Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 101–110 of 123

101

وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍۢ

And We did not wrong them, but they wronged themselves. And they were not availed at all by their gods which they invoked other than Allah when there came the command of your Lord. And they did not increase them in other than ruin.

﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرى مُرادًا بِها أهْلُها وقَدْ أُرِيدَ مِنها أوَّلًا حَقِيقَتُها، فَفي الكَلامِ اسْتِخْدامٌ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ القُرى لِأنَّ هُناكَ مُضافًا مُقَدَّرًا أيْ ذَلِكَ مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى؛ والضَّمائِرُ مِنها ما يَعُودُ إلى المُضافِ، ومِنها ما يَعُودُ إلى المُضافِ إلَيْهِ، ومَتى وضَحَ الأمْرُ جازَ مِثْلُ ذَلِكَ.

وقِيلَ: القُرى عَلى ظاهِرِها وإسْنادُ الأنْباءِ إلَيْها مَجازٌ، وضَمِيرُ ( مِنها ) لَها وضَمِيرُ ( ظَلَمْناهم ) لِلْأهْلِ المَفْهُومِ مِنها، وقِيلَ: ( القُرى ) مُجازٌ عَلى أهْلِها، والضَّمِيرانِ راجِعانِ إلَيْها بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، أوْ يُقَدَّرُ المُضافُ والضَّمِيرانِ لَهُ أيْضًا، وعَلى هَذا خَرَجَ ما حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِن أنَّ مَعْنى ﴿مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ مِنها باقٍ نَسْلُهُ، ومِنها مُنْقَطِعٌ نَسْلُهُ، وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ إيذانٌ بِإهْلاكِ الأهْلِ فَيَكُونُ المَعْنى هُنا وما ظَلَمْناهم بِإهْلاكِنا إيّاهم ﴿ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ حَيْثُ اقْتَرَفُوا بِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ أيْ ما نَفَعَتْهم ولا دَفَعَتْ بَأْسَ اللَّهِ تَعالى عَنْهم ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ﴾ أيْ يَعْبُدُونَها ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أُوثِرَ صِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ عِبادَتِهِمْ لَها ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ –فَما- نافِيَةٌ لا اسْتِفْهامِيَّةٌ -وإنْ جَوَّزَهُ السَّمِينُ- وتَعَلُّقُ عَنْ بِما عِنْدَهُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الدَّفْعِ، و(مِنِ) الأخِيرَةُ صِلَةٌ ومَجْرُورُها مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِلدَّفْعِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ أيْ حِينَ مَجِيءِ عَذابِهِ مَنصُوبٌ –بِأغْنَتْ- وهَذا -عَلى ما في البَحْرِ- بِناءً عَلى خِلافِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّ (لَمّا) حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبِ.

وقُرِئَ -آلِهَتُهُمُ اللّاتِي- و( يَدْعُونَ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهو وصْفٌ لِلْآلِهَةِ كالَّتِي في المَشْهُورَةِ، وفِيهِ مُطابَقَةٌ

صفحة 137

لِلْمَوْصُوفِ لَيْسَتْ في (الَّتِي) لَكِنْ قِيلَ -كَما في جَمْعِ الجَوامِعِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ- إنَّ الَّتِي في جَمْعٍ غَيْرِ عالِمٍ أكْثَرُ مِنَ اللّاتِي، نَعَمْ إنَّ الآلِهَةَ قَدْ عُومِلَتْ في الآيَةِ مُعامَلَةَ العُقَلاءِ لِأنَّ عَبَدَتَها نَزَّلُوها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ في اعْتِقادِهِمْ فِيها أنَّها تَنْفَعُ وتَضُرُّ، فَقِيلَ: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ اللّاتِي في تِلْكَ القِراءَةِ واقِعٌ مَوْقِعَ الأُلى أوِ الَّذِينَ، و–التَّتْبِيبُ- عَلى ما في البَحْرِ التَّخْسِيرُ، يُقالُ: تَبَّ خَسِرَ، وتَبَّبَهُ خَسِرَهُ.

وذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ أنَّ التَّبَّ الخُسْرانُ والهَلاكُ، والتَّتْبِيبَ الإهْلاكُ، وفي القامُوسِ التَّبُّ والتَّبَبُ والتِّبابُ والتَّتْبِيبُ النَّقْصُ والخَسارُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ تَفْسِيرَ ذَلِكَ بِالتَّخْسِيرِ، وكَذا أخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إلّا أنَّهُ اسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ بِشْرِ بْنِ أبِي خازِمٍ:

هم جَدَعُوا الأُنُوفَ فَأذْهَبُوها وهم تَرَكُوا بَنِي سَعْدٍ تِبابًا

وحِينَئِذٍ فالمَعْنى فَما زادُوهم غَيْرَ تَخْسِيرٍ أوْ خَسارَةٍ لِنُفُوسِهِمْ حَيْثُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ الألِيمَ الدّائِمَ عَلى عِبادَتِهِمْ لَها نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ.

102

وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌۭ شَدِيدٌ

And thus is the seizure of your Lord when He seizes the cities while they are committing wrong. Indeed, His seizure is painful and severe.

﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ والإهْلاكِ الَّذِي مَرَّ بَيانُهُ، وهو عَلى ما قالَ السَّمِينُ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، والكافُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْمِيَّةً وأنْ تَكُونَ حَرْفِيَّةً، وقَدْ يُجْعَلُ المُشارُ إلَيْهِ الأخْذَ المَذْكُورَ بَعْدُ كَما تَحَقَّقَ قَبْلُ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ بِغَيْرِ واوٍ.

﴿إذا أخَذَ القُرى﴾ أيْ أهْلَها وإنَّما أسْنَدَ إلَيْها لِلْإشْعارِ بِسَرَيانِ أثَرِهِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وأبُو رَجاءٍ (وكَذَلِكَ أخَذَ رَبُّكَ إذا أخَذَ) عَلى أنَّ أخَذَ رَبُّكَ فِعْلٌ وفاعِلٌ، والظَّرْفُ لِما مَضى، وهو إخْبارٌ عَمّا جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في إهْلاكِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ، وكَذَلِكَ عَلى هَذا سادٌّ مَسَدَّ المَصْدَرِ النَّوْعِيِّ ولا مانِعَ مِن تَقَدُّمِهِ عَلى الفِعْلِ، والقُرى مُتَنازَعٌ لِلْمَصْدَرِ والفِعْلِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ ( القُرى ) ولِذا أنَّثَ الضَّمِيرَ و( ظالِمَةٌ ) إلّا أنَّ وصْفَ القُرى بِالظُّلْمِ مَجازٌ وهو في الحَقِيقَةِ صِفَةُ أهْلِها وجَعْلُهُ حالًا مِنَ المُضافِ المُقَدَّرِ أوَّلًا وتَأْنِيثُهُ مُكْتَسَبٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ تُكَلُّفٌ، وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ الإشْعارُ بِأنَّ أخْذَهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وفي ذَلِكَ مِن إنْذارِ الظّالِمِ ما لا يَخْفى، والمُرادُ بِالظُّلْمِ إمّا الكُفْرُ أوْ ما هو أعَمُّ، وظاهِرُ صَنِيعِ بَعْضِهِمْ أخْذًا مِن إطْلاقِهِ أنَّهُ شامِلٌ لِظُلْمِ المَرْءِ نَفْسَهُ، وغَيْرَهُ ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ﴾ وجِيعٌ ﴿شَدِيدٌ﴾ لا يُرْجى مِنهُ الخَلاصُ وهَذا مُبالَغَةٌ في التَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ، أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وآخَرُونَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾»

103

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّجْمُوعٌۭ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّشْهُودٌۭ

Indeed in that is a sign for those who fear the punishment of the Hereafter. That is a Day for which the people will be collected, and that is a Day [which will be] witnessed.

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ أخْذِهِ سُبْحانَهُ لِلْأُمَمِ المُهْلَكَةِ أوْ فِيما قَصَّ مِن أخْبارِهِمْ ﴿لآيَةً﴾ أيْ لَعَلامَةً، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِالعِبْرَةِ لِما أنَّها تَلْزَمُها وهو حَسَنٌ؛ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ لَعِبْرَةً عَظِيمَةً ﴿لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ فَإنَّهُ إذا رَأى ما وقَعَ في الدُّنْيا بِالمُجْرِمِينَ مِنَ العَذابِ الألِيمِ اعْتُبِرَ بِهِ حالُ العَذابِ المَوْعُودِ فَإنَّهُ عَصا مِن عَصِيِّهِ وقَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، وانْزَجَرَ بِذَلِكَ عَنِ المَعاصِي الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها العَذابُ وأكَبَّ عَلى التَّقْوى والخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ أُقِيمَ (مَن خافَ) إلَخْ مَقامَ مَن صَدَّقَ بِذَلِكَ لِما بَيْنَهُما

صفحة 138

مِنَ اللُّزُومِ ولِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَنْشَأُ مِنَ الخَوْفِ، وذَكَرَ هَذا القَيْدَ لِأنَّ مَن أنْكَرَ الآخِرَةَ وأحالَ فَناءَ هَذا العالَمِ أسْنَدَ الحَوادِثَ إلى أسْبابٍ فَلَكِيَّةٍ وأوْضاعٍ مَخْصُوصَةٍ فَلَمْ يُعْتَبَرْ بِذَلِكَ أصْلًا، ولَمْ يَنْزَجِرْ عَنِ الضَّلالَةِ قَطْعًا، وقالَ: إنَّ ما وقَعَ إنَّما وقَعَ لِهاتَيْكِ الأسْبابِ والأوْضاعِ لا لِلْمَعاصِي الَّتِي اقْتَرَفَتْها الأُمَمُ المُهْلَكَةُ.

