قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الآية، قال أبو علي: الجار في قوله: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ متعلق بمضمر استغني عن ذكره لدلالة ما تقدم من قوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ﴾ عليه، كما أن قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس: 91] يتعلق الظرف فيه بمضمر يدل عليه ما تقدم ذكره من الفعل، وكذلك قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ اهـ. كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 280. [يونس: 51] معناه الآن تؤمنون، ودل عليه: ﴿أَثُمَّ إِذاَ مَا وَقَعَءَامَنُم﴾ [يونس: 51]، ونحو هذا قال ابن الأنباري، فقال هكذا في جميع النسخ.: (الباء الأولى في الآية خبر لاسم مضمر، وتأويله: هذا الشفاء وهذه الموعظة بفضل الله، خذف الاسم وأبقى خبره) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 41..
ومعنى الإضافة في قوله: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾، قال بعض أهل المعاني: الفضل هاهنا موضع الإفضال، كما أن النبات في موضع الإنبات في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: 17]، والمعنى بإفضال الله لم أقف عليه عند أهل المعاني، وقد ذكره مختصرًا في "تفسيره" 2/ 298.، ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى الملك، كما يضاف العبد إلى الله بمعنى أن مالك له.
وقوله تعالى: ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ أعاد الجار على الأصل كقوله [[البيت لرؤبة في "ديوانه" ص 161، وبعده:
بك المها من مطفل ومشدن
وكتاب سيبويه 2/ 188، و"المحكم" 5/ 343، و"اللسان" (بخدن) و"الجمهرة" (1116).]]:
يا دار عفراء ودار البَخْدَنِ
وكقولهم: مررت بأخيك وبأبيك، وهذا مما سبق بيانه قديمًا، ومعنى الآية على ما ذكرنا: جاءتكم هذه الموعظة وهذا الشفاء -ويعني به القرآن- بإفضال الله عليكم، وإرادته الخير بكم، ثم قال: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أشار بذلك إلى القرآن؛ لأن المراد بالموعظة والشفاء القرآن، فترك اللفظ وأشار إلى المعنى. وقال ابن الأنباري: (ذلك) إشارة إلى معنى الفضل والرحمة، تلخيصه: بذلك التطول في (ج): (التطويل)، وهو خطأ، والتطول: التفضل. انظر: "القاموس المحيط" (طول) ص 1026. فليفرحوا "زاد المسير" 4/ 41..
قال أبو علي: الجار في قوله ﴿فَبِذَلِكَ﴾ متعلق بـ (ليفرحوا)؛ لأن هذا الفعل يصل به، يقال: فرحت بكذا، والفاء في قوله: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ زيادة زيادة المبني تدل على زيادة المعنى، وليس في القرآن زيادة لا فائدة لها، ولعل أبا علي وسائر النحويين يقصدون بالزيادة عدم تأثير حذف ما قيل بزيادته من الناحية الإعرابية، وقال الزركشي: ومعنى كونه زائدًا أن أصل المعنى حاصل بدونه دون التأكيد، فبوجوده حصل فائدة التأكيد، والواضع الحكيم لا يضع الشيء إلا لفائدة. "البرهان في علوم القرآن" 1/ 74. كقول الشاعر [[هو النمر بن تولب، وصدر البيت:
لا تجزعي إن منفسًا أهلكته
انظر: "ديوانه" ص 72، "خزانة الأدب" 1/ 314، "شرح أبيات سيبويه" 1/ 160، "كتاب سيبويه" 1/ 134، والمنفس: الشيء النفيس. والشاعر يخاطب امرأته لما لامته على إنفاق ماله على ضيوفه. انظر: "الخزانة"، شرح الأبيات نفس الموضعين السابقين.]]:
وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
والفاء في (فاجزعي) زيادة، كما كانت التي في قوله: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ كذلك "الحجة للقراء السبعة" 4/ 281 بتصرف.، هذا الذي ذكرنا مذهب النحويين في هذه الآية انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 65، "البحر المحيط" 5/ 171 - 172، "الدر المصون" 6/ 224..
ومذهب المفسرين غير هذا، فإن ابن عباس رواه عنه ابن جرير 11/ 125، وابن أبي حاتم 6/ 1959، وهو صحيح من رواية ابن أبي طلحة.، والحسن رواه عبد الرازق في "تفسيره" 2/ 2/ 296، وابن جرير 11/ 125، وذكره ابن أبي حاتم 6/ 1959 بغير سند.، وقتادة رواه ابن جرير 11/ 125، والثعلبي 7/ 17 أ، والبغوي 4/ 138.، ومجاهدًا المصادر السابقة، نفس المواضع.، وغيرهم [[منهم هلال …