Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 71–80 of 109

71

۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةًۭ ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ

And recite to them the news of Noah, when he said to his people, "O my people, if my residence and my reminding of the signs of Allah has become burdensome upon you - then I have relied upon Allah. So resolve upon your plan and [call upon] your associates. Then let not your plan be obscure to you. Then carry it out upon me and do not give me respite.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧١ ] ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ﴾ أيْ خَبَرَهُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ، مَعَ قَوْمِهِ المُغْتَرِّينَ بِعِزَّةِ الأمْوالِ والأعْوانِ، لِيَتَدَبَّرُوا ما فِيهِ مِن صِحَّةِ تَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ، ونَظَرِهِ إلى قَوْمِهِ، بِعَيْنِ عَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ، وبِمَكايِدِهِمْ، وزَوالِ ما تَمَتَّعُوا بِهِ مِنَ النَّعِيمِ، بِإغْراقِهِمْ بِالطُّوفانِ، فَلَعَلَّهم يَكُفُّونَ عَنْ كُفْرِهِمْ، وتَلِينُ أفْئِدَتُهم ويَسْتَيْقِنُونَ صِحَّةَ نُبُوَّتِكَ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ﴾ أيْ شَقَّ وثَقُلَ ﴿عَلَيْكم مَقامِي﴾ أيْ مَكانِي، يَعْنِي نَفْسَهُ، أوْ مُكْثِي بَيْنَ أظْهُرِكم مُدَدًا طِوالًا، ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، أوْ قِيامِي بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، مِن رُؤْيَتِكم ذِلَّتِي بِقِلَّةِ الأمْوالِ والأعْوانِ، ومَنعِ عِزَّتِكم بِهِما عَنْ الِانْقِيادِ لِي ﴿وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِحُجَجِهِ وبَراهِينِهِ، أوْ تَخْوِيفِي بِعَذابِهِ ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أيِ اعْتَمَدْتُ في دَفْعِ ما قَصَدْتُمُونِي بِهِ ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ أيْ شَأْنَكم في إهْلاكِي ﴿وشُرَكاءَكُمْ﴾ يَعْنِي آلِهَتَهم وهو تَهَكُّمٌ بِهِمْ، أوْ نُظَراءَهم في الشِّرْكِ. و(الواوُ) بِمَعْنى مَعَ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى (أمْرَكُمْ) بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ: وأمْرَ شُرَكائِكُمْ، أوْ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ، أيِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ، وذَلِكَ لِأنَّ (أجْمَعَ) يَتَعَلَّقُ بِالمَعانِي، يُقالُ: (أجْمَعَ الأمْرَ إذا نَواهُ وعَزَمَ عَلَيْهِ): ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ أيْ مَسْتُورًا. مِن (غَمَّهُ إذا سَتَرَهُ) بَلْ مَكْشُوفًا تُجاهِرُونَنِي بِهِ ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾ أيْ أدُّوا إلَيَّ ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي تُرِيدُونَ بِي ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ ولا تُمْهِلُونِي.

72

فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ

And if you turn away [from my advice] then no payment have I asked of you. My reward is only from Allah, and I have been commanded to be of the Muslims."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٢ ] ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾

﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ عَنِ الإيمانِ بِما جِئْتُكم بِهِ ﴿فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ أيْ جُعْلٍ عَلى عِظَتِكُمْ، أيْ فَلا باعِثَ لَكم عَلى التَّوَلِّي والنُّفُورِ ﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ ما ثَوابِي عَلى التَّذْكِيرِ إلّا عَلَيْهِ تَعالى، يُثِيبُنِي بِهِ، آمَنتُمْ أوْ تَوَلَّيْتُمْ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ المُسْتَسْلِمِينَ لَهُ وحْدَهُ بِالإيمانِ بِهِ، ونَبْذِ كُلِّ مَعْبُودٍ دُونَهُ.

73

فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَٰهُمْ خَلَٰٓئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ

And they denied him, so We saved him and those with him in the ship and made them successors, and We drowned those who denied Our signs. Then see how was the end of those who were warned.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٣ ] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ يَعْنِي نُوحًا بِما جاءَهُمْ، عِنادًا، بَعْدَ أنْ قامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ، فَحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ ﴿فَنَجَّيْناهُ﴾ أيْ مِنَ الغَرَقِ ﴿ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ﴾ أيْ خُلَفاءَ عَنِ المُغْرَقِينَ وعُمّارَ الأرْضِ ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ مُنْتَهى أمْرِهِمْ. والمُرادُ بِـ (المُنْذَرِينَ) المُكَذِّبِينَ. والتَّعْبِيرُ بِهِ إشارَةٌ إلى إصْرارِهِمْ عَلَيْهِ، حَيْثُ لَمْ يَفِدِ الإنْذارُ فِيهِمْ. وقَدْ جَرَتِ السُّنَّةُ الرَّبّانِيَّةُ أنْ لا يَهْلَكَ قَوْمٌ بِالِاسْتِئْصالِ إلّا بَعْدَ الإنْذارِ؛ لِأنَّ مَن أُنْذِرَ فَقَدْ أُعْذِرَ. وفي الأمْرِ بِالنَّظَرِ تَهْوِيلٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ، وتَحْذِيرٌ لِمَن كَذَّبَ الرَّسُولَ ﷺ وتَسْلِيَةٌ لَهُ.

