Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 11–20 of 123

11

إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌۭ كَبِيرٌۭ

Except for those who are patient and do righteous deeds; those will have forgiveness and great reward.

﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الإنْسانِ، وهو مُتَّصِلٌ إنْ كانَتْ ألْ فِيهِ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، وهو الَّذِي نَقَلَهُ الطَّبَرَسِيُّ مُخالِفًا لِابْنِ الخازِنِ عَنِ الفَرّاءِ، ومُنْقَطِعٌ إنْ كانَتْ لِلْعَهْدِ إشارَةٌ إلى الإنْسانِ الكافِرِ مُطْلَقًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ مِنهُ كافِرٌ مُعَيَّنٌ وهو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، وحَدِيثُ الِانْقِطاعِ عَلى الرِّوايَتَيْنِ مُتَّصِلٌ، ونُسِبَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِهِما إلى الزَّجّاجِ والأخْفَشِ، وأيّامّا كانَ فالمُرادُ صَبَرُوا عَلى ما أصابَهم مِنَ الضَّرّاءِ سابِقًا أوْ لاحِقًا إيمانًا بِاللَّهِ تَعالى واسْتِسْلامًا لِقَضائِهِ تَعالى.

﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ شُكْرًا عَلى نِعَمِهِ سُبْحانَهُ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، قالَ المُدَقِّقُ في الكَشْفِ: لِما تَضَمَّنَ اليَأْسُ عَدَمَ الصَّبْرِ، والكُفْرانُ عَدَمَ الشُّكْرِ كانَ المُسْتَثْنى مِن ذَلِكَ ضِدَّهُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِالصَّبْرِ والشُّكْرِ، فَلَمّا قِيلَ: (إلّا الَّذِينَ) إلَخْ كانَ بِمَنزِلَةِ إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وشَكَرُوا وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِ، فَكُنِّيَ بِهِما عَنْهُ فَلِذا فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: إلّا الَّذِينَ آمَنُوا، فَإنَّ عادَتَهم إذا أتَتْهم رَحْمَةٌ أنْ يَشْكُرُوا وإذا زالَتْ عَنْهم نِعْمَةٌ أنْ يَصْبِرُوا؛ فَلِذا حَسُنَتِ الكِنايَةُ بِهِ عَنِ الإيمانِ، ثُمَّ عَرَّضَ بِشَيْخِهِ الطِّيبِيِّ بِقَوْلِهِ: وأمّا دَلالَةُ (صَبَرُوا) عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ شُكْرٌ لِأنَّهُ ورَدَ في الأثَرِ: «الإيمانُ نِصْفانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ ونِصْفٌ شُكْرٌ،» ودَلالَةُ عَمِلُوا عَلى أنَّ الصَّبْرَ إيمانٌ لِأنَّهُما ضَمِيمَتانِ في الأكْثَرِ فَغَيْرُ مُطابِقٍ لِما نَحْنُ فِيهِ إلّا أنْ يُرادَ وجْهٌ آخَرُ كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا المُؤْمِنَ الصّالِحَ الصّابِرَ الشّاكِرَ وهو وجْهٌ، لَكِنَّ القَوْلَ ما قالَتْ حِذامُ لِأنَّ الكِنايَةَ تُفِيدُ ذَلِكَ مَعَ ما فِيها مِنَ الحُسْنِ والمُبالَغَةِ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أيْ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ لِذُنُوبِهِمْ ما كانَتْ ﴿وأجْرٌ﴾ ثَوابٌ لِأعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ ﴿كَبِيرٌ﴾ وُصِفَ بِذَلِكَ لِما احْتَوى عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ ورَفْعِ التَّكالِيفِ والأمْنِ مِنَ العَذابِ ورِضا اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنْهُمْ، والنَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ في جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ، ووَجْهُ تَعَلُّقِ الآياتِ الثَّلاثِ بِما قَبْلَهُنَّ عَلى ما في البَحْرِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ عَذابَ الكُفّارِ وإنْ تَأخَّرَ لا بُدَّ أنْ يَحِيقَ بِهِمْ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ وكَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ العَذابَ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ كُفْرِ نَعْماءِ اللَّهِ تَعالى، وما يَتَرَتَّبُ عَلى إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ مِمّا لا يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ البَطَرِ والفَخْرِ، قِيلَ: وهو إشارَةٌ إلى أنَّ الوَجْهَ تَضَمُّنُ الآياتِ تَعْلِيلَ الحَيْقِ ويُبْعِدُهُ تَعْلِيلُهُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ قَبْلُ، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ الِاشْتِراكُ في الذَّمِّ فَما تَضْمَنُهُ الآياتُ قَبْلَ بَيانِ بَعْضِ هِناتِهِمْ وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ بَيانُ بَعْضٍ آخَرَ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ وجْهَ التَّعَلُّقِ مِن حَيْثُ إنَّ إذاقَةَ النَّعْماءِ ومِساسَ الضَّرّاءِ فَصْلٌ مِن بابِ الِابْتِلاءِ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّفْصِيلِ …

12

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌ

Then would you possibly leave [out] some of what is revealed to you, or is your breast constrained by it because they say, "Why has there not been sent down to him a treasure or come with him an angel?" But you are only a warner. And Allah is Disposer of all things.

﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ أيْ تَتْرُكُ تَبْلِيغَ بَعْضِ ما يُوحى إلَيْكَ وهو ما يُخالِفُ رَأْيَ المُشْرِكِينَ مَخافَةَ رَدِّهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ بِهِ، فاسْمُ الفاعِلِ لِلْمُسْتَقْبَلِ ولِذا عَمِلَ، و–لَعَلَّ- لِلتَّرَجِّي وهو يَقْتَضِي التَّوَقُّعَ، ولا يَلْزَمُ مِن تُوَقِّعِ الشَّيْءِ وُقُوعُهُ ولا تَرَجَّحَ وُقُوعُهُ لِجَوازِ أنْ يُوجَدَ ما يَمْنَعُ مِنهُ، فَلا يَشْكُلُ بِأنَّ تَوَقُّعَ تَرْكِ التَّبْلِيغِ مِنهُ ﷺ مِمّا لا يَلِيقُ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ، والمانِعُ مِن ذَلِكَ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِصْمَتُهُ كَسائِرِ الرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنْ كَتْمِ الوَحْيِ المَأْمُورِ بِتَبْلِيغِهِ والخِيانَةِ فِيهِ وتَرْكِهِ تَقِيَّةً، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَحْرِيضُهُ ﷺ وتَهْيِيجُ داعِيَتِهِ لِأداءِ الرِّسالَةِ، ويُقالُ نَحْوُ ذَلِكَ في كُلِّ تَوَقُّعٍ نَظِيرِ هَذا التَّوَقُّعِ، وقِيلَ: إنَّ التَّوَقُّعَ تارَةً يَكُونُ لِلْمُتَكَلِّمِ وهو الأصْلُ

صفحة 19

لِأنَّ المَعانِيَ الإنْشائِيَّةَ قائِمَةٌ بِهِ، وتارَةً لِلْمُخاطَبِ، وأُخْرى لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ تَعَلُّقٌ ومُلابَسَةٌ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هُنا هَذا الأخِيرُ ويُجْعَلَ التَّوَقُّعُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى أنَّكَ بَلَغَ بِكَ الجُهْدُ في تَبْلِيغِهِمْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ أنَّهم يَتَوَقَّعُونَ مِنكَ تَرْكَ التَّبْلِيغِ لِبَعْضِهِ، وقِيلَ: إنَّ –لَعَلَّ- هُنا لَيْسَتْ لِلتَّرَجِّي بَلْ هي لِلتَّبْعِيدِ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِذَلِكَ كَما تَقُولُ العَرَبُ: لَعَلَّكَ تَفْعَلُ كَذا لِمَن لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فالمَعْنى لا تَتْرُكُ، وقِيلَ: إنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَما في الحَدِيثِ، «لَعَلَّنا أعْجَلْناكَ» واخْتارَ السَّمِينُ، وغَيْرُهُ كَوْنَها لِلتَّرَجِّي بِالنِّسْبَةِ إلى المُخاطَبِ عَلى ما عَلِمْتُ آنِفًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى كَأنِّي بِكَ سَتَتْرُكُ بَعْضَ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِمّا شَقَّ عَلَيْكَ بِإذْنِي ووَحْيٍ مِنِّي، وهو أنْ يُرَخِّصَ لَكَ فِيهِ كَأمْرِ الواحِدِ بِمُقاوَمَةِ عَشَرَةٍ إذْ أُمِرُوا بِمُقاوَمَةِ الواحِدِ لِاثْنَيْنِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّخْفِيفاتِ؛ لِأنَّهُ وإنْ زالَ بِهِ الإشْكالُ إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ أنْ يَقُولُوا يَأْباهُ، نَعَمْ قِيلَ: لَوْ أُرِيدَ تَرْكُ الجِدالِ بِالقُرْآنِ إلى الجِلادِ، والضَّرْبِ والطِّعانِ؛ لَأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ نازِلَةٌ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ- صَحَّ لَكِنَّ في الكَشْفِ بَعْدَ كَلامِ: اعْلَمْ لَوْ أخَذْتَ التَّأمُّلَ لاسْتَبانَ لَكَ أنَّ مَبْنى هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ عَلى إرْشادِهِ تَعالى كِبْرِياؤُهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ مِن مُفْتَتِحِها إلى مُخْتَتِمِها وإلى ما يَعْتَرِي لِمَن تَصَدّى لِهَذِهِ الرُّتْبَةِ السَّنِيَّةِ مِنَ الشَّدائِدِ واحْتِمالُهُ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ في الدّارَيْنِ مِنَ العَوائِدِ لا عَلى التَّسَلِّي لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّهُ لا يُطابِقُ المَقامَ، وانْظُرْ إلى الخاتِمَةِ الجامِعَةِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ تَقْضِ العَجَبَ وهو يُبْعِدُ هَذِهِ الإرادَةَ إنْ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّخْفِيفِ المُؤْذِنِ بِالتَّسَلِّي فَتَأمَّلْهُ. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وضائِقٌ بِهِ﴾ لِما يُوحِي أوْ لِلْبَعْضِ وهو الظّاهِرُ عِنْدَ أبِي حَيّانَ، وقِيلَ: لِلتَّبْلِيغِ أوْ لِلتَّكْذِيبِ، وقِيلَ: هو مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ أنْ يَقُولُوا، والواوُ لِلْعَطْفِ ﴿وضائِقٌ﴾ قِيلَ: …

13

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍۢ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَٰتٍۢ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Or do they say, "He invented it"? Say, "Then bring ten surahs like it that have been invented and call upon [for assistance] whomever you can besides Allah, if you should be truthful."

