Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 91–100 of 109

91

ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ

Now? And you had disobeyed [Him] before and were of the corrupters?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩١ ] ﴿آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾

﴿آلآنَ﴾ أيْ تُؤْمِنُ وتُسَلِّمُ لِتَنْجُوَ مِنَ الغَرَقِ ﴿وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ أيْ كَفَرْتَ بِاللَّهِ مِن قَبْلِ الغَرَقِ، ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ بِالضَّلالِ والإضْلالِ، والظُّلْمِ والعُتُوِّ.

92

فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةًۭ ۚ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ

So today We will save you in body that you may be to those who succeed you a sign. And indeed, many among the people, of Our signs, are heedless

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٢ ] ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾

﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أيْ نُخْرِجُكَ مِنَ البَحْرِ بِجَسَدِكَ الَّذِي لا رُوحَ فِيهِ، فَرَآهُ بَنُو إسْرائِيلَ مُلْقًى عَلى شاطِئِ البَحْرِ مَيِّتًا، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ إخْراجِهِ مِنَ القَعْرِ إلى الشّاطِئِ (بِالتَّنْجِيَةِ) الَّتِي هي الخَلاصُ مِنَ المَكْرُوهِ تَهَكُّمٌ واسْتِهْزاءٌ ﴿لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ ﴿آيَةً﴾ أيْ عِبْرَةً مِنَ الطُّغْيانِ والتَّمَرُّدِ عَلى أوامِرِهِ تَعالى. ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ أيْ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَعْتَبِرُونَ بِها.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ في (العِنايَةِ): لا يُقْبَلُ إيمانُ المَرْءِ حالَ اليَأْسِ والِاحْتِضارِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحُ الآيَةِ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥] وأمّا ما وقَعَ في (الفُصُوصِ) مِن صِحَّةِ إيمانِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] إيمانٌ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ -فَمُخالِفٌ لِلنَّصِّ والإجْماعِ، وإنْ ذَهَبَ إلى ظاهِرِهِ الجَلالُ الدَّوانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ. ولَهُ رِسالَةٌ فِيهِ طالَعْتُها، وكُنْتُ أتَعَجَّبُ مِنها حَتّى رَأيْتُ في (تارِيخِ حَلَبَ) لِلْفاضِلِ الحَلَبِيِّ أنَّها لَيْسَتْ لَهُ، وإنَّما هي لِرَجُلٍ يُسَمّى مُحَمَّدَ بْنَ هِلالٍ النَّحْوِيَّ. وقَدْ رَدَّها القَزْوِينِيُّ، وشَنَّعَ عَلَيْهِ وقالَ: إنَّما مِثالُهُ مِثالُ رَجُلٍ خامِلِ الذِّكْرِ، لَمّا قَدِمَ مَكَّةَ بالَ في زَمْزَمَ لِيَشْتَهِرَ بَيْنَ النّاسِ، كَما في المَثَلِ (خالِفْ تُعْرَفْ) وفي (فَتاوى ابْنِ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ) أنَّ بَعْضَ فُقَهائِنا كَفَّرَ مَن ذَهَبَ إلى إيمانِ فِرْعَوْنَ، ولِذا قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ (فِي كَلامِهِ) النَّفْسُ الأمّارَةُ، وهَذا كُلُّهُ مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ -انْتَهى كَلامُ الشِّهابِ-.

أقُولُ: ذَكَرَ شَيْخُنا العَطّارُ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ (الفَتْحُ المُبِينُ في رَدِّ اعْتِراضِ المُعْتَرِضِ عَلى مُحْيِي الدِّينِ) خاتِمَةٌ في بُطْلانِ ما نُسِبَ إلى هَذا العارِفِ مِنَ القَوْلِ بِصِحَّةِ إيمانِ فِرْعَوْنَ ونَجاتِهِ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ:

لِيَعْلَمَ أنَّهُ شاعَ فِيما بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ بِأنَّ حَضْرَةَ مُحْيِي الدِّينِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ بِإيمانِ فِرْعَوْنَ ونَجاتِهِ، والحالُ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، كَما سَتَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنَ النَّقْلِ عَنْهُ، نَعَمْ، بَحَثَ في صِحَّةِ القَوْلِ بِإيمانِ فِرْعَوْنَ ونَجاتِهِ وعَدَمِها، حَيْثُ الأخْذُ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ، فَكانَ ذَلِكَ مِنهُ مُجَرَّدَ بَحْثٍ في الدَّلِيلِ لا غَيْرَ، وما كانَ هَذا قَوْلًا بِإيمانِهِ قَطْعِيًّا، وقَدْ بَنى مَسْألَةَ نَجاةِ فِرْعَوْنَ وإيمانِهِ عَلى أصْلَيْنِ مِن أُصُولِهِ، وافَقَهُ عَلَيْهِما جَمٌّ غَفِيرٌ مِنَ العُلَماءِ الأعْلامِ.

