Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 91–100 of 109

91

ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ

Now? And you had disobeyed [Him] before and were of the corrupters?

ولَمّا أمَرَ بِالتَّأنِّي الَّذِي هو نَتِيجَةُ العِلْمِ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ الإخْبارِ بِالِاسْتِجابَةِ قَوْلَهُ: ﴿وجاوَزْنا﴾ أيْ: فَعَلْنا بِعَظَمَتِنا في إجازَتِهِمْ فِعْلَ المُناظِرِ لِلْآخَرِ المُبارِي لَهُ، ودَلَّ بِإلْصاقِ الباءِ بِهِمْ عَلى مُصاحَبَتِهِ سُبْحانَهُ لَهم دَلالَةً عَلى رِضاهُ بِفِعْلِهِمْ فَقالَ: ﴿بِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: عَبْدِنا المُخْلِصِ لَنا ﴿البَحْرَ﴾ إعْلامًا بِأنَّهُ أمَرَهم بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ وأنْجَزَ لَهم ما وعَدَ فَأهْلَكَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ بِاتِّباعِهِمْ سَبِيلَ مَن لا يَعْلَمُ بِطَيْشِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ، ونَجّى بَنِي إسْرائِيلَ بِصَبْرِهِمْ وخُضُوعِهِمْ؛ والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ لِما في هَذِهِ المُجاوَزَةِ ومُقَدِّماتِها ولَواحِقِها مِن مَظاهِرِ العَظَمَةِ ونُفُوذِ الأوامِرِ ومُضاءِ الأحْكامِ؛ وبَيَّنَ سُبْحانَهُ كَيْفِيَّةَ إظْهارِ اسْتِجابَةِ الدَّعْوَةِ بِقَوْلِهِ مُسَبَّبًا عَنِ المُجاوَزَةِ: ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ ﴿فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ أيْ: أوْقَعُوا تَبَعَهم أيْ حَمَلُوا نُفُوسَهم عَلى تَبَعِهِمْ، وهو السَّيْرُ في أثَرِهِمْ، واتَّبَعَهُ - إذا سَبَقَهُ فَلَحِقَهُ، ويُقالُ: تَبِعَهُ في الخَيْرِ واتَّبَعَهُ في الشَّرِّ. ولَمّا أُفْهِمَ ذَلِكَ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿بَغْيًا﴾ أيْ: تَعَدِّيًا لِلْحَقِّ واسْتِهانَةً بِهِمْ ﴿وعَدْوًا﴾ أيْ: ظُلْمًا وتَجاوُزًا لِلْحَدِّ.

ولَمّا كانَ فاعِلُ ذَلِكَ جَدِيرًا بِأنْ يَرْجِعَ عَمّا سَلَكَهُ مِنَ الوُعُورَةِ، عَجِبَ مِنهُ في تَمادِيهِ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: [واسْتَمَرَّ] يَتَمادى في ذَلِكَ -: ﴿حَتّى﴾ ولَمّا كانَتْ رُؤْيَةُ انْفِراجِ البَحْرِ عَنْ مَواضِعِ سَيْرِهِمْ مَظِنَّةَ تَحَقُّقِ رُجُوعِ الماءِ إلى مَواضِعِهِ فَيَغْرَقُ، عَبَّرَ بِأداةِ التَّحَقُّقِ فَقالَ: ﴿إذا أدْرَكَهُ﴾ أيْ: قَهَرَهُ وأحاطَ بِهِ ﴿الغَرَقُ﴾ أيِ المَوْتُ بِالماءِ كَما سَألَ مُوسى [فِي] أنَّهُ لا يُؤْمِنُ حَتّى يَرى العَذابَ الألِيمَ ﴿قالَ آمَنتُ﴾ أيْ: أوْقَعْتُ إيمانَ الدّاعِي لِي مِنَ التَّكْذِيبِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ إيمانَهُ بِقَوْلِهِ مُبْدَلًا مِن ”آمَنتُ“ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالكَسْرِ مُؤَكِّدًا مِن شِدَّةِ الجَزَعِ: ﴿أنَّهُ﴾ [و] عَلى تَقْدِيرِ الباءِ تَعْلِيلًا في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ أيْ: مُعْتَرِفًا بِأنَّهُ ﴿لا إلَهَ إلا الَّذِي﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أوْقَعَ ﴿آمَنتُ﴾ عَلى ﴿أنَّهُ﴾ وما بَعْدَها - أيْ ﴿آمَنتُ﴾ نَفْيَ الإلَهِيَّةِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ مَنِ اسْتَثْنَيْتُهُ مِن أنْ أُعَبِّرَهُ أوْ أرْجِعَ عَنْهُ.

