Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 81–90 of 109

81

فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ

And when they had thrown, Moses said, "What you have brought is [only] magic. Indeed, Allah will expose its worthlessness. Indeed, Allah does not amend the work of corrupters.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فامْتَثَلُوا أمْرَهُ وجَمَعُوهُمْ، دَلَّ عَلى قُرْبِ اجْتِماعِهِمْ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ أيْ: كُلُّ مَن في أرْضِ مِصْرَ مِنهم ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾ مُزِيلًا لِهَذا الإيهامِ ﴿ألْقُوا﴾ جَمِيعَ ﴿ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ: راسِخُونَ في صَنْعَةِ إلْقائِهِ، إشارَةً إلى أنَّ ما جاؤُوا بِهِ لَيْسَ أهْلًا لِأنَّ يُلْقى إلَيْهِ بالٌ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ: وقَعَ مِنهُمُ الإلْقاءُ بِحِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ [عَلى إثْرِ مَقالاتِهِ] وخَيَّلُوا بِسِحْرِهِمْ لِعُيُونِ النّاسِ ما زَلْزَلَ عُقُولَهُمْ﴿قالَ مُوسى﴾ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ ما اسْتَفْهَمَ عَنْهُ جَهْلًا بَلِ احْتِقارًا وإنْكارًا، وزادَ في بَيانِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿السِّحْرُ﴾ لِأنَّهُ اسْتِفْهامٌ أيْضًا سَواءٌ قُطِعَتِ الهَمْزَةُ ومُدَّتْ كَما في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو وأبِي جَعْفَرٍ أوْ جُعِلَتْ هَمْزَةَ وصْلٍ كَما في قِراءَةِ الباقِينَ، فَإنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ، والتَّعْرِيفُ إمّا لِلْعَهْدِ وإمّا لِلْحَقِيقَةِ وهو أقْرَبُ، ويَجُوزُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِما يُقْصَدُ بِهِ الحَصْرُ، أيْ هو السِّحْرُ لا ما نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ ما حَقَّرَهُ بِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ إحاطَةُ العِلْمِ والقُدْرَةِ ﴿سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ: عَنْ قَرِيبٍ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما بَيَّنَ أنَّهُ فَسادٌ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿لا يُصْلِحُ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الفَسادِ؛ بِأنْ لا يَنْفَعَ بِعَمَلِهِمْ ولا يُدِيمَهُ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بَيانَ إصْلاحِهِ عَمَلَ المُصْلِحِينَ فَقالَ: ﴿ويُحِقُّ﴾ أيْ: يُثْبِتُ إثْباتًا عَظِيمًا ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿الحَقَّ﴾ أيِ الشَّيْءُ الَّذِي لَهُ الثَّباتُ صِفَةً لازِمَةً؛ ولَمّا كانَ في مَقامِ تَحْقِيرِهِمْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِتَكْرِيرِ الِاسْمِ الجامِعِ الأعْظَمِ. وأشارَ إلى ما لَهُ مِنَ الصِّفاتِ العُلى بِقَوْلِهِ: ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ أيِ الأزَلِيَّةِ الَّتِي لَها ثَباتُ الأعْظَمِ، وزادَ في العَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في قَطْعِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ، فَكانَ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَطَلَ سِحْرُهُمْ، واضْمَحَلَّ مَكْرُهُمْ، وحَقَّ الحَقُّ - كَما بَيَّنَ في سُورَةِ الأعْرافِ.

82

وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ

And Allah will establish the truth by His words, even if the criminals dislike it."