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ إضْرابٌ بِأمِ المُنْقَطِعَةِ عَنْ ذِكْرِ تَرْكِ اعْتِدادِهِمْ بِما يُوحى وعَدَمِ اكْتِفائِهِمْ بِما فِيهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ الدَّعْوى، وشُرُوعٍ في ذِكْرِ ارْتِكابِهِمْ لِما هو أشَدُّ مِنهُ وأعْظَمُ، وتُقَدَّرُ بِبَلْ، والهَمْزَةُ الإنْكارِيَّةُ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ، وذَهَبَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ إلى أنَّ (أمْ) مُتَّصِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ أيَكْتَفُونَ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ أمْ يَقُولُونَ إنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ البارِزُ في (افْتَراهُ) لِما يُوحى (قُلْ) إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ ﴿فَأْتُوا﴾ أنْتُمْ أيْضًا ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ وهو نَعْتٌ –لِسُوَرٍ- وكانَ الظّاهِرُ مُطابَقَتَهُ لَها في الجَمْعِ لَكِنَّهُ أفْرَدَ بِاعْتِبارِ مُماثَلَةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إذْ هو المَقْصُودُ لا مُماثَلَةُ المَجْمُوعِ، وقِيلَ: مِثْلَ وإنْ كانَ مُفْرَدًا يَجُوزُ فِيهِ المُطابَقَةُ وعَدَمُها فَيُوصَفُ بِهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ نَظَرًا إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ وقَدْ يُطابِقُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ هُنا صِفَةٌ لِمُفْرَدٍ مُقَدَّرٍ أيْ قَدْرَ عَشْرِ سُوَرٍ مِثْلَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ وصْفٌ لِمَجْمُوعِ العَشْرِ لِأنَّها كَلامٌ وشَيْءٌ واحِدٌ، وأيْضًا –عَشْرَ- لَيْسَ بِصِيغَةِ جَمْعٍ فَيُعْطى حُكْمَ المُفْرَدِ –كَنَخْلٍ- مُنْقَعِرٍ- وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ نَعْتٌ آخَرُ –لِسُوَرٍ- قِيلَ: أُخِّرَ عَنْ نَعْتِها بِالمُماثَلَةِ لِما يُوحى لِأنَّهُ النَّعْتُ المَقْصُودُ بِالتَّكْلِيفِ إذْ بِهِ قُعُودُهم عَلى العَجْزِ عَنِ المُعارَضَةِ، وأمّا نَعْتُ الِافْتِراءِ فَلا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ يَدُورُ عَلَيْهِ شَيْءٌ في مَقامِ التَّحَدِّي، وإنَّما ذُكِرَ عَلى نَهْجِ المُساهَلَةِ وإرْخاءِ العِنانِ ولِأنَّهُ لَوْ عُكِسَ التَّرْتِيبُ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ المُرادَ هو المُماثَلَةُ لَهُ في الِافْتِراءِ، والمَعْنى ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ مُماثِلَةٍ لَهُ في البَلاغَةِ مُخْتَلِقاتٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنْ صَحَّ أنِّي اخْتَلَقْتُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِي فَإنَّكم عَرَبٌ فُصَحاءُ بُلَغاءُ ومَبادِي ذَلِكَ فِيكم مِن مُمارَسَةِ الخُطَبِ والأشْعارِ ومُزاوَلَةِ أسالِيبِ النَّظْمِ والنَّثْرِ وحِفْظِ الوَقائِعِ والأيّامِ أتَمُّ.

والكَثِيرُ عَلى أنَّ هَذا التَّحَدِّيَ وقَعَ أوَّلًا فَلَمّا عَجَزُوا تَحَدّاهم ﴿بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ كَما نَطَقَتْ بِهِ سُورَةُ البَقَرَةِ، ويُونُسَ، وهو وإنْ تَأخَّرَ تِلاوَةً مُتَقَدِّمٌ نُزُولًا، وإنَّهُ لا يَجُوزُ العَكْسُ إذْ لا مَعْنى لِلتَّحَدِّي بِعَشْرٍ لِمَن عَجَزَ عَنِ التَّحَدِّي بِواحِدَةٍ وأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ تَعْجِيزَهم عَنِ الإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مُماثِلاتٍ لِعَشْرٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ القُرْآنِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ، وجَعَلَ العَشْرَ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّوَرِ إلى هُنا، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ أكْثَرَ ما ذَكَرَ مَدَنِيٌّ، وهَذِهِ السُّورَةُ حَسْبَما عَلِمْتُ مَكِّيَّةٌ فَكَيْفَ تَصِحُّ الحَوالَةُ بِمَكَّةَ عَلى ما لَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ، ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّ هَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى أنَّ هَذا التَّحَدِّيَ إنَّما وقَعَ بَعْدَ التَّحَدِّي بِسُورَةٍ، ورُوِيَ هَذا عَنِ المُبَرَّدِ وأنْكَرَ تَقَدُّمَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى نُزُولِ تَيْنَكِ السُّورَتَيْنِ وقالَ: بَلْ …

14

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ

And if they do not respond to you - then know that the Qur'an was revealed with the knowledge of Allah and that there is no deity except Him. Then, would you [not] be Muslims?

﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ الخِطابُ -عَلى ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ- لِلْمَأْمُورِينَ بِدُعاءِ مَنِ اسْتَطاعُوا، وضَمِيرُ الجَمْعِ الغائِبِ عائِدٌ إلى مَن أيْ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكم مَن تَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى إلى الإسْعادِ والمُظاهَرَةِ عَلى المُعارَضَةِ لِعِلْمِهِمْ بِالعَجْزِ عَنْهُ وأنَّ طاقَتَهم أقْصَرُ مِن أنْ تَبْلُغَهُ ﴿فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ أيْ ما أُنْزِلَ إلّا مُلْتَبِسًا بِعِلْمِهِ تَعالى لا بِعِلْمِ غَيْرِهِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ كَلِمَةُ (أنَّما) فَإنَّها تَفِيدُ الحَصْرَ كالمَكْسُورَةِ عَلى الصَّحِيحِ، قِيلَ: وهو مَعْنى قَوْلِ مَن قالَ: أيْ مُلْتَبِسًا بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ.

