Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 61–70 of 109

61

وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍۢ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍۢ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍ

And, [O Muhammad], you are not [engaged] in any matter or recite any of the Qur'an and you [people] do not do any deed except that We are witness over you when you are involved in it. And not absent from your Lord is any [part] of an atom's weight within the earth or within the heaven or [anything] smaller than that or greater but that it is in a clear register.

ولَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِما وصَفَهُ بِهِ مِنَ الشِّفاءِ وما مَعَهُ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى إعْجازِهِ، وأشارَ إلى أنَّ ما تَدَيَّنُوا بِهِ في غايَةِ الخَبْطِ وأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ كَذِبًا يَقْدِرُ كُلُّ واحِدٍ عَلى تَغْيِيرِهِ بِأحْسَنَ مِنهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَبْنِيٍّ عَلى الحِكْمَةِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِتَهْدِيدِهِمْ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ في شَرْعِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّ القُرْآنَ مُفْتَرًى وهم عاجِزُونَ عَنْ مُعارَضَتِهِ، وبِأنَّهم لَمْ يَشْكُرُوهُ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أجَلُّها تَخْصِيصُهم بِهَذا الذِّكْرِ الحَكِيمِ والشَّرْعِ القَوِيمِ، وكانَ قَدْ أكْثَرَ في ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الأمْرِ لَهُ ﷺ بِمُحاجَّتِهِمْ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ [يونس: ٤٩] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ [يونس: ٥٠] ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٥٨] - الآيَةَ.

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْـزَلَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] قالَ تَعالى ناظِرًا إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى﴾ [يونس: ٣٧] الآيَةَ. تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ وتَقْوِيَةً لِهِمَّتِهِ وزِيادَةً في تَهْدِيدِهِمْ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَقَدْ أنْزَلَتْ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِكَ ما هو شَرَفٌ لَهم ونِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ وهو في غايَةِ البُعْدِ عَنْ مُطْلَقِ الكَذِبِ فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ في أحْكَمِ مَواضِعِهِ وأحْسَنِها لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الباطِلُ بِوَجْهٍ وهم يُقابِلُونَ نِعْمَتَهُ بِالكُفْرِ: ﴿وما تَكُونُ﴾ [أنْتَ] ﴿فِي شَأْنٍ﴾ أيْ: أيِّ شَأْنٍ كانَ ﴿وما تَتْلُو مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ المُحَدَّثِ عَنْهُ في جَمِيعِ هَذِهِ السُّورَةِ، الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهم كَذَّبُوا بِهِ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ لَهم ﴿مِن قُرْآنٍ﴾ أيْ: قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ ﴿ولا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: كُلُّكم طائِعُكم وعاصِيكُمْ، وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن عَمَلٍ﴾ صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ ﴿إلا كُنّا﴾ [أيْ] بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْكم شُهُودًا﴾ أيْ: عامِلِينَ بِإحاطَةِ عِلْمِنا ووَكالَةِ جُنُودِنا عَمَلَ الشّاهِدِ ﴿إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآيَةَ. إيذانًا بِأنَّكَ بِعَيْنِي في جَمِيعِ هَذِهِ المُراجَعاتِ وغَيْرِها مِن شُؤُونِكَ وأنا العالِمُ بِتَدْبِيرِكَ والقادِرُ عَلى نُصْرَتِكَ، وهي كُلُّها مِن كِتابِي الَّذِي تَتَضاءَلُ القُوى دُونَهُ وتَقِفُ الأفْكارُ عَنْ مُجاراتِهِ لِأنَّهُ حَكِيمٌ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِي فَجَلَّ عَنْ مُطْلَقِ المُعارَضَةِ لَفْظًا أوْ مَعْنًى فَضْلًا عَنِ التَّغْيِيرِ فَضْلًا عَنِ الإتْيانِ بِما هو مِثْلُهُ فَكَيْفَ بِما هو أحْسَنُ مِنهُ، لِاسْتِقامَةِ أمْرِهِ وتَناسُبِ أحْكامِهِ كَوْنَها شِفاءً وهُدًى [ورَحْمَةً]، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مِن عِنْدِي قَطْعًا وبِإذْنِي جَزْمًا لِأنِّي عالِمٌ بِالإفاضَةِ فِيهِ والِانْفِصالِ عَنْهُ وجَمِيعِ الأُمُورِ الواقِعَةِ مِنكَ ومِنهم ومِن غَيْرِهِمْ.

ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ مِن إفْهامِ ”كُنّا“ و”شُهُودًا“ لِلْجُنُودِ أنَّهُ سُبْحانَهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِمْ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما ﴿يَعْزُبُ﴾ أيْ: يَغِيبُ [ويَخْفى] ﴿عَنْ رَبِّكَ﴾ أيِ المُرَبِّي لِكُلِّ مَخْلُوقٍ بِعامِّ أفْضالِهِ ولَكَ بِخاصِّ نِعَمِهِ وأشْرَفِ نَوالِهِ، وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ أيْ: وزْنَ نَمْلَةٍ صَغِيرَةٍ جِدًّا، ومَوْضِعِ وزْنِها وزَمانِهِ؛ ولَمّا كانَ ”فِي“ بِمَوْزِنِ أهْلِ الأرْضِ كانَ تَقْدِيمُها أوْلى فَقالَ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ ولَمّا لَمْ يَدَعِ السِّياقَ إلى الجَمْعِ - كَما سَيَأْتِي في سَبَأٍ - قالَ اكْتِفاءً …

62

أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Unquestionably, [for] the allies of Allah there will be no fear concerning them, nor will they grieve

ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ شامِلُ العِلْمِ، وعُلِمَ - مِن وضْعِ الأحْوالِ ما لا يَتَّسِعُ ومَن لا تَسْعَ مُجَرَّدَ أسْمائِهِمُ الأرْضُ في كِتابٍ مُبِينٍ أيْ مَهْما كُشِفَ مِنهُ وُجِدَ مِن غَيْرِ خَفاءٍ ولا احْتِياجٍ إلى تَفْتِيشٍ - أنَّهُ كامِلُ القُدْرَةِ بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَ أنَّهم فَرِيقانِ: صادِقٌ في أمْرِهِ، ومُفْتَرٍ عَلَيْهِ، وأنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلى النّاسِ بِعَدَمِ المُعاجَلَةِ والتَّأْخِيرِ إلى القِيامَةِ، وخَوَّفَ المُفْتَرِيَ عَواقِبَ أمْرِهِ عاجِلًا وآجِلًا، ورَجّى المُطِيعَ، كانَ مَوْضِعَ أنْ يُقالَ: لَيْتَ شِعْرِي ماذا يَكُونُ تَفْصِيلُ حالِ الفَرِيقَيْنِ في الدّارَيْنِ عَلى الجَزْمِ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ الأوْلِياءَ فائِزُونَ والأعْداءَ هالِكُونَ لِيُشَمِّرَ كُلُّ مُطِيعٍ عَنْ ساعِدِ جِدِّهِ ويَبْذُلَ غايَةَ جُهْدِهِ في لَحاقِ المُخْلِصِينَ وتَحامِي جانِبِ المُفْتَرِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى مُؤَكِّدًا لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم يُهْلِكُونَ حِزْبَ اللَّهِ وإنْكارِهِمْ غايَةَ الإنْكارِ أنْ يَفُوتُوهُمْ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ بِالطّاعَةِ مَن لا شَيْءَ أعَزُّ مِنهُ ولا أعْظَمُ [ويَتَوَلّاهُمْ] ﴿لا خَوْفٌ﴾ أيْ: ثابِتٌ عالٍ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن شَيْءٍ يَسْتَقْبِلُهم ﴿ولا هُمْ﴾ أيْ: بِضَمائِرِهِمْ ﴿يَحْزَنُونَ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَهم حُزْنٌ عَلى فائِتٍ؛ لِأنَّ قُلُوبَهم مُعَلَّقَةٌ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ فَلا يُؤَثِّرُ فِيهِمْ لِذَلِكَ خَوْفٌ ولا حُزْنٌ أثَرًا يُقَطِّعُ قُلُوبَهم كَما يَعْرِضُ لِغَيْرِهِمْ، وفَسَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ المُصَحِّحَ لِلْأعْمالِ وبِهِ كَمالُ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ ﴿وكانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا صارَ لَهم جِبِلَّةً وخُلُقًا ﴿يَتَّقُونَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ التَّقْوى، وهي كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ في الإيمانِ والأعْمالِ ويُجَدِّدُونَها فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ؛ وانْتَهى الجَوابُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [يونس: ٦٩] - الآيَةَ. وهَذا الَّذِي فَسَّرَ اللَّهُ بِهِ الأوْلِياءَ لا مَزِيدَ عَلى حُسْنِهِ، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”هم قَوْمٌ صُفْرُ الوُجُوهِ مِنَ السَّهَرِ، عُمْشُ العُيُونِ مِنَ العِبَرِ، خُمْصُ البُطُونِ مِنَ الخَوى“ وقِيلَ: الوَلِيُّ مَن لا يُرائِي ولا يُنافِقُ، وما أقَلَّ صَدِيقَ مَن كانَ هَذا خُلُقَهُ، وصَحَّ عَنِ الإمامَيْنِ: أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ، كَما نَقَلَ عَنْهُما الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ في مُقَدِّمَةِ شَرْحِ المُهَذَّبِ والتِّبْيانِ أنَّ كُلًّا مِنهُما قالَ: إنْ لَمْ يَكُنِ العُلَماءُ أوْلِياءَ اللَّهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ ولِيٌّ. وهَذا في العالِمِ العامِلِ بِعِلْمِهِ كَما بَيَّنَتْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ في سُورَةِ الزُّمَرِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]