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فامْتَثَلُوا أمْرَهُ وجَمَعُوهُمْ، دَلَّ عَلى قُرْبِ اجْتِماعِهِمْ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ أيْ: كُلُّ مَن في أرْضِ مِصْرَ مِنهم ﴿قالَ لَهم مُوسى﴾ مُزِيلًا لِهَذا الإيهامِ ﴿ألْقُوا﴾ جَمِيعَ ﴿ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ: راسِخُونَ في صَنْعَةِ إلْقائِهِ، إشارَةً إلى أنَّ ما جاؤُوا بِهِ لَيْسَ أهْلًا لِأنَّ يُلْقى إلَيْهِ بالٌ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ: وقَعَ مِنهُمُ الإلْقاءُ بِحِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ [عَلى إثْرِ مَقالاتِهِ] وخَيَّلُوا بِسِحْرِهِمْ لِعُيُونِ النّاسِ ما زَلْزَلَ عُقُولَهُمْ﴿قالَ مُوسى﴾ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ ما اسْتَفْهَمَ عَنْهُ جَهْلًا بَلِ احْتِقارًا وإنْكارًا، وزادَ في بَيانِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿السِّحْرُ﴾ لِأنَّهُ اسْتِفْهامٌ أيْضًا سَواءٌ قُطِعَتِ الهَمْزَةُ ومُدَّتْ كَما في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو وأبِي جَعْفَرٍ أوْ جُعِلَتْ هَمْزَةَ وصْلٍ كَما في قِراءَةِ الباقِينَ، فَإنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ، والتَّعْرِيفُ إمّا لِلْعَهْدِ وإمّا لِلْحَقِيقَةِ وهو أقْرَبُ، ويَجُوزُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِما يُقْصَدُ بِهِ الحَصْرُ، أيْ هو السِّحْرُ لا ما نَسَبْتُمُوهُ إلَيَّ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ ما حَقَّرَهُ بِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ إحاطَةُ العِلْمِ والقُدْرَةِ ﴿سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ: عَنْ قَرِيبٍ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما بَيَّنَ أنَّهُ فَسادٌ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿لا يُصْلِحُ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الفَسادِ؛ بِأنْ لا يَنْفَعَ بِعَمَلِهِمْ ولا يُدِيمَهُ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بَيانَ إصْلاحِهِ عَمَلَ المُصْلِحِينَ فَقالَ: ﴿ويُحِقُّ﴾ أيْ: يُثْبِتُ إثْباتًا عَظِيمًا ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿الحَقَّ﴾ أيِ الشَّيْءُ الَّذِي لَهُ الثَّباتُ صِفَةً لازِمَةً؛ ولَمّا كانَ في مَقامِ تَحْقِيرِهِمْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِتَكْرِيرِ الِاسْمِ الجامِعِ الأعْظَمِ. وأشارَ إلى ما لَهُ مِنَ الصِّفاتِ العُلى بِقَوْلِهِ: ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ أيِ الأزَلِيَّةِ الَّتِي لَها ثَباتُ الأعْظَمِ، وزادَ في العَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في قَطْعِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ، فَكانَ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَطَلَ سِحْرُهُمْ، واضْمَحَلَّ مَكْرُهُمْ، وحَقَّ الحَقُّ - كَما بَيَّنَ في سُورَةِ الأعْرافِ.

83

فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ عَلَىٰ خَوْفٍۢ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ۚ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ

But no one believed Moses, except [some] youths among his people, for fear of Pharaoh and his establishment that they would persecute them. And indeed, Pharaoh was haughty within the land, and indeed, he was of the transgressors

ولَمّا حَكى سُبْحانَهُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أبانَ ما أبانَ مِن بُطْلانِ السِّحْرِ وكَوْنِهِ إفْسادًا، فَثَبَتَ ما أتى بِهِ لِمُخالَفَتِهِ لَهُ، أخْبَرَ تَعالى - تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وفَطْمًا عَنْ طَلَبِ الإجابَةِ لِلْمُقْتَرَحاتِ - أنَّهُ ما تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ في أوَّلِ الأمْرِ عَقِبَ إبْطالِ سِحْرِهِمْ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ إلّا إيمانُ ناسٍ ضُعَفاءَ غَيْرِ كَثِيرٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَما آمَنَ﴾ أيْ: مُتَّبِعًا ﴿لِمُوسى﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما فَعَلَ، لِيُعْلَمَ أنَّ الآياتِ لَيْسَتْ سَبَبًا لِلْهِدايَةِ إلّا لِمَن أرَدْنا ذَلِكَ مِنهُ؛ وبَيَّنَ أنَّ الصِّغارَ أسْرَعُ إلى القَبُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا ذُرِّيَّةٌ﴾ أيْ: شُبّانُهم [هُمْ] أهْلٌ لِأنْ تُذَرَّ فِيهِمُ البَرَكَةُ ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ: قَوْمِ مُوسى الَّذِينَ لَهم قُدْرَةٌ عَلى القِيامِ في المُحاوَلَةِ لِما يُرِيدُونَهُ، والظّاهِرُ أنَّهم كانُوا أيْتامًا وأكْثَرُهم - كَما قالَهُ مُجاهِدٌ ﴿عَلى خَوْفٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ ﴿مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ﴾ أيْ: أشْرافِ قَوْمِ الذُّرِّيَّةِ؛ ولَمّا كانَ إنْكارُ المَلَأِ إنَّما هو بِسَبَبِ فِرْعَوْنَ أنْ يَسْلُبَهم رِئاسَتَهُمْ، انْحَصَرَ الخَوْفُ فِيهِ فَأشارَ إلى ذَلِكَ بِوَحْدَةِ الضَّمِيرِ فَقالَ: ﴿أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ وأتْبَعَهُ ما يُوَضِّحُ عُذْرَهم بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا تَنْزِيلًا لِقُرَيْشٍ مُنْزِلَةَ مَن يُكَذِّبُ بِعُلُوِّ فِرْعَوْنَ لِتَكْذِيبِهِمْ لِأنْ يَنْصُرَ عَلَيْهِمُ الضُّعَفاءَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ لِعُلُوِّهِمْ: ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ﴾ أيْ: غالِبٌ قاهِرٌ مُتَمَكِّنٌ بِما فَتَنّاهُ بِهِ مِن طاعَةِ النّاسِ لَهُ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ الَّتِي هي بِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ المَرافِقِ كَأنَّها جَمِيعُ الأرْضِ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في مُجاوَزَةِ الحُدُودِ بِظاهِرِهِ وباطِنِهِ، وإذا ضَمَمْتَ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣] كانَ قِياسًا بَدِيهِيًّا مُنْتِجًا إنْتاجًا صَرِيحًا قَطْعِيًّا أنَّ فِرْعَوْنَ مِن أصْحابِ النّارِ، تَكْذِيبًا لِأهْلِ الوَحْدَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ آمَنَ، لِيُهَوِّنُوا المَعاصِيَ عِنْدَ النّاسِ فَيُحِلُّوا بِذَلِكَ عَقائِدَ أهْلِ الدِّينِ.

