Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 61–70 of 109

61

وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍۢ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍۢ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍ

And, [O Muhammad], you are not [engaged] in any matter or recite any of the Qur'an and you [people] do not do any deed except that We are witness over you when you are involved in it. And not absent from your Lord is any [part] of an atom's weight within the earth or within the heaven or [anything] smaller than that or greater but that it is in a clear register.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦١ ] ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾

﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ أيْ أمْرٍ ما ﴿وما تَتْلُو مِنهُ﴾ أيِ التَّنْزِيلُ ﴿مِن قُرْآنٍ﴾ أيْ سُورَةٍ أوْ آيَةٍ ﴿ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ تَخُوضُونَ وتَنْدَفِعُونَ فِيهِ ﴿وما يَعْزُبُ﴾ أيْ يَغِيبُ ﴿عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ أيْ نَمْلَةٍ أوْ هَباءٍ ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيْ في دائِرَةِ الوُجُودِ والإمْكانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ كَلامٌ بِرَأْسِهِ، مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ مَكْتُوبٌ مُبِينٌ، لا التِباسَ فِيهِ. والمُرادُ بِالآيَةِ البُرْهانُ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى بِحالِ أهْلِ الأرْضِ، بِأنَّ مَن لا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ كَيْفَ لا يَعْرِفُ حالَ أهْلِ الأرْضِ، وما هم عَلَيْهِ مَعَ نَبِيِّهِ ﷺ؟! وقَوْلُهُ تَعالى:

62

أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Unquestionably, [for] the allies of Allah there will be no fear concerning them, nor will they grieve

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٢ ] ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [ ٦٣ ] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣] [ ٦٤ ] ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٤]

﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ جَمْعُ ولِيٍّ، وهو في الأصْلِ ضِدُّ العَدُوِّ، بِمَعْنى المُحِبِّ، وجازَ كَوْنُهُ هُنا بِمَعْنى الفاعِلِ، أيِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ بِالطّاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهَ هُمُ الغالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] وبِمَعْنى المَفْعُولِ أيِ الَّذِي يَتَوَلّاهم بِالإكْرامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥] الآيَةَ -وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُتَلازِمانِ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ، ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ أيْ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]

﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٦٣] أيْ بِكُلِّ ما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣] أيْ يَخافُونَ رَبَّهُمْ، فَيَفْعَلُونَ أوامِرَهُ، ويَتَجَنَّبُونَ مَناهِيَهُ، مِنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ والفَواحِشِ. ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن أُولَئِكَ وما سَبَبُ فَوْزِهِمْ بِذاكَ الإكْرامِ؟ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والتَّقْوى، المُفْضِيَيْنِ إلى كُلِّ خَيْرٍ، المُنْجِيَيْنِ مِن كُلِّ شَرٍّ، أوِ النَّصْبُ بِمَحْذُوفٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] (البُشَرى) مَصْدَرٌ إمّا باقٍ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ، والمُبَشَّرُ بِهِ مَحْذُوفٌ، أيْ لَهُمُ البِشارَةُ فِيهِما بِالجَنَّةِ، وإنَّما حُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِن آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا﴾ [التوبة: ٢٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] وإمّا مُرادٌ بِهِ المُبَشَّرُ بِهِ، وتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤] أيْ لِمَواعِيدِهِ ﴿ذَلِكَ﴾ [يونس: ٦٤] أيْ بُشْراكُمْ، وهي الجَنَّةُ، ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٤] أيِ المَنالُ الجَلِيلُ، الَّذِي لا مَطْلَبَ وراءَهُ، كَيْفَ؟ وقَدْ فازُوا بِالجَنَّةِ وما فِيها، ونَجَوْا مِنَ النّارِ وما فِيها.

تَنْبِيهٌ:

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أصْلٌ في بَيانِ أوْلِياءِ اللَّهِ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في كِتابِهِ، ورَسُولُهُ في سُنَّتِهِ، أنَّ لِلَّهِ أوْلِياءَ مِنَ النّاسِ، كَما أنَّ لِلشَّيْطانِ أوْلِياءَ. ولِلْإمامِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ تَيْمِيَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، كِتابٌ في ذَلِكَ سَمّاهُ (الفُرْقانُ بَيْنَ أوْلِياءِ الرَّحْمَنِ وأوْلِياءِ الشَّيْطانِ) نَقْتَبِسُ مِنهُ جُمْلَةً …

63

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ

Those who believed and were fearing Allah

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٢ ] ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [ ٦٣ ] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣] [ ٦٤ ] ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٤]

﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ جَمْعُ ولِيٍّ، وهو في الأصْلِ ضِدُّ العَدُوِّ، بِمَعْنى المُحِبِّ، وجازَ كَوْنُهُ هُنا بِمَعْنى الفاعِلِ، أيِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ بِالطّاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهَ هُمُ الغالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] وبِمَعْنى المَفْعُولِ أيِ الَّذِي يَتَوَلّاهم بِالإكْرامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥] الآيَةَ -وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُتَلازِمانِ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ، ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ أيْ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]

﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٦٣] أيْ بِكُلِّ ما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣] أيْ يَخافُونَ رَبَّهُمْ، فَيَفْعَلُونَ أوامِرَهُ، ويَتَجَنَّبُونَ مَناهِيَهُ، مِنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ والفَواحِشِ. ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن أُولَئِكَ وما سَبَبُ فَوْزِهِمْ بِذاكَ الإكْرامِ؟ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والتَّقْوى، المُفْضِيَيْنِ إلى كُلِّ خَيْرٍ، المُنْجِيَيْنِ مِن كُلِّ شَرٍّ، أوِ النَّصْبُ بِمَحْذُوفٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] (البُشَرى) مَصْدَرٌ إمّا باقٍ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ، والمُبَشَّرُ بِهِ مَحْذُوفٌ، أيْ لَهُمُ البِشارَةُ فِيهِما بِالجَنَّةِ، وإنَّما حُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِن آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا﴾ [التوبة: ٢٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] وإمّا مُرادٌ بِهِ المُبَشَّرُ بِهِ، وتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤] أيْ لِمَواعِيدِهِ ﴿ذَلِكَ﴾ [يونس: ٦٤] أيْ بُشْراكُمْ، وهي الجَنَّةُ، ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٤] أيِ المَنالُ الجَلِيلُ، الَّذِي لا مَطْلَبَ وراءَهُ، كَيْفَ؟ وقَدْ فازُوا بِالجَنَّةِ وما فِيها، ونَجَوْا مِنَ النّارِ وما فِيها.

تَنْبِيهٌ:

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أصْلٌ في بَيانِ أوْلِياءِ اللَّهِ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في كِتابِهِ، ورَسُولُهُ في سُنَّتِهِ، أنَّ لِلَّهِ أوْلِياءَ مِنَ النّاسِ، كَما أنَّ لِلشَّيْطانِ أوْلِياءَ. ولِلْإمامِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ تَيْمِيَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، كِتابٌ في ذَلِكَ سَمّاهُ (الفُرْقانُ بَيْنَ أوْلِياءِ الرَّحْمَنِ وأوْلِياءِ الشَّيْطانِ) نَقْتَبِسُ مِنهُ جُمْلَةً …

64

لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

For them are good tidings in the worldly life and in the Hereafter. No change is there in the words of Allah. That is what is the great attainment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٢ ] ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [ ٦٣ ] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣] [ ٦٤ ] ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٤]

﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ جَمْعُ ولِيٍّ، وهو في الأصْلِ ضِدُّ العَدُوِّ، بِمَعْنى المُحِبِّ، وجازَ كَوْنُهُ هُنا بِمَعْنى الفاعِلِ، أيِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ بِالطّاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهَ هُمُ الغالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] وبِمَعْنى المَفْعُولِ أيِ الَّذِي يَتَوَلّاهم بِالإكْرامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥] الآيَةَ -وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُتَلازِمانِ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ، ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ أيْ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]

﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٦٣] أيْ بِكُلِّ ما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣] أيْ يَخافُونَ رَبَّهُمْ، فَيَفْعَلُونَ أوامِرَهُ، ويَتَجَنَّبُونَ مَناهِيَهُ، مِنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ والفَواحِشِ. ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن أُولَئِكَ وما سَبَبُ فَوْزِهِمْ بِذاكَ الإكْرامِ؟ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والتَّقْوى، المُفْضِيَيْنِ إلى كُلِّ خَيْرٍ، المُنْجِيَيْنِ مِن كُلِّ شَرٍّ، أوِ النَّصْبُ بِمَحْذُوفٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] (البُشَرى) مَصْدَرٌ إمّا باقٍ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ، والمُبَشَّرُ بِهِ مَحْذُوفٌ، أيْ لَهُمُ البِشارَةُ فِيهِما بِالجَنَّةِ، وإنَّما حُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِن آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا﴾ [التوبة: ٢٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] وإمّا مُرادٌ بِهِ المُبَشَّرُ بِهِ، وتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤] أيْ لِمَواعِيدِهِ ﴿ذَلِكَ﴾ [يونس: ٦٤] أيْ بُشْراكُمْ، وهي الجَنَّةُ، ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٤] أيِ المَنالُ الجَلِيلُ، الَّذِي لا مَطْلَبَ وراءَهُ، كَيْفَ؟ وقَدْ فازُوا بِالجَنَّةِ وما فِيها، ونَجَوْا مِنَ النّارِ وما فِيها.