وقِيلَ: المُرادُ إنَّ فِيما ذُكِرَ دَلِيلًا عَلى عَذابِ المُجْرِمِينَ في الآخِرَةِ لِأنَّهم إذا عُذِّبُوا في الدُّنْيا لِإجْرامِهِمْ -وهِيَ دارُ العَمَلِ- فَلَأنْ يُعَذَّبُوا في الآخِرَةِ عَلَيْهِ -وهِيَ دارُ الجَزاءِ- أوْلى، وقِيلَ: المُرادُ إنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلى البَعْثِ والجَزاءِ، وذَلِكَ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَدْ أخْبَرُوا بِاسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَهم وأشْرَكَ بِاللَّهِ ووَقَعَ ما أخْبَرُوا بِهِ وفْقَ إخْبارِهِمْ، وذَلِكَ أحَدُ الشَّواهِدِ عَلى صِدْقِهِمْ فَيَكُونُونَ صادِقِينَ فِيما يُخْبِرُونَ بِهِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ فَلا بُدَّ أنْ يَقَعَ لا مَحالَةَ، والتَّقْيِيدُ بِما ذُكِرَ هُنا كالتَّقْيِيدِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) وهو كَما تَرى (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الآخِرَةِ ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ أيْ يُجْمَعُ لَهُ النّاسُ لِلْمُحاسَبَةِ والجَزاءِ، فالنّاسُ نائِبُ فاعِلِ مَجْمُوعٍ.

وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً و(مَجْمُوعٌ) خَبَرُهُ، وفِيهِ بُعْدٌ إذِ الظّاهِرُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعًا وعَدَلَ عَنِ الفِعْلِ -وكانَ الظّاهِرُ- لِيَدُلَّ الكَلامُ عَلى ثُبُوتِ مَعْنى الجَمْعِ وتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لا مَحالَةَ وأنَّ النّاسَ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ وإيضاحُهُ أنَّ في هَذا دَلالَةً عَلى لُزُومِ الوَصْفِ ولُزُومِ الإسْنادِ، وفي ذَلِكَ عَلى حُدُوثِ تَعَلُّقِ الجَمْعِ بِالمُخاطَبِينَ واخْتِصاصِهِ بِاليَوْمِ، ولِهَذا اسْتَدْرَكَهُ بِقَوْلِهِ: الجَمْعُ فَأضافَ اليَوْمَ إلَيْهِ لِيَدُلَّ عَلى لُزُومِهِ لَهُ وإنَّما الحادِثُ جَمْعُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ دُفْعَةً ﴿وذَلِكَ﴾ أيْ يَوْمُ القِيامَةِ مَعَ مُلاحَظَةِ عُنْوانِ جُمَعِ النّاسِ لَهُ ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أيْ مَشْهُودٌ فِيهِ فاتَّسَعَ في الجارِّ والمَجْرُورِ ووَصَلَ الفِعْلَ إلى الضَّمِيرِ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ:

ويَوْمًا شَهِدْناهُ سَلِيمًا وعامِرًا قَلِيلٌ سِوى طَعْنِ الدِّراكِ نَوافِلُهُ

أيْ يَشْهَدُ فِيهِ الخَلائِقُ المَوْقِفَ لا يَغِيبُ عَنْهُ أحَدٌ وإنَّما لَمْ يَجْعَلْ نَفْسَ اليَوْمِ مَشْهُودًا بَلْ جُعِلَ مَشْهُودًا فِيهِ ولَمْ يُذْكَرِ المَشْهُودُ تَهْوِيلًا وتَعْظِيمًا أنْ يَجْرِيَ عَلى اللِّسانِ وذَهابًا إلى أنْ لا …

104

وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٍۢ مَّعْدُودٍۢ

And We do not delay it except for a limited term.

﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أيْ ذَلِكَ اليَوْمَ المَلْحُوظَ بِعُنْوانِ الجَمْعِ والشُّهُودِ، ونَقَلَ الحَوْفِيُّ رُجُوعَ الضَّمِيرِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، ويَعْقُوبُ –يُؤَخِّرُهُ- بِالياءِ.

﴿إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أيْ لِانْتِهاءِ مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، فالعَدُّ كِنايَةٌ عَنِ القِلَّةِ، وقَدْ يُجْعَلُ كِنايَةً عَنِ التَّناهِي، والأجَلُ عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ المُدَّةِ المُعَيَّنَةِ لِلشَّيْءِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى نِهايَتِها، ومَنعُ إرادَةِ ذَلِكَ هُنا لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِالعَدِّ

صفحة 139

فِي كَلامِهِمْ بِوَجْهٍ، وجَوَّزَها بَعْضُهم بِناءً عَلى أنَّ الكِنايَةَ لا يُشْتَرَطُ فِيها إمْكانُ المَعْنى الأصْلِيِّ، وتُعْقِّبَ بِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وتَقْدِيرُ المُضافِ أسْهَلُ مِنهُ، واللّامُ لِلتَّوْقِيفِ، وفي المَجْمَعِ أنَّها تَدُلُّ عَلى الغَرَضِ وأنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتِ التَّأْخِيرَ ولِذا عَدَلَ عَنْ إلى (إلَيْها) وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى الدَّهْرِيَّةِ والفَلاسِفَةِ الزّاعِمِينَ أنَّهُ لا انْقِضاءَ لِمُدَّةِ الدُّنْيا وهو بَحْثٌ مَفْرُوغٌ مِنهُ

105

يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّۭ وَسَعِيدٌۭ

The Day it comes no soul will speak except by His permission. And among them will be the wretched and the prosperous.

﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ أيْ ذَلِكَ اليَوْمُ المُؤَخَّرُ بِانْقِضاءِ أجَلِهِ المَضْرُوبِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجَزاءِ أيْضًا، وقِيلَ: لِلَّهِ تَعالى، وفِيهِ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِ اليَوْمِ ما لا يَخْفى، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ -وما يُؤَخِّرُهُ- بِالياءِ، ونِسْبَةُ الإتْيانِ ونَحْوِهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ أتَتْ في غَيْرِ ما آيَةٍ، واعْتُرِضَ الأوَّلُ بِأنَّ التَّقْدِيرَ عَلَيْهِ يَوْمُ إتْيانِ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا يَصِحُّ لِأنَّ تَعَرُّفَ اليَوْمِ بِالإتْيانِ يَأْبى تَعَرُّفَ الإتْيانِ بِهِ، ولِأنَّ إتْيانَ اليَوْمِ لا يَنْفَكُّ عَنْ يَوْمِ الإتْيانِ فَيَكْفِي الإسْنادُ وتَلْغُو الإضافَةُ، ونَقَلَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ نَصًّا عَلى عَدَمِ جَوازِهِ كَما لا تَقُولُ: جِئْتُكَ يَوْمَ بُسْرِكَ، وأُجِيبَ أنَّ كُلَّ زَمانٍ لَهُ شَأْنٌ يُعْتَبَرُ تَجَدُّدُهُ كالعِيدِ والنَّيْرُوزِ والسّاعَةِ مَثَلًا، يَجْرِي مَجْرى الزَّمانِيِّ وإنْ كانَ في نَفْسِهِ زَمانًا فَبِاعْتِبارِ تَغايُرِ الجِهَتَيْنِ صَحَّتِ الإضافَةُ والإسْنادُ كَما يَصِحُّ أنْ يُقالَ: يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، ويَوْمَ يَأْتِي العِيدُ، والعِيدُ في يَوْمِ كَذا، فالأوَّلُ زَمانٌ وضَمِيرُهُ أعْنِي فاعِلَ الفِعْلِ زَمانِي، وإذًا حَسُنَ مِثْلُ قَوْلِهِ:

فَسَقى الغَضى والسّاكِنِيهِ وإنْ هم شَبَوْهُ بَيْنَ جَوانِحِي وضُلُوعِي

فَهَذا أحْسَنُ، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، ونافِعٌ (يَأْتِي) بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا وحَذْفِها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِها وصْلًا ووَقْفًا وهي ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا، وسَقَطَتْ في مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وإثْباتُها وصْلًا ووَقْفًا هو الوَجْهُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ التَّشْبِيهُ بِالفَواصِلِ، ووَصْلًا ووَقْفًا التَّخْفِيفُ كَما قالُوا: لا أدْرِ ولا أُبالِ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الِاجْتِزاءَ بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ كَثِيرٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: كَفاكَ كَفُّ ما تَلِيقُ دِرْهَمًا جُودًا وأُخْرى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّما

وقَرَأ الأعْمَشُ -يَوْمَ يَأْتُونَ- بِواوِ الجَمْعِ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ أيْ يَوْمَ يَأْتِي النّاسُ، أوْ أهْلُ المَوْقِفِ ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ أيْ لا تَتَكَلَّمُ بِما يَنْفَعُ ويُنْجِي مِن جَوابٍ أوْ شَفاعَةٍ، وهَذا الفِعْلُ عَلى الأظْهَرِ هو النّاصِبُ لِلظَّرْفِ السّابِقِ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِالِانْتِهاءِ المُضافِ إلى الأجَلِ وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ –لِاذْكُرْ- مَحْذُوفًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ اليَوْمِ، وأجازَ الحَوْفِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَها نَعْتًا لِيَوْمٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ إضافَتَهُ لا تُفِيدُهُ تَعْرِيفًا وهو مَمْنُوعٌ، ولَعَلَّ مَن يَدَّعِي ذَلِكَ يَقُولُ: إنَّ الجُمَلَ بِمَنزِلَةِ النَّكِراتِ حَتّى أطْلَقُوا عَلَيْها ذَلِكَ فالإضافَةُ إلَيْها كالإضافَةِ إلَيْها ﴿إلا بِإذْنِهِ﴾ أيْ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وعَزَّ سُلْطانُهُ في التَّكَلُّمِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ وهَذا في مَوْقِفٍ مِن مَواقِفِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ في مَوْقِفٍ آخَرَ مِن مَواقِفِهِ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ في آخَرَ مِنها، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ.

وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ المَأْذُونَ فِيهِ الأجْوِبَةُ الحَقَّةُ …

106

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌۭ وَشَهِيقٌ

As for those who were [destined to be] wretched, they will be in the Fire. For them therein is [violent] exhaling and inhaling.

﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ أيْ سَبَقَتْ لَهُمُ الشَّقاوَةُ ﴿فَفِي النّارِ﴾ أيْ مُسْتَقِرُّونَ فِيها ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الكُوفِيَّةِ، والبَصْرِيَّةِ: الزَّفِيرُ بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ صَوْتِ الحِمارِ والشَّهِيقُ بِمَنزِلَةِ آخِرِ نَهِيقِهِ، قالَ رُؤْبَةُ:

حَشْرَجَ في الصَّدْرِ صَهِيلًا أوْ شَهِقَ حَتّى يُقالَ ناهِقٌ وما نَهَقَ

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الزَّفِيرُ إخْراجُ النَّفَسِ والشَّهِيقُ رَدُّهُ، قالَ الشَّمّاخُ في حِمارِ وحْشٍ:

بَعِيدُ مَدى التَّطْرِيبِ أوَّلُ صَوْتِهِ ∗∗∗ زَفِيرٌ ويَتْلُوهُ شَهِيقٌ مُحَشْرَجُ

وقالَ الرّاغِبُ: الزَّفِيرُ تَرْدِيدُ النَّفَسِ حَتّى تَنْتَفِخَ الضُّلُوعُ مِنهُ مِن زَفَرَ فُلانٌ إذا حَمَلَ حَمْلًا بِمَشَقَّةٍ فَتَرَدَّدَ فِيهِ نَفَسُهُ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْإماءِ الحامِلاتِ الماءَ: زَوافِرُ، والشَّهِيقُ طُولُ الزَّفِيرِ وهو رَدُّ النَّفَسِ، والزَّفِيرُ مَدُّهُ وأصْلُهُ مِن جَبَلٍ شاهِقٍ أيْ مُتَناهٍ في الطُّولِ.

وعَنِ السّائِبِ أنَّ الزَّفِيرَ لِلْحَمِيرِ، والشَّهِيقَ لِلْبِغالِ وهو غَرِيبٌ، ويُرادُ بِهِما الدَّلالَةُ عَلى كَرْبِهِمْ وغَمِّهِمْ وتَشْبِيهُ حالِهِمْ بِحالِ مَنِ اسْتَوْلَتْ عَلى قَلْبِهِ الحَرارَةُ وانْحَصَرَ فِيهِ رُوحُهُ، أوْ تَشْبِيهُ أصْواتِهِمْ بِأصْواتِ الحَمِيرِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ أوِ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، والمَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ نَدامَةً ونَفَسًا عالِيًا وبُكاءً لا يَنْقَطِعُ، وقَرَأ الحَسَنُ (شَقُوا) بِضَمِّ الشِّينِ فاسْتُعْمِلَ مُتَعَدِّيًا لِأنَّهُ يُقالُ شَقاهُ اللَّهُ تَعالى كَما يُقالُ أشْقاهُ، وجُمْلَةُ ( لَهم فِيها زَفِيرٌ ) إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّ سائِلًا قالَ: ما شَأْنُهم فِيها؟ فَقِيلَ لَهم فِيها كَذا وكَذا، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةَ المَحَلِّ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ النّارِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ:

107

خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ

[They will be] abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will. Indeed, your Lord is an effecter of what He intends.

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ خَلا أنَّهُ إنْ أُرِيدَ حُدُوثُ كَوْنِهِمْ في النّارِ فالحالُ مُقَدَّرَةٌ ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ أيْ مُدَّةَ دَوامِها، وهَذا عِبارَةٌ عَنِ التَّأْيِيدِ ونَفْيِ الِانْقِطاعِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِ العَرَبِ: لا أفْعَلُ كَذا ما لاحَ كَوْكَبٌ، وما أضاءَ الفَجْرُ، وما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وما بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً، وما تَغَنَّتْ حَمامَةٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن كَلِماتِ التَّأْيِيدِ عِنْدَهم لا تَعْلِيقَ قَرارِهِمْ فِيها بِدَوامِ هَذِهِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَإنَّ النُّصُوصَ القاطِعَةَ دالَّةٌ عَلى تَأْبِيدِ قَرارِهِمْ فِيها وانْقِطاعِ دَوامِهِما، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ، وجَوَّزَ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى التَّعْلِيقِ، والمُرادُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها، وهي دائِمَةٌ لِلْأبَدِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ لَها سَماواتٍ وأرْضًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ:

صفحة 142

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ والسَّماواتُ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ ولِأنَّهُ لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهم إمّا سَماءٌ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى أوْ يُظِلُّهُمُ العَرْشُ، وكُلُّ ما أظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، انْتَهى.

