Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 31–40 of 123

31

وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌۭ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allah or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel, nor do I say of those upon whom your eyes look down that Allah will never grant them any good. Allah is most knowing of what is within their souls. Indeed, I would then be among the wrongdoers."

﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ شُرُوعٌ -عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- في دَفْعِ الشُّبَهِ الَّتِي أوْرَدُوها تَفْصِيلًا وذَلِكَ مِن قَبِيلِ النَّشْرِ المُشَوِّشِ ثِقَةً بِعِلْمِ السّامِعِ، وتَخَلَّلَ ما تَخَلَّلَ بَيْنَ شُبَهِهِمْ وجَوابِها -عَلى ما قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ- لِأنَّهُ مُقَدِّمَةٌ وتَمْهِيدٌ لِلْجَوابِ وبَيَّنَهُ بِأنَّ قَوْلَهُ ﴿يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ﴾ إثْباتٌ لِنُبُوَّتِهِ، يَعْنِي ما قُلْتُ لَكم ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ إلّا عَنْ بَيِّنَةٍ عَلى إثْباتِ نُبُوَّتِي وصِحَّةِ دَعْوَتِي، لَكِنْ خَفِيَتْ عَلَيْكم وعَمِيَتْ حَتّى أوْرَدْتُمْ تِلْكَ الشُّبَهَ الواهِيَةَ، ومَعَ ذَلِكَ لَيْسَ نَظَرِي فِيما ادَّعَيْتُ إلّا إلى الهِدايَةِ وإنِّي لا أطْمَعُ بِمالٍ حَتّى أُلازِمَ الأغْنِياءَ مِنكم وأطْرُدَ الفُقَراءَ وأنْتُمْ تَجْهَلُونَ هَذا المَعْنى؛ حَيْثُ تَقُولُونَ: اطْرُدِ الفُقَراءَ، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما بَعَثَنِي إلّا لِلتَّرْغِيبِ في طَلَبِ الآخِرَةِ ورَفْضِ الدُّنْيا فَمَن يَنْصُرُنِي إنْ كُنْتُ أُخالِفُ ما جِئْتُ بِهِ، ثُمَّ شَرَعَ فِيما شَرَعَ، وفي الكَشْفِ إنَّ قَوْلَهُ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ الآيَةَ، جَوابٌ إجْمالِيٌّ عَنِ الشُّبَهِ كُلِّها مَعَ التَّعْبِيرِ بِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ فِيما يَرْمُونَ إلى أدْنى تَدَبُّرٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكُمْ﴾ تَتْمِيمُ لِلتَّعْبِيرِ وحَثٌّ عَلى ما ضَمَّنَهُ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى ما عِنْدَهُ، وقَوْلُهُ (ما أنا بِطارِدِ) تَصْرِيحٌ بِجَوابٍ ما ضَمَّنُوهُ في قَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ مِن خِسَّةِ الشُّرَكاءِ وأنَّهُ لَوْلا مَكانُهم لَكانَ يُمْكِنُ الاتِّباعُ إظْهارًا لِلتَّصَلُّبِ فِيها هو فِيهِ وأنَّ ما يُورِدُهُ ويُصْدِرُهُ عَنْ بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يُوافِيهِ وأنّى يَدَعُ الحَقَّ الأبْلَجَ بِالباطِلِ اللَّجْلَجِ، ثُمَّ شَرَعَ في الجَوابِ التَّفْصِيلِيِّ بِقَوْلِهِ ﴿ولا أقُولُ﴾ إلَخْ، وهو أحْسَنُ مِمّا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وجَعَلُوا هَذا رَدًّا لِقَوْلِهِمْ ﴿وما نَرى لَكُمْ﴾ إلَخْ كَأنَّهُ يَقُولُ: عَدَمُ اتِّباعِي وتَكْذِيبِي إنْ كانَ لِنَفْيِكم عَنِّي فَضْلَ المالِ والجاهِ فَأنا لَمْ أدَعْهُ ولَمْ أقُلْ لَكم إنَّ خَزائِنَ رِزْقِ اللَّهِ تَعالى ومالَهُ عِنْدِي حَتّى أنَّكم تُنازِعُونِي في ذَلِكَ وتُنْكِرُونَهُ، وإنَّما كانَ مِنِّي دَعْوى الرِّسالَةِ المُؤَيَّدَةِ بِالمُعْجِزاتِ، ولَعَلَّ جَوابَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ مُسْتَتْبَعٌ لِلْجَوابِ عَنْهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ عُنِيَ بِهِ مُتَّبِعُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، وجَعَلَهُ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ كَما جَوَّزَهُ الطَّبَرْسِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وحَمْلُ الخَزائِنِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

صفحة 43

وقالَ الجُبّائِيُّ: وأبُو مُسْلِمٍ: إنَّ المُرادَ بِها مَقْدُوراتُ اللَّهِ تَعالى أيْ لا أقُولُ لَكم حِينَ أدَّعِي النُّبُوَّةَ عِنْدِي مَقْدُوراتُ اللَّهِ تَعالى فَأفْعَلُ ما أشاءُ وأُعْطِي ما أشاءُ وأمْنَعُ ما أشاءُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ -بَلْ أدْهى وأمَرُّ- قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ: إنَّ المُرادَ بِها غُيُوبُ اللَّهِ تَعالى وما انْطَوى عَنِ الخَلْقِ، وجَعَلَ ابْنُ الخازِنِ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَطْفًا عَلى ( لا أسْألُكم ) إلَخْ، والمَعْنى عِنْدَهُ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ الَّتِي لا يُفْنِيها شَيْءٌ فَأدْعُوكم إلى اتِّباعِي عَلَيْها …

32

قَالُوا۟ يَٰنُوحُ قَدْ جَٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

They said, "O Noah, you have disputed us and been frequent in dispute of us. So bring us what you threaten us, if you should be of the truthful."

﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ أيْ خاصَمْتَنا ونازَعْتَنا وأصْلُهُ مِن جَدَلْتُ الحَبْلَ أيْ أحْكَمْتُ فَتْلَهُ ومِنهُ الجَدِيلُ وجَدَلْتُ البِناءَ أحْكَمْتُهُ، ودِرْعٌ مَجْدُولَةٌ والأجْدَلُ الصَّقْرُ المُحْكَمُ البِنْيَةَ والمِجْدَلُ القَصْرُ المُحْكَمُ البِناءَ، وسُمِّيَتِ المُنازَعَةُ جِدالًا لِأنَّ المُتَجادِلَيْنِ كَأنَّهُما يَفْتِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ عَنْ رَأْيِهِ، وقِيلَ: الأصْلُ في الجِدالِ الصِّراعُ وإسْقاطُ الإنْسانِ صاحِبَهُ عَلى الجَدالَةِ وهي الأرْضُ الصُّلْبَةُ.

﴿فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ عَلى مَعْنى شَرَعْتَ في جِدالِنا فَأطَلْتَهُ أوْ أتَيْتَ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الجِدالِ فَأعْقَبْتَهُ بِأنْواعٍ أُخَرَ، فالفاءُ عَلى ظاهِرِها ولا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِ جادَلْتَنا بِأرَدْتَ جِدالَنا كَما قالَهُ الجُمْهُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ونَظِيرُ ذَلِكَ جادَلَ فُلانٌ فَأكْثَرَ، وجَعَلَ بَعْضُهم مَجْمُوعَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ التَّمادِي والِاسْتِمْرارِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما جَدَلَنا، وهو -كَما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ- اسْمٌ بِمَعْنى الجِدالِ ولَمّا حَجَّهم عَلَيْهِ السَّلامُ وأبْرَزَ لَهم ما ألْقَمَهم بِهِ الحَجْرَ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ وقالُوا: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ العَذابَ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ بِناءً عَلى أنْ لا يَكُونَ المُرادُ بِاليَوْمِ يَوْمَ القِيامَةِ و(ما) مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ بِالَّذِي تَعِدُنا بِهِ، وفي البَحْرِ تَعِدْناهُ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وفِيهِ نَوْعُ تَكَلُّفٍ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في حُكْمِكَ بِلُحُوقِ العَذابِ إنْ لَمْ نُؤْمِن بِكَ.

33

قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

He said, "Allah will only bring it to you if He wills, and you will not cause [Him] failure.

﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ أيْ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيَّ ولا مِمّا هو داخِلٌ تَحْتَ قُدْرَتِي، وإنَّما هو لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ وعَصَيْتُمْ أمْرَهُ يَأْتِيكم بِهِ عاجِلًا أوْ آجِلًا إنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكْمَةِ، وفِيهِ كَما قِيلَ: ما لا يَخْفى مِن تَهْوِيلِ المَوْعُودِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الإتْيانُ بِهِ أمْرٌ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ القُوى البَشَرِيَّةِ وإنَّما يَفْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى.

وفِي الإتْيانِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ الجامِعِ تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ التَّهْوِيلِ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بِمَصِيرَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عاجِزًا بِدَفْعِ العَذابِ أوِ الهَرَبِ مِنهُ، والباءُ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لِلِاسْتِمْرارِ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ وتَأْكِيدُهُ لا نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ والتَّأْكِيدِ ولَهُ نَظائِرُ.

34

وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

And my advice will not benefit you - although I wished to advise you - If Allah should intend to put you in error. He is your Lord, and to Him you will be returned."

﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ النُّصْحُ تَحَرِّي قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ فِيهِ صَلاحٌ وهو كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، وقِيلَ: هو إعْلامُ مَواقِعِ الغَيِّ لِيتَّقى ومَواضِعِ الرُّشْدِ لِيَقْتَفِيَ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: نَصَحْتُ لَهُ الوِدَّ أيْ أخْلَصْتُهُ