84

وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ

And Moses said, "O my people, if you have believed in Allah, then rely upon Him, if you should be Muslims."

ولَمّا ذَكَرَ خَوْفَهم وعُذْرَهُمْ، أتْبَعَهُ ما يُوجِبُ طُمَأْنِينَتَهُمْ، وهو التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ الَّذِي مَن راقَبَهُ تَلاشى عِنْدَهُ كُلُّ عَظِيمٍ، فَقالَ: ﴿وقالَ مُوسى﴾ أيْ: لِمَن آمَنَ بِهِ مُوَطِّنًا لَهم عَلى أنَّ الجَنَّةَ لا تُنالُ إلّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ ”يُبْتَلى النّاسُ عَلى قَدْرِ إيمانِهِمْ“ ﴿يا قَوْمِ﴾ فاسْتَعْطَفَهم بِالتَّذْكِيرِ بِالقُرْبِ وهَزَّهم إلى المَعالِي بِهِ فِيهِمْ مِنَ القُوَّةِ ثُمَّ هَيَّجَهم وألْهَبَهم عَلى الثَّباتِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا هو في ثَباتِهِ كالخُلُقِ الَّذِي لا يَزُولُ ﴿آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ وثَبَّتَهم بِذِكْرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ وما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ، وأجابَ الشَّرْطَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ لِما عَلِمْتُمْ مِن عَظَمَتِهِ الَّتِي لا يُدايِنُها شَيْءٌ سِواهُ ﴿تَوَكَّلُوا﴾ ولْيَظْهَرْ عَلَيْكم أثَرُ التَّوَكُّلِ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ والثَّباتِ والسَّكِينَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا ثابِتًا ﴿مُسْلِمِينَ﴾ جامِعِينَ إلى تَصْدِيقِ القَلْبِ إذْعانَ الجَوارِحِ؛ وجَوابُ هَذا الشَّرْطِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الماضِي مِن قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ ﴿فَقالُوا﴾ أيْ: عَلى الفَوْرِ كَما يَقْتَضِيهِ الفاءُ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها وحْدَهُ ﴿تَوَكَّلْنا﴾ أيْ: فَوَّضْنا أُمُورَنا كُلَّها إلَيْهِ ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: أيُّها المُوجِدُ لَنا المُحْسِنُ إلَيْنا ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ: مَوْضِعَ مُخالَطَةٍ بِما يَمِيلُ ويُحِيلُ ﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا تُصِبْنا أنْتَ بِما يَظُنُّونَ بِهِ تَهاوُنَكَ بِنا فَيَزْدادُوا نُفْرَةً عَنْ دِينِكَ لِظَنِّهِمْ أنّا عَلى الباطِلِ ولا تُسَلِّطْهِمْ عَلَيْنا مِمّا يَفْتِنُنا عَنْ دِينِنا فَيَظُنُّوا أنَّهم عَلى الحَقِّ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ﴾ أيْ: إكْرامِكَ لَنا ﴿مِنَ القَوْمِ﴾ أيِ الأقْوِياءِ ﴿الكافِرِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في تَغْطِيَةِ الأدِلَّةِ، وفي دُعائِهِمْ هَذا إشارَةٌ [إلى أنَّ] أمْرَ الدِّينِ أهَمُّ مِن أمْرِ النَّفْسِ.

