Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Madarik al-Tanzil by Al-Nasafi

Ayahs 41–50 of 123

41

۞ وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And [Noah] said, "Embark therein; in the name of Allah is its course and its anchorage. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ "بِسْمِ اللهِ" مُتَّصِلٌ بِـ "ارَكَبُوا" حالًا مِنَ الواوِ أيِ:ارْكَبُوا فِيها مُسَمِّينَ اللهَ أوْ قائِلِينَ بِسْمِ اللهِ وقْتَ إجْرائِها ووَقْتَ إرْسائِها، إمّا لِأنَّ المَجْرى والمُرْسى لِلْوَقْتِ وإمّا لِأنَّهُما مَصْدَرانِ كالإجْراءِ والإرْساءِ حُذِفَ مِنهُما الوَقْتُ المُضافُ كَقَوْلِهِمْ:خُفُوقَ النَجْمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "بِسْمِ اللهِ مَجْراها ومَرْساها" جُمْلَةٌ بِرَأْسِها غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِما قَبْلَها وهي مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ يَعْنِي أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَهم بِالرُكُوبِ ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ مَجْراها ومُرْساها بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ أيْ: بِسْمِ اللهِ إجْراؤُها وإرْساؤُها وكانَ إذا أرادَ أنْ تَجْرِيَ قالَ بِسْمِ اللهِ فَجَرَتْ وإذا أرادَ أنْ تُرْسُوَ قالَ بِسْمِ اللهِ فَرَسَتْ "مَجْرِيها" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الراءِ مِن جَرى إمّا مَصْدَرٌ أوْ وقْتٌ:حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ، وبِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ الراءِ أبُو عَمْرٍو والباقُونَ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الراءِ ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ﴾ لِمَن آمَنَ مِنهم ﴿رَحِيمٌ﴾ حَيْثُ خَلَّصَهُمْ.

42

وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍۢ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍۢ يَٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And it sailed with them through waves like mountains, and Noah called to his son who was apart [from them], "O my son, come aboard with us and be not with the disbelievers."

﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ مُتَّصِلٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ "ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ" كَأنَّهُ قِيلَ فَرَكِبُوا فِيها يَقُولُونَ بِاسْمِ اللهِ وهي تَجْرِي بِهِمْ أيِ:ُ السَفِينَةُ تَجْرِي وهم فِيها ﴿فِي مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ يُرِيدُ مَوْجَ الطُوفانِ وهو جَمْعُ مَوْجَةٍ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ وهو ما يَرْتَفِعُ مِنَ الماءِ عِنْدَ اضْطِرابِهِ بِدُخُولِ الرِياحِ الشَدِيدَةِ في خِلالِهِ شَبَّهَ كُلَّ مَوْجَةٍ مِنهُ بِالجَبَلِ في تَراكُمِها وارْتِفاعِها ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ كَنْعانَ وقِيلَ يامَ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ ابْنُهُ الصُلْبِيُّ وقِيلَ كانَ ابْنَ امْرَأتِهِ ﴿وَكانَ في مَعْزِلٍ﴾ عَنْ أبِيهِ وعَنِ السَفِينَةِ، مَفْعِلٌ مِن عَزَلَهُ عَنْهُ إذا نَحّاهُ وأبْعَدَهُ أوْ في مَعْزِلٍ عَنْ دِينِ أبِيهِ ﴿يا بُنَيَّ﴾ بِفَتْحِ الياءِ عاصِمٌ اقْتِصارًا عَلَيْهِ مِنَ الألِفِ المُبْدَلَةِ مِن ياءِ الإضافَةِ مِن قَوْلِكم يا بُنَيّا، غَيْرُهُ بِكَسْرِ الياءِ اقْتِصارًا عَلَيْهِ مِن ياءِ الإضافَةِ ﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ في السَفِينَةِ أيْ: أسْلِمْ وارْكَبْ ﴿وَلا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾

43

قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍۢ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ

[But] he said, "I will take refuge on a mountain to protect me from the water." [Noah] said, "There is no protector today from the decree of Allah, except for whom He gives mercy." And the waves came between them, and he was among the drowned.

