Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 41–50 of 123

41

۞ وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And [Noah] said, "Embark therein; in the name of Allah is its course and its anchorage. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

وقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ارْكَبُوا فِيها﴾ أيْ صِيرُوا فِيها، وجَعَلَ ذَلِكَ رُكُوبًا لِأنَّها في الماءِ كالمَرْكُوبِ في الأرْضِ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ مِن حَيْثُ تَشْبِيهِ الصَّيْرُورَةِ فِيها بِالرُّكُوبِ، وقِيلَ: اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ والتَّعْدِيَةُ بِفي لِاعْتِبارِ الصَّيْرُورَةِ، وإلّا فالفِعْلُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وإلى هَذا ذَهَبَ القاضِي البَيْضاوِيُّ، وقِيلَ: التَّعْدِيَةُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ ضَمِنَ مَعْنى ادْخُلُوا، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ ارْكَبُوا الماءَ فِيها، وقِيلَ: في زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وكَأنَّ الأوَّلَ أوْلى، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الرُّكُوبُ العُلُوُّ عَلى شَيْءٍ مُتَحَرِّكٍ ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، واسْتِعْمالُهُ بِفي لَيْسَ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ كَوْنُهم في جَوْفِها لا فَوْقَها كَما ظَنَّ، فَإنَّ أظْهَرَ الرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَكِبَ هو ومَن مَعَهُ في الأعْلى بَلْ لِرِعايَةِ جانِبِ المَحَلِّيَّةِ والمَكانِيَّةِ في الفُلْكِ.

والسِّرُّ فِيهِ أنَّ مَعْنى الرُّكُوبِ العُلُوُّ عَلى شَيْءٍ لَهُ حَرَكَةٌ إمّا إرادِيَّةٌ كالحَيَوانِ أوْ قَسْرِيَّةٌ كالسَّفِينَةِ والعَجَلَةِ ونَحْوِهِما، فَإذا اسْتُعْمِلَ في الأوَّلِ تَوَفَّرَ لَهُ حَظُّ الأصْلِ فَيُقالُ: رَكِبْتُ الفَرَسَ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ وإنِ اسْتُعْمِلَ في الثّانِي يَلُوحُ بِمَحَلِّيَّةِ المَفْعُولِ بِكَلِمَةِ في فَيُقالُ: رَكِبْتُ في السَّفِينَةِ وعَلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ و﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ انْتَهى، وظاهِرُهُ أنَّ الرُّكُوبَ هَهُنا حَقِيقِيٌّ وصَرَّحَ بَعْضُهم أنَّهُ لَيْسَ بِهِ.

وقالَ الرّاغِبُ: الرُّكُوبُ في الأصْلِ كَوْنُ الإنْسانِ عَلى ظَهْرِ حَيَوانٍ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في السَّفِينَةِ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما صَرَّحَ بِهِ البَعْضُ (بِسْمِ اللَّهِ) حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ارْكَبُوا﴾ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ ولِما كانَتْ مُلابَسَةُ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ بِذِكْرِهِ قالُوا: المَعْنى ارْكَبُوا مُسَمِّينَ اللَّهَ وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الحالُ مَحْذُوفَةً وهَذا مَعْمُولٌ لَها سادٌّ مَسَدَّها ولِذَلِكَ سَمَّوْهُ حالًا، والأصْلُ ارْكَبُوا قائِلِينَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ وقْتَ إجْرائِها وإرْسائِها عَلى أنَّهُما اسْما زَمانٍ أوْ مَصْدَرانِ مِيمِيّانِ بِمَعْنى الإجْراءِ والإرْساءِ، ويُقَدَّرُ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وهو وقْتُ كَما في قَوْلِكَ: أتَيْتُكَ خُفُوقَ النَّجْمِ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ وقْتَ خُفُوقِهِ إلّا أنَّهُ لَمّا حُذِفَ المُضافُ سَدَّ المُضافُ إلَيْهِ مَسَدَّهُ وانْتَصَبَ انْتِصابَهُ وهو كَثِيرٌ في المَصادِرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسَمَيْ مَكانٍ وانْتِصابُهُما بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ أوْ بِقائِلِينَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ –بِارْكَبُوا- إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى ﴿ارْكَبُوا﴾ في وقْتِ الإجْراءِ والإرْساءِ، أوْ في مَكانِهِما، وإنَّما المَعْنى مُتَبَرِّكِينَ أوْ قائِلِينَ فِيهِما، وتَعَقَّبَ القَوْلُ بِانْتِصابِهِما مُطْلَقًا بِأنَّهُما مَحْدُودانِ ومَحْدُودُ المَكانِ لا بُدَّ لَهُ مِن في وبَعْضُهم يُجَوِّزُ النَّصْبَ في مِثْلِ ذَلِكَ بِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ، وجَوَّزَ رَفْعَهُما فاعِلَيْنِ بِالظَّرْفِ لِاعْتِمادِهِ عَلى ذِي الحالِ أوْ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَأٌ ومَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ وبِسْمِ اللَّهِ خَبَرٌ أوِ الخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مُتَحَقِّقانِ ونَحْوُهُ وهو صِلَةٌ لَهُما، والجُمْلَةُ إمّا مُقْتَضِيَةٌ مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها …

42

وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍۢ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍۢ يَٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And it sailed with them through waves like mountains, and Noah called to his son who was apart [from them], "O my son, come aboard with us and be not with the disbelievers."