ولَمّا كانَ قَدْ تَحَقَّقَ الهالِكُ وعَلِمَ أنَّهُ لا نَجاةَ إلّا بِالصِّدْقِ، أرادَ الإعْلامَ بِغايَةِ صِدْقِهِ فَقالَ: ﴿آمَنتُ﴾ أيْ: أوْقَعْتُ التَّصْدِيقَ مُعْتَرِفَةً ﴿بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ فَعَيَّنَهُ تَعْيِينًا أزالَ الِاحْتِمالَ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فَكَرَّرَ قَبُولَ ما كانَ دُعِيَ إلَيْهِ فَأباهُ اسْتِكْبارًا، وعَبَّرَ بِما دَلَّ عَلى ادِّعاءِ الرُّسُوخِ فِيهِ بَيانًا لِأنَّهُ ذُلَّ ذُلًّا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ الكِبْرِ ولَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ لِفَواتِ شَرْطِهِ، فاتَّصَلَ ذُلُّهُ ذَلِكَ بَذْلِ الخِزْيِ في البَرْزَخِ وما بَعْدَهُ، وقَدْ كانَتِ المَرَّةُ الواحِدَةُ كافِيَةً لَهُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وزادَهُ تَعالى ذُلًّا بِالإيئاسِ مِنَ الفَلاحِ بِقَوْلِهِ عَلى لِسانِ الحالِ أوْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مَلَكِ المَوْتِ أوْ غَيْرِهِ مِنَ الجُنُودِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿آلآنَ﴾ أيْ: أتُجِيبُ إلى ما دُعِيتَ إلَيْهِ في هَذا الحِينِ الَّذِي لا يَنْفَعُ فِيهِ …

92

فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةًۭ ۚ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ

So today We will save you in body that you may be to those who succeed you a sign. And indeed, many among the people, of Our signs, are heedless

ثُمَّ أكَّدَهُ - بَدَلَ شَماتَةِ الأعْداءِ [بِهِ] الَّذِينَ كانُوا عِنْدَهُ أقَلَّ شَيْءٍ وأحْقَرَهُ - بِقَوْلِهِ مُسَبَّبًا عَمّا تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ الإنْكارُ مِنَ الإذْلالِ بِالإهْلاكِ إشارَةً إلى أنَّ الماءَ أحاطَ بِهِ وصارَ يَرْتَفِعُ قَلِيلًا [قَلِيلًا] حَتّى امْتَدَّ زَمَنُ التَّوْبِيخِ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ أيْ: تَنْجِيَةً عَظِيمَةً. ولَمّا كانَ ذَلِكَ سارًّا وكانَتِ المُساءَةُ بِما يُفْهِمُ السُّرُورَ إنْكاءً، قالَ دالًّا عَلى أنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ نَزْعَ رُوحِهِ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ رُوحٍ وهو كامِلٌ لَمْ يَنْقُصْ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى لا يَدْخُلَ في مَعْرِفَتِكَ لَبْسٌ ﴿لِتَكُونَ﴾ أيْ: كَوْنًا هو في غايَةِ الثَّباتِ ﴿لِمَن خَلْفَكَ﴾ أيْ: يَتَأخَّرُ عَنْكَ في الحَياةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ ﴿آيَةً﴾ في أنَّكَ [عَبْدٌ] ضَعِيفٌ حَقِيرٌ، لَسْتَ بِرَبٍّ فَضْلًا عَنْ أنْ تَكُونَ أعْلى ويَعْرِفُوا أنَّ مَن عَصى المَلِكَ أُخِذَ وإنْ كانَ أقْوى النّاسِ وأكْثَرَهم جُنُودًا، وقَدِ ادَّعى بَعْضُ المُلْحِدِينَ إيمانَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ إرادَةً لِما يُعِيذُ اللَّهُ مِنهُ مِن حَلِّ العَقْدِ الواجِبِ مِن أنَّ فِرْعَوْنَ مِن أكْفَرِ الكَفَرَةِ بِإجْماعِ أهْلِ المِلَلِ لِيُهَوِّنَ لِلنّاسِ الِاجْتِراءَ عَلى المَعاصِي، وادَّعى أنَّهُ لا نَصَّ في القُرْآنِ عَلى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ وضَلَّ عَنِ الصَّرائِحِ الَّتِي في القُرْآنِ في ذَلِكَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ وعَنْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣] مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣] قِياسٌ قَطْعِيُّ الدَّلالَةِ بَدِيهِيُّ النَّصِّ عَلى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، والآيَةُ - كَما تَرى - دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٥٠] - الآيَةَ. لَوْ كانَ فِرْعَوْنُ مِثْلَ قُرَيْشٍ، فَكَيْفَ ولا نِسْبَةَ لَهم مِنهُ في شِدَّةِ الِاسْتِكْبارِ التّابِعَةِ لِكَثْرَةِ الجُمُوعِ ونُفُوذِ الكَلِمَةِ بِضَخامَةِ المَلِكِ وعِزِّ السُّلْطانِ والقُوَّةِ بِالأمْوالِ والأعْوانِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أتاهُ بِفُتْيا في عَبْدٍ نَشَأ في نِعْمَةِ سَيِّدِهِ فَكَفَرَ نِعْمَتَهُ وجَحَدَ حَقَّهُ وادَّعى السِّيادَةَ دُونَهُ، فَكَتَبَ فِرْعَوْنُ جَزاءَ العَبْدِ الخارِجِ عَنْ طاعَةِ سَيِّدِهِ الكافِرِ نَعْماءَهُ أنْ يُغْرَقَ في البَحْرِ، فَلَمّا ألْجَمَهُ الغَرَقُ ناوَلَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَطَّهُ فَعَرَفَهُ.