85

فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةًۭ لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

So they said, "Upon Allah do we rely. Our Lord, make us not [objects of] trial for the wrongdoing people

ولَمّا ذَكَرَ خَوْفَهم وعُذْرَهُمْ، أتْبَعَهُ ما يُوجِبُ طُمَأْنِينَتَهُمْ، وهو التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ الَّذِي مَن راقَبَهُ تَلاشى عِنْدَهُ كُلُّ عَظِيمٍ، فَقالَ: ﴿وقالَ مُوسى﴾ أيْ: لِمَن آمَنَ بِهِ مُوَطِّنًا لَهم عَلى أنَّ الجَنَّةَ لا تُنالُ إلّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ ”يُبْتَلى النّاسُ عَلى قَدْرِ إيمانِهِمْ“ ﴿يا قَوْمِ﴾ فاسْتَعْطَفَهم بِالتَّذْكِيرِ بِالقُرْبِ وهَزَّهم إلى المَعالِي بِهِ فِيهِمْ مِنَ القُوَّةِ ثُمَّ هَيَّجَهم وألْهَبَهم عَلى الثَّباتِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا هو في ثَباتِهِ كالخُلُقِ الَّذِي لا يَزُولُ ﴿آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ وثَبَّتَهم بِذِكْرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ وما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ، وأجابَ الشَّرْطَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ لِما عَلِمْتُمْ مِن عَظَمَتِهِ الَّتِي لا يُدايِنُها شَيْءٌ سِواهُ ﴿تَوَكَّلُوا﴾ ولْيَظْهَرْ عَلَيْكم أثَرُ التَّوَكُّلِ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ والثَّباتِ والسَّكِينَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا ثابِتًا ﴿مُسْلِمِينَ﴾ جامِعِينَ إلى تَصْدِيقِ القَلْبِ إذْعانَ الجَوارِحِ؛ وجَوابُ هَذا الشَّرْطِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الماضِي مِن قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ ﴿فَقالُوا﴾ أيْ: عَلى الفَوْرِ كَما يَقْتَضِيهِ الفاءُ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها وحْدَهُ ﴿تَوَكَّلْنا﴾ أيْ: فَوَّضْنا أُمُورَنا كُلَّها إلَيْهِ ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: أيُّها المُوجِدُ لَنا المُحْسِنُ إلَيْنا ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ: مَوْضِعَ مُخالَطَةٍ بِما يَمِيلُ ويُحِيلُ ﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا تُصِبْنا أنْتَ بِما يَظُنُّونَ بِهِ تَهاوُنَكَ بِنا فَيَزْدادُوا نُفْرَةً عَنْ دِينِكَ لِظَنِّهِمْ أنّا عَلى الباطِلِ ولا تُسَلِّطْهِمْ عَلَيْنا مِمّا يَفْتِنُنا عَنْ دِينِنا فَيَظُنُّوا أنَّهم عَلى الحَقِّ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ﴾ أيْ: إكْرامِكَ لَنا ﴿مِنَ القَوْمِ﴾ أيِ الأقْوِياءِ ﴿الكافِرِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في تَغْطِيَةِ الأدِلَّةِ، وفي دُعائِهِمْ هَذا إشارَةٌ [إلى أنَّ] أمْرَ الدِّينِ أهَمُّ مِن أمْرِ النَّفْسِ.

86

وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

And save us by Your mercy from the disbelieving people."

ولَمّا ذَكَرَ خَوْفَهم وعُذْرَهُمْ، أتْبَعَهُ ما يُوجِبُ طُمَأْنِينَتَهُمْ، وهو التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ الَّذِي مَن راقَبَهُ تَلاشى عِنْدَهُ كُلُّ عَظِيمٍ، فَقالَ: ﴿وقالَ مُوسى﴾ أيْ: لِمَن آمَنَ بِهِ مُوَطِّنًا لَهم عَلى أنَّ الجَنَّةَ لا تُنالُ إلّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ ”يُبْتَلى النّاسُ عَلى قَدْرِ إيمانِهِمْ“ ﴿يا قَوْمِ﴾ فاسْتَعْطَفَهم بِالتَّذْكِيرِ بِالقُرْبِ وهَزَّهم إلى المَعالِي بِهِ فِيهِمْ مِنَ القُوَّةِ ثُمَّ هَيَّجَهم وألْهَبَهم عَلى الثَّباتِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا هو في ثَباتِهِ كالخُلُقِ الَّذِي لا يَزُولُ ﴿آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ وثَبَّتَهم بِذِكْرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ وما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ، وأجابَ الشَّرْطَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ لِما عَلِمْتُمْ مِن عَظَمَتِهِ الَّتِي لا يُدايِنُها شَيْءٌ سِواهُ ﴿تَوَكَّلُوا﴾ ولْيَظْهَرْ عَلَيْكم أثَرُ التَّوَكُّلِ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ والثَّباتِ والسَّكِينَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا ثابِتًا ﴿مُسْلِمِينَ﴾ جامِعِينَ إلى تَصْدِيقِ القَلْبِ إذْعانَ الجَوارِحِ؛ وجَوابُ هَذا الشَّرْطِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الماضِي مِن قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ ﴿فَقالُوا﴾ أيْ: عَلى الفَوْرِ كَما يَقْتَضِيهِ الفاءُ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها وحْدَهُ ﴿تَوَكَّلْنا﴾ أيْ: فَوَّضْنا أُمُورَنا كُلَّها إلَيْهِ ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: أيُّها المُوجِدُ لَنا المُحْسِنُ إلَيْنا ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ: مَوْضِعَ مُخالَطَةٍ بِما يَمِيلُ ويُحِيلُ ﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا تُصِبْنا أنْتَ بِما يَظُنُّونَ بِهِ تَهاوُنَكَ بِنا فَيَزْدادُوا نُفْرَةً عَنْ دِينِكَ لِظَنِّهِمْ أنّا عَلى الباطِلِ ولا تُسَلِّطْهِمْ عَلَيْنا مِمّا يَفْتِنُنا عَنْ دِينِنا فَيَظُنُّوا أنَّهم عَلى الحَقِّ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ﴾ أيْ: إكْرامِكَ لَنا ﴿مِنَ القَوْمِ﴾ أيِ الأقْوِياءِ ﴿الكافِرِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في تَغْطِيَةِ الأدِلَّةِ، وفي دُعائِهِمْ هَذا إشارَةٌ [إلى أنَّ] أمْرَ الدِّينِ أهَمُّ مِن أمْرِ النَّفْسِ.