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الحَصْرَ إنَّما أفادَتْهُ الإضافَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ والمُرادُ بِما

صفحة 22

لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ تَعالى الكَيْفِيّاتُ والمَزايا الَّتِي بِها الإعْجازُ والتَّحَدِّي، وذَكَرَ عَدَمَ قُدْرَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ مِمّا يَقْتَضِيهِ السِّياقُ، وإلّا فالمَذْكُورُ في النَّظْمِ الكَرِيمِ العِلْمُ دُونَ القُدْرَةِ، وقِيلَ: ذاكَ لِأنَّ نَفْيَ العِلْمِ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ القُدْرَةِ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى ما لا يَعْلَمُ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ داخِلَةٌ في حَيِّزِ القَوْلِ، وإيرادُ كَلِمَةِ الشَّكِّ مَعَ الجَزْمِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مِن جِهَةِ مَن يَدْعُونَهُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِكَمالِ سَخافَةِ العَقْلِ وتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالعِلْمِ عَلى مُجَرَّدِ عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالدُّعاءِ المَسْبُوقِ بِتَعْجِيزِهِمْ واضْطِرارِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم عِنْدَ التِجائِكم إلَيْهِمْ بَعْدَ ما اضْطَرَرْتُمْ إلى ذَلِكَ وضاعَتْ عَلَيْكُمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِكُمُ العِلَلُ ( فاعْلَمُوا ) إلَخْ.. أوْ مِن حَيْثُ إنَّ مَن يَدْعُونَهم إلى المُعارَضَةِ أقْوى مِنهم في اعْتِقادِهِمْ، فَإذا ظَهَرَ عَجْزُهم بِعَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ، وإنْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ عَجْزِ أنْفُسِكم يَكُونُ عَجْزُهم أظْهَرَ وأوْضَحَ.

وبِمَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا يَظْهَرُ أنْ لا إشْكالَ في الآيَةِ، ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبُ قَوْلُ العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ في أمالِيهِ: إنَّ تَرْتِيبَ هَذا المَشْرُوطِ يَعْنِي العِلْمَ عَلى ذَلِكَ الشَّرْطِ يَعْنِي عَدَمَ الِاسْتِجابَةِ، مُشْكِلٌ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ مُشْكِلٌ أيْضًا إذْ لا تَصِحُّ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ إذْ لَيْسَ العِلْمُ سَبَبًا في إنْزالِهِ، ولا لِلْمُصاحَبَةِ إذِ العِلْمُ لا يَصْحَبُهُ في إنْزالِهِ، وأنَّ الجَوابَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالعِلْمِ إلّا عِلْمَنا نَحْنُ، وأُضِيفَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ لَهُ تَعالى، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ حَيْثُ أُضِيفَتِ الشَّهادَةُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ تَعالى شَرَعَها، والقُرْآنُ قَدْ نَزَلَ بِأدِلَّةِ العِلْمِ بِأحْكامِ اللَّهِ تَبارَكَ اسْمُهُ، فَعَبَّرَ بِالمَدْلُولِ عَنِ الدَّلِيلِ، والتَّقْدِيرُ ﴿فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ﴾ مَصْحُوبًا بِانْتِشارِ عِلْمِ الأحْكامِ، وهي الأدِلَّةُ، ولا شَكَّ أنَّهُ يُناسِبُ إذا عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ الآياتِ أدِلَّةُ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى، انْتَهى. ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ غَفَلَ هَذا العالِمُ الماهِرُ عَنْ ذَلِكَ التَّفْسِيرِ الظّاهِرِ، ولَعَلَّهُ كَما قِيلَ: مِن شِدَّةِ …

15

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ

Whoever desires the life of this world and its adornments - We fully repay them for their deeds therein, and they therein will not be deprived.

﴿مَن كانَ يُرِيدُ﴾ أيْ بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ أيْ ما يُزَيِّنُها ويُحَسِّنُها مِنَ الصِّحَّةِ والأمْنِ وكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ والرِّياسَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وإدْخالِ (كانَ) لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ أيْ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَكادُ يُرِيدُ الآخِرَةَ أصْلًا ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ أيْ نُوَصِّلُ إلَيْهِمْ أُجُورَ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا وافِيَةً، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وقِيلَ: الأعْمالُ عِبارَةٌ عَنِ الأُجُورِ مَجازًا، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ شَيْخِ الإسْلامِ، والأوَّلُ أوْلى، و(نُوَفِّ) مُتَضَمِّنٌ مَعْنى نُوَصِّلُ ولِذا عَدّى بِإلى، وإلّا فَهو مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مَيْمُونٍ –يُوَفِّ- بِالياءِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما –يُوفِ- بِالياءِ مُخَفَّفًا مُضارِعُ أوْفِي، وقُرِئَ –تُوفَ- بِالتّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ (أعْمالُهُمْ) والفِعْلُ في كُلِّ ذَلِكَ مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ كَما انْجَزَمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، وحَكى الفَرّاءُ أنَّ (كانَ) زائِدَةٌ ولِذا جَزَمَ الجَوابَ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَوْ كانَتْ زائِدَةً لَكانَ فِعْلُ الشَّرْطِ (يُرِيدُ) وكانَ يَكُونُ مَجْزُومًا، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ أرادَ بِكَوْنِها زائِدَةً أنَّها غَيْرُ لازِمَةٍ في المَعْنى، وقَرَأ الحَسَنُ –نُوفِي- بِالتَّخْفِيفِ وإثْباتِ الياءِ، وذَلِكَ إمّا عَلى لُغَةِ مَن يَجْزِمُ المَنقُوصَ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ كَما في قَوْلِهِ:

ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمى.