ولَمّا لَمْ يَعْمَلْ فِرْعَوْنُ وآلُهُ بِمُقْتَضى ما رَأوْا مِنَ الآياتِ، كانَ حُكْمُهم حُكْمَ الغافِلِينَ عَنْها، فَكانَ التَّقْدِيرُ: [و] لَقَدْ غَفَلُوا عَمّا جاءَهم مِنَ الآياتِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا﴾ أكَّدَهُ لِأنَّ مِثْلَهُ يَنْبَغِي - لِبُعْدِهِ عَنِ الصَّوابِ - أنْ لا يُصَدِّقَ أنَّ أحَدًا يَقَعُ فِيهِ ﴿مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: وهم مَن لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ أوَّلِ أسْنانِ أهْلِ الإيمانِ لِما عِنْدَهم مِنَ النَّوْسِ - وهو الِاضْطِرابُ - والأُنْسِ بِأنْفُسِهِمْ﴿عَنْ آياتِنا﴾ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَغافِلُونَ﴾ والإصْلاحُ: تَقْوِيمُ العَمَلِ عَلى ما يَنْفَعُ بَدَلًا مِمّا يَضُرُّ؛ وإحْقاقُ الحَقِّ: إظْهارُهُ وتَمْكِينُهُ بِالدَّلائِلِ الواضِحَةِ حَتّى يَرْجِعَ الطّاعِنُ عَنْهُ حَسِيرًا والمُناصِبُ لَهُ مَفْلُولًا؛ والإسْرافُ: الإبْعادُ في مُجاوَزَةِ الحَقِّ؛ والفِتْنَةُ: البَلِيَّةُ، وهي مُعامَلَةٌ تُظْهِرُ الأُمُورَ الباطِنَةَ؛ والنَّجاةُ: الخَلاصُ مِمّا فِيهِ المَخافَةُ، ونَظِيرُها السَّلامَةُ، وعَلَّقُوا النَّجاةَ …

93

وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍۢ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

And We had certainty settled the Children of Israel in an agreeable settlement and provided them with good things. And they did not differ until [after] knowledge had come to them. Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى عاقِبَةَ أمْرِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وأنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما جاءَهم مِنَ البَيِّناتِ مَعَ ما كانَ فِيها مِن جَلِيِّ البَيانِ وفي بَعْضِها مِنَ الشَّدائِدِ والِامْتِحانِ حَتّى كانَ آخِرُها أنَّهُ لَمّا رَأى مَبْدَأ الهَلاكِ مِنَ انْفِراقِ البَحْرِ لَمْ يَزَعْهُ عَنْ لَجاجِهِ غَفْلَةً مِنهُ عَنْ عاقِبَتِهِ. وخَتَمَها بِالإخْبارِ بِكَثْرَةِ الغَفْلَةِ إشارَةً إلى أنَّ هَذا الخُلُقَ في غَيْرِ القِبْطِ أيْضًا، أتْبَعَ ذَلِكَ ذِكْرَ خاتِمَةِ أمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ فِيما خَوَّلَهم فِيهِ بَعْدَ الإنْجاءِ مِنَ النِّعَمِ المُقْتَضِي لِلْعِلْمِ القَطْعِيِّ بِأنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ، وأنَّ مَن خالَفَهُ كانَ عَلى خَطَرِ الهَلاكِ، وأنَّهم - مَعَ مُشاهَدَتِهِمُ الآياتِ الآتِيَةَ بِسَبَبِهِمْ إلى فِرْعَوْنَ - آتاهم مِنَ الآياتِ الخاصَّةِ بِهِمُ المُنْجَزَةِ لِصِدْقِ وعْدِهِ سُبْحانَهُ لِآبائِهِمْ ما فِيهِ غايَةُ الإحْسانِ إلَيْهِمْ والإكْرامِ لَهُمْ، وأنَّهم كانُوا تَحْتَ يَدِ فِرْعَوْنَ عَلى طَرِيقٍ واحِدٍ، لَيْسَ بَيْنَهم خِلافٌ، وما اخْتَلَفُوا فَصارُوا فِرَقًا في الِاعْتِقاداتِ وأحْزابًا في الدِّياناتِ حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ المُوَضَّحُ مِنَ اللَّهِ، فَكانَ المُقْتَضِي لِاجْتِماعِهِمْ عَلى اللَّهِ مُفَرِّقًا لَهم عَلى سَبِيلِ الشَّيْطانِ لِخُبْثِ سَرائِرِهِمْ وسُوءِ ضَمائِرِهِمْ وُقُوفًا مَعَ الشّاهِدِ الزّائِلِ وجُمُودًا مَعَ المَحْسُوسِ الفانِي ونِسْيانًا لِلْغائِبِ الثّابِتِ والمَعْلُومِ المُتَيَقَّنِ، كُلُّ ذَلِكَ لِأنّا قَضَيْنا بِهِ فالأمْرُ تابِعٌ لِما نُرِيدُ، لا لِما يَأْمُرُ بِهِ ويَنْهى عَنْهُ، فَكانَ أعْظَمُ زاجِرٍ عَنْ طَلَبِ الآياتِ وظَنِّ أنَّها تُوجِبُ [لَهُ] الرَّدَّ عَلى الغَواياتِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا﴾ أيْ: أسْكَنّا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تَنْقَطِعُ الأعْناقُ دُونَ عَلْيائِها وتَتَضاءَلُ ثَواقِبُ الأفْكارِ عَنْ إحْصائِها ﴿بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مَسْكَنًا هو أهْلٌ لِأنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ مَن خَرَجَ عَنْهُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ أيْ: في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ لِأنَّ وعْدَنا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ لَهم بِها، وعادَةُ العَرَبِ أنَّها إذا مَدَحَتِ الشَّيْءَ أضافَتْهُ إلى الصِّدْقِ؛ لِأنَّهُ مَعَ ثَباتِهِ حَبِيبٌ إلى كُلِّ نَفْسٍ، ويَصْدُقُ ما يُظَنُّ بِهِ مِنَ الخَيْرِ.