63

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ

Those who believed and were fearing Allah

ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ شامِلُ العِلْمِ، وعُلِمَ - مِن وضْعِ الأحْوالِ ما لا يَتَّسِعُ ومَن لا تَسْعَ مُجَرَّدَ أسْمائِهِمُ الأرْضُ في كِتابٍ مُبِينٍ أيْ مَهْما كُشِفَ مِنهُ وُجِدَ مِن غَيْرِ خَفاءٍ ولا احْتِياجٍ إلى تَفْتِيشٍ - أنَّهُ كامِلُ القُدْرَةِ بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَ أنَّهم فَرِيقانِ: صادِقٌ في أمْرِهِ، ومُفْتَرٍ عَلَيْهِ، وأنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلى النّاسِ بِعَدَمِ المُعاجَلَةِ والتَّأْخِيرِ إلى القِيامَةِ، وخَوَّفَ المُفْتَرِيَ عَواقِبَ أمْرِهِ عاجِلًا وآجِلًا، ورَجّى المُطِيعَ، كانَ مَوْضِعَ أنْ يُقالَ: لَيْتَ شِعْرِي ماذا يَكُونُ تَفْصِيلُ حالِ الفَرِيقَيْنِ في الدّارَيْنِ عَلى الجَزْمِ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ الأوْلِياءَ فائِزُونَ والأعْداءَ هالِكُونَ لِيُشَمِّرَ كُلُّ مُطِيعٍ عَنْ ساعِدِ جِدِّهِ ويَبْذُلَ غايَةَ جُهْدِهِ في لَحاقِ المُخْلِصِينَ وتَحامِي جانِبِ المُفْتَرِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى مُؤَكِّدًا لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم يُهْلِكُونَ حِزْبَ اللَّهِ وإنْكارِهِمْ غايَةَ الإنْكارِ أنْ يَفُوتُوهُمْ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ بِالطّاعَةِ مَن لا شَيْءَ أعَزُّ مِنهُ ولا أعْظَمُ [ويَتَوَلّاهُمْ] ﴿لا خَوْفٌ﴾ أيْ: ثابِتٌ عالٍ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِن شَيْءٍ يَسْتَقْبِلُهم ﴿ولا هُمْ﴾ أيْ: بِضَمائِرِهِمْ ﴿يَحْزَنُونَ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَهم حُزْنٌ عَلى فائِتٍ؛ لِأنَّ قُلُوبَهم مُعَلَّقَةٌ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ فَلا يُؤَثِّرُ فِيهِمْ لِذَلِكَ خَوْفٌ ولا حُزْنٌ أثَرًا يُقَطِّعُ قُلُوبَهم كَما يَعْرِضُ لِغَيْرِهِمْ، وفَسَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ المُصَحِّحَ لِلْأعْمالِ وبِهِ كَمالُ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ ﴿وكانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا صارَ لَهم جِبِلَّةً وخُلُقًا ﴿يَتَّقُونَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ التَّقْوى، وهي كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ في الإيمانِ والأعْمالِ ويُجَدِّدُونَها فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ؛ وانْتَهى الجَوابُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [يونس: ٦٩] - الآيَةَ. وهَذا الَّذِي فَسَّرَ اللَّهُ بِهِ الأوْلِياءَ لا مَزِيدَ عَلى حُسْنِهِ، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”هم قَوْمٌ صُفْرُ الوُجُوهِ مِنَ السَّهَرِ، عُمْشُ العُيُونِ مِنَ العِبَرِ، خُمْصُ البُطُونِ مِنَ الخَوى“ وقِيلَ: الوَلِيُّ مَن لا يُرائِي ولا يُنافِقُ، وما أقَلَّ صَدِيقَ مَن كانَ هَذا خُلُقَهُ، وصَحَّ عَنِ الإمامَيْنِ: أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ، كَما نَقَلَ عَنْهُما الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ في مُقَدِّمَةِ شَرْحِ المُهَذَّبِ والتِّبْيانِ أنَّ كُلًّا مِنهُما قالَ: إنْ لَمْ يَكُنِ العُلَماءُ أوْلِياءَ اللَّهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ ولِيٌّ. وهَذا في العالِمِ العامِلِ بِعِلْمِهِ كَما بَيَّنَتْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ في سُورَةِ الزُّمَرِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]