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ جَوَّزَ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنِفًا، الثّانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في بِسْمِ اللَّهِ، أيْ جَرَيانُها اسْتَقَرَّ (بِسْمِ اللَّهِ) حالَ كَوْنِها جارِيَةً، الثّالِثُ أنَّهُ حالٌ مِن شَيْءٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ أيْ فَرَكِبُوا فِيها جارِيَةً، والفاءُ المُقَدَّرَةُ لِلْعَطْفِ، و(بِهِمْ) مُتَعَلِّقٌ -بِتَجْرِي- أوْ بِمَحْذُوفٍ أيْ مُلْتَبِسَةٌ والمُضارِعُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ ولا مَعْنى لِلْحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الحالِ الأوَّلِ كَما لا يَخْفى، والمَوْجُ ما ارْتَفَعَ مِنَ الماءِ عِنْدَ اضْطِرابِهِ واحِدُهُ مَوْجَةٌ و﴿كالجِبالِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَوْجٍ أيْ في مَوْجٍ مُرْتَفِعٍ مُتَفاوِتٍ في الِارْتِفاعِ مُتَراكِمٍ، وقِيلَ: إنَّها جَرَتْ بِهِمْ في مَوْجٍ كَذَلِكَ وقَدْ بَقِيَ مِنها فَوْقَ الماءِ سِتَّةُ أذْرُعٍ، واسْتَشْكَلَ هَذا الجَرَيانُ مَعَ ما رُوِيَ أنَّ الماءَ طَبَقٌ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وأنَّ السَّفِينَةَ كانَتْ تَجْرِي في داخِلِهِ كالسَّمَكِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الرِّوايَةَ مِمّا لا صِحَّةَ لَها، ويَكادُ العَقْلُ يَأْبى ذَلِكَ، نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: إنَّ الماءَ عَلا رَأْسَ كُلِّ جَبَلٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا عَلى أنَّهُ لَوْ سَلِمَ صِحَّةُ ما ذُكِرَ فَهَذا الجَرَيانُ كانَ في ابْتِداءِ الأمْرِ قَبْلَ أنْ يَتَفاقَمَ الخَطْبُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ إلَخْ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ قَبْلَ أنْ تَنْقَطِعَ العَلاقَةُ بَيْنَ السَّفِينَةِ والبَرِّ إذْ حِينَئِذٍ يُمْكِنُ جَرَيانُ ما جَرى بَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ ابْنِهِ مِنَ المُفاوَضَةِ والِاسْتِدْعاءِ إلى السَّفِينَةِ والجَوابِ بِالِاعْتِصامِ بِالجَبَلِ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هَذا النِّداءَ إنَّما كانَ قَبْلَ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ والواوُ لا تَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قَرَأ ابْنُها عَلى أنَّ ضَمِيرَ التَّأْنِيثِ لِامْرَأتِهِ، وفي إضافَتِهِ إلَيْها إشْعارٌ بِأنَّهُ رَبِيبُهُ لِأنَّ الإضافَةَ إلى الأُمِّ مَعَ ذِكْرِ الأبِ خِلافُ الظّاهِرِ، وإنْ جَوَّزُوهُ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ نُسِبَ إلَيْها لِكَوْنِهِ كافِرًا مِثْلَها، وما يُقالُ مِن أنَّهُ كانَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَخانَتاهُما﴾ فارْتِكابُ عَظِيمَةٍ لا يُقادِرُ قَدْرَها فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ طَهَّرَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَمّا هو دُونَ ذَلِكَ مِنَ النَّقْصِ بِمَراحِلَ فَحاشاهم ثُمَّ حاشاهم أنْ يُشارَ إلَيْهِمْ بِأُصْبُعِ الطَّعْنِ، وإنَّما المُرادُ بِالخِيانَةِ الخِيانَةُ في الدِّينِ، ونِسْبَةُ هَذا القَوْلِ إلى الحَسَنِ ومُجاهِدٍ كَما زَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ كَذِبٌ صَرِيحٌ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُرْوَةُ ابْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ (ابْنَهَ) بِهاءٍ مَفْتُوحَةٍ دُونَ ألْفٍ اكْتِفاءً بِالألِفِ عَنْها وهو لُغَةٌ -كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ- ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:

أما تَقُودُ بِها شاةً فَتَأْكُلُها أوْ أنْ تَبِيعَهُ في بَعْضِ الأراكِيبِ

قِيلَ: وهو ضَعِيفٌ في العَرَبِيَّةِ حَتّى خَصَّهُ بَعْضُهم بِالضَّرُورَةِ والضَّمِيرُ لِلْأُمِّ أيْضًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ابْنَهْ بِسُكُونِ الهاءِ، وهي عَلى ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو الفَضْلِ الرّازِّيُ لُغَةُ أزْدٍ فَإنَّهم …

43

قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍۢ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ

[But] he said, "I will take refuge on a mountain to protect me from the water." [Noah] said, "There is no protector today from the decree of Allah, except for whom He gives mercy." And the waves came between them, and he was among the drowned.

﴿قالَ سَآوِي﴾ أيْ سَأنْضَمُّ ﴿إلى جَبَلٍ﴾ مِنَ الجِبالِ، وقِيلَ: عَنى طَوْرَ زِيتا ﴿يَعْصِمُنِي﴾ أيْ يَحْفَظُنِي بِارْتِفاعِهِ مِنَ الماءِ فَلا يَصِلُ إلَيَّ. قالَ ذَلِكَ زَعْمًا مِنهُ أنَّ ذَلِكَ كَسائِرِ المِياهِ في أزْمِنَةِ السُّيُولِ المُعْتادَةِ الَّتِي رُبَّما يُتَّقى مِنها بِالصُّعُودِ إلى مُرْتَفَعٍ وجَهْلًا مِنهُ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِإهْلاكِ الكَفَرَةِ فَلا بُدَّ أنْ يُدْرِكَهم ولَوْ كانُوا في قُلَلِ الجِبالِ