ولَمّا كانَ المَنزِلُ لا يَطِيبُ إلّا بِالرِّزْقِ، وكانَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالمُبَوَّإ دالًّا عَلى الرِّزْقِ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿ورَزَقْناهُمْ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ الحِسِّيَّةِ حِلاءً واشْتِهاءً مِنَ الفَواكِهِ والحُبُوبِ والألْبانِ والأعْسالِ وغَيْرِها. والمَعْنَوِيَّةِ مِنَ الشَّرِيعَةِ والكِتابِ والمَعارِفِ كَما تَقَدَّمَ وعْدُنا لِآبائِهِمْ بِذَلِكَ. ولَمّا كانُوا كَغَيْرِهِمْ إذا كانُوا عَلى أُمُورٍ يَتَواضَعُونَ عَلَيْها تَقارَبُوا فِيها وتَوافَقُوا، وإذا كانُوا عَلى حُدُودٍ حَدَّها لَهُمُ المُحْسِنُ إلَيْهِمْ وحْدَهُ لَمْ يَلْبَثُوا أنْ يَخْتَلِفُوا، عابَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَما﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ صِدْقِنا لَهم في الوَعْدِ أنَّهم ما ﴿اخْتَلَفُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا الخُلْفَ المُفْضِيَ إلى جَعْلِ كُلٍّ مِنهم صاحِبَهُ خَلْفَهُ ووَراءَ ظَهْرِهِ. واسْتَهانَ بِهِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ المُوجِبُ لِاجْتِماعِهِمْ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ لِما لَهُ مِنَ الضَّبْطِ حَتّى يَكُونَ أتْباعُهُ عَلى قَلْبٍ واحِدٍ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُفْعَلُ بِهِمْ؟ لا هم بِعُقُولِهِمْ يَنْتَفِعُونَ ولا بِما جاءَهم مِنَ الحَقِّ يَرْجِعُونَ؟ فَقِيلَ …

94

فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

So if you are in doubt, [O Muhammad], about that which We have revealed to you, then ask those who have been reading the Scripture before you. The truth has certainly come to you from your Lord, so never be among the doubters.