64

لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

For them are good tidings in the worldly life and in the Hereafter. No change is there in the words of Allah. That is what is the great attainment.

ولَمّا نَفى عَنْهُمُ الخَوْفَ والحُزْنَ، زادَهم فَقالَ [مُبَيِّنًا لِتَوَلِّيهِ لَهم بَعْدَ أنْ شَرَحَ تَوَلِّيَهم لَهُ]: ﴿لَهُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿البُشْرى﴾ أيِ الكامِلَةُ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِأنَّ دِينَهم يَظْهَرُ وحالَهم يَشْتَهِرُ وعَدُوَّهم يُخْذَلُ وعَمَلَهُ لا يُقْبَلُ [وبِالرُّؤْيَةِ الصّالِحَةِ] ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ بِأنَّهم هُمُ السُّعَداءُ وأعْداؤُهُمُ الأشْقِياءُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ولَمّا كانَ الغالِبُ عَلى أحْوالِ أهْلِ اللَّهِ في الدُّنْيا الضِّيقَ ولا سِيَّما في أوَّلِ الإسْلامِ، كانَ السّامِعُ لِذَلِكَ بِمَعْرِضِ أنْ يَقُولَ: يا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ يَتِمُّ هَذا السُّرُورُ! فَقِيلَ: نَعَمْ، وأُكِّدَ بِنَفْيِ الجِنْسِ لِأنَّ الجَبابِرَةَ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ [لَهُمْ] لِما يَرَوْنَ مِن أنَّ عِزَّهم مِن وراءَ ذُلٍّ لَيْسَ فِيهِ سُوءٌ ما لِباطِلِ المُتَكَبِّرِينَ مِنَ السَّوْرَةِ والإرْجافِ والصَّوْلَةِ: ﴿لا تَبْدِيلَ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً؛ وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العالِي الرُّتْبَةِ ﴿هُوَ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ في مَوْضِعِ البَيانِ والكَشْفِ لِمَضْمُونِ هَذِهِ البُشْرى؛ والخَوْفُ: انْزِعاجُ القَلْبِ بِما يَتَوَقَّعُ مِنَ المَكْرُوهِ. ونَظِيرُهُ الجَزَعُ والفَزَعُ، ونَقِيضُهُ الأمْنُ؛ والحُزْنُ: انْزِعاجُهُ وغِلَظُ هَمِّهِ مِمّا وقَعَ مِنَ المَكْرُوهِ، مِنَ الحُزْنِ لِلْأرْضِ الغَلِيظَةِ، ونَقِيضُهُ السُّرُورُ، وهُما يَتَعاقَبانِ عَلى حالِ الحَيِّ الذّاكِرِ لِلْمَحْبُوبِ؛ والبُشْرى: الخَبَرُ الأوَّلُ بِما يَظْهَرُ سُرُورُهُ في بَشَرَةِ الوَجْهِ.

65

وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And let not their speech grieve you. Indeed, honor [due to power] belongs to Allah entirely. He is the Hearing, the Knowing.