صفحة 60

(قالَ) مُبَيِّنًا لَهُ حَقِيقَةَ الحالِ وصارِفًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ الفِكْرِ المُحالِ ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ نَفْيٌ لِجِنْسِ العاصِمِ المُنْتَظِمِ لِنَفْيِ جَمِيعِ أفْرادِهِ ذاتًا وصِفَةً لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ كَوْنِ الجَبَلِ عاصِمًا وزادَ اليَوْمَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَسائِرِ الأيّامِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الوَقائِعُ وتُلِمُّ فِيها المُلِمّاتُ المُعْتادَةُ الَّتِي رُبَّما يَتَخَلَّصُ مِنها بِالِالتِجاءِ إلى بَعْضِ الأسْبابِ العادِيَّةِ، وعَبَّرَ عَنِ الماءِ في مَحَلِّ إضْمارِهِ بِأمْرِ اللَّهِ أيْ عَذابِهِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وتَهْوِيلًا لِأمْرِهِ وتَنْبِيهًا لِابْنِهِ عَلى خَطَئِهِ في تَسْمِيَتِهِ ماءً وتَوَهُّمِهِ أنَّهُ كَسائِرِ المِياهِ الَّتِي يَتَخَلَّصُ مِنها بِالهَرَبِ إلى بَعْضِ المَهارِبِ المَعْهُودَةِ وتَعْلِيلًا لِلنَّفْيِ المَذْكُورِ، فَإنَّ أمْرَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا يُغالَبُ وعَذابَهُ لا يَرُدُّ؛ وتَمْهِيدًا لِحَصْرِ العِصْمَةِ في جَنابِ اللَّهِ تَعالى عَزَّ جارُهُ بِالِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا عاصِمَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى إلّا هو تَعالى، وإنَّما قِيلَ: ( إلّا مِن رَحِم ) تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ الجَلِيلِ جَلَّ شَأْنُهُ وإشْعارًا بِعِلْيَةِ رَحْمَتِهِ بِمُوجِبِ سَبْقِها غَضَبَهُ كُلُّ ذَلِكَ لِكَمالِ عِنايَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ مِن نَجاةِ ابْنِهِ بِبَيانِ شَأْنِ الدّاهِيَةِ وقَطْعِ أطْماعِهِ الفارِغَةِ وصَرْفِ عِنانِهِ عَنِ التَّعَلُّلِ بِما لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا وإرْشادِهِ إلى العِياذِ بِالمُعاذِ الحَقِّ عَزَّ حِماهُ ولِذا عَدَلَ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِنَ الجَوابِ بِقَوْلِهِ: لا يَعْصِمُكَ الجَبَلُ مِنهُ، كَذا ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وهو أحَدُ أوْجُهٍ في الآيَةِ وأقْواها.

والوَجْهُ الثّانِي أنَّ عاصِمًا صِيغَةُ نِسْبَةٍ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ المَرْحُومُ أيْ لا ذا عِصْمَةٍ أيْ مَعْصُومٍ إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ قُرِئَ ( إلّا مَن رُحِمَ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واعْتَرَضَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ فاعِلًا بِمَعْنى النِّسْبَةِ قَلِيلٌ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ أرادَ قِلَّتَهُ في نَفْسِهِ فَمَمْنُوعٌ وإنَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الوَصْفِ فَلا يَضُرُّ.

والثّالِثُ أنَّ عاصِمًا عَلى ظاهِرِهِ و(مَن رَحِمَ) بِمَعْنى المَرْحُومِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ لا مُتَّصِلٌ كَما في الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ أيْ لا عاصِمَ مِن أمْرِ اللَّهِ لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو مَعْصُومٌ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ مِثْلَ هَذا المُنْقَطِعِ قَلِيلٌ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ جُمْلَةٌ مُنْقَطِعَةٌ تُخالِفُ الأُولى لا في النَّفْيِ والإثْباتِ فَقَطْ بَلْ في الِاسْمِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ أيْضًا، والأكْثَرُ فِيهِ مِثْلُ ما جاءَنِي القَوْمُ إلّا حِمارًا، والرّابِعُ أنَّ –عاصِمًا- بِمَعْنى مَعْصُومٍ كَدافِقٍ بِمَعْنى مَدْفُوقٍ وفاتِنٍ بِمَعْنى مَفْتُونٍ في قَوْلِهِ:

بَطِيءُ القِيامِ رَخِيمُ الكَلا مِ أمْسى فُؤادِي بِهِ (فاتِنًا)

(ومَن …

44

وَقِيلَ يَٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And it was said, "O earth, swallow your water, and O sky, withhold [your rain]." And the water subsided, and the matter was accomplished, and the ship came to rest on the [mountain of] Judiyy. And it was said, "Away with the wrongdoing people."

﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي﴾ أيِ انْشَفِي اسْتُعِيرَ مِنِ ازْدِرادِ الحَيَوانِ ما يَأْكُلُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كالكَشْفِ المُعْتادِ التَّدْرِيجِيِّ، وتَخْصِيصُ البَلْعِ بِما يُؤْكَلُ هو المَشْهُورُ عَنِ اللُّغَوِيِّينَ، وقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: بَلَعَ الماءَ إذا شَرِبَهُ وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ غَيْرُ خاصٍّ بِالمَأْكُولِ، وذَكَرَ السَّيِّدُ أنَّ ذَلِكَ مَجازٌ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ البَلْعَ بِمَعْنى الِازْدِراءِ لُغَةٌ حَبَشِيَّةٌ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ بِمَعْنى الشُّرْبِ لُغَةٌ هِنْدِيَّةٌ ﴿ماءَكِ﴾ أيْ ما عَلى وجْهِكِ مِن ماءِ الطُّوفانِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماءِ بَعْدَ ما عَبَّرَ عَنْهُ فِيما سَلَفَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ المَقامَ مَقامُ النَّقْصِ والتَّقْلِيلِ لا مَقامُ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ ﴿ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ أيِ امْسِكِي عَنْ إرْسالِ المَطَرِ؛ يُقالُ: أقْلَعَتِ السَّماءُ إذا انْقَطَعَ مَطَرُها، وأقْلَعَتِ الحُمّى إذا كَفَّتْ، والظّاهِرُ أنَّ المَطَرَ لَمْ يَنْقَطِعْ حَتّى قِيلَ لِلسَّماءِ ما قِيلَ، وهَلْ فَوَرانُ الماءِ كانَ مُسْتَمِرًّا حَتّى قِيلَ لِلْأرْضِ ما قِيلَ، أمْ لا؟ لَمْ أرَ فِيهِ شَيْئًا والآيَةُ لَيْسَتْ نَصًّا في أحَدِ الأمْرَيْنِ ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ أيْ نَقَصَ، يُقالُ: غاضَهُ إذا نَقَصَهُ وجَمِيعُ مَعانِيهِ راجِعَةٌ إلَيْهِ.