ولَمّا كانَ ما مَضى - مِنَ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ المُبِينَةِ أنَّ مَن أُرِيدَتْ شَقاوَتُهُ لا يَنْفَعُهُ مُشاهَدَةُ الآياتِ - سَبَبًا لِنَفْيِ الشَّكِّ عَنْها وإثْباتِ اليَقِينِ بِمَضامِينِها بِما سَلَفَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى تِلْكَ المَضامِينِ إلى أنْ خَتَمَ ذَلِكَ بِذَمِّ مَن عَمِلَ عَمَلَ الشّاكِّ بَعْدَ أنْ جاءَ ما يُوجِبُ اليَقِينَ مِنَ العِلْمِ، وكانَ ﷺ كَما مَضى في آخِرِ الَّتِي قَبْلَها أشْفَقَ الخَلْقِ لا سِيَّما عَلى العَرَبِ لا سِيَّما عَلى قَوْمِهِ مِنهُمْ، وكانَتِ الوَصِيَّةُ قَدْ بَرَزَتْ مِنَ الجَنابِ الإلَهِيِّ لَهُ بِما يُوافِقُ طَبْعَهُ مِن بَذْلِ الجُهْدِ في مُلاطَفَتِهِمْ، كانَ ذَلِكَ جَدِيرًا بِأنْ يُحَرِّكَ طَبْعَ البَشَرِ لِتَمَنِّي الإجابَةِ لِما يَقْتَرِحُونَ، وكانَ طَلَبُ ذَلِكَ بَعْدَ الفِطامِ عَنْهُ مِن أفْعالِ الشَّكِّ في الجُمْلَةِ فَأُرِيدَ صَرْفُ النَّفْسِ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ ولَوْ بِالخُطُورِ في البالِ فَقِيلَ مُسَبَّبًا عَمّا قَبْلَهُ: ﴿فَإنْ كُنْتَ﴾ أيْ: يا أرْحَمَ الخَلْقِ ﴿فِي شَكٍّ﴾ ولَمْ يُرِدْ بِهَذا الكَلامِ حَقِيقَتَهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - بَلْ تَقْوِيَةَ اليَقِينِ وتَأْكِيدَهُ ورُسُوخَهُ وتَأْيِيدَهُ بِأنَّ هَذا أمْرٌ قَدْ عُزِمَ عَلَيْهِ وفُرِغَ مِنهُ فَلا يَحْتَمِلُ مُراجَعَةً، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى أنَّ ثَباتَهم عَلى الشَّقاوَةِ أمْرٌ لا يُعْلَمُ إلّا مِن قِبَلِنا، وذَلِكَ بِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا بِواسِطَةِ الأمِينِ جِبْرَئِيلَ بِما يَأْتِي بِهِ [مِنَ] الوَحْيِ عَنّا غَضًّا طَرِيًّا مَحْفُوظًا مِنَ الغَيْرِ فَلا تَحْرِيفَ فِيهِ ولا تَبْدِيلَ، وإمّا بِواسِطَةِ أهْلِ الكِتابِ عَنْ أنْبِيائِهِمْ - وفي ذَلِكَ نُزُولُ دَرَجَتَيْنِ مَعَ تَجْوِيزِ التَّخْوِيفِ والتَّبْدِيلِ، وهَذا ما لا \ يَرْضاهُ ذُو هِمَّةٍ عَلِيَّةٍ ونَفْسٍ أبِيَّةٍ - فالمَعْنى: أنا قَدْ أخْبَرْتُكَ بِأنَّ الآياتِ لا تَزِيدُ المَقْضِيَّ بِشَقائِهِ إلّا ضَلالًا وأنا خَبِيرٌ بِذَلِكَ ﴿ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] فَلا تَطْلُبْ إجابَتِي إيّاهم إلى ما يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ رَجاءَ إيمانِهِمْ؛ فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ ﴿فَإنْ كُنْتَ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿فِي شَكٍّ﴾ أيْ: ولَوْ قَلَّ ﴿مِمّا أنْـزَلْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا واصِلًا عَلى لِسانِ الواسِطَةِ ﴿إلَيْكَ﴾ في ذَلِكَ ﴿فاسْألِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ الشَّكِّ ﴿الَّذِينَ يَقْرَءُونَ﴾ أيْ: مُتَتابِعِينَ لِذَلِكَ ﴿الكِتابَ﴾ أيِ السَّماوِيَّ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، فَإنَّهم مِنَ الإحاطَةِ بِصِحَّةِ ما أنْزَلَنا إلَيْكَ عَلى حَدٍّ عَظِيمٍ. ومَن آمَنَ مِنهم أوْ كانَ مُنْصِفًا جَدِيرٌ بِأنْ يَزْدادَ مَن فاوَضَهُ في ذَلِكَ إيمانًا؛ ولَمّا كانُوا بَعْضُ مَن أُوتِيَ الكِتابَ في الزَّمَنِ السّالِفِ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ وهم عَنْ ذَلِكَ الخَبَرِ بِمَراحِلَ، فَلا تَجْنَحْ إلى سُؤالِ غَيْرِي، وهَذا مَضْمُونُ قَوْلِهِ تَعالى مُؤَكَّدًا آتِيًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ لِأنَّ كُلًّا مِنَ الأمْرَيْنِ في أحَقِّ مَواضِعِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ﴾ أيِ الثّابِتُ الكامِلُ ثَباتُهُ [وهُوَ إمْضاءُ العَدْلِ فِيهِمْ]؛ وزادَهُ تَشْرِيفًا وتَرْغِيبًا فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِاصْطِفائِكَ لِذَلِكَ، فَلِذا سِيقَ مَساقَ البَيانِ لَهُ مِن غَيْرِ واوٍ، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ الحَقُّ أيِ الثّابِتُ أعْلى الثَّباتِ تَسَبَّبَ عَنْهُ البُعْدُ مِن تَزَلْزُلِ مَن جاءَهُ، فَناسَبَ إتْباعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ﴾ أكَّدَهُ لِأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ لا يَنْثَنِيَ عَنْهُ أحَدٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [أيْ] الغافِلِينَ عَنْ آياتِ …

95

وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And never be of those who deny the signs of Allah and [thus] be among the losers.