ولَمّا تَقَدَّمَتِ البُشْرى بِنَفْيِ الخَوْفِ والحُزْنِ مَعًا عَنِ الأوْلِياءِ، عُلِمَ أنَّ المَعْنى: هَذِهِ البُشْرى لِلْأوْلِياءِ وأنْتَ رَأْسُهم فَلا تَخَفْ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [أيْ] في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: إنَّهم يَغْلِبُونَ، وفي تَكْذِيبِكَ والِاسْتِهْزاءِ بِكَ وتَهْدِيدِكَ، فَإنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ يُرادُ بِهِ تَبْدِيلُ كَلِماتِ اللَّهِ الغَنِيِّ القَدِيرِ، وهَيْهاتَ ذَلِكَ مِنَ الضَّعِيفِ الفَقِيرِ فَكَيْفَ بِالعَلِيِّ الكَبِيرِ! وإلى هَذا يُرْشِدُ التَّعْلِيلُ لِهَذا النَّهْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ العِزَّةَ﴾ أيِ الغَلَبَةَ والقَهْرَ وتَمامَ العَظَمَةِ ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى حالَ كَوْنِها ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ: فَسَيُذِلُّهم ويُعِزُّ دِينَهُ، والمُرادُ بِذَلِكَ التَّسْلِيَةُ عَنْ قَوْلِهِمُ الَّذِي يُؤْذُونَهُ بِهِ.

ولَمّا بُدِئَتِ الآيَةُ بِقَوْلِهِمْ، خَتَمَها بِالسَّمْعِ لَهُ والعِلْمِ بِهِ وقَصَرَهُما عَلَيْهِ لِأنَّ صِفاتِ كُلِّ مَوْصُوفٍ مُتَلاشِيَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى صِفاتِهِ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿السَّمِيعُ﴾ أيِ البَلِيغُ السَّمِيعُ لِأقْوالِهِمْ ﴿العَلِيمُ﴾ أيِ المُحِيطُ العِلْمِ بِضَمائِرِهِمْ وجَمِيعِ أحْوالِهِمْ فَهو البالِغُ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَيُجازِيهِمْ بِما تَقْتَضِيهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِتَفَرُّدِهِ بِالعِزَّةِ لِأنَّهُ تَفَرَّدَ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فانْتَفَيا عَنْ غَيْرِهِ، ومَنِ انْتَفَيا عَنْهُ كانَ دُونَ الحَيَواناتِ العُجْمِ فَأنّى يَكُونُ لَهُ عِزَّةٌ! والعِزَّةُ: قُدْرَةٌ عَلى كُلِّ جَبّارٍ بِما لا يُرامُ ولا يُضامُ، والمَعْنى أنَّهُ يُعِزُّكَ عَلى مَن ناواكَ، والنَّهْيُ في ﴿ولا يَحْزُنْكَ﴾ في اللَّفْظِ لِلْقَوْلِ وفي المَعْنى لِلسَّبَبِ المُؤَدِّي إلى التَّأذِّي بِالقَوْلِ، وكُسِرَتْ ”إنَّ“ هاهُنا لِلِاسْتِئْنافِ بِالتَّذَكُّرِ بِما يَنْفِي الحُزْنَ، لا لِأنَّها بَعْدَ القَوْلِ لِأنَّها لَيْسَتْ حِكايَةً عَنْهُمْ، وقُرِئَ بِفَتْحِها عَلى مَعْنى ”لِأنَّ“.

66

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ

Unquestionably, to Allah belongs whoever is in the heavens and whoever is on the earth. And those who invoke other than Allah do not [actually] follow [His] "partners." They follow not except assumption, and they are not but falsifying