صفحة 46

وناصِحُ العَسَلِ خالِصُهُ، أوْ مِن قَوْلِهِمْ نَصَحْتُ الجِلْدَ خِطْتُهُ والنّاصِحُ الخَيّاطُ، والنِّصاحُ الخَيْطُ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ (نَصْحِي) بِفَتْحِ النُّونِ وهو مَصْدَرٌ، وعَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ -عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالشُّكْرِ وأنْ يَكُونَ اسْمًا ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ﴾ لَكم شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ ولَيْسَ جَوابًا لَهُ لِامْتِناعِ تَقَدُّمِ الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ عَلى الأصَحِّ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ، أيْ إنْ أرَدْتُمْ أنْ أنْصَحَ لَكم لا يَنْفَعُكم نُصْحِي، والجُمْلَةُ كُلُّها دَلِيلُ جَوابِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ والتَّقْدِيرُ إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَإنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم لا يَنْفَعُكم نُصْحِي، وجَعَلُوا الآيَةَ مِن بابِ اعْتِراضِ الشَّرْطِ عَلى الشَّرْطِ، وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ لِابْنِ عَقِيلٍ أنَّهُ إذا تَوالى شَرْطانِ مَثَلًا كَقَوْلِكَ: إنْ جِئْتَنِي إنْ وعَدْتُكَ أحْسَنْتُ إلَيْكَ، فالجَوابُ لِلْأوَّلِ واسْتَغْنى بِهِ عَنْ جَوابِ الثّانِي وزَعَمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ مُقَيِّدٌ لِلْأوَّلِ بِمَنزِلَةِ الحالِ فَكَأنَّهُ قِيلَ في المِثالِ: إنْ جِئْتَنِي في حالِ وعْدِي لَكَ أحْسَنْتُ إلَيْكَ، والصَّحِيحُ في المَسْألَةِ أنَّ الجَوابَ لِلْأوَّلِ وجَوابُ الثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الشَّرْطِ الثّانِي وجَوابِهِ عَلَيْهِ، فَإذا قُلْتَ: إنْ دَخَلْتَ الدّارَ إنْ كَلَّمْتَ زَيْدًا إنْ جاءَ إلَيْكَ فَأنْتَ حُرٌّ، فَأنْتَ حُرٌّ جَوابُ إنْ دَخَلْتَ وهو وجَوابُهُ دَلِيلُ جَوابِ إنْ كَلَّمْتَ، وإنْ كَلَّمْتَ وجَوابُهُ دَلِيلُ جَوابِ إنْ جاءَ، والدَّلِيلُ عَلى الجَوابِ جَوابٌ في المَعْنى، والجَوابُ مُتَأخِّرٌ فالشَّرْطُ الثّالِثُ مُقَدَّمٌ، وكَذا الثّانِي، فَكَأنَّهُ قِيلَ إنْ جاءَ فَإنْ كَلَّمْتَ فَإنْ دَخَلْتَ فَأنْتَ حُرٌّ فَلا يُعْتَقُ إلّا إذا وقَعَ هَكَذا مَجِيءٌ، ثُمَّ كَلامٌ ثُمَّ دُخُولٌ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وذَكَرَ الجَصّاصُ أنَّ فِيها خِلافًا بَيْنَ مُحَمَّدٍ وأبِي يُوسُفَ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى ولَيْسَ مَذْهَبُ الإمامِ الشّافِعِيِّ فَقَطْ، وقالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: إنَّ الجَوابَ لِلْأخِيرِ والشَّرْطُ الأخِيرُ وجَوابُهُ جَوابُ الثّانِي، والشَّرْطُ الثّانِي وجَوابُهُ جَوابُ الأوَّلِ، وعَلى هَذا لا يُعْتَقُ حَتّى يُوجَدَ هَكَذا دُخُولٌ ثُمَّ كَلامٌ ثُمَّ مَجِيءٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إذا اجْتَمَعَتْ حَصَلَ العِتْقُ مِن غَيْرِ تَرْتِيبٍ وهَذا إذا كانَ التَّوالِي بِلا عاطِفٍ، فَإنْ عُطِفَ بِأوْ فالجَوابُ لِأحَدِهِما دُونَ تَعْيِينٍ نَحْوُ: إنْ جِئْتَنِي أوْ إنْ أكْرَمْتَ زَيْدًا أحْسَنْتُ إلَيْكَ، وإنْ كانَ بِالواوِ فالجَوابُ لَهُما، وإنْ كانَ بِالفاءِ فالجَوابُ لِلثّانِي وهو وجَوابُهُ جَوابُ الأوَّلِ، فَتَخْرُجُ الفاءُ عَنِ العَطْفِ، وادَّعى ابْنُ هِشامٍ أنَّ في كَوْنِ الآيَةِ مِن ذَلِكَ البابِ نَظَرًا قالَ: إذْ لَمْ يَتَوالَ شَرْطانِ وبَعْدَهُما جَوابٌ كَما فِيما سَمِعْتَ مِنَ الأمْثِلَةِ، وكَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:

إنْ تَسْتَغِيثُوا بِنا إنْ تَذْعَرُوا تَجِدُوا مِنّا مَعاقِلَ عِزٍّ زانَها كَرَمُ

إذْ لَمْ يَذْكُرْ فِيها جَوابٌ وإنَّما تَقَدَّمَ عَلى الشَّرْطَيْنِ ما هو جَوابٌ في …

35

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُجْرِمُونَ

Or do they say [about Prophet Muhammad], "He invented it"? Say, "If I have invented it, then upon me is [the consequence of] my crime; but I am innocent of what [crimes] you commit."