87

وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًۭا وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةًۭ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

And We inspired to Moses and his brother, "Settle your people in Egypt in houses and make your houses [facing the] qiblah and establish prayer and give good tidings to the believers."

ولَمّا أجابُوهُ إلى إظْهارِ الِاعْتِمادِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وفَوَّضُوا الأُمُورَ إلَيْهِ، أتْبَعَهُ ما يَزِيدُهم طُمَأْنِينَةً مِنَ التَّوَطُّنِ في أرْضِ العَدُوِّ إشارَةً إلى عَدَمِ المُبالاةِ بِهِ، لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ كانَتْ لَهم مُتَعَبَّداتٌ يَجْتَمِعُونَ فِيها، فَلَمّا بُعِثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَبَها فِرْعَوْنُ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ تُجْعَلَ في بُيُوتِهِمْ لِئَلّا يَطَّلِعَ عَلَيْهِمُ الكَفَرَةُ؛ فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَ مُوسى﴾ [يونس: ٨٤] ﴿وأوْحَيْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ البالِغَةِ ﴿إلى مُوسى وأخِيهِ﴾ أيِ الَّذِي طَلَبَ مُؤازَرَتَهُ ومُعارَضَتَهُ ﴿أنْ تَبَوَّآ﴾ أيِ اتَّخِذا ﴿لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ﴾ وهي ما بَيْنَ البَحْرِ إلى أقْصى أسْوانَ والإسْكَنْدَرِيَّةِ مِنها ﴿بُيُوتًا﴾ تَكُونُ لَهم مَرْجِعًا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ ويَأْوُونَ إلَيْهِ ﴿واجْعَلُوا﴾ [أيْ] أنْتُما ومَن مَعَكُما مِن قَوْمِكُما ﴿بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ: مُصَلًّى لِتَتَعَبَّدُوا فِيها مُسْتَتِرِينَ عَنِ الأعْداءِ تَخْفِيفًا مِن أسْبابِ الخِلافِ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: بِجَمِيعِ حُدُودِها وأرْكانِها مُسْتَخْفِينَ مِمَّنْ يُؤْذِيكم جَمْعًا بَيْنَ آلَتِي النَّصْرِ: الصَّبْرِ والصَّلاةِ، وتَمَرُّنًا عَلى الدِّينِ وتَثْبِيتًا لَهُ في القَلْبِ.

ولَمّا كانَ الِاجْتِماعُ فِيما تَقَدَّمَ أضْخَمَ وأعَزَّ وأعْظَمَ، وكانَ واجِبٌ عَلى الأُمَّةِ كَوُجُوبِهِ عَلى الإمامِ جَمْعٌ فِيهِ، وكانَ إسْنادُهُ البِشارَةَ عَنِ المَلِكِ إلى صاحِبِ الشَّرِيعَةِ أثْبَتَ لِأمْرِهِ وأظْهَرَ لِعَظَمَتِهِ وأثْبَتَ في قُلُوبِ أصْحابِهِ وأقَرَّ لِأعْيُنِهِمْ، أفْرَدَ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ مِن أخِيكَ وغَيْرِهِ.

88

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةًۭ وَأَمْوَٰلًۭا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ

And Moses said, "Our Lord, indeed You have given Pharaoh and his establishment splendor and wealth in the worldly life, our Lord, that they may lead [men] astray from Your way. Our Lord, obliterate their wealth and harden their hearts so that they will not believe until they see the painful punishment."