تَنْبِيهٌ:

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أصْلٌ في بَيانِ أوْلِياءِ اللَّهِ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في كِتابِهِ، ورَسُولُهُ في سُنَّتِهِ، أنَّ لِلَّهِ أوْلِياءَ مِنَ النّاسِ، كَما أنَّ لِلشَّيْطانِ أوْلِياءَ. ولِلْإمامِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ تَيْمِيَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، كِتابٌ في ذَلِكَ سَمّاهُ (الفُرْقانُ بَيْنَ أوْلِياءِ الرَّحْمَنِ وأوْلِياءِ الشَّيْطانِ) نَقْتَبِسُ مِنهُ جُمْلَةً …

65

وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And let not their speech grieve you. Indeed, honor [due to power] belongs to Allah entirely. He is the Hearing, the Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٥ ] ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾

﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَمّا كانَ يَسْمَعُهُ مِن تَآمُرِهِمْ في إيصالِ مَكْرُوهٍ لَهُ، ومُجاهَرَتِهِمْ بِتَكْذِيبِهِ، ورَمْيِهِ بِالسِّحْرِ ونَحْوِهِ، أيْ: لا تَتَأثَّرُ بِقَوْلِهِمْ، وشاهَدَ عِزَّ اللَّهِ وقَهْرَهُ، لِتَنْظُرَ إلَيْهِمْ بِنَظَرِ الفَناءِ وتَرى أعْمالَهم وأقْوالَهُمْ، وما يُهَدِّدُونَكَ بِهِ كالهَباءِ، فَمَن شاهَدَ قُوَّةَ اللَّهِ وعِزَّتَهُ يَرى كُلَّ القُوَّةِ والعِزَّةِ لَهُ، لا قُوَّةَ لِأحَدٍ ولا حَوْلَ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لِي لا أحْزَنُ؟ فَقِيلَ: إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ، أيِ الغَلَبَةَ والقَهْرَ في مَلْكَتِهِ وسُلْطانِهِ، لا يَمْلِكُ أحَدٌ شَيْئًا مِنها أصْلًا، لا هم ولا غَيْرُهُمْ، فَهو يَغْلِبُهُمْ، ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] وقَوْلُهُ ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ أيْ لِأقْوالِهِمْ فِيكَ، فَيُجازِيهِمُ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ لِما يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ.

66

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ

Unquestionably, to Allah belongs whoever is in the heavens and whoever is on the earth. And those who invoke other than Allah do not [actually] follow [His] "partners." They follow not except assumption, and they are not but falsifying

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٦ ] ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ كُلُّهم تَحْتَ مَلْكَتِهِ وتَصَرُّفِهِ وقَهْرِهِ، لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ ومَشِيئَتِهِ وإقْدارِهِ إيّاهم. وقَوْلُهُ: ﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِما سَبَقَ مِنِ اخْتِصاصِ العِزَّةِ بِهِ تَعالى، لِتَزِيدَ سَلْوَتُهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وبُرْهانٌ عَلى بُطْلانِ ظُنُونِهِمْ وأقْوالِهِمُ المَبْنِيَّةِ عَلَيْها. وفي (ما) مِن قَوْلِهِ ﴿وما يَتَّبِعُ﴾ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّها نافِيَةٌ، و(شُرَكاءَ) مَفْعُولُ (يَتَّبِعُ)، ومَفْعُولُ (يَدْعُونَ) مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ. أيْ: ما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ، شُرَكاءَ في الحَقِيقَةِ، وإنْ سَمَّوْها شُرَكاءَ لِجَهْلِهِمْ، فاقْتَصَرَ عَلى أحَدِهِما لِظُهُورِ دَلالَتِهِ عَلى الآخَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (شُرَكاءَ) مَفْعُولَ (يَدْعُونَ)، ومَفْعُولُ (يَتَّبِعُ) مَحْذُوفٌ، لِانْفِهامِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ يَقِينًا، إنَّما يَتَّبِعُونَ ظَنَّهُمُ الباطِلَ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ، مَنصُوبَةٌ بِـ(يَتَّبِعُ)، و(شُرَكاءَ) مَفْعُولُ (يَدْعُونَ) أيْ: أيَّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ هَؤُلاءِ؟ أيْ: إذا كانَ الكُلُّ تَحْتَ قَهْرِهِ ومَلْكَتِهِ فَما يَتَّبِعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولا تَأْثِيرَ لَهُ ولا قُوَّةَ، إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا ما يَتَوَهَّمُونَهُ في ظَنِّهِمْ، ويَتَخَيَّلُونَهُ في خَيالِهِمْ، وما هم إلّا يُقَدِّرُونَ وُجُودَ شَيْءٍ لا وُجُودَ لَهُ في الحَقِيقَةِ.

ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى انْفِرادِهِ بِالقُدْرَةِ الكامِلَةِ، والنِّعْمَةِ الشّامِلَةِ، لِيَدُلَّ عَلى تَوَحُّدِهِ سُبْحانَهُ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، بِقَوْلِهِ:

67

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ

It is He who made for you the night to rest therein and the day, giving sight. Indeed in that are signs for a people who listen.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٧ ] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيْ خَلَقَهُ لَكم لِتَسْتَقِرُّوا فِيهِ مَن نَصَبِكم وكَلالِكُمْ: ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ مُضِيئًا، تُبْصِرُونَ فِيهِ مَطالِبَ أرْزاقِكم ومَكاسِبَكم.

قِيلَ: الآيَةُ مِن بابِ الِاحْتِباكِ. والتَّقْدِيرُ: جَعَلَ اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَتَحَرَّكُوا فِيهِ لِمَصالِحِكُمْ، فَحُذِفَ مِن كُلٍّ مِنَ الجانِبَيْنِ ما ذُكِرَ في الآخَرِ، اكْتِفاءً بِالمَذْكُورِ عَنِ المَتْرُوكِ. وإسْنادُ الإبْصارِ إلى النَّهارِ مَجازِيٌّ، كَقَوْلِهِ:

؎ما لَيْلُ المُحِبِّ بِنائِمٍ

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الجَعْلَ المَذْكُورَ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ هَذِهِ الآياتِ ونَظائِرَها، سَماعَ تَدَبُّرٍ واعْتِبارٍ.

ثُمَّ شَرَعَ في نَوْعٍ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى:

68

قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ۖ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَٰنٍۭ بِهَٰذَآ ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

They have said, "Allah has taken a son." Exalted is He; He is the [one] Free of need. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. You have no authority for this [claim]. Do you say about Allah that which you do not know?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٨ ] ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ عَنْ أنْ يُجانِسَ أحَدًا، أوْ يَحْتاجَ إلَيْهِ، وتَعَجُّبٌ مِن كَلِمَتِهِمُ الحَمْقاءِ ﴿هُوَ الغَنِيُّ﴾ أيِ الَّذِي وُجُودُهُ بِذاتِهِ، وبِهِ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَيْفَ يُماثِلُهُ شَيْءٌ؟! ومَن لَهُ الوُجُودُ كُلُّهُ، فَكَيْفَ يُجانِسُهُ شَيْءٌ؟! والجُمْلَةُ عِلَّةٌ لِتَنْزِيهِهِ، وإيذانٌ بِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ مِن أحْكامِ الحاجَةِ، إمّا لِلتَّقَوِّي بِهِ، أوْ لِبَقاءِ نَوْعِهِ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِغِناهُ، أيْ فَهو مُسْتَغْنٍ بِمُلْكِهِ لَهم عَنِ اتِّخاذِ أحَدٍ مِنهم ولَدًا ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ أيْ: ما عِنْدَكم مِن حُجَّةٍ بِهَذا القَوْلِ الباطِلِ تَوْضِيحٌ لِبُطْلانِهِ، بِتَحْقِيقِ سَلامَةِ ما أُقِيمَ مِنَ البُرْهانِ السّاطِعِ عَنِ المُعارِضِ، أيْ لَيْسَ بَعْدَ هَذا حُجَّةٌ تُسْمَعُ. والمُرادُ تَجْهِيلُهُمْ، وأنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهم سِوى تَقْلِيدِ الأوائِلِ، واتِّباعِ جاهِلٍ لِجاهِلٍ.

تَنْبِيهٌ:

دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَسْمِيَةِ البُرْهانِ سُلْطانًا.

قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (مِفْتاحُ دارِ السَّعادَةِ): إنَّهُ سُبْحانَهُ سَمّى الحُجَّةَ العِلْمِيَّةَ سُلْطانًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُلُّ سُلْطانٍ في القُرْآنِ فَهو حُجَّةٌ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ يَعْنِي ما عِنْدَكم مِن حُجَّةٍ بِما قُلْتُمْ، إنْ هو إلّا قَوْلٌ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هي إلا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْـزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣] يَعْنِي ما أنْزَلَ بِها حُجَّةً ولا بُرْهانًا، بَلْ هي مِن تِلْقاءِ أنْفُسِكم وآبائِكم. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] يَعْنِي حُجَّةً واضِحَةً. إلّا مَوْضِعًا واحِدًا اخْتُلِفَ فِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ القُدْرَةُ والمُلْكُ، أيْ ذَهَبَ عَنِّي مالِي ومُلْكِي، فَلا مالَ لِي ولا سُلْطانَ. وقِيلَ: هو عَلى بابِهِ، أيِ انْقَطَعَتْ حُجَّتِي وبَطَلَتْ، فَلا حُجَّةَ لِي. والمَقْصُودُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَمّى عِلْمَ الحُجَّةِ سُلْطانًا؛ لِأنَّها تُوجِبُ تَسَلُّطَ صاحِبِها واقْتِدارَهُ، فَلَهُ بِها سُلْطانٌ عَلى الجاهِلِينَ، بَلْ سُلْطانُ العِلْمِ أعْظَمُ مِن سُلْطانِ اليَدِ، ولِهَذا يَنْقادُ النّاسُ لِلْحُجَّةِ ما لا يَنْقادُونَ لِلْيَدِ، فَإنَّ الحُجَّةَ تَنْقادُ لَها القُلُوبُ، وأمّا اليَدُ فَإنَّما يَنْقادُ لَها البَدَنُ. فالحُجَّةُ تَأْسِرُ القَلْبَ وتَقُودُهُ، وتُذِلُّ المُخالِفَ، وإنْ أظْهَرَ العِنادَ والمُكابَرَةَ، فَقَلْبُهُ خاضِعٌ لَها ذَلِيلٌ، مَقْهُورٌ تَحْتَ سُلْطانِها. بَلْ سُلْطانُ الجاهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عِلْمٌ يُساسُ بِهِ، فَهو بِمَنزِلَةِ سُلْطانِ السِّباعِ والأُسُودِ ونَحْوِها، قُدْرَةٌ بِلا عِلْمٍ ولا رَحْمَةٍ، بِخِلافِ سُلْطانِ الحُجَّةِ، فَإنَّهُ قُدْرَةٌ بِعِلْمٍ ورَحْمَةٍ وحِكْمَةٍ، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ اقْتِدارٌ في عِلْمِهِ، فَهو إمّا لِضَعْفِ حُجَّتِهِ وسُلْطانِهِ، وإمّا لِقَهْرِ سُلْطانِ اليَدِ والسَّيْفِ لَهُ، وإلّا فالحُجَّةُ ناصِرَةٌ نَفْسَها، ظاهِرَةٌ عَلى الباطِلِ قاهِرَةٌ لَهُ - انْتَهى-.

﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ …

69

قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ

Say, "Indeed, those who invent falsehood about Allah will not succeed."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٩ ] ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [ ٧٠ ] ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠]

﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ بِاتِّخاذِ الوَلَدِ، وإضافَةِ الشُّرَكاءِ ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ أيْ لا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ أصْلًا. ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا﴾ [يونس: ٧٠] مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَهم تَمَتُّعٌ يَسِيرٌ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: ٧٠] أيِ بِالمَوْتِ ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠] أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ. والآيَةُ لِبَيانِ أنَّ ما يَتَراءى مِن فَوْزِهِمْ بِالحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الفَلاحِ. كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ لا يُفْلِحُونَ وهم في غِبْطَةٍ ونَعِيمٍ؟ فَقِيلَ: هو مَتاعٌ يَسِيرٌ في الدُّنْيا، ولَيْسَ بِفَوْزٍ بِالمَطْلُوبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

70

مَتَٰعٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ

[For them is brief] enjoyment in this world; then to Us is their return; then We will make them taste the severe punishment because they used to disbelieve

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٩ ] ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [ ٧٠ ] ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠]

﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ بِاتِّخاذِ الوَلَدِ، وإضافَةِ الشُّرَكاءِ ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ أيْ لا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ أصْلًا. ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا﴾ [يونس: ٧٠] مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَهم تَمَتُّعٌ يَسِيرٌ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: ٧٠] أيِ بِالمَوْتِ ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠] أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ. والآيَةُ لِبَيانِ أنَّ ما يَتَراءى مِن فَوْزِهِمْ بِالحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الفَلاحِ. كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ لا يُفْلِحُونَ وهم في غِبْطَةٍ ونَعِيمٍ؟ فَقِيلَ: هو مَتاعٌ يَسِيرٌ في الدُّنْيا، ولَيْسَ بِفَوْزٍ بِالمَطْلُوبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.