أوْ عَلى ما سُمِعَ في كَلامِ العَرَبِ إذا كانَ الشَّرْطُ ماضِيًا مِن عَدَمِ جَزْمِ الجَزاءِ، وإمّا لِأنَّ الأداةَ لَمّا لَمْ تَعْمَلْ في الشَّرْطِ القَرِيبِ ضَعُفَتْ عَنِ العَمَلِ في لَفْظِ الجَزاءِ البَعِيدِ فَعَمِلَتْ في مَحَلِّهِ

صفحة 24

ونُقِلَ عَنْ عَبْدِ القاهِرِ أنَّها لا تَعْمَلُ فِيهِ أصْلًا لِضَعْفِها، والمَشْهُورُ فِيهِ عَنِ النُّحاةِ مَذْهَبانِ: كَوْنُ الجَزاءِ في نِيَّةِ التَّقْدِيمِ وكَوْنُهُ عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ والمُبْتَدَأُ، ويُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ ذَلِكَ إلى هَذا، ولَيْسَ هَذا مَخْصُوصًا فِيما إذا كانَ الشَّرْطُ كانَ عَلى الصَّحِيحِ لِمَجِيئِهِ في غَيْرِهِ كَثِيرًا، ومِنهُ:

وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ ∗∗∗ يَقُولُ: لا غائِبَ مالِيَ ولا حَرُمَ

﴿وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ أيْ لا يَنْقُصُونَ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ -لِلْحَياةِ الدُّنْيا- وقِيلَ: الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ لِلْأعْمالِ لِئَلّا يَكُونَ تَكْرارًا بِلا فائِدَةٍ، ورَدَّ بِأنَّ فائِدَتَهُ إفادَتُهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّ عَدَمَ البَخْسِ لَيْسَ إلّا في الدُّنْيا فَلَوْ لَمْ يُذْكَرْ تُوُهِّمَ أنَّهُ مُطْلَقٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ ولا ضَرَرَ فِيهِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالبَخْسِ الَّذِي هو نَقْصُ الحَقِّ، ولِذَلِكَ قالَ الرّاغِبُ: هو نَقْصُ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ الظُّلْمِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم شائِبَةُ حَقٍّ فِيما أُوتُوهُ كَما عَبَّرَ عَنْ إعْطائِهِ بِالتَّوْفِيَةِ الَّتِي هي إعْطاءُ الحُقُوقِ مَعَ أنَّ أعْمالَهم بِمَعْزِلٍ مِن كَوْنِها مُسْتَوْجِبَةً لِذَلِكَ -كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ- بِناءً لِلْأمْرِ عَلى ظاهِرِ الحالِ ومُحافِظَةً عَلى صُوَرِ الأعْمالِ، ومُبالَغَةً في نَفْيِ النَّقْصِ كَأنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ لِحُقُوقِهِمْ فَلا …

16

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Those are the ones for whom there is not in the Hereafter but the Fire. And lost is what they did therein, and worthless is what they used to do.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى إرادَةِ الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ بِاعْتِبارِ تَوُفِيَتِهِمْ أُجُورَهم فِيها مِن غَيْرِ بَخْسٍ، أوْ بِاعْتِبارِهِما مَعًا، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في سُوءِ الحالِ ﴿الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ﴾ لِأنَّ هِمَمَهم كانَتْ مَصْرُوفَةً إلى اقْتِناصِ الدُّنْيا وأعْمالُهم كانَتْ مَمْدُودَةً ومَقْصُورَةً عَلى تَحْصِيلِها؛ وقَدْ ظَفِرُوا بِما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يُرِيدُوا بِهِ شَيْئًا آخَرَ فَلا جَرَمَ لَمْ يَكُنْ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وعَذابُها المُخَلَّدُ.

﴿وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها﴾ أيْ في الآخِرَةِ كَما هو الظّاهِرُ، فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ –بِحَبِطَ- و(ما) تَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ والمَوْصُولِيَّةَ أيْ ظَهَرَ في الآخِرَةِ حُبُوطُ صُنْعِهِمْ، أوِ الَّذِي صَنَعُوهُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي كانَتْ تُؤَدِّي إلى الثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ لَوْ كانَتْ مَعْمُولَةً لِلْآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى الدُّنْيا فَيَكُونُ الجارُّ مُتَعَلِّقًا –بِصَنَعُوا- و(ما) عَلى حالِها، والمُرادُ بِحُبُوطِ الأعْمالِ عَدَمُ مُجازاتِهِمْ عَلَيْها لِفَقْدِ الِاعْتِدادِ بِها لِعَدَمِ الإخْلاصِ الَّذِي هو شَرْطْ ذَلِكَ، وقِيلَ: لِجَزائِهِمْ عَلَيْها في الدُّنْيا.

﴿وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

قالَ أبُو حَيّانَ: هو تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (حَبِطَ) إلَخْ، والظّاهِرُ أنَّهُ حَمَلَ ( ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) عَلى مَعْنى ( ما صَنَعُوا ) والبُطْلانُ عَلى عَدَمِ النَّفْعِ وهو راجِعٌ إلى مَعْنى الحُبُوطِ.

ولَمّا رَأى بَعْضُهم أنَّ التَّأْسِيسَ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ أبْقى ما ( يَعْمَلُونَ ) عَلى ذَلِكَ المَعْنى، وحَمَلَ بُطْلانَ ذَلِكَ عَلى فَسادِهِ في نَفْسِهِ لِعَدَمِ شَرْطِ الصِّحَّةِ، وقالَ: كَأنَّ كُلًّا مِنَ الجُمْلَتَيْنِ عِلَّةٌ لِما قَبْلَها عَلى مَعْنى لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارَ لِحُبُوطِ أعْمالِهِمْ وعَدَمِ تَرَتُّبِ الثَّوابِ عَلَيْها لِبُطْلانِها وكَوْنِها لَيْسَتْ عَلى ما يَنْبَغِي، والأوْلى ما صَنَعَهُ المَوْلى

صفحة 25

أبُو السُّعُودِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ حَيْثُ حَمَلَ البَطَلانَ عَلى الفَسادِ في نَفْسِهِ، و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَلى أعْمالِهِمْ في أثْناءِ تَحْصِيلِ المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ ثُمَّ قالَ: ولِأجْلِ أنَّ الأوَّلَ مِن شَأْنِهِ اسْتِتْباعُ الثَّوابِ والأجْرِ وأنَّ عَدَمَهُ لِعَدَمِ مُقارَنَتِهِ لِلْإيمانِ والنِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ، وأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ لَهُ جِهَةٌ صالِحَةٌ قَطُّ عَلَّقَ بِالأوَّلِ الحُبُوطَ المُؤْذِنَ بِسُقُوطِ أجْرِهِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُنْبِئِ عَنِ الحُدُوثِ، وبِالثّانِي البُطْلانَ المُفْصِحَ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ لا طائِلَ تَحْتَهُ أصْلًا بِالِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ وصْفًا لازِمًا لَهُ ثابِتًا فِيهِ، وفي زِيادَةِ –كانَ- في الثّانِي دُونَ الأوَّلِ إيماءٌ إلى أنَّ صُدُورَ أعْمالِ البِرِّ مِنهم وإنْ كانَ لِغَرَضٍ فاسِدٍ لَيْسَ في الِاسْتِمْرارِ والدَّوامِ كَصُدُورِ الأعْمالِ الَّتِي هي مُقَدِّماتُ مَطالِبِهِمُ الدَّنِيئَةِ، انْتَهى.