قالَ القاضِي: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ تَشْبِيهٌ بِما لا يَعْرِفُ أكْثَرُ الخَلْقِ وُجُودَهُ ودَوامَهُ، ومَن عَرَفَهُ فَإنَّما عَرَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى دَوامِ الثَّوابِ والعِقابِ فَلا يُجْدِي لَهُ التَّشْبِيهُ، وأجابَ عَنْهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ إذا أُرِيدَ ما يُظِلُّهم وما يُقِلُّهم فَهو ظاهِرُ السُّقُوطِ لِأنَّ هَذا القَدْرَ مَعْلُومُ الوُجُودِ لِكُلِّ عاقِلٍ، وأمّا الدَّوامُ فَلَيْسَ مُسْتَفادًا مِن دَلِيلِ دَوامِ الثَّوابِ والعِقابِ بَلْ مِمّا يَدُلُّ عَلى دَوامِ الجَنَّةِ والنّارِ سَواءٌ عَرَفَ أنَّهُما دارُ الثَّوابِ والعِقابِ وأنَّ أهْلَهُما السُّعَداءَ والأشْقِياءَ مِنَ النّاسِ أوْ لا عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن تَشْبِيهِ ما يَعْرِفُ بِما لا يَعْرِفُ بَلِ العَكْسُ، انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ الجَلْبِيُّ بِأنَّ قَوْلَهُ: لِكُلِّ عاقِلٍ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإنَّهُ لا يَعْتَرِفُ بِذَلِكَ إلّا المُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: الدَّوامُ مُسْتَفادٌ مِمّا يَدُلُّ عَلى دَوامِ الجَنَّةِ والنّارِ لا يَدْفَعُ ما ذَكَرَهُ القاضِي لِأنَّهُ يُرِيدُ أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ لَيْسَ أعْرَفَ مِنَ المُشَبَّهِ لا عِنْدَ المُتَدَيِّنِ لِأنَّهُ يَعْرِفُ كِلَيْهِما مِن قِبَلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِما السَّلامُ ولَيْسَ فِيهِ ما يُوجِبُ أعْرَفِيَّةَ دَوامِ سَماواتِ الآخِرَةِ وأرْضِها، ولَيْسَ مُرادُهُ أنَّ دَوامَهُما مُسْتَفادٌ مِن خُصُوصِ الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ بِعَيْنِهِ فَإنَّهُ لا يُهِمُّهُ لِيَمْنَعَ ولا عِنْدَ غَيْرِ المُتَدَيِّنِ فَإنَّهُ لا يَعْتَرِفُ بِهِ ولا بِها ولا يَعْرِفُهُ، وقَوْلُهُ: عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن تَشْبِيهٍ إلَخْ.. مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ تَشْبِيهُ تِلْكَ الدّارِ بِهَذِهِ الدّارِ ولَيْسَ بِذَلِكَ، وإنَّما المُرادُ التَّشْبِيهُ الضِّمْنِيُّ لِدَوامِهِمْ بِدَوامِهِما انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ.

والحَقُّ أنَّ صِحَّةَ إرادَةِ ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ فِيهِ كَبْشانِ، وفي الأخْبارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِمْ ما يَقْتَضِيهِ، ومَن تَأمَّلَ مُنْصِفًا بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ هُناكَ تَشْبِيهًا يَظْهَرُ لَهُ أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ أعْرَفُ مِنَ المُشَبَّهِ وأقْرَبُ إلى الذِّهْنِ، واتِّحادُ طَرِيقِ العِلْمِ بِهِما لا يَضُرُّ في ذَلِكَ شَيْئًا بَداهَةً أنَّ ثُبُوتَ …

108

۞ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُوا۟ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍۢ

And as for those who were [destined to be] prosperous, they will be in Paradise, abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will - a bestowal uninterrupted.

﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ الكَلامُ فِيهِ ما عَلِمْتَ خَلا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَهُنا أنَّ لَهم بَهْجَةً وسُرُورًا كَما ذَكَرَ في أهْلِ النّارِ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ)؛﴾ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ التَّحْذِيرِ والإنْذارِ، و﴿سُعِدُوا﴾ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ قِرَءاةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ، ونُسِبَتْ إلى ابْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ (سَعِدُوا) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، واخْتارَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ، وكانَ يَقُولُ: عَجَبًا مِنَ الكِسائِيِّ كَيْفَ قَرَأ (سُعِدُوا) مَعَ عِلْمِهِ بِالعَرَبِيَّةِ، وهَذا عَجِيبٌ مِنهُ فَإنَّهُ ما قَرَأ

