وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌۭ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ
And I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allah or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel, nor do I say of those upon whom your eyes look down that Allah will never grant them any good. Allah is most knowing of what is within their souls. Indeed, I would then be among the wrongdoers."
﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ شُرُوعٌ -عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- في دَفْعِ الشُّبَهِ الَّتِي أوْرَدُوها تَفْصِيلًا وذَلِكَ مِن قَبِيلِ النَّشْرِ المُشَوِّشِ ثِقَةً بِعِلْمِ السّامِعِ، وتَخَلَّلَ ما تَخَلَّلَ بَيْنَ شُبَهِهِمْ وجَوابِها -عَلى ما قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ- لِأنَّهُ مُقَدِّمَةٌ وتَمْهِيدٌ لِلْجَوابِ وبَيَّنَهُ بِأنَّ قَوْلَهُ ﴿يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ﴾ إثْباتٌ لِنُبُوَّتِهِ، يَعْنِي ما قُلْتُ لَكم ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ إلّا عَنْ بَيِّنَةٍ عَلى إثْباتِ نُبُوَّتِي وصِحَّةِ دَعْوَتِي، لَكِنْ خَفِيَتْ عَلَيْكم وعَمِيَتْ حَتّى أوْرَدْتُمْ تِلْكَ الشُّبَهَ الواهِيَةَ، ومَعَ ذَلِكَ لَيْسَ نَظَرِي فِيما ادَّعَيْتُ إلّا إلى الهِدايَةِ وإنِّي لا أطْمَعُ بِمالٍ حَتّى أُلازِمَ الأغْنِياءَ مِنكم وأطْرُدَ الفُقَراءَ وأنْتُمْ تَجْهَلُونَ هَذا المَعْنى؛ حَيْثُ تَقُولُونَ: اطْرُدِ الفُقَراءَ، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ما بَعَثَنِي إلّا لِلتَّرْغِيبِ في طَلَبِ الآخِرَةِ ورَفْضِ الدُّنْيا فَمَن يَنْصُرُنِي إنْ كُنْتُ أُخالِفُ ما جِئْتُ بِهِ، ثُمَّ شَرَعَ فِيما شَرَعَ، وفي الكَشْفِ إنَّ قَوْلَهُ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ الآيَةَ، جَوابٌ إجْمالِيٌّ عَنِ الشُّبَهِ كُلِّها مَعَ التَّعْبِيرِ بِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ فِيما يَرْمُونَ إلى أدْنى تَدَبُّرٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكُمْ﴾ تَتْمِيمُ لِلتَّعْبِيرِ وحَثٌّ عَلى ما ضَمَّنَهُ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى ما عِنْدَهُ، وقَوْلُهُ (ما أنا بِطارِدِ) تَصْرِيحٌ بِجَوابٍ ما ضَمَّنُوهُ في قَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ مِن خِسَّةِ الشُّرَكاءِ وأنَّهُ لَوْلا مَكانُهم لَكانَ يُمْكِنُ الاتِّباعُ إظْهارًا لِلتَّصَلُّبِ فِيها هو فِيهِ وأنَّ ما يُورِدُهُ ويُصْدِرُهُ عَنْ بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يُوافِيهِ وأنّى يَدَعُ الحَقَّ الأبْلَجَ بِالباطِلِ اللَّجْلَجِ، ثُمَّ شَرَعَ في الجَوابِ التَّفْصِيلِيِّ بِقَوْلِهِ ﴿ولا أقُولُ﴾ إلَخْ، وهو أحْسَنُ مِمّا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وجَعَلُوا هَذا رَدًّا لِقَوْلِهِمْ ﴿وما نَرى لَكُمْ﴾ إلَخْ كَأنَّهُ يَقُولُ: عَدَمُ اتِّباعِي وتَكْذِيبِي إنْ كانَ لِنَفْيِكم عَنِّي فَضْلَ المالِ والجاهِ فَأنا لَمْ أدَعْهُ ولَمْ أقُلْ لَكم إنَّ خَزائِنَ رِزْقِ اللَّهِ تَعالى ومالَهُ عِنْدِي حَتّى أنَّكم تُنازِعُونِي في ذَلِكَ وتُنْكِرُونَهُ، وإنَّما كانَ مِنِّي دَعْوى الرِّسالَةِ المُؤَيَّدَةِ بِالمُعْجِزاتِ، ولَعَلَّ جَوابَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ مُسْتَتْبَعٌ لِلْجَوابِ عَنْهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ عُنِيَ بِهِ مُتَّبِعُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، وجَعَلَهُ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ كَما جَوَّزَهُ الطَّبَرْسِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وحَمْلُ الخَزائِنِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
صفحة 43
وقالَ الجُبّائِيُّ: وأبُو مُسْلِمٍ: إنَّ المُرادَ بِها مَقْدُوراتُ اللَّهِ تَعالى أيْ لا أقُولُ لَكم حِينَ أدَّعِي النُّبُوَّةَ عِنْدِي مَقْدُوراتُ اللَّهِ تَعالى فَأفْعَلُ ما أشاءُ وأُعْطِي ما أشاءُ وأمْنَعُ ما أشاءُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ -بَلْ أدْهى وأمَرُّ- قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ: إنَّ المُرادَ بِها غُيُوبُ اللَّهِ تَعالى وما انْطَوى عَنِ الخَلْقِ، وجَعَلَ ابْنُ الخازِنِ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَطْفًا عَلى ( لا أسْألُكم ) إلَخْ، والمَعْنى عِنْدَهُ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ الَّتِي لا يُفْنِيها شَيْءٌ فَأدْعُوكم إلى اتِّباعِي عَلَيْها …