ويَحْتَمِلُ عِنْدِي عَلى بُعْدِ أنْ يُرادَ -بِما كانُوا يَعْمَلُونَ- هو ما اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ مِن إرادَةِ الحَياةِ الدُّنْيا وهو غَيْرُ ما صَنَعُوهُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي نُسِبَ إلَيْها الحُبُوطُ وإطْلاقُ مِثْلِ ذَلِكَ عَلى الإرادَةِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ؛ لِأنَّها مِن أعْمالِ القَلْبِ، ووَجْهُ الإتْيانِ –بِكانَ- فِيهِ مُوافَقَتُهُ لِما أشارَ هو إلَيْهِ، وفي الجُمْلَةِ تَصْرِيحٌ بِاسْتِمْرارِ بُطْلانِ …

17

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌۭ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًۭا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

So is one who [stands] upon a clear evidence from his Lord [like the aforementioned]? And a witness from Him follows it, and before it was the Scripture of Moses to lead and as mercy. Those [believers in the former revelations] believe in the Qur'an. But whoever disbelieves in it from the [various] factions - the Fire is his promised destination. So be not in doubt about it. Indeed, it is the truth from your Lord, but most of the people do not believe.

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ تَدُلُّ عَلى الحَقِّ والصَّوابِ فِيما يَأْتِيهِ ويَذْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الإسْلامُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُهم بِناءً عَلى أنَّهُ المُناسِبُ لِما بَعْدُ، وأصْلُ –البَيِّنَةِ- كَما قِيلَ: الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَقْلِيَّةً كانَتْ أوْ مَحْسُوسَةً، وتُطْلَقُ عَلى الدَّلِيلِ مُطْلَقًا، وهاؤُها لِلْمُبالَغَةِ أوِ النَّقْلِ، وهي وإنْ قِيلَ: إنَّها مِن بانَ بِمَعْنى تَبَيَّنَ واتَّضَحَ لَكِنَّهُ اعْتُبِرَ فِيها دَلالَةُ الغَيْرِ والبَيانُ لَهُ، وأخَذَها بَعْضُهم مِن صِيغَةِ المُبالَغَةِ، والتَّنْوِينُ فِيها

صفحة 27

هُنا لِلتَّعْظِيمِ أيْ بَيِّنَةٌ عَظِيمَةُ الشَّأْنِ، والمُرادُ بِها القُرْآنُ وبِاعْتِبارِ ذَلِكَ أوِ البُرْهانِ ذُكِرَ الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلَيْها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَتْلُوهُ﴾ أيْ يَتْبَعُهُ ﴿شاهِدٌ﴾ عَظِيمٌ يَشْهَدُ بِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، وهو كَما قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، الإعْجازُ في نَظْمِهِ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ تابِعًا لَهُ أنَّهُ وصْفٌ لَهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ حَتّى يَرِثَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ ومَن عَلَيْها فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ مُعارَضَتَهُ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا.

وكَذا الضَّمِيرُ في (مِنهُ) وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ(شاهِدٌ)، ومَعْنى كَوْنِهِ مِنهُ أنَّهُ غَيْرُ خارِجٍ عَنْهُ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ راجِعًا إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ، ومَعْنى كَوْنِهِ مِنهُ تَعالى أنَّهُ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ لِلشَّهادَةِ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالشّاهِدِ المُعْجِزاتُ الظّاهِرَةُ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّها مِنَ الشَّواهِدِ التّابِعَةِ لِلْقُرْآنِ الوارِدَةِ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأمْرُ التَّبَعِيَّةِ فِيها ظاهِرٌ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الكَيْنُونَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

وعَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ الآتِي: (أُولَئِكَ) إلَخْ لا يُلائِمُهُ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى التَّعْظِيمِ، وأيْضًا إنَّ السِّياقَ كَما سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِلْفَرْقِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ ومَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا لا بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفَسَّرَ أبُو مُسْلِمٍ وغَيْرُهُ البَيِّنَةَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، والشّاهِدَ بِالقُرْآنِ، وضَمِيرَ مِنهُ لِلَّهِ تَعالى، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ، أوْ لِلْقُرْآنِ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ومِن حِينِئِذٍ إمّا بَيانِيَّةً وإمّا تَبْعِيضِيَّةً بِناءً عَلى أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ كُلُّهُ شاهِدًا ولَيْسَ مِنَ التَّجْرِيدِ عَلى ما تَوَهَّمَ الطِّيبِيُّ، فَيَكُونُ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى الدَّلِيلَيْنِ العَقْلِيِّ والسَّمْعِيِّ، ومَعْنى كَوْنِ الثّانِي تابِعًا لِلْأوَّلِ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ مُوافِقٌ لَهُ لا يُخالِفُهُ أصْلًا، ومِن هُنا قالُوا: إنَّ النَّقْلَ الصَّحِيحَ لا يُخالِفُ العَقْلَ الصَّرِيحَ، ولِذا أوْلَوُا الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ إذا خالَفَ ظاهِرُهُ الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ، ولَعَلَّ في التَّعْبِيرِ عَنِ الأوَّلِ بِالبَيِّنَةِ الَّتِي جاءَ إطْلاقُها في كَلامِ الشّارِعِ عَلى شاهِدَيْنِ، وعَنِ الثّانِي بِالشّاهِدِ الإيماءُ إلى أنَّ الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ أقْوى دَلالَةً مِنَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ لِأنَّ دَلالَةَ الأوَّلِ قَطْعِيَّةٌ ودَلالَةَ الثّانِي ظَنِّيَّةٌ غالِبًا لِلِاحْتِمالاتِ الشَّهِيرَةِ …

18

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ

And who is more unjust than he who invents a lie about Allah? Those will be presented before their Lord, and the witnesses will say, "These are the ones who lied against their Lord." Unquestionably, the curse of Allah is upon the wrongdoers.