وقَوْلُ الجَوْهَرِيِّ: غاضَ الماءُ إذا قَلَّ ونَضَبَ وغِيضَ الماءُ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لا يُخالِفُهُ، فَإنَّ القِلَّةَ عَيْنُ النُّقْصانِ، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ بِالنَّقْصِ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ أُنْجِزَ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إهْلاكِ كُفّارِ قَوْمِهِ وإنْجائِهِ بِأهْلِهِ المُؤْمِنِينَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى أتَمَّ الأمْرَ ﴿واسْتَوَتْ﴾ اسْتَقَرَّتْ، يُقالُ: اسْتَوى عَلى السَّرِيرِ إذا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِتَخْفِيفِها وهُما لُغَتانِ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو جَبَلٌ بِالمَوْصِلِ أوْ بِالشّامِ أوْ بِآمُلٍ بِالمَدِّ وضَمِّ المِيمِ والمَشْهُورُ

صفحة 62

وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ الجِبالَ تَشامَخَتْ إذْ ذاكَ وتَواضَعَ هو لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ فَأكْرَمَهُ سُبْحانَهُ بِاسْتِواءِ السَّفِينَةِ عَلَيْهِ ومَن تَواضَعَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ رَفَعَهُ، وكانَ اسْتِواؤُها عَلَيْهِ يَوْمَ عاشُوراءَ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُناسٍ مِنَ اليَهُودِ وقَدْ صامُوا يَوْمَ عاشُوراءَ فَقالَ: ما هَذا الصَّوْمُ؟ فَقِيلَ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي أنْجى اللَّهُ تَعالى فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الغَرَقِ وغَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ، وهَذا يَوْمُ اسْتَوَتْ فِيهِ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ، فَصامَهُ نُوحٌ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أنا أحَقُّ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأحَقُّ بِصَوْمِ هَذا اليَوْمِ فَصامَهُ وأمَرَ أصْحابَهُ بِالصَّوْمِ». وأخْرَجَ الأصْبَهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا وأنَّ صِيامَهُ يَعْدِلُ سَنَةً مَبْرُورَةً، وكانَ رُكُوبُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ في عَشْرٍ خَلَوْنَ مِن رَجَبٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الغَفُورِ، عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا أنَّهُ …

45

وَنَادَىٰ نُوحٌۭ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَٰكِمِينَ

And Noah called to his Lord and said, "My Lord, indeed my son is of my family; and indeed, Your promise is true; and You are the most just of judges!"

﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ أيْ أرادَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ تَفْرِيعِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ عَلَيْهِ، وقِيلَ: النِّداءُ عَلى حَقِيقَتِهِ والعَطْفُ بِالفاءِ لِكَوْنِ حَقِّ التَّفْصِيلِ يَعْقُبُ الإجْمالَ ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ أيْ وإنَّ وعْدَكَ ذَلِكَ أوْ كُلَّ وعْدٍ تَعِدُهُ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ خَلَفٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ الوَعْدُ المَعْهُودُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّكَ أعْلَمُهم وأعْدَلُهُمْ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّهُ إذا بُنِيَ أفْعَلُ مِنَ الشَّيْءِ المُمْتَنِعِ مِنَ التَّفْضِيلِ والزِّيادَةِ يُعْتَبَرُ فِيما يُناسِبُ مَعْناهُ مَعْنى المُمْتَنِعِ، وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في أمالِيهِ: إنَّ هَذا ونَحْوَهُ مِن: أرْحَمِ الرّاحِمِينَ وأحْسَنِ الخالِقِينَ، مُشْكِلٌ لِأنَّ أفْعَلَ لا يُضافُ إلّا إلى جِنْسِهِ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الخُلُقَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِمَعْنى الإيجادِ ومِن غَيْرِهِ بِمَعْنى الكَسْبِ وهُما مُتَبايِنانِ يَعْنِي عَلى المَشْهُورِ مِن مَذْهَبِ الأشاعِرَةِ والرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إنْ حُمِلَتْ عَلى الإرادَةِ أوْ جُعِلَتْ مِن مَجازِ التَّشْبِيهِ صَحَّ، وإنْ أُرِيدَ إيجادُ فِعْلِ الرَّحْمَةِ كانَ مُشْكِلًا أيْضًا إذْ لا مُوجِدَ سِواهُ سُبْحانَهُ وأجابَ الآمِدِيُّ بِأنَّهُ بِمَعْنى أعْظَمُ مَن يُدْعى بِهَذا الِاسْمِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ فِيهِ جَعْلَ التَّفاضُلِ في غَيْرِ ما وُضِعَ اللَّفْظُ بِإزائِهِ وهو يُناسِبُ مَذْهَبَ المُعْتَزِلَةِ فافْهَمْ، وقِيلَ: المَعْنى هُنا أنَّكَ أكْثَرُ حِكْمَةً مِن ذَوِي الحُكْمِ عَلى أنَّ الحاكِمَ مِنَ الحُكْمِ كالدّارِعِ مِنَ الدِّرْعِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ البابَ لَيْسَ بِقِياسِيٍّ وأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ حاكِمٌ بِمَعْنى حَكِيمٍ وأنَّهُ لا يُبْنى مِنهُ أفْعَلُ إذًا لِأنَّهُ لَيْسَ جارِيًا عَلى الفِعْلِ لا يُقالُ: ألْبَنَ وأتْمَرَ مِن فُلانٍ إذْ لا فِعْلَ بِذَلِكَ المَعْنى، والجَوابُ بِأنَّهُ قَدْ كَثُرَ في كَلامِهِمْ فَجَوَّزَ عَلى أنْ يَكُونَ وجْهًا مَرْجُوحًا وبِأنَّهُ مِن قَبِيلِ أحْنَكَ الشّاتَيْنِ لا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ كَما في الكَشْفِ، وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لِلْحِكْمَةِ فِعْلًا ثُلاثِيًّا وهو حَكَمَ، وأفْعَلُ مِنَ الثُّلاثِيِّ مَقِيسٌ، وأيْضًا سُمِعَ احْتَنَكَ الجَرادُ، وألْبَنَ، وأتْمَرَ، فَغايَتُهُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ ولا يَخْفى ما فِيهِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ عَلى هَذا بِأعْلَمِهِمْ بِالحِكْمَةِ كَقَوْلِهِمْ: آبَلَ مِن أبَلَ بِمَعْنى أعْلَمَ، وأحْذَقَ بِأمْرِ الإبِلِ، وأيًّا ما كانَ فَهَذا النِّداءُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْطُرُ مِنهُ الِاسْتِعْطافُ وجَمِيلُ التَّوَسُّلِ إلى مَن عَهِدَهُ مُنْعِمًا مُفْضِلًا في شَأْنِهِ أوَّلًا وآخِرًا وهو عَلى طَرِيقَةِ دُعاءِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ الغَرَقِ والواوُ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وقِيلَ: إنَّ النِّداءَ إنَّما كانَ بَعْدَهُ والمَقْصُودُ مِنهُ الِاسْتِفْسارُ عَنْ سَبَبِ عَدَمِ إنْجائِهِ مَعَ سَبْقِ وعْدِهِ تَعالى بِإنْجائِهِ أهْلَهُ وهو مِنهُمْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ.