ولَمّا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ مِمّا اقْتَضَتْهُ القِسْمَةُ العَقْلِيَّةُ إلّا العِنادُ مِمَّنْ يُمْكِنُ مِنهُ كَما فَعَلَ بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ مَجِيءِ العِلْمِ فَأتْبَعَهُ النَّهْيَ عَنْ مِثْلِ حالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والمُرادُ بِهَذا أتْباعُهُ ﴿مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا فِعْلَ المُكَذِّبِ مُسْتَهِينِينَ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّتِي لا أعْظَمَ مِنها بِإضافَتِها إلى مَن لا أعْظَمَ مِنهُ ﴿فَتَكُونَ﴾ أيْ: كَوْنًا راسِخًا ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾ بَلِ اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ اليَقِينِ والطُّمَأْنِينَةِ والثِّقَةِ بِاللَّهِ والسَّكِينَةِ، وهَذا ونَحْوَهُ مِمّا غَلُظَتْ فِيهِ العِبارَةُ دَلالَةً عَلى مَزِيدِ قُرْبِ المُخاطَبِ [وإنْ كانَ المُرادُ غَيْرَهُ] وعَظِيمِ مَنزِلَتِهِ ولَطِيفِ خُصُوصِيَّتِهِ كَما مَضى بَيانُهُ عَنِ الإمامِ أبِي الحَسَنِ الحَرالِّيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في سُورَةِ بَراءَةَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣] - الآيَةَ. وتَغْلِيظُ العِبارَةِ فِيهِ تَأْدِيبٌ عَظِيمٌ لِتابِعِيهِ؛ والشَّكُّ: الوُقُوفُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وهو مِن شَكِّ العُودِ فِيما يَنْفُذُ فِيهِ، لِأنَّهُ يَقِفُ بِذَلِكَ الشَّكِّ بَيْنَ جِهَتَيْهِ؛ والإنْزالُ: نَقْلُ الشَّيْءِ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ؛ والِامْتِراءُ: طَلَبُ التَّشَكُّكِ مَعَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ، مِن مَرْيِ الضَّرْعِ وهو مَسْحُهُ لِيَدِرَّ.

96

إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ

Indeed, those upon whom the word of your Lord has come into effect will not believe,

ولَمّا كانَ ما مَضى مِن هَذِهِ الآياتِ وما كانَ مِن طِرازِها قاضِيًا بِأنَّهُ لا تُغْنِي الآياتُ عَنْهم. صَرَّحَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ﴾ أيْ: وجَبَتْ وثَبَتَتْ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِأنَّهم أشْقِياءُ، وعَبَّرَ بِالِاسْمِ المُفْهِمِ لِلْإحْسانِ إعْلامًا بِأنَّهُ ما أوْجَبَ عَلَيْهِمُ العَذابَ إلّا إحْسانًا إلَيْهِ بِما يُقاسِي مِن مُعالَجَتِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ فَقالَ: ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١١٩] أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ في جَمِيعِ أمْرِكَ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لا قَبُولَ لَهم لِتَجَدُّدِ الإيمانِ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ ونِسْبَتُها إلى قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ﴾ [يونس: ٩٤] نِسْبَةَ ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ﴾ [يونس: ٩٤] إلى ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] الآيَةَ. في البَيانِ المُسْتَفادِ مِن حَذْفِ العاطِفِ، وإذا كانَ الكَلامُ في مَعْنًى واحِدٍ كانَ بِمَنزِلَةِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ فَسُمِّي بِها ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ: حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ لِفَواتِ شَرْطِهِ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ لِذَلِكَ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٢]

97

وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ

Even if every sign should come to them, until they see the painful punishment.

ولَمّا كانَ ما مَضى مِن هَذِهِ الآياتِ وما كانَ مِن طِرازِها قاضِيًا بِأنَّهُ لا تُغْنِي الآياتُ عَنْهم. صَرَّحَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ﴾ أيْ: وجَبَتْ وثَبَتَتْ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِأنَّهم أشْقِياءُ، وعَبَّرَ بِالِاسْمِ المُفْهِمِ لِلْإحْسانِ إعْلامًا بِأنَّهُ ما أوْجَبَ عَلَيْهِمُ العَذابَ إلّا إحْسانًا إلَيْهِ بِما يُقاسِي مِن مُعالَجَتِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ فَقالَ: ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١١٩] أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ في جَمِيعِ أمْرِكَ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لا قَبُولَ لَهم لِتَجَدُّدِ الإيمانِ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ ونِسْبَتُها إلى قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ﴾ [يونس: ٩٤] نِسْبَةَ ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ﴾ [يونس: ٩٤] إلى ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] الآيَةَ. في البَيانِ المُسْتَفادِ مِن حَذْفِ العاطِفِ، وإذا كانَ الكَلامُ في مَعْنًى واحِدٍ كانَ بِمَنزِلَةِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ فَسُمِّي بِها ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ: حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ لِفَواتِ شَرْطِهِ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ لِذَلِكَ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٢]

98

فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ

Then has there not been a [single] city that believed so its faith benefited it except the people of Jonah? When they believed, We removed from them the punishment of disgrace in worldly life and gave them enjoyment for a time.