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ نَسَبَ إلَيْهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ كَقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وقَوْلُهم لِآلِهَتِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ والمُرادُ مِنَ الآيَةِ ذَمُّ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ بِأنَّهم مَعَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى مُفْتَرُونَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ بِمُفْتَرًى، فَإنَّ مَن يَعْلَمُ حالَ مَن يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ كَيْفَ يَرْتَكِبُهُ، وأنْ تَكُونَ مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنِّي أنْ أقُولَ لِما لَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى إنَّهُ كَلامُهُ كَما زَعَمْتُمْ، أوْ مِنكم إنْ كُنْتُمْ نَفَيْتُمْ أنْ يَكُونَ كَلامُهُ سُبْحانَهُ مَعَ تَحَقُّقِ أنَّهُ كَلامُهُ جَلَّ وعَلا، وفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْوِيلِ ما لا يَخْفى، ويَجُوزُ عِنْدِي إذا كانَ ما قَبْلُ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ أنْ يَكُونَ هَذا في بَيانِ حالِ كَفَرَتِهِمُ الَّذِينَ أسْنَدُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ ما لَمْ يُنَزِّلْهُ مِنَ المُحَرَّفِ الَّذِي صَنَعُوهُ ونَفَوْا عَنْهُ سُبْحانَهُ ما أنْزَلَهُ مِنَ القُرْآنِ أوْ مِن نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ أظْلَمَ مِن ذَلِكَ أوْ مُساوِيًا في الظُّلْمِ عَلى ما تَقَدَّمَ ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِالظُّلْمِ البالِغِ وهو الِافْتِراءُ ﴿يُعْرَضُونَ﴾ مِن حَيْثُ إنَّهم مَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ ﴿عَلى رَبِّهِمْ﴾ أيْ مالِكِهِمُ الحَقِّ والمُتَصَرِّفِ فِيهِمْ حَسْبَما يُرِيدُ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: إيماءٌ إلى بُطْلانِ رَأْيِهِمْ في اتِّخاذِهِمْ أرْبابًا مِن دُونِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ أيْ تُعْرَضُ أعْمالُهُمْ، أوْ عَلى ارْتِكابِ المَجازِ ولا يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ لِأنَّ عَرْضَهم مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ وبِذَلِكَ العُنْوانِ عَرْضٌ لِأعْمالِهِمْ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ فَإنَّ عَرْضَ العامِلِ بِعَمَلِهِ أفْظَعُ مِن عَرْضِ عَمَلِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا حَذْفَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( عَلى رَبِّهِمْ ) ويُفَوِّضُ مَن يَقِفُ عَلى اللَّهِ.

وقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ عَلى مَلائِكَةِ رَبِّهِمْ وأنْبِياءِ رَبِّهِمْ، وهُمُ المُرادُ بِالأشْهادِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الأشْهادُ﴾ وتَفْسِيرُهم بِالمَلائِكَةِ مُطْلَقًا هو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ تَفْسِيرُهم بِالحَفَظَةِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ، والأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: جَوارِحُهُمْ، وعَنْ مُقاتِلٍ، وقَتادَةُ هم جَمِيعُ أهْلِ المَوْقِفِ، وهو جَمْعٌ شاهِدٌ بِمَعْنى حاضِرٍ –كَصاحِبٍ وأصْحابٍ- بِناءً عَلى جَوازِ جَمْعِ فاعِلٍ عَلى أفْعالٍ، أوْ جَمْعِ شَهِيدٍ بِمَعْناهُ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ أيْ ويَقُولُ الحاضِرُونَ عِنْدَ العَرْضِ أوْ في مَوْقِفِ القِيامَةِ ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شَهادَةً عَلى تَعْيِينِ مَن صَدَرَ مِنهُ الكَذِبُ كَأنَّ وُقُوعَهُ

صفحة 31

أمْرٌ واضِحٌ غَنِيٌّ عَنِ الشَّهادَةِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلَيْها ذَلِكَ ولِذا لَمْ يَقُولُوا: هَؤُلاءِ كَذَّبُوا بِدُونِ المَوْصُولِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَمًّا لَهم بِتِلْكَ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ لا شَهادَةَ عَلَيْهِمْ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ( ويَقُولُ ) دُونَ ويَشْهَدُ، وتَوْطِئَةٌ لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى …

19

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ

Who averted [people] from the way of Allah and sought to make it [seem] deviant while they, concerning the Hereafter, were disbelievers.

﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ أيْ كُلْ مَن يَقْدِرُونَ عَلى صَدِّهِ أوْ يَفْعَلُونَ الصَّدَّ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ دِينِهِ القَوِيمِ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ كالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مَجازٌ ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ يَطْلُبُونَ لَها انْحِرافًا، والمُرادُ أنَّهم يَصِفُونَها بِذَلِكَ وهي أبْعَدُ شَيْءٍ عَنْهُ، وإطْلاقُ الطَّلَبِ عَلى الوَصْفِ مَجازٌ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ يَبْغُونَ أهْلَها أنْ يَنْحَرِفُوا عَنْها ويَرْتَدُوا، وقِيلَ: المَعْنى يَطْلُبُونَها عَلى عِوَجٍ ونُصِبَ ( عِوَجًا ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ حالٌ ويُؤَوَّلُ بِمُعْوَجِّينَ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ واخْتِصاصِهِمْ بِهِ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الفَصْلِ فَيُفِيدُ الِاخْتِصاصَ وضَرْبًا مِنَ التَّأْكِيدِ، والِاخْتِصاصُ ادِّعائِيٌّ مُبالَغَةً في كُفْرِهِمْ بِالآخِرَةِ كَأنَّ كُفْرَ غَيْرِهِمْ بِها لَيْسَ بِكُفْرٍ في جَنْبِهِ، وقِيلَ: إنَّ التَّكْرِيرَ لِلتَّأْكِيدِ وتَقْدِيمَ ( بِالآخِرَةِ ) لِلتَّخْصِيصِ، والأوْلى كَوْنُ تَقْدِيمِهِ لِرُءُوسِ الآيِ.

20

أُو۟لَٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ

Those were not causing failure [to Allah] on earth, nor did they have besides Allah any protectors. For them the punishment will be multiplied. They were not able to hear, nor did they see.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما يُوجِبُ التَّدْمِيرَ ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ لِلَّهِ تَعالى مُفْلِتِينَ أنْفُسَهم مِن أخْذِهِ لَوْ أرادَ ذَلِكَ

صفحة 32

﴿فِي الأرْضِ﴾ مَعَ سِعَتِها وإنْ هَرَبُوا مِنها كُلَّ مَهْرَبٍ وجَعَلَها بَعْضُهم كِنايَةً عَنِ الدُّنْيا ﴿وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ يَنْصُرُونَهم مِن بَأْسِهِ، ولَكِنْ أخَّرَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ، و(مِن) زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ النَّفْيِ، وجَمَعَ ( أوْلِياءُ ) إمّا بِاعْتِبارِ أفْرادِ الكَفَرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ لِأحَدٍ مِنهم مِن ولِيٍّ، أوْ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ ما كانُوا يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيانًا لِحالِ آلِهَتِهِمْ مِن سُقُوطِها عَنْ رُتْبَةِ الوِلايَةِ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ بَيَّنَ فِيها ما يَكُونُ لَهم ويَحِلُّ بِهِمْ، وادَّعى أنَّها تَتَضَمَّنُ حِكْمَةَ تَأْخِيرِ المُؤاخَذَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها مِن كَلامِ الأشْهادِ، وهي دُعائِيَّةٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ –يُضَعَّفُ- بِالتَّشْدِيدِ ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أيْ أنَّهم كانُوا يَسْتَثْقِلُونَ سَماعَ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ويَسْتَكْرِهُونَهُ إلى أقْصى الغاياتِ حَتّى كَأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَهُ، وهو نَظِيرُ قَوْلِ القائِلِ: العاشِقُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَ كَلامَ العاذِلِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ، ولا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بَدَلَها، وإنْ قِيلَ بِهِ، وبِالجُمْلَةِ لا تَرُدُّ الآيَةُ عَلى المُعْتَزِلَةِ وكَذا عَلى أهْلِ السُّنَّةِ لِأنَّهم لا يَنْفُونَ الِاسْتِطاعَةَ رَأْسًا وإنْ مَنَعُوا إيجادَ العَبْدِ لِشَيْءٍ ما، وكَأنَّهُ لَمّا كانَ قُبْحُ حالِهِمْ في عَدَمِ إذْعانِهِمْ لِلْقُرْآنِ الَّذِي طَرِيقُ تَلَقِّيهِ السَّمْعُ أشَدُّ مِنهُ في عَدَمِ قَبُولِهِمْ سائِرَ الآياتِ المَنُوطَةِ بِالإبْصارِ. بالَغَ سُبْحانَهُ في نَفْيِ الأوَّلِ عَنْهم حَسْبَما عَلِمْتُ واكْتَفى في الثّانِي بِنَفْيِ الإبْصارِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ أنَّهم كانُوا يَتَعامَوْنَ عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى المَبْسُوطَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَنْ عِلَّةِ مُضاعَفَةِ العَذابِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُمُ اسْتَوْجَبُوا تِلْكَ المُضاعَفَةَ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهم كَرِهُوا الحَقَّ أشَدَّ الكَراهَةِ واسْتَثْقَلُوا سَماعَهُ أعْظَمَ الِاسْتِثْقالِ وتَعامَوْا عَنْ آياتِ المَلِكِ المُتَعالِ، ولا يُشْكِلُ عَلى هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِمِثْلِ السَّيِّئَةِ ما تَقْتَضِيهِ مِنَ العِقابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَلَعَلَّ ما فَعَلُوهُ مِنَ السَّيِّئاتِ يَقْتَضِي تِلْكَ المُضاعَفَةَ فَتَكُونُ هي المَثَلَ كَما أنَّ مَثَلَ سَيِّئَةِ الكُفْرِ هو الخُلُودُ في النّارِ، وقِيلَ: إنَّ المُضاعَفَةَ لِافْتِرائِهِمْ وكَذِبِهِمْ عَلى رَبِّهِمْ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وبَغْيِهِمْ إيّاها العِوَجَ وكُفْرِهِمْ بِالآخِرَةِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ نِسْبَةُ مُضاعَفَةِ العَذابِ إلى هَؤُلاءِ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وبِهِ جَمَعَ بَيْنَ ما هُنا وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ الآيَةَ، ولَعَلَّ التَّعْلِيلَ بِما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ عَلى هَذا لِأنَّهُ الأصْلُ الأصِيلُ لِسائِرِ قَبائِحِهِمْ ومَعاصِيهِمْ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُضاعَفَةَ لِحِفْظِ الأصْلِ إذْ لَوْلا ذَلِكَ …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.