صفحة 146

إلّا ما صَحَّ عِنْدَهُ ولَمْ يَقْرَأْ بِالرَّأْيِ ولَمْ يَتَفَرَّدْ بِذَلِكَ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ احْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ، وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ كانَ مَسْعُودًا فِيهِ، وذَكَرَ أنَّ الفَرّاءَ حَكى أنَّ هُذَيْلًا تَقُولُ: سَعِدَهُ اللَّهُ تَعالى بِمَعْنى أسْعَدَهُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: سَعِدَ بِالكَسْرِ فَهو سَعِيدٌ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: سَلِمَ فَهو سَلِيمٌ، وسَعِدَ فَهو مَسْعُودٌ، وقالَ أبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ القُشَيْرِيُّ: ورَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو مَسْعُودٌ، وأسْعَدَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو مُسْعَدٌ، وما ألْطَفَ الإشارَةَ في -شَقُوا وسَعِدُوا- عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ في الأوَّلِ، والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ في الثّانِي، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ تَعالى، ومَن لَمْ يَجِدْ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ عَنْهم ولا مُخْتَرَمٍ، ومَصْدَرُهُ الجَذُّ، وقَدْ جاءَتْ جَذَذْتُ وجَدَدْتُ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ والدّالِ كَما قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وبِالمُعْجَمَةِ أكْثَرُ، ونُصِبَ (عَطاءً) عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِن مَعْنى الجُمْلَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَفِي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها﴾ يَقْتَضِي إعْطاءً وإنْعامًا فَكَأنَّهم قِيلَ: يُعْطِيهِمْ إعْطاءً وهو إمّا اسْمُ مَصْدَرٍ هو الإعْطاءُ، أوْ مَصْدَرٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ وقِيلَ: هو نُصِبَ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المَفْعُولِ المُقَدَّرِ لِلْمَشِيئَةِ، أوْ تَمْيِيزٌ، فَإنَّ نِسْبَةَ مَشِيئَةِ الخُرُوجِ إلى اللَّهِ تَعالى تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ عَلى جِهَةِ عَطاءٍ مَجْذُوذٍ، وعَلى جِهَةِ عَطاءٍ غَيْرِ مَجْذُوذٍ فَهو رافِعٌ لِلْإبْهامِ عَنِ النِّسْبَةِ، ولَعَلَّ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْلى وكَأنَّهُ جِيءَ بِذَلِكَ اعْتِناءً ومُبالَغَةً في التَّأْبِيدِ ودَفْعًا لِما يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ الِاسْتِثْناءِ مِن الِانْقِطاعِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِبَيانِ أنَّ ثَوابَ أهْلِ الجَنَّةِ -وهُوَ إمّا نَفْسُ الدُّخُولِ أوْ ما هو كاللّازِمِ البَيِّنِ لَهُ- لا يَنْقَطِعُ فَيُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَيْسَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِانْقِطاعِ كَما في العِقابِ بَلْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرادُفِ نِعَمٍ ورُضْوانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ لِبَيانِ النَّقْصِ مِن جانِبِ المَبْدَأِ، ولِهَذا فَرَّقَ في النَّظْمِ بَيْنَ التَّأْبِيدِ مِن حَيْثُ تَمَّمَ الأوَّلَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يُنَعِّمُ بَعْضَ مَن يُعَذِّبُهُ ويُبْقِي غَيْرَهُ كَما يَشاءُ ويَخْتارُ؛ والثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى ( عَطاءً ) إلَخْ .. بَيانًا لِأنَّ إحْسانَهُ لا يَنْقَطِعُ، ومِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِصَدْرِ …

109

فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّمَّا يَعْبُدُ هَٰٓؤُلَآءِ ۚ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ ۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍۢ

So do not be in doubt, [O Muhammad], as to what these [polytheists] are worshipping. They worship not except as their fathers worshipped before. And indeed, We will give them their share undiminished.

﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ أيْ في شَكٍّ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما قُصَّ مِنَ القِصَصِ وبُيِّنَ في تَضاعِيفِها مِنَ العَواقِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ أيْ فَلا تَكُ في شَكٍّ بَعْدَ أنْ بُيِّنَ لَكَ ما بُيِّنَ ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ أيْ مِن عِبادَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في أنَّها ضَلالٌ مُؤَدٍّ إلى مِثْلِ ما حَلَّ بِمَن قَبْلَهم مِمَّنْ قَصَصْتُ عَلَيْكَ سُوءَ عاقِبَةِ عِبادَتِهِمْ، -فَمِنِ- ابْتِدائِيَّةٌ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى فِي، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ مِن حالِ ما يَعْبُدُونَهُ مِن أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ إذْ لا مَعْنى لِلْمِرْيَةِ في أنْفُسِهِمْ ﴿ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وقَعَ تَعْلِيلًا في المَعْنى لِلنَّهْيِ عَنِ المِرْيَةِ، والِاسْتِثْناءُ إمّا مِن مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أوْ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم وآباؤُهم سَواءٌ في الشِّرْكِ ما يَعْبُدُونَ عِبادَةً إلّا كَعِبادَةِ آبائِهِمْ، أوْ ما يَعْبُدُونَ شَيْئًا إلّا مِثْلَ الَّذِي عَبَدُوهُ مِنَ الأوْثانِ، وقَدْ بَلَغَكَ ما لَحِقَ آباءَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ فَيَلْحَقُهم مِثْلُهُ لِأنَّ التَّماثُلَ في الأسْبابِ يَقْتَضِي التَّماثُلَ في المُسَبِّباتِ، ومَعْنى ﴿كَما يَعْبُدُ﴾ كَما كانَ عَبَدَ

صفحة 148

فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ( قَبْلُ) عَلَيْهِ، وكَأنَّ اخْتِيارَ هَذا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ كانَ عادَةً مُسْتَمِرَّةً لَهم ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهُمْ﴾ يَعْنِي هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ ﴿نَصِيبَهُمْ﴾ حَظَّهم مِنَ العَذابِ كَما وفَّيْنا آباءَهم حُظُوظَهم أوْ مِنَ الرِّزْقِ فَيَكُونُ عُذْرًا لِتَأخُّرِ العَذابِ عَنْهم مَعَ قِيامِ ما يُوجِبُهُ، وفي هَذا مِنَ الإشارَةِ إلى مَزِيدِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى وكَرَمِهِ ما لا يَخْفى حَيْثُ لَمْ يَقْطَعْ رِزْقَهم مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ، وفي التَّعْبِيرِ -بِالنَّصِيبِ- عَلى الأوَّلِ تَهَكُّمٌ لِأنَّهُ ما يُطْلَبُ ويُرادُ والعَذابُ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، وتَفْسِيرُهُ بِما ذُكِرَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، و-بِالرِّزْقِ- عَنْ أبِي العالِيَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِهِ ما قُدِّرَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَمُوفُوهُمْ) مُخَفَّفًا مِن أوْفى ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنَ النَّصِيبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ وفائِدَتُهُ دَفْعُ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ، وإلى هَذا ذَهَبَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ، وقالَ: إنَّهُ الحَقُّ.