ولَمّا خَتَمَ بِبِشارَةِ مَن دَلَّ عَلى إيمانِهِمْ إسْلامُهم بِفِعْلِ ما يَدُلُّ عَلى هَوانِ أمْرِ العَدُوِّ، وكانَ هَلاكُ المُشانِئِ مِن أعْظَمِ البَشائِرِ، وكانَ ضَلالُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِالزِّينَةِ والمالِ إضْلالًا لِغَيْرِهِمْ، سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إزالَةَ ذَلِكَ كُلِّهِ لِلرّاحَةِ مِن شَرِّهِ، فَقالَ تَعالى حاكِيًا عَنْهُ: ﴿وقالَ مُوسى﴾ أيْ: بَعْدَ طُولِ دُعائِهِ لِفِرْعَوْنَ وإظْهارِ المُعْجِزاتِ لَدَيْهِ وطُولِ تَكَبُّرِهِ عَلى أمْرِ اللَّهِ وتَجَبُّرِهِ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ مِن عِبادِهِ، ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ أهْلِ الِاصْطِفاءِ، أسْقَطَ الأداةَ تَسَنُّنًا بِهِمْ، وأشارَ بِصِفَةِ الإحْسانِ إلى أنَّ هَلاكَ أعْدائِهِمْ أعْظَمُ إحْسانٍ إلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿رَبَّنا﴾ [أيْ] أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا ﴿إنَّكَ﴾ أكَّدَ لِما لِلْجُهّالِ مِن إنْكارِ أنْ يَكُونَ عَطاءُ المَلِكِ الأعْظَمِ سَبَبًا لِلْإهانَةِ ﴿آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ﴾ أيْ: أشْرافَ قَوْمِهِ عَلى ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والكِبْرِ ﴿زِينَةً﴾ أيْ: عَظِيمَةً يَتَزَيَّنُونَ بِها مِنَ الحِلْيَةِ واللِّباسِ وغَيْرِهِما ﴿وأمْوالا﴾ أيْ: كَثِيرَةً مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ لَهم مِن فُسْطاطِ مِصْرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ جِبالٌ فِيها مَعادِنُ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وزَبَرْجَدٍ وياقُوتٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ غايَتَها لَهم فَقالَ \ مُفْتَتِحًا بِالنِّداءِ بِاسْمِ الرَّبِّ لِيُعِيذَهُ وأتْباعَهُ مِن مِثْلِ حالِهِمْ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: [أيُّها] المُوجِدُ لَنا المُحْسِنُ إلَيْنا والمُدَبِّرُ لِأُمُورِنا ﴿لِيُضِلُّوا﴾ في أنْفُسِهِمْ ويُضِلُّوا غَيْرَهم ﴿عَنْ سَبِيلِكَ﴾ أيِ الطَّرِيقِ الواسِعَةِ الَّتِي نَهَجْتَها لِلْوُصُولِ إلى رَحْمَتِكَ.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ مَآلَهُمُ الضَّلالُ، دَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ مُفْتَتِحًا أيْضًا بِالنِّداءِ بِاسْمِ الرَّبِّ ثالِثًا لِأنَّ ذَلِكَ مِن أماراتِ الإجابَةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في آخِرِ آلِ عِمْرانَ وإشارَةً إلى أنَّهم لا صَلاحَ لَهم بِدُونِ هَلاكِهِمْ وهَلاكِها: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ﴾ أيْ: أوْقِعِ الطَّمْسَ وهو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ المَطْمُوسِ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِمّا لَيْسَ لَهُ نَفْعُهُ ﴿عَلى أمْوالِهِمْ﴾

ولَمّا كانَ قَدْ رَأى مِنهم مِنَ التَّكَبُّرِ عَلى اللَّهِ والتَّكْذِيبِ لِآياتِهِ والتَّعْذِيبِ لِأوْلِيائِهِ ما لا يَشْفِي غَيْظَهُ مِنهُ إلّا إدامَةُ شَقائِهِمْ دُنْيا وأُخْرى، وكانَ عالِمًا بِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى إبْقائِهِمْ عَلى الكُفْرِ [مَعَ] تَحْسِيرِهِمْ بِسَلْبِ المالِ كَقُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ بِاسْتِدْراجِهِمْ إلَيْهِ بِالمالِ، قالَ: ﴿واشْدُدْ﴾ أيْ: شَدًّا ظاهِرًا لِكُلِّ أحَدٍ - بِما أشارَ إلَيْهِ الفَكُّ مُسْتَعْلِيًا ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اطْبَعْ عَلَيْها وامْنَعْها مِنَ الإيمانِ، وأجابَ الدُّعاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ أيْ: لِيَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الشَّدِّ عَدَمُ إيمانِهِمْ إذا رَأوْا مَبادِئَ العَذابِ بِالطَّمْسِ ﴿حَتّى يَرَوُا﴾ أيْ: بِأعْيُنِهِمْ ﴿العَذابَ الألِيمَ﴾ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ فَيَكُونُوا جامِعِينَ ذُلَّ النُّفُوسِ المَطْلُوبَ مِنهُمُ اليَوْمَ لِيُفِيدَهُمُ العِزُّ الدّائِمُ إلى شِدَّةِ الغَضَبِ بِوَضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ المُنْتِجِ لِدَوامِ ذُلِّهِمْ بِالعِقابِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ الرِّضى بِكُفْرٍ خاصٍّ لا يَسْتَلْزِمُ اسْتِحْسانَ الكُفْرِ مِن حَيْثُ هو كُفْرٌ؛ قالَ الإمامُ الحَلِيمِيُّ في كِتابِ شُعَبِ الإيمانِ المُسَمّى بِالمِنهاجِ: وإذا تَمَنّى مُسْلِمٌ كُفْرَ …