ولَمّا كانَ هَذا مَوْضِعَ أنْ يُقالَ: إنَّما تُطْلَبُ الآياتُ لِما يُرْجى مِن تَسَبُّبِ الإيمانِ عَنْها، تَسَبَّبَ عَنْهُ أنْ يُجابَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا﴾ أيْ: فَهَلّا ﴿كانَتْ قَرْيَةٌ﴾ أيْ: واحِدَةٌ مِن قُرى الأُمَمِ الماضِيَةِ الَّتِي أهْلَكْناها ﴿آمَنَتْ﴾ أيْ: آمَنَ قَوْمُها عِنْدَ إتْيانِ الآياتِ أوْ عِنْدَ رُؤْيَةِ أسْبابِ العَذابِ ﴿فَنَفَعَها﴾ [أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ إيمانِها ذَلِكَ أنَّهُ نَفَعَها -] \ ﴿إيمانُها﴾ ولَمّا كانَ المَعْنى ”لَوْلا“ النَّفْيَ، كانَ التَّقْدِيرُ: لَكِنْ لَمْ تُؤْمِن قَرْيَةٌ مِنهم إلّا عِنْدَ صَدْمِ العَذابِ كَما فَعَلَ فِرْعَوْنُ، لَوْ آمَنَ عِنْدَ رُؤْيَةِ البَحْرِ عَلى حالِ الفَلْقِ أوْ عِنْدَ تَوَسُّطِهِ وقَبْلَ انْسِيابِهِ عَلَيْهِ قَبْلُ، ولَكِنَّهُ ما آمَنَ إلّا بَعْدَ انْهِمارِهِ ومَسِّهِ. وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ لِفَواتِ شَرْطِهِ مِنَ الإيمانِ بِالغَيْبِ ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ﴾ فَإنَّهم آمَنُوا عِنْدَ المَخايِلِ وقْتَ بَقاءِ التَّكْلِيفِ فَنَفَعَهم ذَلِكَ فَإنَّهم ﴿لَمّا آمَنُوا﴾ ودَلَّ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ أظَلَّهم بِقَوْلِهِ: ﴿كَشَفْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿عَنْهُمْ﴾ أيْ: حِينَ إيمانِهِمْ، رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ العَذابِ إلّا قَدْرُ مِيلٍ ﴿عَذابَ الخِزْيِ﴾ أيِ الَّذِي كانَ يُوجِبُ لَهم لَوْ بَرَكَ عَلَيْهِمْ هَوانَ الدّارَيْنِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: فَلَمْ يَأْخُذْهم وقْتَ رُؤْيَتِهِمْ لَهُ ﴿ومَتَّعْناهُمْ﴾ [أيْ] تَمْتِيعًا عَظِيمًا ﴿إلى حِينٍ﴾ وهو انْقِضاءُ آجالِهِمْ مُفَرَّقَةً كُلُّ واحِدٍ مِنهم في وقْتِهِ المَضْرُوبِ لَهُ، وما ذَكَرْتُهُ في مَعْنى الآيَةِ نَقَلَهُ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ البَسْتِيُّ في تَفْسِيرِهِ المُسْنَدِ عَنِ ابْنِ أبِي عُمَرَ قالَ: قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ قالَ: فَلَمْ تَكُنْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ، وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنى الكَلامِ، وأمّا ”لَوْلا“ فَهو بِمَعْنى هَلّا، وهي عَلى وُجُوهِ تَحْضِيضٍ وتَأْنِيثٍ، أيْ تَوْبِيخٍ، وهي [هُنا] لِلتَّوْبِيخِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً بِمَعْنى ”لَوْلا“، ويَلْزَمُ كُلًّا مِنَ المَعْنَيَيْنِ النَّفْيُ؛ والنَّفْعُ: إيجابُ اللَّذَّةِ بِفِعْلِها أوْ ما يُؤَدِّي إلَيْها كالدَّواءِ الكَرِيهِ المُؤَدِّي إلى اللَّذَّةِ؛ والخِزْيُ هو أنْ يُفْضَحَ صاحِبُهُ، وهو وضْعٌ مِنَ القَدْرِ لِلَغَمِّ الَّذِي يَلْحَقُ بِهِ، وأصْلُهُ التَّعَبُ.

99

وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ

And had your Lord willed, those on earth would have believed - all of them entirely. Then, [O Muhammad], would you compel the people in order that they become believers?

ولَمّا كانَ ما مَضى رُبَّما أوْجَبَ اعْتِقادَ أنَّ إيمانَ مِثْلِ أُولَئِكَ مُحالٌ جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَقامِ الِاحْتِراسِ مِنهُ مَعَ البَيانِ لِأنَّ حِرْصَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى إيمانِهِمْ لا يَنْفَعُ ومُبالَغَتَهُ في إزالَةِ الشُّبَهاتِ وتَقْرِيرِ الدَّلائِلِ لا تُفِيدُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِتَوْفِيقِهِمْ وهِدايَتِهِمْ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ وحْدَهُ كافِيًا لَآمَنُوا بِهَذِهِ السُّورَةِ؛ فَإنَّها أزالَتْ شُبُهاتِهِمْ وبَيَّنَتْ ضَلالاتِهِمْ وحَقَّقَتْ بِقِصَّتَيْ نُوحٍ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ ضَعْفَهم ووَهْنَ مُدافِعاتِهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ﴾ أيْ: إيمانَ النّاسِ ﴿رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِإقْبالِ مَن أقْبَلَ لِعِلْمِهِ الخَيْرَ فِيهِ وإدْبارِ مَن أدْبَرَ لِعَدَمِ قابِلِيَّتِهِ لِلْخَيْرِ ﴿لآمَنَ مَن في الأرْضِ﴾ مِنَ الكُفّارِ.