وفِي الكَشّافِ أنَّهُ جِيءَ بِهَذِهِ الحالِ عَنِ النَّصِيبِ المُوَفّى لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُوَفّى وهو ناقِصٌ ويُوَفّى وهو كامِلٌ، ألا تَراكَ تَقُولُ: وفَّيْتُهُ شَطْرَ حَقِّهِ، وثُلُثَ حَقِّهِ، وحَقَّهُ كامِلًا وناقِصًا، انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذِهِ مَغْلَطَةٌ لِأنَّهُ إذا قِيلَ: وفَّيْتُهُ شَطْرَ حَقِّهِ فالتَّوْفِيَةُ إنَّما وقَعَتْ في الشَّطْرِ وكَذا ثُلْثُ حَقِّهِ، والمَعْنى أعْطَيْتُهُ الشَّطْرَ أوِ الثُّلُثَ كامِلًا لَمْ أنْقُصْهُ مِنهُ شَيْئًا، وأمّا قَوْلُكَ وفَّيْتُهُ حَقَّهُ كامِلًا، فالحالُ فِيهِ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ التَّوْفِيَةَ تَقْتَضِي الإكْمالَ، وأمّا قَوْلُكَ وفَّيْتُهُ حَقَّهُ ناقِصًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِلْمُنافاةِ، انْتَهى.

وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّهُ وهْمٌ لِأنَّ التَّوْفِيَةَ تَقْتَضِي عَدَمَ نُقْصانِ المُوَفّى كامِلًا كانَ أوْ بَعْضًا، فَقَوْلُكَ: وفَّيْتُهُ نِصْفَ حَقِّهِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ نُقْصانِ النِّصْفِ المُوَفّى، فالسُّؤالُ عَنْ وجْهِ انْتِصابِ هَذِهِ الحالِ قائِمٌ بَعْدُ، …

110

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ

And We had certainly given Moses the Scripture, but it came under disagreement. And if not for a word that preceded from your Lord, it would have been judged between them. And indeed they are, concerning the Qur'an, in disquieting doubt.

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ ﴿فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ أيْ في شَأْنِ الكِتابِ وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَآمَنَ بِهِ قَوْمٌ وكَفَرَ بِهِ آخَرُونَ فَلا تُبالِ بِاخْتِلافِ قَوْمِكَ فِيما آتَيْناكَ مِنَ القُرْآنِ، وقَوْلُهُمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ وزَعْمُهم (إنَّكَ افْتَرَيْتَهُ).

وجَوَّزَ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى مُوسى وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وإنْ كانَ الِاخْتِلافُ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ هو نَبِيٌّ أمْ لا؟ مُسْتَلْزِمًا لِلِاخْتِلافِ في كِتابِهِ هَلْ هو مِنَ اللَّهِ تَعالى أمْ لا، وقِيلَ: إنَّ -فِي- عَلى هَذا الِاحْتِمالِ بِمَعْنى عَلى، أيْ فاخْتَلَفَ قَوْمُهُ عَلَيْهِ وتَعَنَّتُوا كَما فَعَلَ قَوْمُكَ مَعَكَ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ وهي كَلِمَةُ القَضاءِ بِتَأْخِيرِ العَذابِ إلى الأجَلِ المَعْلُومِ عَلى حَسَبِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ لَأُوقِعَ القَضاءُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن قَوْمِكَ بِإنْزالِ العَذابِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ المُبْطِلُونَ لِيَتَمَيَّزُوا بِهِ عَنِ المُحِقِّينَ، وفي البَحْرِ إنَّ الظّاهِرَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى قَوْمِ مُوسى، قِيلَ: ولَيْسَ بِذاكَ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَوْدُهُ عَلى القَوْمَيْنِ أحْسَنُ عِنْدِي، وتُعُقِّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ كُلا﴾ إلَخْ ظاهِرٌ في التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والأوْلى عِنْدِي الأوَّلُ ﴿وإنَّهُمْ﴾ أيْ وإنَّ كُفّارَ قَوْمِكَ أُرِيدَ بِالضَّمِيرِ بَعْضُ مَن رَجَعَ إلَيْهِمْ ضَمِيرٌ بَيْنَهم لِلْأمْنِ مِنَ الإلْباسِ ﴿لَفِي شَكٍّ﴾ عَظِيمٍ ﴿مِنهُ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ وإنْ لَمْ

صفحة 149

يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ فَإنَّ ذِكْرَ إيتاءِ كِتابِ مُوسى ووُقُوعِ الِاخْتِلافِ فِيهِ لا سِيَّما بِصَدَدِ التَّسْلِيَةِ يُنادِيهِ نِداءً غَيْرَ خَفِيٍّ.

وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْوَعِيدِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ مُوقِعٍ في الرِّيبَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مِن أرابَ إذا صارَ ذا رِيبَةٍ

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.