِاسْتِحْقاقِ ذَلِكَ والِاسْتِئْهالِ لَهُ، ويُقالُ في الدُّعاءِ بِالبَقاءِ واسْتِحْقاقِهِ: لا يَبْعُدُ فُلانٌ، وهو في كَلامِ العَرَبِ كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ:

لا يُبْعِدْنِ قَوْمِي الَّذِينَ هم سُمُّ العَداةِ وآفَةُ الجُزُرِ

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ دُعاءً بِاللَّعْنِ كَما في القامُوسِ: البُعْدُ والبِعادُ اللَّعْنُ، واللّامُ لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِمْ: سُقِيًا لَكَ، وقِيلَ: لِلِاسْتِحْقاقِ ولَيْسَ بِذاكَ، وتَكْرِيرُ حَرْفِ التَّنْبِيهِ وإعادَةُ عادٍ لِلْمُبالَغَةِ في تَفْظِيعِ حالِهِمْ والحَثِّ عَلى الِاعْتِبارِ بِقِصَّتِهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عَطْفُ بَيانٍ عَلى (عادٍ) وفائِدَتُهُ الإشارَةُ إلى أنَّ عادًا كانُوا فَرِيقَيْنِ: عادًا الأُولى وعادًا الثّانِيَةَ، وهي عادُ إرَمَ في قَوْلٍ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الفَجْرِ أنَّ عَقِبَ عادِ بْنِ عُوصَ

صفحة 88

ابْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ قِيلَ لَهُمْ: عادٌ كَما يُقالُ لِبَنِي هاشِمٍ: هاشِمٌ، ثُمَّ قِيلَ: لِلْأوَّلِينَ مِنهم عادٌ الأُولى وإرَمُ تَسْمِيَةٌ لَهم بِاسْمِ جَدِّهِمْ، ولِمَن بَعْدَهم عادٌ الأخِيرَةُ، وأنْشَدَ لِابْنِ الرَّقِيّاتِ:

مَجْدًا تَلِيدًا بَناهُ أوَّلُهُ ∗∗∗ أدْرَكَ عادًا وقَبْلَها إرْما

ولَعَلَّهُ الأوْفَقُ لِلنَّقْلِ مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ اسْتِحْقاقَهم لِلْبُعْدِ بِسَبَبِ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهم قَوْمُهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِدَفْعِ اللَّبْسِ إذْ لا لَبْسَ في أنَّ عادًا هَذِهِ لَيْسَتْ إلّا قَوْمَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ وتَكْرِيرِهِ في القِصَّةِ، وقِيلَ: ذُكِرَ لِيُفِيدَ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِمْ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَناسُبِ فَواصِلِ الآيِ.

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.