الأصْلُ الأوَّلُ- في بَيانِ حَقِيقَةِ إيمانِ اليَأْسِ، فَإيمانُ اليَأْسِ عِنْدَهُ، وعِنْدَ جَمٍّ غَفِيرٍ مِنَ العُلَماءِ هو ما كانَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ العَذابِ البَرْزَخِيِّ، كَحالِ المُحْتَضَرِ لا غَيْرَ، فَفي هَذِهِ الحالَةِ لا يَنْفَعُ الإيمانُ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ إيمانَ اليَأْسِ ما كانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ دُنْيَوِيًّا أوْ أُخْرَوِيًّا، فالإيمانُ في أيْ حالَةٍ مِنَ الحالَتَيْنِ لا يَنْفَعُ. وعِنْدَ هَذا العارِفِ وجَماعَةٍ: أنَّ رُؤْيَةَ العَذابِ …

93

وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍۢ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

And We had certainty settled the Children of Israel in an agreeable settlement and provided them with good things. And they did not differ until [after] knowledge had come to them. Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٣ ] ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾

﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ أُضِيفَ المَكانُ إلى الصِّدْقِ؛ لِأنَّ عادَةَ العَرَبِ إذا مَدَحَتْ شَيْئًا، أنْ تُضِيفَهُ إلى الصِّدْقِ، تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ. وقَدَمُ صِدْقٍ. وقالَ تَعالى: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] و﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] إذا كانَ عامِلًا في صِفَةٍ صالِحًا لِلْغَرَضِ المَطْلُوبِ مِنهُ، كَأنَّهم لاحَظُوا أنَّ كُلَّ ما يَظُنُّ بِهِ فَهو صادِقٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وهي المَنُّ والسَّلْوى في التِّيهِ وبَعْدَهُ، مِمّا فاضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأرْضِ الَّتِي تَدُرُّ لَبَنًا وعَسَلًا ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ ما تَفَرَّقُوا عَلى مَذاهِبَ شَتّى في أمْرِ دِينِهِمْ، إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ الحاسِمُ لِكُلِّ شُبْهَةٍ، وهو ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الوَحْيِ، الَّذِي يَتْلُونَهُ. أيْ: وما كانَ حَقُّهم أنْ يَخْتَلِفُوا، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُمْ، وأزاحَ عَنْهُمُ اللَّبْسَ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في النَّعْيِ عَلَيْهِمُ اخْتِلافَهُمْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] وقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [آل عمران: ١٩] وفِيهِ أكْبَرُ زاجِرٍ وأعْظَمُ واعِظٍ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ، والتَّفَرُّقِ فِيهِ.

﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ فَيُمَيِّزُ المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ بِالإنْجاءِ والإهْلاكِ.

94

فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

So if you are in doubt, [O Muhammad], about that which We have revealed to you, then ask those who have been reading the Scripture before you. The truth has certainly come to you from your Lord, so never be among the doubters.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٤ ] ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾

﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ﴾ مِن قِصَصِ مُوسى وفِرْعَوْنَ وبَنِي إسْرائِيلَ ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ فَإنَّهُ عِنْدَهم عَلى نَحْوِ ما أُوحِيَ إلَيْكَ ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ أيِ الشّاكِّينَ في أنَّهُ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِهِ.

تَنْبِيهٌ:

لا يُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ثُبُوتُ شَكٍّ لَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإنَّ صِدْقَ الشَّرْطِيَّةِ لا يَقْتَضِي وُقُوعَها، كَقَوْلِكَ. (إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا، كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ) والسِّرُّ في مِثْلِها تَكْثِيرُ الدَّلائِلِ وتَقْوِيَتِها، لِتَزْدادَ قُوَّةُ اليَقِينِ، وطُمَأْنِينَةِ القَلْبِ، وسُكُونِ الصَّدْرِ، ولِذا أكْثَرَ تَعالى في كِتابِهِ مِن تَقْرِيرِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والرَّجْعَةِ. أوِ السِّرُّ هو الِاسْتِدْلالُ عَلى تَحْقِيقِ ما قَصَّ، والِاسْتِشْهادُ بِما في الكِتابِ المُتَقَدِّمِ، وأنَّ القُرْآنَ مُصَدِّقٌ لِما فِيهِ، أوْ وصْفُ الأحْبارِ بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ، بِصِحَّةِ ما أُنْزِلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ، أوْ تَهْيِيجُ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وتَحْرِيضُهُ لِيَزْدادَ يَقِينًا، كَما قالَ الخَلِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] وقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ قالَ حِينَ نُزُولِ الآيَةِ: «لا أشُكُّ ولا أسْألُ»» أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ -أوِ الخِطابُ لَهُ ﷺ والمُرادُ غَيْرُهُ، عَلى حَدِّ: (إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ). وفِيهِ مِن قُوَّةِ التَّأْثِيرِ في القُلُوبِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، بِمَثابَةِ ما لَوْ خاطَبَ سُلْطانٌ عامِلًا لَهُ عَلى بَلْدَتِهِ بِحُضُورِ أهْلِها بِوَصاياهُ وأوامِرِهِ الرَّهِيبَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أفْعَلَ في النُّفُوسِ، أوِ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ. أيْ: إنْ كُنْتَ أيُّها السّامِعُ في شَكٍّ مِمّا نَزَّلْنا عَلى لِسانِ نَبِيِّنا إلَيْكَ... وأيَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ [يونس: ١٠٤] فَكَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّ المَذْكُورَ في أوَّلِ الآيَةِ رَمْزًا، هُمُ المَذْكُورُونَ بَعْدُ صَراحَةً، وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَن خالَجَتْهُ شُبْهَةٌ في الدِّينِ يَنْبَغِي أنْ يُسارِعَ إلى حَلِّها بِمُقادَحَةِ العُلَماءِ المُنَبِّهِينَ عَلى الحَقِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

95

وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And never be of those who deny the signs of Allah and [thus] be among the losers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٥ ] ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ هو أيْضًا مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ والتَّثْبِيتِ، وأجْرى بَعْضُهم ها هُنا قاعِدَةً، فَقالَ: النَّهْيُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، إنْ كانَ لِمَن تَلَبَّسَ بِهِ فَمَعْناهُ تَرْكُهُ، وإنْ كانَ لِغَيْرِهِ فَمَعْناهُ الثَّباتُ عَلى عَدَمِهِ، وألّا يَصْدُرَ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ كَما هُنا -انْتَهى- أوْ يَأْتِي الوَجْهانِ الأخِيرانِ قَبْلُ هُنا أيْضًا.

96

إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ

Indeed, those upon whom the word of your Lord has come into effect will not believe,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٦ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [ ٩٧ ] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٧]

﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أيْ قَوْلُهُ الكَرِيمُ، وأمْرُهُ بِعَذابِهِمْ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٧] أيْ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وأضْرابِهِمْ. أيْ: وعِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ يَرْتَفِعُ التَّكْلِيفُ فَلا يَنْفَعُهم إيمانُهم.

97

وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ

Even if every sign should come to them, until they see the painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٦ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [ ٩٧ ] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٧]

﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أيْ قَوْلُهُ الكَرِيمُ، وأمْرُهُ بِعَذابِهِمْ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٧] أيْ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وأضْرابِهِمْ. أيْ: وعِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ يَرْتَفِعُ التَّكْلِيفُ فَلا يَنْفَعُهم إيمانُهم.

98

فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ

Then has there not been a [single] city that believed so its faith benefited it except the people of Jonah? When they believed, We removed from them the punishment of disgrace in worldly life and gave them enjoyment for a time.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٨ ] ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾

﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ أيْ فَهَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى المُهْلَكَةِ آمَنَتْ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ، ولَمْ تُؤَخِّرْ إيمانَها إلى حِينِ مُعايَنَتِهِ، كَما فَعَلَ فِرْعَوْنُ، وفي هَذا التَّخْصِيصِ مَعْنى التَّوْبِيخِ ﴿فَنَفَعَها إيمانُها﴾ بِأنْ يَقْبَلَهُ اللَّهُ مِنها، ويَكْشِفَ عَنْها بِسَبَبِهِ العَذابَ، ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ﴾ أيْ لَكِنَّ قَوْمَهُ ﴿لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ إلى آجالِهِمْ.

هَذا، وقَدْ جَوَّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ، لِتَضَمُّنِ حَرْفِ التَّحْضِيضِ مَعْناهُ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ القُرى أهالِيها، كَأنَّهُ قالَ: ما آمَنَ أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ القُرى العاصِيَةِ فَنَفَعَهم إيمانُهم إلّا قَوْمَ يُونُسَ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِ.