﴿قالَ سَآوِي﴾ ألْجَأُ ﴿إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ يَمْنَعُنِي مِنَ الغَرَقِ ﴿قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللهِ إلا مَن رَحِمَ﴾ إلّا الراحِمَ وهو اللهُ تَعالى أوْ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِنَ الطُوفانِ إلّا مَن رَحِمَ اللهُ أيْ: إلّا مَكانَ مَن رَحِمَ اللهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا جَعَلَ الجَبَلَ عاصِمًا مِنَ الماءِ قالَ لَهُ لا يَعْصِمُكَ اليَوْمَ مُعْتَصِمٌ قَطُّ مِن جَبَلٍ ونَحْوِهِ سِوى مُعْتَصَمٍ واحِدٍ وهو مَكانُ مَن رَحِمَهُمُ اللهُ ونَجّاهم يَعْنِي السَفِينَةَ أوْ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قِيلَ:وَلَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللهُ فَهو المَعْصُومُ كَقَوْلِهِ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] ﴿وَحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ﴾ بَيْنَ ابْنِهِ والجَبَلِ أوْ بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ فَصارَ أوْ فَكانَ في عِلْمِ اللهِ.

44

وَقِيلَ يَٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And it was said, "O earth, swallow your water, and O sky, withhold [your rain]." And the water subsided, and the matter was accomplished, and the ship came to rest on the [mountain of] Judiyy. And it was said, "Away with the wrongdoing people."

﴿وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ انْشِفِي وتَشَرَّبِي، والبَلْعُ النَشْفُ ﴿وَيا سَماءُ أقْلِعِي﴾ أمْسِكِي ﴿وَغِيضَ الماءُ﴾ نَقَصَ، مِن: غاضَهُ إذا نَقَصَهُ وهو لازِمٌ ومُتَعَدٍّ ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ وأنْجَزَ ما وعَدَ اللهُ نُوحًا مِن إهْلاكِ قَوْمِهِ ﴿واسْتَوَتْ﴾ واسْتَقَرَّتِ السَفِينَةُ بَعْدَ أنْ طافَتِ الأرْضَ كُلَّها سِتَّةَ أشْهُرٍ ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ وهو جَبَلٌ بِالمَوْصِلِ ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ﴾ أيْ: سُحْقًا لِقَوْمِ نُوحٍ الَّذِينَ غَرِقُوا يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعَدًا إذا أرادُوا البُعْدَ البَعِيدَ مِن حَيْثُ الهَلاكُ والمَوْتُ ولِذَلِكَ خُصَّ بِدُعاءِ السُوءِ

والنَظَرُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أرْبَعِ جِهاتٍ مِن جِهَةِ عِلْمِ البَيانِ وهو النَظَرُ فِيما فِيها مِنَ المَجازِ والِاسْتِعارَةِ والكِنايَةِ وما يَتَّصِلُ بِها فَنَقُولُ إنَّ اللهَ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يُبَيِّنَ مَعْنى: أرَدْنا أنْ نَرُدَّ ما انْفَجَرَ مِنَ الأرْضِ إلى بَطْنِها فارْتَدَّ وأنْ نَقْطَعَ طُوفانَ السَماءِ فانْقَطَعَ وأنْ نُغِيضَ الماءَ النازِلَ مِنَ السَماءِ فَغِيضَ وأنْ نَقْضِيَ أمْرَ نُوحٍ وهو إنْجازُ ما كُنّا وعَدْناهُ مِن إغْراقِ قَوْمِهِ فَقُضِيَ وأنْ نُسَوِيَّ السَفِينَةَ عَلى الجُودِيِّ فاسْتَوَتْ وأبْقَيْنا الظَلَمَةَ غَرْقى، بُنِيَ الكَلامُ عَلى تَشْبِيهِ المُرادِ بِالمَأْمُورِ الَّذِي لا يَتَأتّى مِنهُ - لِكَمالِ هَيْبَتِهِ - العِصْيانُ، وتَشْبِيهُ تَكْوِينِ المُرادِ بِالأمْرِ الجَزْمُ النافِذُ في تَكَوُّنِ المَقْصُودِ تَصْوِيرًا لِاقْتِدارِهِ العَظِيمِ وأنَّ السَمَواتِ والأرْضَ مُنْقادَةٌ لِتَكْوِينِهِ فِيها ما يَشاءُ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ لِإرادَتِهِ فِيها تَغْيِيرًا وتَبْدِيلًا كَأنَّها عُقَلاءُ مُمَيَّزُونَ قَدْ عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وأحاطُوا عِلْمًا بِوُجُوبِ الِانْقِيادِ لِأمْرِهِ والإذْعانِ لِحُكْمِهِ وتَحَتُّمِ بَذْلِ المَجْهُودِ عَلَيْهِمْ في تَحْصِيلِ مُرادِهِ ثُمَّ بَنى عَلى تَشْبِيهِ هَذا نَظْمَ الكَلامِ فَقالَ عَزَّ وجَلَّ "وَقِيلَ" عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَنِ الإرادَةِ الواقِعِ بِسَبَبِها قَوْلُ القائِلِ، وجَعَلَ قَرِينَةَ المَجازِ الخِطابِ لِلْجَمادِ وهُوَ" يا أرْضُ" و"يا سَماءُ" ثُمَّ قالَ مُخاطِبًا لَهُما يا أرْضُ ويا سَماءُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِلشَّبَهِ المَذْكُورِ ثُمَّ اسْتَعارَ لِغَوْرِ الماءِ في الأرْضِ البَلْعَ الَّذِي هو أعْمالُ الجاذِبَةِ في المَطْعُومِ لِلشَّبَهِ بَيْنَهُما وهو الذَهابُ إلى مَقَرٍّ خَفِيٍّ ثُمَّ اسْتَعارَ الماءَ لِلْغِذاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالغِذاءِ لِتَقْوى الأرْضُ بِالماءِ في الإنْباتِ كَتَقَوِّي الآكِلِ بِالطَعامِ ثُمَّ قالَ "ماءَكِ" بِإضافَةِ الماءِ إلى الأرْضِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ لِاتِّصالِ الماءِ بِالأرْضِ كاتِّصالِ المُلْكِ بِالمالِكِ ثُمَّ اخْتارَ لِاحْتِباسِ المَطَرِ الإقْلاعَ الَّذِي هو تَرْكُ الفاعِلِ الفِعْلَ لِلشَّبَهِ بَيْنَهُما في عَدَمِ التَأنِّي ثُمَّ قالَ "وَغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا" ولَمْ يُصَرِّحْ بِمَن أغاضَ الماءَ ولا بِمَن قَضى الأمْرَ وسَوّى السَفِينَةَ وقالَ بُعْدًا كَما لَمْ يُصَرِّحْ بِقائِلِ "يا أرْضُ" و"يا سَماءُ" سُلُوكًا في كُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ لِسَبِيلِ الكِنايَةِ وأنَّ تِلْكَ الأُمُورَ العِظامَ لا تَكُونُ إلّا بِفِعْلِ فاعِلٍ قادِرٍ وتَكْوِينِ مُكَوَّنٍ قاهِرٍ وأنَّ فاعِلَها واحِدٌ لا يُشارَكُ في فِعْلِهِ فَلا يَذْهَبُ الوَهْمُ إلى أنْ يَقُولَ غَيْرُهُ "يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي" ولا أنْ يَكُونَ الغائِضُ والقاضِي والمُسَوِّي غَيْرَهُ ثُمَّ خَتَمَ الكَلامَ بِالتَعْرِيضِ …

45

وَنَادَىٰ نُوحٌۭ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَٰكِمِينَ

And Noah called to his Lord and said, "My Lord, indeed my son is of my family; and indeed, Your promise is true; and You are the most just of judges!"

﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ﴾ نِداؤُهُ رَبَّهُ دُعاؤُهُ لَهُ وهو قَوْلُهُ رَبِّ مَعَ ما بَعْدَهُ مِنِ اقْتِضاءِ وعْدِهِ في تَنْجِيَةِ أهْلِهِ ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ أيْ: بَعْضُ أهْلِي، لِأنَّهُ كانَ ابْنَهُ مِن صُلْبِهِ أوْ كانَ رَبِيبًا لَهُ فَهو بَعْضُ أهْلِهِ ﴿وَإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ وإنَّ كُلَّ وعْدٍ تَعِدُهُ فَهو الحَقُّ الثابِتُ الَّذِي لا شَكَّ في إنْجازِهِ والوَفاءِ بِهِ وقَدْ وعَدْتَنِي أنْ تُنْجِيَ أهْلِي فَما بالُ ولَدِي ﴿وَأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ أيْ: أعْلَمُ الحُكّامِ وأعْدَلُهم إذْ لا فَضْلَ لِحاكِمٍ عَلى غَيْرِهِ إلّا بِالعِلْمِ والعَدْلِ، ورُبَّ غَرِيقٍ في الجَهْلِ والجَوْرِ مِن مُتَقَلَّدِي الحُكُومَةِ في زَمانِكَ قَدْ لُقِّبَ أقَضى القُضاةِ ومَعْناهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ فاعْتَبِرْ واسْتَعْبِرْ.