46

قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَٰلِحٍۢ ۖ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

He said, "O Noah, indeed he is not of your family; indeed, he is [one whose] work was other than righteous, so ask Me not for that about which you have no knowledge. Indeed, I advise you, lest you be among the ignorant."

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالَ لَهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ حِينَ ناداهُ بِذَلِكَ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ أيْ لَيْسَ مِنهم

صفحة 69

أصْلًا لِأنَّ مَدارَ الأهْلِيَّةِ هو القَرابَةُ الدِّينِيَّةُ وقَدِ انْقَطَعَتْ بِالكُفْرِ فَلا عَلاقَةَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وكافِرٍ، ولِذا لَمْ يَتَوارَثا، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ قَرابَةَ الدِّينِ أقْرَبُ مِن قَرابَةِ النَّسَبِ كَما أشارَ إلى ذَلِكَ أبُو فِراسٍ بِقَوْلِهِ:

كانَتْ مَوَدَّةُ سَلْمانَ لَهُ نَسَبًا ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ رَحِمٌ

أوْ ﴿لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ الَّذِينَ أمَرْتُكَ بِحَمْلِهِمْ في الفُلْكِ لِخُرُوجِهِ عَنْهم بِالِاسْتِثْناءِ، وحُكِيَ هَذا عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ وعِكْرِمَةَ، والأوَّلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَلى القَوْلَيْنِ لَيْسَ هو مِنَ الَّذِينَ وُعِدَ بِإنْجائِهِمْ، وكَأنَّهُ لَمّا كانَ دُعاؤُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَذْكِيرِ وعْدِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ مَبْنِيًّا عَلى كَوْنِ كَنْعانَ مِن أهْلِهِ نَفى أوَّلًا كَوْنَهُ مِنهم ثُمَّ عَلَّلَ عَدَمَ كَوْنِهِ مِنهم عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ وأصْلُهُ إنَّهُ ذُو عَمَلٍ فاسِدٍ فَحُذِفَ ذُو لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِهِ عَيْنَ عَمَلِهِ لِمُداوَمَتِهِ عَلَيْهِ، ولا يُقَدَّرُ المُضافُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ تَفُوتُ المُبالَغَةُ المَقْصُودَةُ مِنهُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما في قَوْلِ الخَنْساءِ تَرْثِي أخاها صَخْرًا:

ما أُمُّ سَقَبٍ عَلى بَوٍّ تَحِنُّ لَهُ ∗∗∗ قَدْ ساعَدَتْها عَلى التِّحْنانِ آظارُ

تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حَتّى إذا ادَّكَرَتْ ∗∗∗ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ

يَوْمًا بِأوْجَعَ حِينَ فارَقَنِي ∗∗∗ صَخْرٌ ولِلْعَيْشِ إحْلاءٌ وإمْرارُ

وأُبْدِلَ فاسِدٌ بِغَيْرِ صالِحٍ إمّا لِأنَّ الفاسِدَ رُبَّما يُطْلَقُ عَلى ما فَسَدَ ومِن شَأْنِهِ الصَّلاحُ فَلا يَكُونُ نَصًّا فِيما هو مِن قَبِيلِ الفاسِدِ المَحْضِ كالمَظالِمِ، وإمّا لِلتَّلْوِيحِ بِأنَّ نَجاةَ مَن نَجا إنَّما هو لِصَلاحِهِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ (إنَّهُ عَمَلَ غَيْرَ صالِحٍ) عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي ونَصْبِ غَيْرَ وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ وعائِشَةَ، وقَدْ رَوَتْها هي وأُمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والأصْلُ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ وبِهِ قُرِئَ أيْضًا كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ وذَلِكَ شائِعٌ مُطَّرِدٌ عِنْدَ انْكِشافِ المَعْنى وزَوالِ اللَّبْسِ، وضَعَّفَهُ بَعْضُهم هُنا بِأنَّ العَرَبَ لا تَكادُ تَقُولُ: ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ وإنَّما تَقُولُ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ وأُيِّدَ بِهَذِهِ القِراءَةِ كَوْنُ ضَمِيرِ إنَّهُ في القِراءَةِ الأُولى لابْنِ نُوحٍ لِأنَّهُ فِيها لَهُ قَطْعًا فَيَضْعُفُ ما قِيلَ: إنَّهُ في الأُولى لِتَرْكِ الرُّكُوبِ مَعَهم والتَّخَلُّفِ عَنْهم أيْ إنَّ ذَلِكَ التَّرْكَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ عَلى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ في نَفْسِهِ كَما لا يَخْفى، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ ما قِيلَ: إنَّهُ لِنِداءِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ إنَّ نِداءَكَ هَذا عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وتَخْرُجُ بِذَلِكَ الجُمْلَةُ عَنْ أنْ تَكُونَ تَعْلِيلًا لِما تَقَدَّمَ ويَفُوتُ ما في ذاكَ مِنَ الفائِدَةِ، ولا يَكُونُ الكَلامُ عَلى مَساقٍ واحِدٍ، نَعَمْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِيهِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ نِساءَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ …

47

قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌۭ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

[Noah] said, "My Lord, I seek refuge in You from asking that of which I have no knowledge. And unless You forgive me and have mercy upon me, I will be among the losers."

﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ ولا يَخْفى سُقُوطُهُ عَلى ما عَلِمْتُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جَدًّا، وقَدْ جاءَ عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بَكى عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهُ ما قالَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الوَرْدِ الحَضْرَمِيِّ قالَ: لَمّا عاتَبَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا في ابْنِهِ وأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿إنِّي أعِظُكَ﴾ بَكى ثَلَثَمِائَةِ عامٍ حَتّى صارَ تَحْتَ عَيْنَيْهِ مِثْلُ الجَدْوَلِ مِنَ البُكاءِ.

وزَعَمَ الواحِدِيُّ أنَّ السُّؤالَ قَبْلَ الغَرَقِ ومَعَ العِلْمِ بِكُفْرِهِ، وذَلِكَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ سُؤالَهُ رَبَّهُ نَجاةَ ولَدِهِ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ مَعَ إصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ حَتّى أعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، واعْتَرَضَ بِأنَّهُ إذا كانَ عالِمًا بِكُفْرِهِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ في أهْلِهِ مَن يَسْتَحِقُّ العَذابَ كانَ طَلَبُ النَّجاةِ مُنْكَرًا مِنَ المَناكِيرِ فَتَدَبَّرْ، والظّاهِرُ عَلى ما قَرَّرْنا أنَّ قَوْلَهُ: (رَبِّ) إلَخْ تَوْبَةٌ مِمّا وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ و(ما) هُنا أيْضًا عِبارَةٌ إمّا عَنِ المَسْؤُولِ أوْ عَنِ السُّؤالِ، أيْ أعُوذُ بِكَ أنْ أطْلُبَ مِنكَ مِن بَعْدُ مَطْلُوبًا لا أعْلَمُ أنَّ حُصُولَهُ مُقْتَضى الحِكْمَةِ أوْ طَلَبًا لا أعْلَمُ أنَّهُ صَوابٌ سَواءٌ كانَ مَعْلُومَ الفَسادِ أوْ مُشْتَبَهِ الحالِ، أوْ لا أعْلَمُ أنَّهُ صَوابٌ أوْ غَيْرُ صَوابٍ، ولَمْ يَقُلْ أعُوذُ بِكَ مِنهُ أوْ مِن ذَلِكَ مُبالَغَةً في التَّوْبَةِ

صفحة 72

وإظْهارًا لِلرَّغْبَةِ والنَّشاطِ فِيها وتَبَرُّكًا بِذِكْرِ ما لَقَّنَهُ اللَّهُ تَعالى وهو أبْلَغُ مِن أنْ يَقُولَ: أتُوبُ إلَيْكَ أنْ أسْألَكَ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ أمْرًا هائِلًا مَحْذُورًا لا مَحِيصَ مِنهُ إلّا بِالعَوْذِ بِاللَّهِ تَعالى، وأنَّ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قاصِرَةٌ عَنِ النَّجاةِ مِنَ المَكارِهِ إلّا بِذَلِكَ كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، واحْتِمالِ أنْ يَكُونَ فِيهِ رَدٌّ وإنْكارٌ نَظِيرُ ما في البَقَرَةِ مِن قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مِمّا لا يَكادُ يَمُرُّ بِفِكْرِ أحَدٍ مِنَ الجاهِلِينَ.

هَذا وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ (إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) أنْ تَسْألَنِي، ورَجَّحَ بِهِ كَوْنَ ضَمِيرِ (إنَّهُ) في القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ لِلنِّداءِ المُتَضَمِّنِ لِلسُّؤالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (فَلا تَسْألَنَّ) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ النُّونِ مَفْتُوحَةً وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وكَذا قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ غَيْرَ أنَّهُما كَسَرا النُّونَ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَسْألُنِي، فَحُذِفَتْ نُونُ الوِقايَةِ لِاجْتِماعِ النُّوناتِ وكُسِرَتِ الشَّدِيدَةُ لِلْياءِ ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَذَلِكَ إلّا أنَّهم أثْبَتُوا الياءَ بَعْدَ النُّونِ وأمْرُهُ ظاهِرٌ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ (تُسالُنِي) مِن غَيْرِ هَمْزِ مِن سالَ يُسالُ فَهُما يُساوِلانِ وهي لُغَةٌ سائِرَةٌ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ وإسْكانِ اللّامِ وكَسْرِ النُّونِ وتَخْفِيفِها، وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ ورْشٌ وأبُو عَمْرٍو، وحَذَفَها الباقُونَ ﴿وإلا تَغْفِرْ لِي﴾ ما صَدَرَ عَنِّي مِنَ السُّؤالِ المَذْكُورِ ﴿وتَرْحَمْنِي﴾ بِقَبُولِ تَوْبَتِي ﴿أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أعْمالًا بِسَبَبِ …

48

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَٰمٍۢ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌۭ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

It was said, "O Noah, disembark in security from Us and blessings upon you and upon nations [descending] from those with you. But other nations [of them] We will grant enjoyment; then there will touch them from Us a painful punishment."

﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ﴾ إلَخْ.. وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ، وبُنِيَ الفِعْلُ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لِظُهُورِ أنَّ القائِلَ هو اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: القائِلُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والهُبُوطُ النُّزُولُ قِيلَ: أيِ انْزِلْ مِنَ الفُلْكِ وقِيلَ: مِنَ الجَبَلِ إلى الأرْضِ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ السَّفِينَةَ اسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ في عاشِرِ ذِي الحِجَّةِ فَأقامَ بِمَن مَعَهُ هُناكَ

صفحة 73

شَهْرًا، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: اهْبِطْ فَهَبَطَ بِأرْضِ المَوْصِلِ وبَنى قُرْبَ الجَبَلِ قَرْيَةً يُقالُ لَها: قَرْيَةُ الثَّمانِينَ عَدَدُ مَن في السَّفِينَةِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ بَنى كُلٌّ مِنهم بَيْتًا فَسُمِّيَتْ سُوقَ الثَّمانِينَ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: لَمّا اسْتَقَرَّتِ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ لَبِثَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ بِالهُبُوطِ فَهَبَطَ عَلى الجَبَلِ فَدَعا الغُرابَ فَقالَ: ائْتِنِي بِخَبَرِ الأرْضِ، فانْحَدَرَ إلى الأرْضِ وفِيها الغَرْقى مِن قَوْمِ نُوحٍ فَوَقَعَ عَلى جِيفَةٍ مِنهم فَأبْطَأ عَلَيْهِ فَلَعَنَهُ، ودَعا الحَمامَةَ فَوَقَفَتْ عَلى كَفِّهِ فَقالَ: اهْبِطِي فَأْتِنِي بِخَبَرِ الأرْضِ فانْحَدَرَتْ فَلَمْ تَلْبَثْ قَلِيلًا حَتّى جاءَتْ تَنْفُضُ رِيشَها بِمِنقارِها فَقالَتِ: اهْبِطْ فَقَدْ أنْبَتَتِ الأرْضُ فَقالَ نُوحٌ: بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيكِ وفي بَيْتٍ يَأْوِيكِ وحَبَّبَكِ إلى النّاسِ ولَوْلا أنْ يَغْلِبَكِ النّاسُ عَلى نَفْسِكِ لَدَعَوْتُ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَجْعَلَ رَأْسَكِ مِنَ الذَّهَبِ، والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ الهُبُوطَ مِنَ الجُودِيِّ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ السَّفِينَةُ إلى الأرْضِ ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَسْتَعْدِي أنْ يَكُونَ بَعْدَ الِاسْتِقْرارِ بِلا مُهْلَةٍ لِيُقالَ: إنَّ ما تَحْتَ الجَبَلِ مَغْمُورٌ إذْ ذاكَ بِالماءِ، والتَّعْبِيرُ بِالهُبُوطِ عَلى هَذا في غايَةِ الظُّهُورِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ السَّفِينَةِ لِمَكانِ الرُّكُوبِ، وخَبَرُ الحَمامَةِ، والغُرابُ قَدْ طارَ في الآفاقِ وأُولِعَ بِهِ القَصّاصُونَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، وغالِبُ الظَّنِّ أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ وكَذا اشْتُهِرَ خَبَرُ قَرْيَةِ الثَّمانِينَ في أرْضِ المَوْصِلِ لَمّا ضاقَتْ عَلَيْهِمْ تَحَوَّلُوا إلى بابِلَ فَبَنَوْها.

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: أوَّلُ حائِطٍ وُضِعَ عَلى وجْهِ الأرْضِ بَعْدَ الطُّوفانِ حائِطُ حَرّانَ ودِمَشْقَ ثُمَّ بابِلَ. وقُرِئَ (اهْبُطْ) بِضَمِّ الباءِ ﴿بِسَلامٍ﴾ أيْ مُلْتَبِسًا بِسَلامَةٍ مِمّا تَكْرَهُ كائِنَةً (مِنّا) أيْ مِن جِهَتِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السَّلامُ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ والتَّحِيَّةِ أيْ مُسَلَّمًا عَلَيْكَ مِن جِهَتِنا ﴿وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ أيْ خَيْراتٍ نامِيَةٍ في نَسْلِكَ وما يَقُومُ بِهِ مَعاشُكَ ومَعاشُهم مِن أنْواعِ الأرْزاقِ، أوْ مُبارَكًا عَلَيْكَ أيْ مَدْعُوًّا لَكَ بِالبَرَكَةِ بِأنْ يُقالَ: بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيكَ وهو مُناسِبٌ لِكَوْنِ السَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وبَرَكاتُهُ، وأصْلُ البِرَكِ -كَما قالَ الرّاغِبُ- صَدْرُ البَعِيرِ يُقالُ: بَرَكَ البَعِيرُ إذا ألْقى بَرَكَهُ، واعْتُبِرَ فِيهِ اللُّزُومُ ولِذا سُمِّيَ مُحْتَبَسُ الماءِ بِرْكَةً، والبَرَكَةُ ثُبُوتُ الخَيْرِ الإلَهِيِّ في الشَّيْءِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِثُبُوتِ الخَيْرِ فِيهِ ثُبُوتَ الماءِ في البِرْكَةِ.

ولَمّا كانَ الخَيْرُ الإلَهِيُّ …

49

تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muhammad]. You knew it not, neither you nor your people, before this. So be patient; indeed, the [best] outcome is for the righteous.

﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي لِتَقَضِّيها في حُكْمِ البَعِيدِ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ أُشِيرَ بِأداةِ البُعْدِ إلى بُعْدِ مَنزِلَتِها، وقِيلَ: إنَّ الإشاراةَ إلى آياتِ القُرْآنِ ولَيْسَ بِذاكَ؛ وهي في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ بَعْضِ أخْبارِهِ الَّتِي لَها شَأْنٌ وكَوْنُها بَعْضَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّها عَلى التَّفْصِيلِ لَمْ تَبْقَ لِطُولِ العَهْدِ مَعْلُومَةً لِغَيْرِهِ تَعالى حَتّى إنَّ المَجُوسَ عَلى ما قِيلَ: يُنْكِرُونَها رَأْسًا، وقِيلَ: إنَّ كَوْنَها مِنَ الغَيْبِ لِغَيْرِ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الغَيْبَ قِسْمانِ: ما لا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُ مَخْلُوقٍ أصْلًا وهو الغَيْبُ المُطْلَقُ، وما لا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُ مَخْلُوقٍ مُعَيَّنٍ وهو الغَيْبُ المُضافُ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ المَخْلُوقِ، وهو مُرادُ الفُقَهاءِ في تَكْفِيرِ الحاكِمِ عَلى الغَيْبِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿نُوحِيها﴾ خَبَرٌ ثانٍ –لِتِلْكَ- والضَّمِيرُ لَها أيْ مُوحاةً ﴿إلَيْكَ﴾ أوْ هو الخَبَرُ ( مِن أنْباءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وفائِدَةُ تَقْدِيمِهِ نَفْيُ أنْ يَكُونَ عِلْمُ ذَلِكَ بِكِهانَةٍ أوْ تَعَلُّمٍ مِنَ الغَيْرِ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ أوْ ( مِن أنْباءِ ) هو الخَبَرُ، وهَذا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( أنْباءِ ) والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ كَوْنِها مُوحاةً إلْجاءُ قَوْمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلتَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَحْذِيرِهِمْ مِمّا نَزَلَ بِالمُكَذِّبِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ أيْ مَجْهُولَةٌ عِنْدَكَ وعِنْدَ قَوْمِكَ ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ أيِ الإيحاءِ إلَيْكَ المَعْلُومِ مِمّا مَرَّ، وقِيلَ: أيِ الوَقْتِ، وقِيلَ: أيِ العِلْمِ المُكْتَسَبِ بِالوَحْيِ.

وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ -مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ- ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ في ﴿نُوحِيها﴾ أوِ الكافِ مِن ( إلَيْكَ ) أيْ غَيْرُ عالِمٍ أنْتَ ولا قَوْمُكَ بِها، وذِكْرُ القَوْمِ مَعَهُ ﷺ مِن بابِ التَّرَقِّي كَما تَقُولُ: هَذا الأمْرُ لا يَعْلَمُهُ زَيْدٌ ولا أهْلُ بَلَدِهِ لِأنَّهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ إذا لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَكَيْفَ يَعْلَمُهُ واحِدٌ مِنهُمْ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يُخالِطْ غَيْرَهم.

﴿فاصْبِرْ﴾ مُتَفَرِّعٌ عَلى الإيحاءِ أوْ عَلى العِلْمِ المُسْتَفادِ مِنهُ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما تَقَدَّمَ ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ أيْ وإذْ قَدْ أوْحَيْناها إلَيْكَ وعَلِمْتَها بِذَلِكَ فاصْبِرْ عَلى مَشاقِّ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وأذِيَّةِ قَوْمِكَ كَما صَبَرَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما سَمِعْتَهُ مِن أنْواعِ

صفحة 76

البَلايا في هَذِهِ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ، وقِيلَ: وهَذا ناظِرٌ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ إلَخْ ﴿إنَّ العاقِبَةَ﴾ بِالظَّفَرِ في الدُّنْيا وبِالفَوْزِ بِالآخِرَةِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ كَما سَمِعْتَ ذَلِكَ في نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ، قِيلَ: وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ وتَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ، والمُرادُ بِالتَّقْوى الدَّرَجَةُ الأُولى مِنها، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ وهي بِذَلِكَ المَعْنى مُنْطَوِيَةٌ عَلى الصَّبْرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاصْبِرْ فَإنَّ العاقِبَةَ لِلصّابِرِينَ، وقِيلَ: الآيَةُ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ وبَيانٌ لِلْحِكْمَةِ في إيحاءِ ذَلِكَ مِن إرْشادِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَهْدِيدِ قَوْمِهِ …

50

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ

And to 'Aad [We sent] their brother Hud. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. You are not but inventors [of falsehood].

﴿وإلى عادٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أرْسَلْنا﴾ في قِصَّةِ نُوحٍ، وهو النّاصِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أخاهُمْ﴾ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهُمْ، أيْ: واحِدًا مِنهم في النَّسَبِ كَقَوْلِهِمْ:

صفحة 80

يا أخا العَرَبِ، وقُدِّمَ المَجْرُورُ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ (إلى عادٍ أخاهُمْ) عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ المَنصُوبِ عَلى المَنصُوبِ، والجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ، وهو مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ ولَيْسَ مِنَ المَسْألَةِ المُخْتَلَفِ فِيها، نَعَمِ الأوَّلُ أقْرَبُ -كَما في البَحْرِ- لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ بَيْنَ المُفْرَداتِ المُتَعاطِفَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هُودًا﴾ عَطْفُ بَيانٍ –لِأخاهُمْ- وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنَ عَمِّ أبِي عادٍ، وأُرْسِلَ إلَيْهِمْ مَن هو مِنهم لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى إلى اتِّباعِهِ (قالَ) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ حَيْثُ كانَ إرْسالُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَظِنَّةً لِلسُّؤالِ عَمّا قالَ لَهم ودَعاهم كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهم حِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿يا قَوْمِ﴾ ناداهم بِذَلِكَ اسْتِعْطافًا لَهُمْ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (يا قَوْمُ) بِالضَّمِّ وهي لُغَةٌ في المُنادى المُضافِ إلى الياءِ حَكاها سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ وحْدَهُ وكانُوا مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ يَجْرِي مَجْرى البَيانِ لِلْعِبادَةِ المَأْمُورِ بِها، والتَّعْلِيلُ لِلْأمْرِ بِها كَأنَّهُ قِيلَ: أفْرِدُوهُ بِالعِبادَةِ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا إذْ لَيْسَ لَكم إلَهٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ عَلى أنَّهُ لا اعْتِدادَ بِالعِبادَةِ مَعَ الإشْراكِ، فالأمْرُ بِها يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِإفْرادِهِ سُبْحانَهُ بِها و(غَيْرُهُ) بِالرَّفْعِ صِفَةٌ –لِإلَهٍ- بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ لِأنَّهُ فاعِلٌ لِلظَّرْفِ لِاعْتِمادِهِ عَلى النَّفْيِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لَهُ جارٍ عَلى لَفْظِهِ ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ ما أنْتُمْ بِجَعْلِكُمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِهِ تَعالى كَما قالَ الحَسَنُ -أوْ بِقَوْلِكُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا بِعِبادَةِ الأصْنامِ ﴿إلا مُفْتَرُونَ﴾ عَلَيْهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.