رُوِيَ أنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى نِينَوى، مِن أرْضِ المُوصِلِ، وكانَتْ مَدِينَةً عَظِيمَةً، مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وهي قَصَبَةُ بِلادِ الآشُورِيِّينَ، بانِيها آشُورُ أوْ نِينُوسُ بْنُ نَمْرُودَ، وكِلاهُما مِن أوْلادِ بَنِي نُوحٍ، وكانَتْ مِن أقْدَمِ مُدُنِ العالَمِ وأشْهَرِها، والمُؤَرِّخُونَ الوَثَنِيُّونَ يَصِفُونَها بِأنَّ ارْتِفاعَ أسْوارِها كانَ مِائَةَ قَدَمٍ، ودائِراتُها سِتُّونَ مِيلًا، وهي مُحَصَّنَةٌ بِألْفٍ وخَمْسِمِائَةِ قَلْعَةٍ، طُولُ الواحِدَةِ مِنهُنَّ مِائَتا قَدَمٍ. قِيلَ: أهْلُها كانُوا يَبْلُغُونَ نَحْوَ سِتِّمِائَةِ ألْفٍ. وخُلَفاءُ نَمْرُودَ في هَذِهِ المَدِينَةِ دَأبُوا عَلى تَحْسِينِها، وتَوْسِيعِ بِنائِها، وقَوِيَتْ شَوْكَةُ الآشُورِيِّينَ في تِلْكَ الأيّامِ حَتّى خَضَعَ لَهم أكْثَرُ مَمالِكَ آسْيا، فَتَجَبَّرُوا وتَمَرَّدُوا، وكانُوا كُلَّما ظَفِرُوا في غاراتِهِمْ يَسْتَغْرِقُونَ في النَّهْبِ والمَظالِمِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْمُهُ في العِبْرِيَّةِ (يُونانُ)، لِيُنْذِرَهم بِأنَّهم لِكُفْرِهِمْ واقْتِرافِهِمُ المُوبِقاتِ سَيَحِلُّ بِهِمُ العَذابُ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَتَنْقَلِبُ بِهِمْ نِينَوى. ثُمَّ خَرَجَ يُونُسُ مِن بَيْنِهِمْ فَأصْحَرَ، فَلَمّا فَقَدُوهُ وبَلَغَ أمِيرَهم قَوْلُ يُونُسَ؛ تَخَوَّفُوا نُزُولَ العَذابِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قَلْبِ أمِيرِهِمُ الإيمانَ والتَّوْبَةَ، فَنَزَلَ عَنْ عَرْشِهِ، وألْقى عَنْهُ حُلَّتَهُ، والتَفَّ بِمَسْحٍ، وجَلَسَ عَلى التُّرابِ، وآمَنَ بِاللَّهِ، وآمَنَ أهْلُ نِينَوى كُلُّهُمْ، وأمَرَ أنْ يُنادى بِنِينَوى بِالصِّيامِ، فَلا يَذُوقُ أحَدٌ طَعامًا ولا شَرابًا، وألّا تَرْعى البَهائِمُ ولا تُسْقى، وأنْ يَلْبَسَ النّاسُ المُسُوحَ، صَغِيرُهم وكَبِيرُهُمْ، وأنْ يَجْتَمِعُوا في صَعِيدٍ واحِدٍ، يَجْهَرُونَ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ، والإنابَةِ إلَيْهِ، والِاسْتِغْفارِ لَهُ، والتَّوْبَةِ عَمّا أسْلَفُوا مِنَ الظُّلْمِ والجُرْمِ، وأنْ يُحْضِرُوا أطْفالَهم وذَوِيهِمْ ومَواشِيَهم مَعَهم. فَفَعَلُوا وتَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ، واسْتَكانُوا لِجَلالِهِ، وسَألُوهُ أنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ العَذابَ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ نَبِيُّهم. فَلَمّا عَلِمَ مِنهُمُ الصِّدْقَ مِن قُلُوبِهِمْ، والتَّوْبَةَ والنَّدامَةَ عَلى ما مَضى مِنهُمْ، كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ ورَحِمَهم. وسَيَأْتِي في (سُورَةِ …

99

وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ

And had your Lord willed, those on earth would have believed - all of them entirely. Then, [O Muhammad], would you compel the people in order that they become believers?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٩ ] ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾

﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهُمْ﴾ أيْ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ عَنْهم أحَدٌ ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ، لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. أيْ: لَكِنَّهُ لا يَشاؤُهُ لِمُخالَفَتِهِ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْها أساسُ التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ أيْ عَلى ما لَمْ يَشَأِ اللَّهُ مِنهم ﴿حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْكَ، ولا إلَيْكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ وتَرْوِيحٌ لِقَلْبِهِ مِمّا كانَ يَحْرِصُ عَلَيْهِ مِن إيمانِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨]

ولِذا قالَ تَعالى:

100

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ

And it is not for a soul to believe except by permission of Allah, and He will place defilement upon those who will not use reason.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٠ ] ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾

﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِإرادَتِهِ وتَوْفِيقِهِ، فَلا تُجْهِدْ نَفْسَكَ في هُداها، فَإنَّهُ إلى اللَّهِ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ أيِ الخِذْلانَ ﴿عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ حُجَجَهُ وأدِلَّتَهُ، لِما عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الطَّبْعِ.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.