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: يَعْنِي نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ بَلْ أيَقُولُ قَوْمُ نُوحٍ أنَّ نُوحًا افْتَرى ما جاءَ بِهِ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (قُلْ) يا نُوحُ ﴿إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ بِالفَرْضِ البَحْتِ

صفحة 48

﴿فَعَلَيَّ إجْرامِي﴾ أيْ وبالُهُ فَهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ عَلى التَّجَوُّزِ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبِّبِ، وفُسِّرَ الإجْرامُ بِكَسْبِ الذَّنْبِ وهو مَصْدَرُ أجْرَمَ، وجاءَ عَلى قِلَّةِ جُرْمٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:

طَرِيدُ عَشِيرَةٍ ورَهِينُ ذَنْبٍ بِما جَرَمَتْ يَدِي وجَنى لِسانِي

وقُرِئَ (أجْرامِي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ كَما قالَ النَّحّاسُ: جَمْعُ جُرْمٍ، واسْتَشْكَلَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ الشَّرْطِيَّةَ بِأنَّ الِافْتِراءَ المَفْرُوضَ هُنا ماضٍ والشَّرْطُ يَخْلُصُ لِلِاسْتِقالِ بِإجْماعِ أئِمَّةَ العَرَبِيَّةِ، وأجابَ أنَّ المُرادَ -كَما قالَ ابْنُ السِّراجِ- إنْ ثَبَتَ أنِّي افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ ﴿وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أيْ مِن إجْرامِكم في إسْنادِ الِافْتِراءِ إلَيَّ، قِيلَ: والأصْلُ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ عُقُوبَةُ افْتِرائِي ولَكِنَّهُ فَرْضٌ مُحالٌ وأنا بَرِيءٌ مِنِ افْتِرائِكم أيْ نِسْبَتِكم إيّايَ إلى الِافْتِراءِ، وعَدَلَ عَنْهُ إدْماجًا لِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، وأنَّ المَسْألَةَ مَعْكُوسَةٌ، وحُمِلَتْ (ما) عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِما في المَوْصُولِيَّةِ مِن تَكَلُّفِ حَذْفِ العائِدِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ﴿إجْرامِي﴾ فِيما قَبْلُ، وما يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ الآيَةَ مِن تَتِمَّةِ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وفي شَأْنِهِ هو الظّاهِرُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّها في شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ مُشْرِكِي مَكَّةَ أيْ بَلْ أيَقُولُ مُشْرِكُو مَكَّةَ افْتَرى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَبَرَ نُوحٍ قِيلَ: وكَأنَّهُ إنَّما جِيءَ بِهِ في تَضاعِيفِ القِصَّةِ عِنْدَ سُوقِ طَرَفٍ مِنها تَحْقِيقًا لِحَقِيقَتِها وتَأْكِيدًا لِوُقُوعِها وتَشْوِيقًا لِلسّامِعِينَ إلى اسْتِماعِها لا سِيَّما وقَدْ قَصَّ مِنها طائِفَةً مُتَعَلِّقَةً بِما جَرى بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ المَحاجَّةِ، وبَقِيَتْ طائِفَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِعَذابِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِذَلِكَ بَعِيدٌ وإنْ وُجِّهَ بِما وُجِّهَ، وقالَ في الكَشْفِ: إنَّ كَوْنَها في شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أظْهَرَ وأنْسَبَ مِن كَوْنِها مِن تَتِمَّةِ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ كالتَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ دَلالَةً عَلى كَمالِ العِنادِ وأنَّ مِثْلَهُ بَعْدَ الإتْيانِ بِالقِصَّةِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ المُعْجِزِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُنْسَبَ إلى افْتِراءٍ فَجاءَ زِيادَةَ إنْكارٍ عَلى إنْكارٍ كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ أمَعَ هَذا البَيانِ أيْضًا يَقُولُونَ ( افْتَراهُ ) وهو نَظِيرُ اعْتِراضِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ: ﴿وإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ بَيَّنَ قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، انْتَهى، ولا أُراهُ مُعَوَّلًا عَلَيْهِ.

36

وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

And it was revealed to Noah that, "No one will believe from your people except those who have already believed, so do not be distressed by what they have been doing.

﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ﴾ إقْناطٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إيمانِهِمْ وإعْلامٌ بِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مَن يُتَوَقَّعُ إيمانُهُ. أخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَضْرِبُ ثُمَّ يَلُفُّ في لُبَدٍ فَيَلْقى في بَيْتِهِ يَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ ماتَ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَدْعُوهُمْ، واتُّفِقَ أنْ جاءَهُ رَجُلٌ ومَعَهُ ابْنُهُ وهو يَتَوَكَّأُ عَلى عَصًا فَقالَ: يا بُنَيَّ انْظُرْ هَذا الشَّيْخَ لا يَغُرَّنَّكَ، قالَ: يا أبَتِ أمْكِنِّي مِنَ العَصا فَأخَذَ العَصا ثُمَّ قالَ: ضَعْنِي عَلى الأرْضِ فَوَضَعَهُ فَمَشى إلَيْهِ فَضَرَبَهُ فَشَجَّهُ مُوضِحَةً في رَأْسِهِ وسالَتِ الدِّماءُ فَقالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: رَبِّ قَدْ تَرى ما يَفْعَلُ بِي عِبادُكَ فَإنْ يَكُ لَكَ في عِبادِكَ حاجَةٌ فاهْدِهِمْ، وإنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَصَبِّرْنِي إلى أنْ تَحْكُمَ وأنْتَ خَيْرُ الحاكِمِينَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وآيَسَهُ مِن إيمانِ قَوْمِهِ وأخْبَرَهُ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ في أصْلابِ الرِّجالِ ولا في أرْحامِ النِّساءِ مُؤْمِنٌ، وقالَ سُبْحانَهُ: ( يا نُوح إنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ ) إلَخْ، والمُرادُ بِمَن آمَنَ قِيلَ: مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى الإيمانِ ولِلدَّوامِ حُكْمُ الحُدُوثِ ولِذا لَوْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ هَذا الثَّوْبَ وهو لابِسُهُ فَلَمْ يَنْزَعْهُ في الحالِ حَنِثَ، وقِيلَ: المُرادُ إلّا مَن قَدِ اسْتَعَدَّ لِلْإيمانِ وتُوُقِّعَ مِنهُ ولا يُرادُ ظاهِرُهُ وإلّا كانَ المَعْنى إلّا مَن آمَنَ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَعَ بُعْدِهِ