ولَمّا خُتِمَتْ بِعُمُومِ سَمْعِهِ وعِلْمِهِ بَعْدَ قَصْرِ العِزَّةِ عَلَيْهِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ العِزَّةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالقُدْرَةِ فَأثْبَتَ اخْتِصاصَهُ بِالمُلْكِ الَّذِي لا \ يَكُونُ إلّا بِها، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما يَسْتَلْزِمُهُ إشْراكُهم مِنَ الإنْكارِ لِمَضْمُونِ هَذا الكَلامِ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ولَمّا كانَ بَعْضُ النّاسِ قَدْ أشْرَكُوا بِبَعْضِ النُّجُومِ، جَمَعَ فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ العُقَلاءِ تَصْرِيحًا بِما أفْهَمَهُ التَّعْبِيرُ سابِقًا بِأداةِ غَيْرِهِمْ: ﴿مَن في السَّماواتِ﴾ أيْ: كُلِّها، وابْتَدَأ بِها لِأنَّ مِلْكَها يَدُلُّ عَلى مِلْكِ الأرْضِ بِطَرِيقِ الأوْلى، ثُمَّ صَرَّحَ بِها في قَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ: ﴿ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: كُلُّهم عَبِيدُهُ مُلُوكُهم ومَن دُونَهُمْ، نافِذٌ فِيهِمْ تَصْرِيفُهُ، مُنْقادُونَ لِما يُرِيدُهُ، وهو أيْضًا تَعْلِيلٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: ٦٥] أوْ لِلتَّفَرُّدِ بِالعِزَّةِ، وعَبَّرَ بِ: ”مَن“ الَّتِي لِلْعُقَلاءِ والمُرادُ كُلُّ ما في الكَوْنِ؛ لِأنَّ السِّياقَ لِنَفْيِ العِزَّةِ عَنْ غَيْرِهِ، والعُقَلاءُ بِها أجْدَرُ، فَنَفْيُها عَنْهم نَفْيٌ عَنْ غَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ الأوْلى، ثُمَّ غُلِّبُوا لِشَرَفِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ، ولِذا تُطْلَقُ ”ما“ الَّتِي هي لِغَيْرِهِمْ في سِياقٍ هو بِها أحَقُّ ثُمَّ يُرادُ بِها العُمُومُ تَغْلِيبًا لِلْأكْثَرِ الَّذِي لا يَعْقِلُ عَلى الأقَلِّ؛ ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونَ لَهُ في ذَلِكَ شَرِيكٌ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَما لَهُ شَرِيكٌ مِمّا ادَّعاهُ المُشْرِكُونَ مِنهُما أوْ مِن إحْداهُما: ﴿وما يَتَّبِعُ﴾ أيْ: بِغايَةِ الجُهْدِ ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ العِبادَةِ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها ﴿شُرَكاءَ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَوْصُولَةً تَحْقِيرًا لِلشُّرَكاءِ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ ما لا يَعْقِلُ ومَعْطُوفَةٌ عَلى ”مِن“ ﴿إنَّ﴾ أيْ: ما ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ في ذَلِكَ الَّذِي هو أصْلُ أُصُولِ الدِّينِ يَجِبُ فِيهِ القَطْعُ وهو دُعاؤُهم لَهُ شُرَكاءَ ﴿إلا الظَّنَّ﴾ أيِ المُخْطِئَ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ صَوابًا كانُوا مُخْطِئِينَ فِيهِ حَيْثُ قَنِعُوا في الأصْلِ بِالظَّنِّ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى الخَطَأِ بِقَوْلِهِ:﴿وإنْ﴾ أيْ: وما ﴿هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: يَحْزِرُونَ ذَلِكَ ويَقُولُونَ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ أصْلًا؛ والِاتِّباعُ: طَلَبُ اللَّحاقِ بِالأوَّلِ عَلى تَصَرُّفِ الحالِ، فَهَؤُلاءِ اتَّبَعُوا الدّاعِيَ إلى عِبادَةِ الوَثَنِ وتَصَرَّفُوا مَعَهُ فِيما دَعا إلَيْهِ، [و] ظَنُّهم في عِبادَتِها إنَّما هو بِشَبِيهَةٍ ضَعِيفَةٍ كَقَصْدِ زِيادَةِ التَّعْظِيمِ لِلَّهِ وتَعْظِيمِ تَقْلِيدِ الأسْلافِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”شُرَكاءَ“ مَفْعُولًا تَنازَعَهُ ”يَتَّبِعُ“ و”يَدْعُونَ“ .

67

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ

It is He who made for you the night to rest therein and the day, giving sight. Indeed in that are signs for a people who listen.