46

قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَٰلِحٍۢ ۖ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

He said, "O Noah, indeed he is not of your family; indeed, he is [one whose] work was other than righteous, so ask Me not for that about which you have no knowledge. Indeed, I advise you, lest you be among the ignorant."

﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ لِانْتِفاءِ كَوْنِهِ مِن أهْلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ قَرابَةَ الدِينِ غامِرَةٌ لِقَرابَةِ النَسَبِ وأنَّ نَسِيبَكَ في دِينِكَ - وإنْ كانَ حَبَشِيًّا وكُنْتَ قُرَشِيًّا - لَصِيقُكَ، ومَن لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِكَ - وإنْ كانَ أمَسَّ أقارِبِكَ رَحِمًا - فَهو أبْعَدُ بِعِيدٍ مِنكَ، وجُعِلَتْ ذاتُهُ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ مُبالَغَةً في ذَمِّهِ كَقَوْلِها

؎......... ∗∗∗ فَإنَّما هي إقْبال وإدْبارٌ

أوِ التَقْدِيرُ: إنَّهُ ذُو عَمَلٍ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ إنَّما أنْجى مَن أنْجى مِن أهْلِهِ لِصَلاحِهِمْ لا لِأنَّهم أهْلُهُ وهَذا لَمّا انْتَفى عَنْهُ الصَلاحُ لَمْ تَنْفَعْهُ أُبُوَّتُهُ، " عَمِلَ غَيْرَ صالِحٍ":عَلِيٌّ قالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: كانَ عِنْدَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ ابْنَهُ كانَ عَلى دِينِهِ، لِأنَّهُ كانَ يُنافِقُ، وإلّا لا يُحْتَمَلُ أنْ يَقُولَ ابْنِي مِن أهْلِي ويَسْألَهُ نَجاتَهُ وقَدْ سَبَقَ مِنهُ النَهْيُ عَنْ سُؤالِ مِثْلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] فَكانَ يَسْألُهُ عَلى الظاهِرِ الَّذِي عِنْدَهُ كَما كانَ أهْلُ النِفاقِ يُظْهِرُونَ المُوافَقَةَ لِنَبِيِّنا - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - ويُضْمِرُونَ الخِلافَ لَهُ ولَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ حَتّى أطْلَعَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ ﴿لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ وعَدْتُ النَجاةَ لَهم وهُمُ المُؤْمِنُونَ حَقِيقَةً في السِرِّ والظاهِرِ "فَلا تَسْألْنِ" اجْتِزاءً بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ كُوفِيٌّ، "تَسْألْنِي" بَصْرِيٌّ، "تَسْألْنِيَ" مَدَنِيٌّ، "تَسْألَنِّ" شامِيٌّ، فَحَذَفَ الياءَ واجْتَزَأ بِالكَسْرَةِ والنُونُ نُونُ التَوْكِيدِ، "تَسْألَنَّ" مَكِّيٌّ ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ بِجَوازِ مَسْألَتِهِ ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ هو كَما نَهى رَسُولَنا بِقَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]

47

قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌۭ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

[Noah] said, "My Lord, I seek refuge in You from asking that of which I have no knowledge. And unless You forgive me and have mercy upon me, I will be among the losers."

﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: مِن أنْ أطْلُبَ مِنكَ في المُسْتَقْبَلِ مالا عِلْمَ لِي بِصِحَّتِهِ تَأدُّبًا بِأدَبِكَ واتِّعاظًا بِمَوْعِظَتِكَ ﴿وَإلا تَغْفِرْ لِي﴾ ما فَرَطَ مِنِّي ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾ بِالعِصْمَةِ عَنِ العَوْدِ إلى مِثْلِهِ ﴿أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

48

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَٰمٍۢ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌۭ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

It was said, "O Noah, disembark in security from Us and blessings upon you and upon nations [descending] from those with you. But other nations [of them] We will grant enjoyment; then there will touch them from Us a painful punishment."

﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ بِتَحِيَّةٍ مِنّا أوْ بِسَلامَةٍ مِنَ الغَرَقِ ﴿وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ هي الخَيْراتُ النامِيَةُ وهي في حَقِّهِ بِكَثْرَةِ ذُرِّيَّتِهِ وأتْباعِهِ فَقَدْ جُعِلَ أكْثَرُ الأنْبِياءِ مِن ذُرِّيَّتِهِ وأئِمَّةُ الدِينِ في القُرُونِ الباقِيَةِ مِن نَسْلِهِ ﴿وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ مِن لِلْبَيانِ فَتُرادُ الأُمَمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ في السَفِينَةِ، لِأنَّهم كانُوا جَماعاتٍ أوْ قِيلَ لَهم أُمَمٌ، لِأنَّ الأُمَمَ تَتَشَعَّبُ مِنهم أوْ لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ: عَلى أُمَمٍ ناشِئَةٍ مِن مَعَكَ وهي الأُمَمُ إلى آخِرِ الدَهْرِ وهو الوَجْهُ ﴿وَأُمَمٌ﴾ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الدُنْيا بِالسَعَةِ في الرِزْقِ والخَفْضِ في العَيْشِ، صِفَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ومِمَّنْ مَعَكَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم، وإنَّما حُذِفَ، لِأنَّ مِمَّنْ مَعَكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ والمَعْنى أنَّ السَلامَ مِنّا والبَرَكاتِ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مُؤْمِنِينَ يَنْشَئُونَ مِمَّنْ مَعَكَ ومِمَّنْ مَعَكَ أُمَمٌ مُمَتَّعُونَ بِالدُنْيا مُنْقَلِبُونَ إلى النارِ، كانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ أبا الأنْبِياءِ والخَلْقُ بَعْدَ الطُوفانِ مِنهُ ومِمَّنْ كانَ مَعَهُ في السَفِينَةِ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ دَخَلَ في ذَلِكَ السَلامِ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وفِيما بَعْدَهُ مِنَ المَتاعِ والعَذابِ كُلُّ كافِرٍ.

49

تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muhammad]. You knew it not, neither you nor your people, before this. So be patient; indeed, the [best] outcome is for the righteous.

﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ ومَحَلُّها الرَفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والجُمَلُ بَعْدَها وهي ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ﴾ أخْبارٌ أيْ: تِلْكَ القِصَّةُ بَعْضُ أنْباءِ الغَيْبِ مُوحاةً إلَيْكَ مَجْهُولَةً عِنْدَكَ وعِنْدَ قَوْمِكَ ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ الوَقْتِ أوْ مِن قَبْلِ إيحائِي إلَيْكَ وإخْبارِكَ بِها ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى تَبْلِيغِ الرِسالَةِ وأذى قَوْمِكَ كَما صَبَرَ نُوحٌ، وتَوَقَّعْ في العاقِبَةِ لَكَ ولِمَن كَذَّبَكَ نَحْوَ ما كانَ لِنُوحٍ ولِقَوْمِهِ ﴿إنَّ العاقِبَةَ﴾ في الفَوْزِ والنَصْرِ والغَلَبَةِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عَنِ الشِرْكِ.

50

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ

And to 'Aad [We sent] their brother Hud. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. You are not but inventors [of falsehood].

﴿وَإلى عادٍ أخاهُمْ﴾ واحِدًا مِنهم وانْتِصابُهُ لِلْعَطْفِ عَلى أرْسَلْنا نُوحًا أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم ﴿هُودًا﴾ عَطْفُ بَيانٍ ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ وحِّدُوهُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ بِالرَفْعِ نافِعٌ صِفَةٌ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ، وبِالجَرِّ: عَلِيٌّ، عَلى اللَفْظِ ﴿إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ تَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ بِاتِّخاذِكُمُ الأوْثانَ لَهُ شُرَكاءَ.

Commentary: Madarik al-Tanzil by Al-Nasafi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.