صفحة 49

يَقْتَضِي أنَّ مِنَ القَوْمِ مَن آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ وهو يُنافِي تَقْنِيطِهِ مِن إيمانِهِمْ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ ما هو الظّاهِرُ والِاسْتِثْناءُ عَلى حَدِّ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ عَلى ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، فَيُفِيدُ الكَلامُ الإقْناطَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأبْلَغِهِ أيْ لَنْ يُحْدِثَ مِن قَوْمِكَ إيمانًا ويُحَصِّلَهُ بَعْدُ إلّا مَن قَدْ أحْدَثَهُ وحَصَّلَهُ قَبْلُ، وذَلِكَ مِمّا لا يُمْكِنُ لِما فِيهِ مِن تَحْصِيلِ الحاصِلِ وإحْداثِ المُحُدِثِ، فَإحْداثُ الإيمانِ وتَحْصِيلُهُ بَعْدُ مِمّا لا يَكُونُ أصْلًا، وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ لَوْ قِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ وأنَّ المَعْنى لا يُؤْمِنُ أحَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُ هَؤُلاءِ لَكانَ مَعْنًى بَلِيغًا فَتَدَبَّرْ. وقَرَأ أبُو البَرْهَمِ: (وأوْحى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وأنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ وعَلى إجْراءِ (أوْحى) مَجْرى قالَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن أجازَ التَّكْلِيفَ بِما لا يُطاقُ.

﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أيْ لا تَلْتَزِمِ البُؤْسَ ولا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ والإيذاءِ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَقَدْ حانَ وقْتُ الِانْتِقامِ مِنهُمْ

37

وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ

And construct the ship under Our observation and Our inspiration and do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are [to be] drowned."

﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ عَطْفٌ عَلى ( فَلا تَبْتَئِسْ) والأمْرُ قِيلَ: لِلْوُجُوبِ إذْ لا سَبِيلَ إلى صِيانَةِ الرُّوحِ مِنَ الغَرَقِ إلّا بِهِ فَيَجِبُ كَوُجُوبِها وقِيلَ: لِلْإباحَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وألْ في (الفُلْكِ) إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ بِناءً عَلى أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَبْلُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَيُهْلِكُهم بِالغَرَقِ ويُنْجِيهِ ومَن مَعَهُ بِشَيْءٍ يَصْنَعُهُ بِأمْرِهِ تَعالى مِن شَأْنِهِ كَيْتَ وكَيْتَ واسْمُهُ كَذا، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ، والأعْيُنُ حَقِيقَةٌ في الجارِحَةِ وهي جارِيَةٌ مَجْرى التَّمْثِيلِ كَأنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ أعْيُنًا تَكْلَؤُهُ مِن تَعَدِّي الكَفَرَةِ، ومِنَ الزَّيْغِ في الصَّنْعَةِ، والجَمْعُ لِلْمُبالَغَةِ، وقَدِ انْسَلَخَ عَنْهُ لِإضافَتِهِ عَلى ما قِيلَ: مَعْنى القِلَّةِ وأُرِيدَ بِهِ الكَثْرَةُ وحِينَئِذٍ يُقَوِّي أمْرَ المُبالِغَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الأعْيُنَ بِمَعْنى الرُّقَباءِ وأنَّ في ذَلِكَ ما هو مِن أبْلَغِ أنْواعِ التَّجْرِيدِ وذَلِكَ أنَّهم يَنْتَزِعُونَ مِن نَفْسِ الشَّيْءِ آخَرَ مِثْلَهُ في صِفَتِهِ مُبالَغَةً بِكَمالِها كَما أنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ:

أفاتَ بَنُو مَرْوانَ ظُلْمًا دِماءَنا وفي اللَّهِ إنْ لَمْ يَعْدِلُوا حَكَمٌ عَدْلُ