ثُمَّ أثْبَتَ سُبْحانَهُ اخْتِصاصَهُ بِشَيْءٍ جامِعٍ لِلْعِلْمِ والقُدْرَةِ تَأْكِيدًا لِاخْتِصاصِهِ بِالعِزَّةِ وتَفَرُّدِهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، وأنَّ مَن أشْرَكَ بِهِ خارِصٌ لا عِلْمَ لَهُ بِوَجْهٍ لِكَثْرَةِ الدَّلائِلِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ ووُضُوحِها فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ دَوَرانِ الأفْلاكِ الَّذِي أتْقَنَهُ ﴿لَكُمُ﴾ أيْ: نِعْمَةً مِنهُ ﴿اللَّيْلَ﴾ أيْ: مُظْلِمًا ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ راحَةً لَكم ودَلالَةً عَلى قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى الإيجادِ والإعْدامِ وأُنْسًا لِلْمُحِبِّينَ لِرَبِّهِمْ ﴿والنَّهارَ﴾ وأعارَ السَّبَبَ وصْفَ المُسَبَّبَ فَقالَ: ﴿مُبْصِرًا﴾ أيْ: لِتَنْتَشِرُوا فِيهِ، حَذَفَ وصْفَ اللَّيْلِ وذُكِرَتْ عِلَّتُهُ عَكْسَ ما فَعَلَ بِالنَّهارِ لِيَدُلَّ ما ثَبَتَ عَلى ما حُذِفَ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يُحْتاجُ إلى أكْثَرَ مِن سَماعِها، قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ﴾ أيْ: لَهم قُوَّةُ المُحاوَلَةِ عَلى ما يُرِيدُونَهُ ﴿يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: لَهم سَمْعٌ صَحِيحٌ، وفي ذَلِكَ أدِلَّةٌ واضِحاتٌ عَلى أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالعِزَّةِ فَلا شَرِيكَ لَهُ، لِأنَّ الشَّرِيكَ لا بُدَّ وأنْ يُقاسِمَ شَرِيكَهُ شَيْئًا مِنَ الأفْعالِ أوِ الأحْوالِ أوِ المِلْكِ، وأمّا عِنْدَ انْتِفاءِ جَمِيعِ ذَلِكَ فانْتِفاءِ الشَّرِكَةِ أوْضَحُ مِن أنْ يُحْتاجَ فِيهِ إلى دَلِيلٍ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُبْصِرُونَ إبْصارَ اعْتِبارٍ ويَسْمَعُونَ سَماعَ تَأمُّلٍ وادِّكارٍ، ولَكِنَّهُ حَذَفَ ”يُبْصِرُونَ“ لِدَلالَةِ ﴿مُبْصِرًا﴾ عَلَيْهِ، ويَزِيدُ ذَلِكَ [وُضُوحًا و] حُسْنًا كَوْنُ السِّياقِ لِنَفْيِ الشُّرَكاءِ، فَهو إشارَةٌ إلى أنَّها لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ أصْلًا فَكَيْفَ بِالِاعْتِبارِ والِافْتِكارِ؟ فالَّذِينَ عَبَدُوهم أكْمَلُ حالًا مِنهم.

68

قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ۖ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَٰنٍۭ بِهَٰذَآ ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

They have said, "Allah has taken a son." Exalted is He; He is the [one] Free of need. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. You have no authority for this [claim]. Do you say about Allah that which you do not know?

ولَمّا لَمْ يَكُنْ شُبْهَةٌ عَلى ادِّعاءِ الوَلَدِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ولا لَهُمُ اطِّلاعٌ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، ساقَ قَوْلَهُ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ﴾ أيْ: تَكَلَّفَ الأخْذَ بِالتَّسَبُّبِ عَلى ما \ نَعْهَدُ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ الَّذِي يَقْتَضِي تَسْمِيَتُهُ بِهِ أنْ يَكُونَ لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، فَلا يَكُونُ مُحْتاجًا إلى شَيْءٍ بِوَجْهٍ ﴿ولَدًا﴾ مَساقَ البَيانِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ [يونس: ٦٦] وهَذا صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ تَعْجِيبًا مِمَّنِ ادَّعى في المَلائِكَةِ أوْ عُزَيْرٍ أوِ المَسِيحِ وغَيْرِهِمْ.

ولَمّا عَجِبَ مِنهم في ذَلِكَ لِمُنافاتِهِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ لِما ثَبَتَ لِلَّهِ تَعالى مِنَ الكَمالِ كَما مَرَّ، نَزَّهَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ عَنْهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ التَّنَزُّهَ كُلَّهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ تَنَزُّهَهُ عَنْهُ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الغَنِيُّ﴾ أيْ: عَنِ الوَلَدِ وغَيْرِهِ لِأنَّهُ فَرْدٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الأبْعاضِ والأجْزاءِ والمُجانَسَةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ غِناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ ولَمّا كانَ سِياقُ الِاسْتِدْلالِ يَقْتَضِي التَّأْكِيدَ، أعادَ ”ما“ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾ مِن صامِتٍ وناطِقٍ، فَهو غَنِيٌّ بِمِلْكِ ذَلِكَ عَنْ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنهُ ولَدًا لَهُ؛ لِأنَّ الوَلَدَ لا يَمْلِكُ، وعَدَمُ مِلْكِهِ نَقْصٌ مُنافٍ لِلْغِنى، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِ: ”ما“ لِأنَّ الغِنى مَحَطُّ نَظَرِهِ الصّامِتِ مَعَ شُمُولِها لِلنّاطِقِ.