74

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ

Then We sent after him messengers to their peoples, and they came to them with clear proofs. But they were not to believe in that which they had denied before. Thus We seal over the hearts of the transgressors

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٤ ] ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾

﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ ﴿رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ﴾ يَعْنِي هُودًا وصالِحًا وإبْراهِيمَ ولُوطًا وشُعَيْبًا ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمُ، المُفِيدَةِ هِدايَتَهم ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَعَوُّدِهِمْ تَكْذِيبَ الحَقِّ، وتَمَرُّنِهِمْ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ بِعْثَةِ الرُّسُلِ أهْلَ جاهِلِيَّةً، مُكَذِّبِينَ بِالحَقِّ فَحالُهم بَعْدَها كَحالِهِمْ قَبْلَها، هَذا عَلى أنَّ ضَمِيرَ (كانُوا) و(كَذَّبُوا) لِقَوْمِ الرُّسُلِ. وجازَ عَوْدُ ضَمِيرِ (كانُوا) لِقَوْمِ الرُّسُلِ، و(كَذَّبُوا) لِقَوْمِ نُوحٍ. أيْ ما كانَ قَوْمُ الرُّسُلِ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ أيْ بِمِثْلِهِ ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ أيِ المُجاوِزِينَ مُقْتَضَياتِ حَقائِقِ الأشْياءِ بِخِذْلانِهِمْ.

75

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ

Then We sent after them Moses and Aaron to Pharaoh and his establishment with Our signs, but they behaved arrogantly and were a criminal people

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٥ ] ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾

﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ ﴿مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا﴾ يَعْنِي التِّسْعَ ﴿فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ كُفّارًا ذَوِي آثامٍ عِظامٍ.

76

فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوٓا۟ إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

So when there came to them the truth from Us, they said, "Indeed, this is obvious magic."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٦ ] ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾

﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا﴾ يَعْنِي الآياتِ المُزِيحَةَ لِلشَّكِّ ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي مِن فَرْطِ التَّمَرُّدِ ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ تَلْبِيسٌ ظاهِرٌ.

77

قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّٰحِرُونَ

Moses said, "Do you say [thus] about the truth when it has come to you? Is this magic? But magicians will not succeed."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٧ ] ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾

﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ﴾ أيْ عَلى وجْهٍ لَمْ يَتْرُكْ لَكم شُبْهَةً مَقالَتُكُمُ الحَمْقى، مِن أنَّهُ سِحْرٌ، فَحُذِفَ المَحْكِيُّ المَقُولُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ مِن قَوْلِ مُوسى لا مِن قَوْلِهِمْ. فَهو مُسْتَأْنِفٌ لِإنْكارِ كَوْنِهِ سِحْرًا، وتَكْذِيبٍ لِقَوْلِهِمْ، وتَوْبِيخٍ لَهم عَلى ذَلِكَ إثْرَ تَوْبِيخٍ. ولَيْسَ ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مِقْوَلَهُمْ، لِأنَّهم بَتُّوا القَوْلَ بِأنَّهُ سِحْرٌ، فَكَيْفَ يَسْتَفْهِمُونَ عَنْهُ؟ -كَذا قِيلَ-.

ولا أرى مانِعًا مِن أنْ يَكُونَ مَقُولَهُمْ، والهَمْزَةُ وُسِّطَتْ مَزِيدَةً لِتَكُونَ مُؤَكِّدَةً لِما قَبْلَها مِن الِاسْتِفْهامِ، ومِن لَطائِفِها الِاحْتِراسُ عَنْ إيهامِ فاعِلِيَّةِ سِحْرٍ لِـ ﴿جاءَكُمْ﴾ بادِئَ بَدْءٍ، وأُسْلُوبُ القُرْآنِ فَوْقَ كُلِّ أُسْلُوبٍ. أوِ الهَمْزَةُ ومَدْخُولُها مِن مَقُولِهِمُ الأوَّلِ، حِينَ فُوجِئُوا بِخارِقَةِ مُوسى، وقَوْلُهُمُ المَذْكُورُ قَبْلُ ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ [يونس: ٧٦] حِكايَةً لِقَوْلِهِمُ الَّذِي بَتُّوا عَلَيْهِ أمْرَهم. ثُمَّ رَأيْتُ النّاصِرَ في (الِانْتِصافِ) أشارَ لِهَذا حَيْثُ قالَ:

وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ -يَعْنِي قِراءَةَ ((آالسِّحْرُ))- عَلى الِاسْتِفْهامِ، فَفِيها -واللَّهُ أعْلَمُ- إرْشادٌ إلى أنَّ قَوْلَ مُوسى أوَّلًا: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾ حِكايَةً لِقَوْلِهِمْ، ويَكُونُ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ هو الَّذِي قالُوهُ. ولا يُناقِضُ ذَلِكَ حِكايَةَ اللَّهِ عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] وذَلِكَ إمّا لِأنَّهم قالُوا الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، بَدَؤُوا بِالِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْتارِ بِالحَقِّ والِاسْتِهْزاءِ بِكَوْنِهِ حَقًّا، والِاسْتِهْزاءُ بِالحَقِّ إنْكارٌ لَهُ بَلْ قَدْ يَكُونُ الِاسْتِفْهامُ في بَعْضِ المَواطِنِ أبَتَّ مِنَ الإخْبارِ. ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ في قَوْلِهِ: (أأنْتِ أُمُّ سالِمٍ، أبْلَغُ في البَتِّ مِن قَوْلِهِ مُخْبِرًا: أنْتِ أُمُّ سالِمٍ) ثُمَّ ثَنَّوْا بِصِيغَةِ الخَبَرِ الخاصَّةِ بِبَتِّ الإنْكارِ، ودَعْوى أنَّهُ سِحْرٌ، فَقالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] فَحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذا القَوْلَ الثّانِيَ، ووَبَّخَهم مُوسى عَلى قَوْلِهِمُ الأوَّلِ، ومَعْنى العِبارَتَيْنِ ومَآلُهُما واحِدٌ. وإمّا ألّا يَكُونُوا قالُوا سِوى ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ حَسْبَما تَقَدَّمَ، فَحَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِمَآلِهِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ مُرادَهم مِن الِاسْتِفْهامِ الإنْكارُ، وبَتَّ القَوْلَ أنَّهُ سِحْرٌ، وحَكى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهم بِلَفْظِهِ، ولَمْ يُؤَدِّهِ بِعِبارَةٍ أُخْرى. وحِكايَةُ القِصَصِ المَتْلُوَّةِ في الكِتابِ العَزِيزِ بِصِيَغٍ مُخْتَلِفَةٍ، لا مَحْمَلَ لَها سِوى أنَّها مَعانٍ مَنقُولَةٌ إلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَيُتَرْجِمُ عَنْها بِالألْفاظِ المُتَرادِفَةِ المُتَساوِيَةِ المَعانِي.

وحاصِلُ هَذا البَحْثِ أنَّ قَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾ إنَّما حَكى فِيهِ قَوْلَهُمْ، ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ أنَّهُ كافَأهم عِنْدَ ما أتَوْا بِالسِّحْرِ بِمِثْلِ مَقالَتِهِمْ مُسْتَفْهِمًا، فَقالَ: ما جِئْتُمْ بِهِ آالسِّحْرُ (عَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ) قَرْضًا بِوَفاءٍ عَلى السَّواءِ، والَّذِي يُحَقِّقُ لَكَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ والإخْبارَ في مِثْلِ هَذا المَعْنى …

78

قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ

They said, "Have you come to us to turn us away from that upon which we found our fathers and so that you two may have grandeur in the land? And we are not believers in you."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٨ ] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾

﴿قالُوا﴾ أيْ لِمُوسى ﴿أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا﴾ أيْ لِتَصْرِفَنا ﴿عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ يَعْنُونَ عِبادَةَ الأصْنامِ ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ﴾ أيِ المُلْكُ والسُّلْطانُ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ مِصْرَ ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لِتَبْقى عِزَّتُنا.

79

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٍۢ

And Pharaoh said, "Bring to me every learned magician."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٩ ] ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾

﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ أيْ حِفْظًا لِعِزَّتِهِ، ودَفْعًا لِتَعَزُّزِ مُوسى ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ ماهِرٍ في فَنِّهِ.

80

فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ

So when the magicians came, Moses said to them, "Throw down whatever you will throw."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٠ ] ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾

﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ مِن أصْنافِ السِّحْرِ، قالَ بَعْضُهُمْ: جَوازُ الأمْرِ بِالسِّحْرِ لِدَحْضِهِ، وكَذَلِكَ طَلَبُ إيرادِ الشُّبَهِ لِتُحَلَّ.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.