89

قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ

[Allah] said, "Your supplication has been answered." So remain on a right course and follow not the way of those who do not know."

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ \ بِإجابَتِهِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قالَ﴾ ولَمّا كانَ [المَوْضِعُ] مَحَلَّ التَّوَقُّعِ لِلْإجابَةِ، افْتَتَحَهُ بِحَرْفِهِ فَقالَ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ والبِناءُ لِلْمَفْعُولِ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ وأوْقَعُ في النَّفْسِ مِن جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلى الفاعِلِ بِالِاسْتِدْلالِ، وثَنّى لِلْإعْلامِ بِأنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا الدُّعاءِ، لِأنَّهُ مَعَهُ كالشَّيْءِ الواحِدِ لا خِلافَ مِنهُ لَهُ أصْلًا وإنْ كانَ غائِبًا، وذَلِكَ كَما «بايَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ فَضَرَبَ بِإحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى وهو غائِبٌ في حاجَةِ النَّبِيِّ ﷺ،» وكَذا ضَرَبَ لَهُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ بِسَهْمِهِ وأجْرِهِ وكانَ غائِبًا.

ولَمّا كانَتِ الطّاعَةُ وانْتِظارُ الفَرَجِ وإنْ طالَ زَمَنُهُ أعْظَمَ أسْبابِ الإجابَةِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَقِيما﴾ أيْ: فاثْبُتا عَلى التَّعَبُّدِ والتَّذَلُّلِ والخُضُوعِ لِرَبِّكُما كَما أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ثَبَتَ عَلى ذَلِكَ وطالَ زَمَنُهُ جِدًّا واشْتَدَّ أذاهُ ولَمْ يَضْجَرْ؛ ولَمّا كانَ الصَّبْرُ شَدِيدًا أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ﴾ بِالِاسْتِعْجالِ أوِ الفَتْرَةِ عَنِ الشُّكْرِ ﴿سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾

90

۞ وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًۭا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ

And We took the Children of Israel across the sea, and Pharaoh and his soldiers pursued them in tyranny and enmity until, when drowning overtook him, he said, "I believe that there is no deity except that in whom the Children of Israel believe, and I am of the Muslims."

ولَمّا أمَرَ بِالتَّأنِّي الَّذِي هو نَتِيجَةُ العِلْمِ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ الإخْبارِ بِالِاسْتِجابَةِ قَوْلَهُ: ﴿وجاوَزْنا﴾ أيْ: فَعَلْنا بِعَظَمَتِنا في إجازَتِهِمْ فِعْلَ المُناظِرِ لِلْآخَرِ المُبارِي لَهُ، ودَلَّ بِإلْصاقِ الباءِ بِهِمْ عَلى مُصاحَبَتِهِ سُبْحانَهُ لَهم دَلالَةً عَلى رِضاهُ بِفِعْلِهِمْ فَقالَ: ﴿بِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: عَبْدِنا المُخْلِصِ لَنا ﴿البَحْرَ﴾ إعْلامًا بِأنَّهُ أمَرَهم بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ وأنْجَزَ لَهم ما وعَدَ فَأهْلَكَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ بِاتِّباعِهِمْ سَبِيلَ مَن لا يَعْلَمُ بِطَيْشِهِمْ وعَدَمِ صَبْرِهِمْ، ونَجّى بَنِي إسْرائِيلَ بِصَبْرِهِمْ وخُضُوعِهِمْ؛ والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ لِما في هَذِهِ المُجاوَزَةِ ومُقَدِّماتِها ولَواحِقِها مِن مَظاهِرِ العَظَمَةِ ونُفُوذِ الأوامِرِ ومُضاءِ الأحْكامِ؛ وبَيَّنَ سُبْحانَهُ كَيْفِيَّةَ إظْهارِ اسْتِجابَةِ الدَّعْوَةِ بِقَوْلِهِ مُسَبَّبًا عَنِ المُجاوَزَةِ: ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ ﴿فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ أيْ: أوْقَعُوا تَبَعَهم أيْ حَمَلُوا نُفُوسَهم عَلى تَبَعِهِمْ، وهو السَّيْرُ في أثَرِهِمْ، واتَّبَعَهُ - إذا سَبَقَهُ فَلَحِقَهُ، ويُقالُ: تَبِعَهُ في الخَيْرِ واتَّبَعَهُ في الشَّرِّ. ولَمّا أُفْهِمَ ذَلِكَ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿بَغْيًا﴾ أيْ: تَعَدِّيًا لِلْحَقِّ واسْتِهانَةً بِهِمْ ﴿وعَدْوًا﴾ أيْ: ظُلْمًا وتَجاوُزًا لِلْحَدِّ.