ولَمّا بَيَّنَ بِالبُرْهانِ القاطِعِ والدَّلِيلِ الباهِرِ السّاطِعِ امْتِناعَ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، بَكَّتَهم بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم بِذَلِكَ نَوْعُ حُجَّةٍ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿عِنْدَكُمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: حُجَّةٍ ﴿بِهَذا﴾ أيِ الِاتِّخاذِ، وسُمِّيَتِ الحُجَّةُ سُلْطانًا لِاعْتِلاءِ يَدِ المُتَمَسِّكِ بِها؛ ثُمَّ زادَهم بِها تَبْكِيتًا بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أتَقُولُونَ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيرِ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ [عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْلاءِ] ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّ ما لا بُرْهانَ عَلَيْهِ [فِي الأُصُولِ] فَهو جَهْلٌ، فَكَيْفَ بِما قامَ الدَّلِيلُ عَلى خِلافِهِ؛ والسُّلْطانُ: البُرْهانُ القاهِرُ لِأنَّهُ يَتَسَلَّطُ بِهِ عَلى صِحَّةِ الأمْرِ ويُقْهَرُ بِهِ الخَصْمُ، وأصْلُهُ القاهِرُ لِلرَّعِيَّةِ بِعَقْدِ الوِلايَةِ.

69

قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ

Say, "Indeed, those who invent falsehood about Allah will not succeed."

ولَمّا قَدَّمَ أنَّ قَوْلَهم كَذِبٌ، وبَكَّتَهم عَلَيْهِ مُواجَهَةً، أتْبَعَهُ بِما يُشِيرُ إلى أنَّهم أهْلٌ لِلْإعْراضِ في سِياقِ مُهَدِّدٍ عَلى الكَذِبِ، فَقالَ مُعْرِضًا عَنْ خِطابِهِمْ مُؤَكِّدًا لِأنَّ اجْتِراءَهم عَلى ذَلِكَ دالٌّ عَلى التَّكْذِيبِ بِالمُؤاخَذَةِ عَلَيْهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِلَّذِينَ ادَّعَوُا الوَلَدَ لِلَّهِ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهم مِنَ السّائِبَةِ ونَحْوِها: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾

70

مَتَٰعٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ

[For them is brief] enjoyment in this world; then to Us is their return; then We will make them taste the severe punishment because they used to disbelieve

ثُمَّ بَيَّنَ عَدَمَ الفَلاحِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَتاعٌ﴾ [أيْ: لَهُمْ]، ونَكَّرَهُ إشارَةً إلى قِلَّتِهِ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [النحل: ١١٧] وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾ لِأنَّها دارُ ارْتِحالٍ، وما كانَ إلى زَوالٍ وتَلاشٍ واضْمِحْلالٍ كانَ قَلِيلًا وإنْ تَباعَدَ مَدُّهُ وتَطاوَلَتْ مُدَدُهُ وجَلَّ مَدَدُهُ، وزادَ عَلى الحَصْرِ عَدَدُهُ؛ وبَيَّنَ حالَهم بَعْدَ النَّقْلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ الإمْلاءِ لَهم وإنْ طالَ ﴿إلَيْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ لا إلى غَيْرِنا ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ بِالمَوْتِ فَنُذِيقُهم عَذابًا شَدِيدًا لَكِنَّهُ دُونَ عَذابِ الآخِرَةِ ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿العَذابَ الشَّدِيدَ بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَهم ﴿يَكْفُرُونَ﴾ ووَجَبَ كَسْرُ ”إنَّ“ بَعْدَ القَوْلِ لِأنَّهُ حِكايَةٌ عَمّا يُسْتَأْنَفُ الإخْبارُ بِهِ كَما فَعَلَ في لامِ الِابْتِداءِ لِذَلِكَ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.