وقَدْ جُرِّدَ هَهُنا مِن ذاتِ المُهَيْمِنِ جَماعَةُ الرُّقَباءِ وهو سُبْحانَهُ الرَّقِيبُ نَفْسُهُ وقِيلَ: إنَّ مُلابَسَةَ العَيْنِ كِنايَةٌ عَنِ الحِفْظِ ومُلابَسَةُ الأعْيُنِ لِمَكانِ الجَمْعِ كِنايَةٌ عَنْ كَمالِ الحِفْظِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ بَسْطُ اليَدِ وبَسْطُ اليَدَيْنِ، فَإنَّ الأوَّلَ كِنايَةٌ عَنِ الجُودِ والثّانِي عَنِ المُبالَغَةِ فِيهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ الحِفْظَ الكامِلَ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ لِما أنَّ الحِفْظَ مِن لَوازِمِ الجارِحَةِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن أعْيُنِنا مَلائِكَتُنا الَّذِينَ جَعَلْناهم عُيُونًا عَلى مَواضِعِ حِفْظِكَ ومَعُونَتِكَ والجَمْعُ حِينَئِذٍ عَلى حَقِيقَتِهِ لا لِلْمُبالَغَةِ، ويُفْهَمُ مِن صَنِيعِ بَعْضِهِمْ أنَّ هَذا مِنَ المُتَشابِهِ، والكَلامُ فِيهِ شَهِيرٌ، فَفي الدُّرِّ المَنثُورِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: ما وصَفَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ في كِتابِهِ فَقِراءَتُهُ تَفْسِيرَهُ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُفَسِّرَهُ بِالعَرَبِيَّةِ ولا بِالفارِسِيَّةِ، وقَرَأ أبُو طَلْحَةَ بْنُ مُصَرِّفٍ: بَأعْيُنّا بِالإدْغامِ ووَحْيِنا إلَيْكَ كَيْفَ تَصْنَعُها وتَعْلِيمِنا. أخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الفُلْكِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنِ اجْعَلْ رَأْسَها كَرَأْسِ الدِّيكِ وجُؤْجُؤَها كَجُؤْجُؤِ الطَّيْرِ وذَنَبَها كَذَنَبِ الدِّيكِ، واجْعَلْ لَها أبْوابًا في جَنْبِها وشُدَّها بِدُسُرٍ، وأمَرَهُ أنْ يَطْلِيَها بِالقارِ ولَمْ يَكُنْ في الأرْضِ قارٌ فَفَجَّرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَيْنَ القارِ حَيْثُ يَنْحِتُها يَغْلِي غَلَيانًا حَتّى طَلاها الخَبَرُ، وفِيهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلَّمَهُ صَنْعَتَها، وقِيلَ: كانَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تُعَلِّمُهُ

صفحة 50

﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ لا تُراجِعُنِي فِيهِمْ ولا تَدْعُنِي بِاسْتِدْفاعِ العَذابِ عَنْهُمْ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ فِيما لَوْ قِيلَ: ولا تَدْعُنِي فِيهِمْ، وحَيْثُ كانَ …

38

وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ

And he constructed the ship, and whenever an assembly of the eminent of his people passed by him, they ridiculed him. He said, "If you ridicule us, then we will ridicule you just as you ridicule.

﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها العَجِيبَةِ.

وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وأخَذَ أوْ أقْبَلَ يَصْنَعُ الفُلْكَ، وكانَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ والكَلْبِيِّ مِن خَشَبِ السّاجِ وقَدْ غَرَسَهُ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَقْطَعْهُ حَتّى صارَ طُولُهُ أرْبَعَمِائَةِ ذِراعٍ والذِّراعُ إلى المَنكِبِ في أرْبَعِينَ سَنَةً عَلى ما رُوِيَ عَنْ سُلَيْمانَ الفَرّاسِيِّ، وقِيلَ: أبْقاهُ عِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: مَكَثَ مِائَةَ سَنَةٍ يَغْرِسُ ويَقْطَعُ ويَيْبَسُ، وقالَ عَمْرُو بْنُ الحَرْثِ: لَمْ يَغْرِسْهُ بَلْ قَطَعَهُ مِن جَبَلِ لُبْنانَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها كانَتْ مِن خَشَبِ الشِّمْشادِ وقَطَعَهُ مِن جَبَلِ لُبْنانَ، وقِيلَ: إنَّهُ ورَدَ في التَّوْراةِ أنَّها كانَتْ مِنَ الصَّنَوْبَرِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ سامٌ وحامٌ ويافِثُ يَنْحِتُونَ مَعَهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَعَهُ أيْضًا أُناسٌ اسْتَأْجَرَهم يَنْحِتُونَ وذُكِرَ أنَّ طُولَها ثَلَثُمِائَةِ ذِراعٍ وعَرْضُها خَمْسُونَ ذِراعًا وارْتِفاعُها في السَّماءِ ثَلاثُونَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ طُولُها ألْفَ ذِراعٍ ومِائَتَيْ ذِراعٍ وعَرْضُها سِتَّمِائَةِ ذِراعٍ وصَنَعَ لَها بابًا في وسَطِها وأتَمَّ صُنْعَها عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ في ثَلاثِ سِنِينَ.

وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ في أرْبَعِينَ سَنَةً وقِيلَ: في سِتِّينَ، وقِيلَ: في مِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: في أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ، واخْتُلِفَ في أنَّهُ في أيِّ مَوْضِعٍ صَنَعَها، فَقِيلَ: في الكُوفَةِ، وقِيلَ: في الهِنْدِ، وقِيلَ: في أرْضِ الجَزِيرَةِ، وقِيلَ: في أرْضِ الشّامِ، وسَفِينَةُ الأخْبارِ في تَحْقِيقِ الحالِ فِيما أرى لا تَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ فِيها إذْ هي غَيْرُ سالِمَةٍ عَنْ عَيْبٍ، فالحَرِيُّ بِحالِ مَن لا يَمِيلُ إلى الفُضُولِ أنْ يُؤْمِنَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَنَعَ الفُلْكَ حَسْبَما قَصَّ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ولا يَخُوضُ في مِقْدارِ طُولِها وعَرْضِها وارْتِفاعِها ومِن أيِّ خَشَبٍ صَنَعَها وبِكم مُدَّةٍ أتَمَّ عَمَلَها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَشْرَحْهُ الكِتابُ ولَمْ تُبَيِّنْهُ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، هَذا في التَّعْبِيرِ بِيَصْنَعُ عَلى ما قِيلَ: مُلاءَمَةً لِلِاسْتِمْرارِ المَفْهُومِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ حالًا مِن ضَمِيرِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ أيِ اسْتَهْزَأُوا بِهِ لِعَمَلِهِ السَّفِينَةَ إمّا لِأنَّهم ما كانُوا يَعْرِفُونَها ولا كَيْفِيَّةَ اسْتِعْمالِها فَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ وسَخِرُوا مِنهُ، ويَشْهَدُ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: اصْنَعِ الفُلْكَ قالَ: يا رَبِّ وما الفُلْكُ؟ قالَ: بَيْتٌ مِن خَشَبٍ يَجْرِي عَلى وجْهِ الماءِ، قالَ: يا رَبِّ: وأيْنَ الماءُ؟ قالَ: إنِّي عَلى ما أشاءُ قَدِيرٌ، وإمّا لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَصْنَعُها في بَرِيَّةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الماءِ وكانُوا يَتَضاحَكُونَ ويَقُولُونَ: يا نُوحُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَ ما كُنْتَ نَبِيًّا، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ السَّفِينَةَ كانَتْ مَعْرُوفَةً بَيْنَهُمْ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وضَعَّفَهُ الذَّهَبِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «كانَ نُوحُ قَدْ مَكَثَ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَدْعُوهم حَتّى كانَ آخِرَ زَمانِهِ غَرَسَ شَجَرَةً فَعَظُمَتْ وذَهَبَتْ كُلَّ مَذْهَبٍ، ثُمَّ قَطَعَها …

39

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌ

And you are going to know who will get a punishment that will disgrace him [on earth] and upon whom will descend an enduring punishment [in the Hereafter]."

﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ يَفْضَحُهُ أوْ يُذِلُّهُ أوْ يُهْلِكُهُ وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمُرادُ بِذَلِكَ العَذابِ الغَرَقُ ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ حُلُولَ الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ دائِمٌ وهو عَذابُ النّارِ و(مَن) عِبارَةٌ عَنْهُمْ، وهي مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِلْعِلْمِ وهو بِمَعْنى المَعْرِفَةِ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ.

وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يُرادَ العِلْمُ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ لَكِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى واحِدٍ وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ الثّانِي اقْتِصارًا لِأنَّ أصْلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، ولا اخْتِصارًا هُنا لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى حَذْفِهِ.

صفحة 52

وقِيلَ: إنَّ (مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرٌ، وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مُعَلَّقٌ عَنْها سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولِ أوِ المَفْعُولَيْنِ، قِيلَ: ولَمّا كانَ مَدارُ سُخْرِيَتِهِمُ اسْتِجْهالَهم إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في مُكابَدَةِ المَشاقِّ الفادِحَةِ لِدَفْعِ ما لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الصِّحَّةِ عَلى زَعْمِهِمْ مِنَ الطُّوفانِ ومُقاساةِ الشَّدائِدِ في عَمَلِ السَّفِينَةِ، وكانُوا يَعُدُّونَهُ عَذابًا قِيلَ: بَعْدَ اسْتِجْهالِهِمْ ( فَسَوْفَ ) إلَخْ يَعْنِي أنَّ ما أُباشِرُهُ لَيْسَ فِيهِ عَذابٌ لاحِقٌ بِي ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) مَن يُعَذَّبُ، ولَقَدْ أصابَ العِلْمُ بَعْدَ اسْتِجْهالِهِمْ مَحَزَّهُ انْتَهى، وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ السُّخْرِيَةِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الِاسْتِجْهالِ.

ولَعَلَّهُ يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى تَقْدِيرِ حَمْلِها عَلى ظاهِرِها أيْضًا بِأدْنى عِنايَةٍ فافْهَمْ، ووَصْفُ العَذابِ بِالإخْزاءِ لِما في الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ مِن لُحُوقِ الخِزْيِ والعارِ عادَةً والتَّعَرُّضُ لِحُلُولِ العَذابِ المُقِيمِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ، وفِيهِ مِنَ المَجازِ ما لا يَخْفى، وتَخْصِيصُهُ بِالمُؤَجَّلِ وإيرادُ الأوَّلِ بِالإتْيانِ غايَةُ الجَزالَةِ، وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّهُ قُرِئَ يَحُلُّ بِضَمِّ الحاءِ.