ولَمّا كانَ فاعِلُ ذَلِكَ جَدِيرًا بِأنْ يَرْجِعَ عَمّا سَلَكَهُ مِنَ الوُعُورَةِ، عَجِبَ مِنهُ في تَمادِيهِ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: [واسْتَمَرَّ] يَتَمادى في ذَلِكَ -: ﴿حَتّى﴾ ولَمّا كانَتْ رُؤْيَةُ انْفِراجِ البَحْرِ عَنْ مَواضِعِ سَيْرِهِمْ مَظِنَّةَ تَحَقُّقِ رُجُوعِ الماءِ إلى مَواضِعِهِ فَيَغْرَقُ، عَبَّرَ بِأداةِ التَّحَقُّقِ فَقالَ: ﴿إذا أدْرَكَهُ﴾ أيْ: قَهَرَهُ وأحاطَ بِهِ ﴿الغَرَقُ﴾ أيِ المَوْتُ بِالماءِ كَما سَألَ مُوسى [فِي] أنَّهُ لا يُؤْمِنُ حَتّى يَرى العَذابَ الألِيمَ ﴿قالَ آمَنتُ﴾ أيْ: أوْقَعْتُ إيمانَ الدّاعِي لِي مِنَ التَّكْذِيبِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ إيمانَهُ بِقَوْلِهِ مُبْدَلًا مِن ”آمَنتُ“ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالكَسْرِ مُؤَكِّدًا مِن شِدَّةِ الجَزَعِ: ﴿أنَّهُ﴾ [و] عَلى تَقْدِيرِ الباءِ تَعْلِيلًا في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ أيْ: مُعْتَرِفًا بِأنَّهُ ﴿لا إلَهَ إلا الَّذِي﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أوْقَعَ ﴿آمَنتُ﴾ عَلى ﴿أنَّهُ﴾ وما بَعْدَها - أيْ ﴿آمَنتُ﴾ نَفْيَ الإلَهِيَّةِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ مَنِ اسْتَثْنَيْتُهُ مِن أنْ أُعَبِّرَهُ أوْ أرْجِعَ عَنْهُ.

ولَمّا كانَ قَدْ تَحَقَّقَ الهالِكُ وعَلِمَ أنَّهُ لا نَجاةَ إلّا بِالصِّدْقِ، أرادَ الإعْلامَ بِغايَةِ صِدْقِهِ فَقالَ: ﴿آمَنتُ﴾ أيْ: أوْقَعْتُ التَّصْدِيقَ مُعْتَرِفَةً ﴿بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ فَعَيَّنَهُ تَعْيِينًا أزالَ الِاحْتِمالَ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فَكَرَّرَ قَبُولَ ما كانَ دُعِيَ إلَيْهِ فَأباهُ اسْتِكْبارًا، وعَبَّرَ بِما دَلَّ عَلى ادِّعاءِ الرُّسُوخِ فِيهِ بَيانًا لِأنَّهُ ذُلَّ ذُلًّا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ الكِبْرِ ولَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ لِفَواتِ شَرْطِهِ، فاتَّصَلَ ذُلُّهُ ذَلِكَ بَذْلِ الخِزْيِ في البَرْزَخِ وما بَعْدَهُ، وقَدْ كانَتِ المَرَّةُ الواحِدَةُ كافِيَةً لَهُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وزادَهُ تَعالى ذُلًّا بِالإيئاسِ مِنَ الفَلاحِ بِقَوْلِهِ عَلى لِسانِ الحالِ أوْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مَلَكِ المَوْتِ أوْ غَيْرِهِ مِنَ الجُنُودِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿آلآنَ﴾ أيْ: أتُجِيبُ إلى ما دُعِيتَ إلَيْهِ في هَذا الحِينِ الَّذِي لا يَنْفَعُ فِيهِ …

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.