ولَمّا كانَ هَذا ظاهِرًا في الكُلِّ، صَرَّحَ بِهِ مُؤَكَّدًا لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِيهِ فَقالَ: ﴿كُلُّهم جَمِيعًا﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ في آنٍ واحِدٍ لا يَخْتَلِفُونَ في شَيْءٍ مِنهُ، ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ وأنْتَ لِحِرْصِكَ عَلى امْتِثالِ أوامِرِي ووَصِيَّتِي لَكَ بِاللُّطْفِ بِخَلْقِي المُوافِقِ لِما جَبَلْتُكَ عَلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ تُرِيدُ ذَلِكَ ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ أيِ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ إيمانَهم [مَعَ ما طَبَعَهم عَلَيْهِ مِنَ الِاضْطِرابِ] ﴿حَتّى يَكُونُوا﴾ أيْ: كَوْنًا جِبِلِّيًّا ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: راسِخِينَ في الإيمانِ، وإيلاءُ الِاسْتِفْهامِ الِاسْمَ مُقَدَّمًا عَلى الفِعْلِ لِلْإعْلامِ بِأنَّ الفِعْلَ - وهو هُنا الإكْراهُ - مُمْكِنٌ مِن غَيْرِ ذَلِكَ الِاسْمِ وهو هُنا اللَّهُ وحْدَهُ [القادِرُ عَلى تَحْوِيلِ الطِّباعِ] فَإنَّ قُدْرَتَهُ قاهِرَةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ ومَشِيئَتَهُ نافِذَةٌ في كُلِّ شَيْءٍ مَعَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ وُقُوعَ خِلافِ المَشِيئَةِ مُسْتَحِيلٌ لا يُمْكِنُ لِغَيْرِهِ تَعالى بِإكْراهٍ ولا غَيْرِهِ، والمَشِيئَةُ مَعْنًى يَكُونُ بِهِ الفِعْلُ مُرادًا أخَذْتَ مِنَ الشَّيْءِ، والمُرادُ بِالآيَةِ تَخْفِيفُ ما يَلْحَقُ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ التَّحَسُّرِ لِلْحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ

100

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ

And it is not for a soul to believe except by permission of Allah, and He will place defilement upon those who will not use reason.

﴿وما كانَ﴾ أيْ: [و] ما يَنْبَغِي ولا يَتَأتّى ﴿لِنَفْسٍ﴾ أيْ: واحِدَةٍ فَما فَوْقَها ﴿أنْ تُؤْمِنَ﴾ أيْ: يَقَعَ مِنها إيمانٌ في وقْتٍ ما ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِإرادَةِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ وتَمْكِينُهُ، فَيَجْعَلُ الثَّباتَ والطُّمَأْنِينَةَ - اللّازِمَيْنِ لِلْإيمانِ الَّذِي هو أبْعَدُ شَيْءٍ عَنِ السِّحْرِ - عَلى الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِعُقُولِهِمْ فَيَلْزَمُونَ مَعالِيَ الأخْلاقِ الَّتِي هي ثَمَراتٌ لِلْإيمانِ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ أيِ الِاضْطِرابَ والتَّزَلْزُلَ الَّذِي يَلْزَمُهُ التَّكْذِيبُ الَّذِي هو أشْبَهُ شَيْءٍ بِالسِّحْرِ لِأنَّهُ تَخْيِيلُ [ما] لا حَقِيقَةَ لَهُ والقَذَرُ والقَباحَةُ والغَضَبُ والعِقابُ النّاشِئُ عَنْهُ.

ولَمّا كانَ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الدَّلائِلِ قَدْ وصَلَ في البَيانِ إلى حَدٍّ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى غَيْرِ مُجَرَّدِ العَقْلِ قالَ: ﴿عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ \ أيْ لا يُوجَدُ لَهم عَقْلٌ، فَهم لِذَلِكَ لا يَنْتَفِعُونَ بِالآياتِ وهم يَدَّعُونَ أنَّهم أعْقَلُ النّاسِ فَيَتَساقَطُونَ في مَساوِئِ الأخْلاقِ وهم يَدَّعُونَ أنَّهم أبْعَدُ النّاسِ عَنْها، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ؛ والنَّفْسُ: خاصَّةُ الشَّيْءِ الَّتِي لَوْ بَطَلَ ما سِواها لَمْ يَبْطُلْ ذَلِكَ الشَّيْءُ، ونَفْسُهُ وذاتُهُ واحِدٌ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.