40

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ

[So it was], until when Our command came and the oven overflowed, We said, "Load upon the ship of each [creature] two mates and your family, except those about whom the word has preceded, and [include] whoever has believed." But none had believed with him, except a few.

﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ غايَةً لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (يَصْنَعُ الفُلْكَ) و(حَتّى) إمّا جارَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، و(إذا) لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ، وإمّا ابْتِدائِيَّةٌ داخِلَةٌ عَلى الشَّرْطِ وجَوابِهِ، والجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وحالُ ما وقَعَ في البَيْنِ قَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، والأمْرُ إمّا واحِدُ الأوامِرِ بِرُكُوبِ السَّفِينَةِ أوْ بِالفَوَرانِ أوْ لِلسَّحابِ بِالإرْسالِ، أوْ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالتَّصَرُّفِ فِيما يُرادُ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وإمّا واحِدُ الأُمُورِ وهو الشَّأْنُ، أعْنِي نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ أيْ نَبَعَ مِنهُ الماءُ وارْتَفَعَ بِشِدَّةٍ كَما تَفُورُ القِدْرُ بِغَلَيانِها وفِيهِ مِن الِاسْتِعارَةِ ما لا يَخْفى، والمُرادُ مِنَ التَّنُّورِ تَنُّورُ الخُبْزِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكانَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ تَنُّورًا لِحَوّاءَ تَخْبِزُ فِيهِ ثُمَّ صارَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ مِن حِجارَةٍ، وقِيلَ: هو تَنُّورٌ في الكُوفَةِ في مَوْضِعِ مَسْجِدِها عَنْ يَمِينِ الدّاخِلِ مِمّا يَلِي بابَ كِنْدَةَ، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقِيلَ: تَنُّورٌ بِالهِنْدِ، وقِيلَ: بِعَيْنِ ورْدَةٍ مِن أرْضِ الجَزِيرَةِ العُمَرِيَّةِ أوْ مِن أرْضِ الشّامِ، وقِيلَ: لَيْسَ المُرادُ بِهِ تَنُّورًا مُعَيَّنًا بَلِ الجِنْسُ، والمُرادُ فارَ الماءُ مِنَ التَّنانِيرِ وفي ذَلِكَ مِن عَجِيبِ القُدْرَةِ ما لا يَخْفى، ولا تَنافِيَ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ إذْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّفْجِيرُ غَيْرَ الفَوَرانِ فَحَصَلَ الفَوَرانُ لِلتَّنُّورِ والتَّفْجِيرُ لِلْأرْضِ، أوْ يُرادُ بِالأرْضِ أماكِنُ التَّنانِيرِ ووَزْنُهُ تَفْعُولٌ مِنَ النُّورِ وأصْلُهُ تَنُوُورٌ فَقُلِبَتِ الواوُ الأُولى هَمْزَةً لِانْضِمامِها ثُمَّ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا ثُمَّ شُدِّدَتِ النُّونُ عِوَضًا عَمّا حُذِفَ، ونُقِلَ هَذا عَنْ ثَعْلَبٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وزْنُهُ فَعُّولٌ، وقِيلَ: عَلى هَذا أنَّهُ أعْجَمِيٌّ ولا اشْتِقاقَ لَهُ ومادَّتُهُ تَنَرَ ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ نُونٌ قَبْلَ راءٍ ونَرْجِسُ مُعَرَّبٌ أيْضًا، والمَشْهُورُ أنَّهُ مِمّا اتَّفَقَ فِيهِ لُغَةُ العَرَبِ والعَجَمِ كالصّابُونِ والسَّمُّورِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ أنَّ التَّنُّورَ وجْهُ الأرْضِ هُنا، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ أشْرَفُ مَوْضِعٍ مِنها أيْ أعْلاهُ وأرْفَعُهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُما عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ تَنْوِيرُ الصُّبْحِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ في اللُّغَةِ العَجَمِيَّةِ بِهَذِهِ المَعانِي الأخِيرَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ فَوَرانُ التَّنُّورِ عَنْ ظُهُورِ العَذابِ وشِدَّةِ الهَوْلِ، وهَذا كَما جاءَ في الخَبَرِ حَمِيَ الوَطِيسُ مَجازًا عَنْ شِدَّةِ الحَرْبِ، ولَيْسَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ كَثِيرُ فَرْقٍ في المَعْنى، وهو مَعْنًى حَسَنٌ بَعِيدٌ عَمّا جاءَتْ بِهِ الأخْبارُ، ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها﴾ أيْ في الفُلْكِ وأنَّثَ الضَّمِيرَ لِأنَّهُ بِمَعْنى السَّفِينَةِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ جَوابُ إذا ﴿مِن كُلٍّ﴾ أيٍّ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الحَيَواناتِ يَنْتَفِعُ بِهِ الَّذِينَ يَنْجُونَ مِنَ الغَرَقِ وذَرارِيُّهم بَعْدُ ولَمْ تَكُنِ العادَةُ جارِيَةً بِخَلْقِهِ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ وأُنْثى

صفحة 53

والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ –بِاحْمِلْ- أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿زَوْجَيْنِ﴾ وهو تَثْنِيَةُ زَوْجٍ، …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.